أربع مقالات كتبها طه حسين في صيف عام ١٩٢٣
Four articles written in the summer of 1923.
Education and culture, preservation of heritage
التعليم والثقافة، حفظ التراث
من باريس
العلم والثروة
هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغى أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم اغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيرا ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل . ثروتهم مقصورة على اجسامهم فان وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه . تمس العجبة والخيلاء . لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الاعانة على الخير .
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين . لا ينتفعون بثروتهم أحياءاً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم . هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل . يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى ابنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر ابناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال .
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم فى الحق فقراء معوزون ! .
وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر . وأدناهم إلى الغني حقا لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم . فهم يتمتعون بالثروة حقاً ، بجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل . بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت . ينفعون وينتفعون . ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة . وإنما هم ، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغى أن يستمتع بها الناس جميعا كل على القدر الذى يتاح له . هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب . وإنما يشترون بها أيضا الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت . ليسوا أنعاما ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون . ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الأنسان والترفيه عليه .
أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلا أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم . وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمس عشر مليونا . وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وانها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه . وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه . وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنك في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب . وإن رجلا ترك لها نصف مليون . وأن أستاذا في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكا لإعانة طلبة التاريخ الحديث . وأن امرأة تركت مليونا لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي . وأقرأ فى الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءا من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء علي تأسيس المعامل العلمية المختلفة . بل اقرأ ما هو أغرب من هذا . اقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم فى جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها . واقرأ فى الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغى أن يمنحهم . هذا الجود وهذا البذل اللذان اشرت اليهما فى أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى . وآية ذلك ما وصلت اليه فرنسا من الرقى العلمى لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوربا بعد .
كتبت في غير هذا المقال منذ اشهر أن العلم مهما اشتد غناه و عظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضى فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون . هذا في فرنسا . أما فى مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء . ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر . فليس لمصر علم وإنما هى فى علمها عالة على أوربا وأمريكا تستعير منهما كل شيء . وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ماهي في حاجة اليه أو جزءاً موفوراً مما هي فى حاجة اليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة اليه لتعيش . أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحلى و إلى اللباس وبديع الاداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل . هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر فى مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها . نعم . نحن أغنياء أجواد إذا احتجنا إلى متاع الدنيا . فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يعد له فقر . هناك علوم مزهرة في أوربا وأمريكا ونحن لا نسمع بها فى مصر إما لأننا لا نحاول ان نسمع بها واما لأننا نضع اصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى ان ننفق المال في جلبها إلى بلادنا . ولكنى واثق بان لونا من الوان البدع فى الحلى أو الملابس أو السيارات أو الازرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه . والنتيجة اننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخر لباسا وزينة من أغنياء باريس ونيويورك ولندرا فاذا رآنا الأوربى خيل اليه اننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيرا مما يلبس و نزدان كما يزدان بل خيرا مما يزدان ، ونتصرف فى فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بان وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئا يشبه الفناء . وماذا تريد من قوم يجلبون من اوربا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فاذا ذكر العلم والادب والفن هزوا الرؤوس والكتاف . بل هم يفعلون شرا من هذا . فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه . لا يرونه ولا يشعرون به ، ويحسه الأوربيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون اليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس وأشتاق إلى ما يشتاق اليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر فى باريس أو لندرا أو برلين يا للخزى ! بل قد يحتاج إلى ان يبحث عن مصر في أثينا !!! .
