Tag: Israel

  • مقالات من الخمسينيات | From the 50s

    من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ١٩٥٢/٨/٥ .

    حيرة
    وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم فى الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف . ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضى .. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث .
    كان إبطاء مصر فى الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء ..
    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة . وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضى ، ويناقض بعضها بعضا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التى لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعا . ولكن الرد المصرى يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى .
    فقد كان رد مصر محيرا حقا كان موجزا أشد الايجاز واضحا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا تحليلا ، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصرى لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث .
    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب فى تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وأثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أو وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الايجاز يخفى شروطا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفى مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسا لأسداس وأسداسا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات . وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أياما قصارا ويعدونها هم أعواما طوالا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء . وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة .
    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوربى . فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة ، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجرى هذه المفاوضة ، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله الزاما .. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدى هذه اللجنة جنودا وبنودا وسفنا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذى يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمي في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادا للطوارئ وتأهبا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر . أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادا لخطر أى خطر .
    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضاً . يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يملى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يملى عليها فتصب الحرب عليها صبا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمى معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره .
    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون فى الاعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارا أو شيئا يشبه الإنذار . هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون . ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون ، قد أسرفوا على أنفسهم فى الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الاسراف . فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد . بهم
    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم . الروسيون من إثارة الحرب ، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون فى شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون في اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربا أم سلما . هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها . وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع . وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف .
    ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون فى القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبا وفرقا . فهم يرسلون جنودهم تخويفا وإرهابا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل . كأنهم لم يروا شيئا ولم يسمعوا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث . لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك فى الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفى أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم ، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء فى شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد . وهم واثقون بأن المحافظين فى فرنسا وبريطانيا العظمي لن يغفروا لهم تقصيرا فى خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجا وعجيجا وتهويشا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم أن فرضوا عليها الحرب .
    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم . قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدى الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون فى أن يملأوا قلوب المصريين فرقا ورعبا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطانى الفرنسى وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة ، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار ..
    طه حسین
    الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦ .  

    مجنون
    لم يتحدث أحد عن خزى الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التى لا تكاد تحصى ، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض ، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها . ولا نعرف هيئة فرنسية برئت من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني . وقد أظهرت المحاكمات التى لم تنقض بعد إن هذا الخزى كان متغلغلا فى طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي . شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة فى الجيش وكان أحدهم يحاكم منذ أسبوعين اثنين ، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة فى نفس الحكم لسبب ما . وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير الجامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه ، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوى أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى ، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال ، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا وقد لقى كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أهدرت شخصيته فحرم حقوقه السياسية والمدنية جميعا ، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلا أو كثيراً وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة وقد صور هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية ايضاً . فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم فى فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صوراً مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة أقل ما توصف به إنى لا أستطيع أن اذكرها في هذا الحديث .
    وما أنس فلن أنسى ما قرأت فى بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دعى إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائداً ألمانياً عظيماً . وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئاً فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير . قالت : لا ننتظر الآن الا قاهرنا الجميل . وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس له وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقى إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثا .
    كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزياً ونكراً . وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزى . ولكن آخر من ينبغى أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأ هذا الخزى فى نفوسهم عقداً منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها وإلى هذه العقد التي أنشأها الخزى في نفوس الفرنسيون ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة .
    فحرب الهند الصينية ليست إلا أثراً من آثار هذه العقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصراً يحررهم من خزى نفوسهم . فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزياً جديداً أضيف إلى خزى قديم . وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثراً من آثار هذا الخزى . حاول الفرنسيون أن يجدوا في أثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزى الضمائر . ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارا . فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزياً وعاراً يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار . فهذه مراكش قد تحررت وهذه تونس قد تحررت أيضاً بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان . وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسى من الخزي والعار . وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثراً من آثار ذلك الخزى . حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب . فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجرى مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون فى حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم باساً وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال وهم لم يجنوا هذا كله فحسب وإنما جنوا من جريمتهم هذه انحراف العالم عنهم وازدراء الأمم المتحضرة لهم وحكم هيئة الأمم المتحدة عليهم .
    فأى غرابة بعد هذا كله فى أن يقوم رئيس وزرائهم مقامه ذاك في الحفل الذي دعاه إليه اتحاد الصحافة الإقليمية الفرنسية . فهذا بهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس ، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء . . .
    فر الضباط أولاً وفر الجنود ثانياً وأذعن شعب بورسعيد أخيرا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام .
    وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه فى الإثم وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتا يسخر منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن هم جيشه أن يتجاوز مكانه . وأطال المقام في هذا المكان . وما بال الشعب المصرى ، ما زال ثابتاً يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على رغم فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وسأل الصديق سامى داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق ولست أدرى فيما يسأل الصديق وفيم يبحث وليس فى اللغة العربية ولا فى غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهى إنه مجنون .
    طه حسین
    الجمهورية ١٢ نوفمبر ١٩٥٦ .