لقد قلنا هذه الاشياء وقلنا وسنقولها ونقولها . فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد . اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون . فأما القادرون على أن ينفعوا . فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل . وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب فى هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلانا على أن يقول : لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها . رأيت ثوب فلان فراقنى ولاصطنعن مثله . فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالما مصريا أو أديبا مصريا أو فنيا مصريا يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لاغنيائنا على بال . ولقد أكتب هذه الكلمة وانا أثق الثقة كلها بأن كثير من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعى لأنه يحدثهم بما لا خير فيه
لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت . ولقد أظهر اغنيائنا ميلا شديدا إلى تأييد هذه الجامعة واعانتها لأن ذلك كان بدعا يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا . لا تذكر الحرب فان الحرب لم تسئ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيما منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حبا للعلم وتشجيعا للعلم واعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيء فقد اتاح لها العلم أن تنتصر . أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم اضعافا مضاعفة فلم يزدهم ذلك إلا ضننا وحبسا للمال عن وجوه الخير وتهالكا على اللذات المادية . والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيميه الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات . أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بالفي جنيه قبل ان تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليونا ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الاعانة ! وكانت وزارة الاوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قبل النظام الجديد نقصت هذه الاعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه . ولست أدرى افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية ؟ ثم نحن نطلب الاستقلال تزعم ان ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به . وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحلى وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا اليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه . يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن بئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان . ويقيننا ان هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الاغلاط المنكرة . لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت اليه حال التعليم فى مصر من ضعف وفساد . ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب .
طه حسین
باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
السياسة ، 22\5\1923 .
مسألة التعليم
ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين . وإنما المسألة هى أن نعلم لم ندرس العلم . ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه . على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى اليه هذه المسألة . فلو انك سألت وزارة المعارف لم تدرس العلم فى مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين . أحدهما يصدر عن الانجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة . أما الانجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه . تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون : وهو انا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالا صغاراً يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الانجليز . واذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة . القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلا وقليلا جداً من القلة بحيث لا يسمح لنا ان نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين .
القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردى أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار .
هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى اليها الإنجليز في وزارة المعارف : يجب أن نعلم قليلا وان نسئ علم هذا القليل . يجب إلا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئاً على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية . بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف فى الحياة . فاذا عنى بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الانجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل . هذا جواب الإنجليز . وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغى أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قوى خليق بالاستقلال قادر عليه .
أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الاحيان غير موجود . فكثير جدا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى انفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات . يعملون ليتقاضوا اجورهم . يعملون ليعيشوا . وهم معذورون فقد كان سلطان الانجليز قويا شديد الأثر فى نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا . خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلى طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الاصول التي ينبغى أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية . وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم واغراضه ولكن هناك شيئا لا أدرى ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بينه لهذا التفكير . ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين انجليزى مستعمر و مصرى خاضع أو متهالك على الخضوع . ثقيل جداً هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح . فهو مضطرب حائر ليس له رأى أو له رأى لا يكاد يتبينه . وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون فى الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الانجليز والاستئثار بمناصبهم . ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الانجليز . ذلك أن الانجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد أن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فاذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون فى اصلاح التعليم .
هذه فيما اعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف ، في إصلاح التعليم وهى أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قوما آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها . قد تسأل عن غاية التعليم قوما هم المعلمون . وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال . ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقساما كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون اقساما مختلفة . فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم فى أمته . فيفكر ويقرأ ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه . ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان . يريد. أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش . ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة . ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه فى الديوان . يستعمر أكثر مما يعلم . والأمر غير واقف عند هذا الحد . فان هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الانجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون . هم خاضعون لهذه النظم والقوانين . فهم أقل الناس حظا من حرية الرأى . يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا . يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم أن أعلنوا أراءهم أو نشروا شيئا من افكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون . واذن فاليأس أسرع اليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى الآن يعملون في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون . هم خاضعون لهذه النظم . وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويراً رديئا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها ، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون اليها حق السعى ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين . فاذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعا حينا وساخراً حينا آخر : غاية التعليم هى شيء شاق . شاق جداً . هي أن ينجح الطلبة في الامتحان . فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه . هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر . نستغفر الله ! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تلقى نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين . بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابا واحداً : غاية التعليم هى أن أنجح فى الامتحان . هى أن احصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانا من دواوين الحكومة والتي تكفل لى التفوق على غير المتعلمين . كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف . وكذلك يجيبك المعلمون . وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة . وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة . وكل هذه الاجوبة علي اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين : أحدهما ان الذين يعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم .
والثاني ان الانجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم فى أنفسنا صورة ما . ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرا وجوا أن يحب كما يقول الفرنسيون وإنما هى ان لم يكن يسيراً كل اليسر فليس عسيرا كل العسر .) لم نتعلم ؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها . فهناك التعليم الأولى . وهناك التعليم الثانوى . وهناك التعليم العالى . وهناك التعليم الفنى . وقد تشترك كل هذه الأنواع في انها نافعة مكونة للعقل الانساني . منمية للملكات الانسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية . قد تشترك كل هذه الأنواع فى هذه الأغراض وما يشبهها . ولكن يخيل الينا ان لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضا يجتهد في الوصول اليه .
ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمى ملكاته المختلفة . ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء . بل ان هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير فى شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه . الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الاخلاق وهذه الملكات . وهذه الصورة نفسها يجب أن ينظر اليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص : أحدهما انك تريد أن تكون رجلا وأن تمنحه من التعليم سلاحا يمكنه من النضال في الحياة . الثانية انك تريد أن تكون فرداً من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائما لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو اليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع . أنت اذن فى المدرسة الأولية مكلف أن تنظر الي هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالا شديداً . فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد . وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية . واذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفراداً قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة .
ولقد نعلم ان هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل . ولقد نعلم ان هذا كله غامض
يحتاج إلى التوضيح . وليس التفصيل علينا عسيراً . وليس التوضيح علينا شاقا . ولكننا نريد ان تجتنب الاطالة . فنكتفى بمثل واحد نعتقد انه يفصل هذا الرأى ويوضحه.
علام تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على اننا أمة قد سلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود . فاذا استردت هذه الحقوق واثبتت هذا الوجود السياسى فهى تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا إلى الوجود وسيلة إلى الرقى السياسي وغير السياسي . وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو ان تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصا على استرداد هذه وأثبات هذا . فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصرى يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصرى بأن له وطنا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقا سياسية أو وجوداً سياسياً . ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد . فان لنا في الحياة آمالا ولنا فى الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال . فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه المال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ فى هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب . نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية . نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال . نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بينه قوية . فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة . نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبا تصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون . ومن هنا لا نجد سبيلا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه . ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية .
هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه . فإذا انتقلت من التعليم الأولى إلى غيره من أنواع التعليم تعقد هذا الغرض وتنوع . ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال .
طه حسین
(*) السياسة ، ٢٢ يونية ١٩٢٣ .
مدرسة اللغات القديمة ايضا
بين يدى الآن التقرير النهائى للجنة الجامعة الحكومية . اقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة . وكانت وزارة المعارف قد الفت الدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان اعضاء هذه اللجنة الاستاذ المسيو لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والاستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثرى الفرنسى فى مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة على بك بهجت مدير دار الآثار العربية
أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار فى جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة علي أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد . وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الالسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار .
الحق أنى لم اكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانا وتثبيتاً واغتباطا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فنى وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية . ازددت اذن ايمانا وتثبيتا واصراراً على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسما للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا . تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس القراءة الآثار ، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثار كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم . فلابد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصرى سواء من هذه الآثار ما كتب ومالم يكتب . والغريب في هذا الامر ان صاحب السعادة كمال باشا امضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار . وهو مع هذا الامضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذى نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير . وان كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط فى شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه . فهى تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية . وإذن فهى تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية . وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها . ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضى إلى الأمام غیر معنية بحق ولا منفعة وانما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده .
نعم ان وزارة المعارف تخطئ الطريق وهى تعلم انها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف الى نتيجة . وهى الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت ، وتعيدها فى طريقة أوسع وأشد تعقيداً . فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل فى اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية فى تجربتها الأولى . وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين . وفى الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت اليه آنفا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاق ناقص ولكنه مضطر اليه لأن وجود الاساتذة ليس بالشيء اليسير . ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير .
أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذى أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذى هو كمال باشا مرتب استاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبا لا يتجوز مائتي جنيه . أما استاذ الهيروغليفية ( كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون استاذا ومشرفا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف . وكنت أظن أم وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم اليه استاذا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة . كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته . وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الاستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الاستاذ فنه لمصلحة مصر . ولكننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر . واذا أراد الله شيئا فلا مرد له . غير أني أزعم شيئا آخر ، أزعم أن السياسة «الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة ، الدنلوبية امتازت وستمتاز دائما بشيئين : أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة . تتصور الأشياء منقوصة . تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها . وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعنى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة . الثانى أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف . تريد أن تحتكر كل شيء . تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد و لا تصلح . هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره . واليك البيان :
لا التمس هذا البيان بعيداً وإنما أجده فى هذه المدرسة نفسها . فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة . فأنشأت ثوبا شديد القصر جدا . شديد الضيق جداً يلبسه من يلبسه فاذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية . واذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل . تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة أما أن تذعن لوزارة المعارف وأما أن تزول . تنافسها وهى منتصرة فى هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية . واذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية . واذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية فى مدرسة المعلمين طلابا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عند هؤلاء الطلاب فلا يجدهم . واذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها .
لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير ، ويخيل إلى أنه لا يستحق الأعجاب ولا تصفيق الجمهور . ويخيل إلى أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة ، ويخيل إلى أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف . ففى الأمر شيء غريب ! في الأمر أن وزارة المعارف التى تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف فى أركانها وزواياها . فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر . بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد . فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها . ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لانهما يريدان الخير . ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وان تنافسها بأستاذ الجامعة . أليس في ذلك شيء من المهارة السياسة دنلوب» ؟ أليس في ذلك شيء من الخزى السياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجأون اليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت فى ضيق وشدة على سياسة دنلوب وانصار دنلوب
الوزارة اذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة . ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة فى وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف احدى طريقين : فإما أنا تنشئ مدرسة للآثار ، مدرسة كاملة . مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقا ، واما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها . ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية . فهى لا تبحث عن نفع ولا عن خير . وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور .
قلت لك إننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر واذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له » .
طه حسین
(*) السياسة ، ١٢ يولية ١٩٢٣ .
وجه الصواب فى درس الآثار
يوفق الله قوما فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير فاذا هم يسعون إلى المنفعة سعيا سريعا منظما آمنا كل عثار . ويخذل الله قوما فتضطرب عقولهم وتؤخذ عليهم طرق المنفعة ويحال بينهم وبين الحق فاذا هم يتخبطون ، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات ، وإذا هم يميلون إلى اليمين مرة والى الشمال مرة أحرى ، وإذا هم يتحركون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة .
يوفق الله قوما فيهتدون إلى الخير . ويخذل الله قوما فيتورطون فى الضلال . ولست أدرى أيوفق الله وزارة المعارف فى أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضى وزارة المعارف فى هذا الأمر الذى اعتزمته بعد أن قدم الـيها النصح وأشير عليها بالخير ودلت على وجه المنفعة ليس إلا ضربا من ضرو الخذلان . ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو ارشاد المرشد . فان وزارة المعارف لم تنس عصر الحكم الاوتوقراطى ، وعزيز عليها أن تنساه ، وعزيز عليها أن تطمئن إلى النظم الديمقراطية الجديدة . واذن فهى إذا رأت رايا مضت فـيه غير ملتفته إلى ما يقال خيرا كان أم شرا . وان كان العهد بوزارات المعارف الحرة فى البلاد الاخرى إلا تقدم على أمر ذى بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم وربما بالغت فى ذلك فاستشارت الجمهور والصحف . ولكن ذلك فى البلاد الديمقراطية لا فى مصر!
نيأس اذن من وزارة المعارف ونعتقد انها قد تمضى فيما تريد . ولـكنا لا نيأس من البرلمان ، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيرد وزارة المعارف إلى طريق القصد وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق . وليس من المنفعة ولا من الحق فى شق أن يكون فى مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان ، وأغنى متحف لتاريخ مصر فى العصر الاسلامى ، وألا تكون فى مصر مدرسة نافعة منتجة حقا تدرس فيها هذه الآثار المخزونة فى المتاحف والمنبثة فى أقطار البلاد. ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملا مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار . فـاذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» فى باريس أو إلى المتحف البريطانى فى لندن أو إلى غيرهما من المعاهد فى فينا وبرلين .
ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة . فاذا أشتد الحا مصر فى أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تلقى فى مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تفيد ، ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة ، وإنما الحق والمنفعة أن تقدر وزارة المعارف حاجه مصر ومنفعة مصر وكرامة مصر ، وأن تنشئ هذه المدرسة التى تستخزى مصر بأنها غير قائمة فيها ، والتى أن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلفها من النفقات شيئا كثيرا .
تعنى وزارة المعارف فى مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصرى ويقومون فـيه بشوع من التمرين وسيسيحون فى أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها . ولكنا نلفت وزارة المعارف ألى أن هذه الزيارات لن تنفع لأنها لن تكون من الاطراد والاستمرار بحيث تمكن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرا أثرا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التى تعلمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها . وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيها إ!! وهو مقدار لا يكفى لسياحة فرد واحد فى مصر العليا أثناء الشتاء فيكف بطلبه كثيرين واستاذ كثير الحاجات ! ولكن في الأمر ما هو شر من هذا . فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبا وهى العناية بالآثار العربية الإسلامية . العناية بما فى دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة فى أقطار مصر وغير مصر والتى يتقن الاوربيون العلم بها نختلف نحن اليها كثيرا دون أن نعرف من أمرها شيئا ، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التى تمثل تاريخ الاسلام وحظ دول الاسلام من الحضارة والرقى الفنى . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربى والآثار الاسلامية؟ وماذا أعدت وزارة الـمعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك فى انشاء مدرسة أو قـسم في مدرسة المعلمين تدرس فيه هذه الآثار ويخرج لنا طلابا يشعرون بان هناك نقوشا عربية عن الأوربيون بجمعها وتفسيرها وتجهلها نحن الجهل كله؟
لم تفكر وزارة المعارف فى شيء من هذا وما كان لها أن تفكر فى شيء من هذا ، فهى كما قلت لك أمس ضيقة التصور ترى الشع من وجه لا من وجهين ولا من وجوه . ولو أن الله وفق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى انشاء مدرسة الآثار التى تدرس الأثار المصرية الفرعونية وآثار مصر ايام اليونان والرومان وأثار مصر فى العصر الاسلامى ، والتى لا تمضى عليها أعوام حتي تتجاوز الآثار المصرية إلى الأثار الاخرى السامية والى الآثار الاخرى عير السامية فتصبح معهدا من المعاهد الاثرية المعدودة فى العالم كما ينبغى أن يكون الأمر فى مصر التى التقت فيها الحضارات المختلفة والتى لا يعرف العالم القديم تاريخا إلا وله فيها اثر ما . ولكن وزارة المعارف أضيق تصورا من أن تدخل فى رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة . وليس في الأمر شع من الغرابة . فانت لا تجنى من الشوك العنب ، وليس ينبغى أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين . وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار . وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها . والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لمالا نتقن . ولو أن فى مصر ادارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك الف ” لا مره حسنت هذه الادارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذا نافعا مفيدا . لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد .
حدثنى وزير المعارف حين زرته أخيرا أنه يفكر فى انشاء ادارة الفنون ، وأنه قد كتب فى ذلك تقريرا سيرفعه إلى الحكومة . فاذا كان هذا حقا ، وما نشك فى أنه حق ، فما بال المعارف يبنى أعلى البيت قبل أن يبنى أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجه همه وزير إلى انشاء هذه الادارة قبل كل شع؟ فاذا تم تكوينها واستقلت بأمورها عن المهندسين والمشرفـين على تنظيم المبانى وتوزيع الصدقات كلفت هذه الادارة أن تنشع ما تحتاج اليه من المدارس ومعاهد البحث . أليس هذا هو الخير؟ اليس هذا هو الصواب؟ بلى ! هو الخير وهو الصواب . ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعى إلى الخـير أو إلى الصواب
صدقنى يا معالى الوزير أن الحق عليك لمصر أن تنشى أولا ادارة للفنون ومن الآداب تجمع للمتحف المصرى ودار الآثار العربية ودار الكتب المصرية والاوبرا الملكية ومدارس الفنون على اختلافها . فاذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين فى انشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية .
هذا هو الحق وهذه هى المنفعة . فانصرف إلى الحق والى المنفعة ولا تخدعنك هذه المشروعات التى ليست فى حقيقة الأمر إلا الفاظا خلابة براقة دون أن يكون وراءها نفع ولا غناء .
طه حسين
١ – السياسة ، ١٣ يولية ١٩٢٣ ٠