Tag: Intellectual oppression

  • جامعة القاهرة والحرية الأكاديمية | Cairo University and Academic Freedom

    استقلال
    ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
    إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
    وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
    وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
    فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
    فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
    وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
    وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
    زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
    فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
    ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
    ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
    كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
    أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
    ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
    ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
    ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
    فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
    وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
    فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
    على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
    أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
    إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
    وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
    نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
    كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣

    إذلال
    يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكرة لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث. والسياسة مصدر هذه المحنة. فقد أبت إلا أن تتسلط فتجور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتخضع لأهوائها وشهواتها كل شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانا، والتي جعل الله بها للناس كرامة تحفظ، وحرمة تُرعى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، وملكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.
    وقد عرفت الأمم في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل وازدراء كرامته وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.
    أما في ألمانيا فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبطوا الأسفار حتى إذا ما انتهوا إلى ميدان أو ميادين؛ جمعوا لهذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها ثم أضرموا فيها النار فحرقوها تحريقا، وهم في أثناء ذلك فرحون مبتهجون. وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السكر، وتملأ قلوبهم هياما بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيمة.
    يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين، وتقرّه حكومة منظمة تعد نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.
    نعم، وتنفض المجامع العلمية والأدبية والفنية فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب فإن لم يُقصوا عمدًا، سلطت عليهم ظروف قاسية تضطرهم إلى أن يُقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها؛ أقيم مكانهم قوم آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يقدمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء حتى بالعلم والفن والأدب.
    نعم، وفي أثناء هذا كله تُحْظَر كتب مطبوعة على القراء، فلا يجوز أن تباع ولا أن تُشترى، وتعلن أسماء طائفة من المؤلفين قد محي حقهم في التحدث إلى الناس محوا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرؤوهم ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تعرضها للبيع.
    نعم، ولا يتحرج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان ويقول في هذه الخطبة: «لقد آن الوقت الذي تطهر فيه ألمانيا قاذورات العقل».
    تبارك الله، لقد آمن الناس منذ قرون وقرون أن جذوة العقل هي التي طهرت الإنسانية من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمان ينتج القاذورات، ويجب أن تطهر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا، هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة. سخط على الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية مصدره السياسة. سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة.
    ويل للناس من السياسة، لقد طغت عليهم وبغت فيهم حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.
    ومن قبل ذلك أُذل العقل في روسيا، فشُرد العلماء والكتاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا، وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى ما وصلت إليه في روسيا أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحسن والرقي، ولا من الأمن والدعة بحيث يُغبطون عليها أو يُهنَّؤون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علم وأدب وفن لسلطان الفاشية وإلا أصابه الإذلال وتعرض لضروب من الشدة وصنوف من الحرمان!
    يجب أن يُقسم الأساتذة والمعلمون يمين الولاء للنظام الجديد في حياتهم السياسية وحدها بل في التعليم أيضا، يجب أن ينزل العقل عن شخصيته وأن يكون مرنًا رخوًا، وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة أن يتشكل بها، فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير ففُصلت من الجامعات والمدارس وتفرقت في أقطار الأرض، تفِرُّ بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.
    ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر كتبًا لرجل من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوام طوال، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طلبت إليه، وإذا حياته بين المشقة والعناء بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.
    ولا بد لمصر من أن يُمتحن فيها العقل كما يُمتحن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل لا في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها مهما تختلف عصوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية وإنكار لها، وتبرّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها، قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقوم لا يجدون أمامهم عمالا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره. وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!
    ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها لولا أن هذه البلاد تضرب الناس أمثالا خطيرة، وتغري الناس بما أُغريت به هي بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.
    ليس لأحد أن يتحكم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة؟ أو وقف على شعب دون شعب؟ من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟ كلا ليس العقل ملكًا للألمانيين وحدهم، إنما هو ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا، والتعرض له بالإذلال والتمزيق طغيان على الناس جميعا، فمن حق الناس جميعا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسي.
    ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن، والتي تفتن العقل وتضطهده وتتجاوز في فتنته واضطهاده كل حد، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تحرم ألمانيا حب الأمم الشرقية التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناء شديدًا.
    يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظ من كل ما يقع في أوروبا!
    ظهرت الثورة الديمقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا فجدّت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟ إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا، لا يُعزَى الناس عنه إلا أنه موقوت، يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.
    لقد غيرت نظم الجامعة وقوانينها، وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكر بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه. وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد، وتظهر فيها آثاره السيئة، فيا له من شر، ويا له من نكر، ويا له من ذل لا تبيض له الوجوه!
    هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام فتُقصى عنه كثرة الجامعيين، ويقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شؤون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شر ما يقضي، حتى إذا فرغ من أمره دعا الكثرة الجامعية فجاءت طائعة، واشتركت فيما لا غناء فيه.
    عُرض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا أن يُرقّى جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة فأبى لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًا فاستثناه، لا بالترقية العلمية ولكن بالمال. رقاه درجة الأستاذية ومنحه علاوتين بالاستثناء، كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.
    هلمَّ أيها الجامعيون، تنافسوا في الدرجات وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء، فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!
    ومحنة أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصى عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون.
    ما هكذا يحترم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تهيأ مصر لاحتمال التبعات، ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين. هؤلاء علماء ألمانيا يستذلون، وهؤلاء علماء إيطاليا يستذلون، فلِمَ لا يستذل علماء مصر؟ هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمدت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضى حكومتهم المصرية.
    صنع الله لهذا البلد الشقي، فقد أبى حظه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!
    أما أنا فأقدم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقت إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد أن تطمع في مزيد من السلطان! وأقدم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا، وأي ضيم شر مما هم فيه؟!
    كوكب الشرق ١٨\٥\١٩٣٣

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

    بدعة
    أرأيت إلى هذه البدعة المنكرة التي أخذ يدعو إليها المجددون منذ أمس في طائفة من صحف المساء والصباح؟ ألم تضق بها؟ ألم تتنكر لها؟ ألم تستعد السلطة على الذين يبدعونها ويسرفون في الدعوة إليها؟ إنهم يريدون مصر أن تعدل عن سنتها، وتخرج عن طبيعتها، وتقلد بلاد الغرب، وتسير هذه السيرة الحقيرة التي تضطر أصحابها إلى التواضع والاقتصاد، وإلى أن يقيسوا آمالهم وأعمالهم بحاجاتهم وطاقاتهم، لا بما يصور الخيال ولا بما تمليه الأحلام.
    هؤلاء المبتدعون خليقون أن يحاسبوا حسابًا عسيرًا، وأن يعاقبوا عقابًا ثقيلًا، لأنهم يأبون على مصر الحديثة أن تسير سيرة مصر القديمة، ويريدون لمصر الشرقية أن تسير سيرة الأمم الغربية، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا.
    ينكرون على مصر الحديثة أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة تمتاز بها من بلاد الأرض طولًا وعرضًا وارتفاعًا في السماء، وزينةً وزخرفًا وافتتانًا في البهاء، ويزعمون أن هذا إسراف في أموال الدولة، وأن هذا ظلم لأبناء الشعب، وأن هذا تجاوز للطاقة وتكلف لها لا نقدر عليه.
    ويقولون إن مصر لم تبلغ من الرقي العلمي حظًا يلائم هذا الغلو في الترف، وهذا التهالك على الزينة والمفاخرة بها. وهم يعلمون حق العلم أن آباءنا الأقدمين الذين أقاموا الأهرام وما يشبه الأهرام من هذه العمارات الشاهقة والأبنية الشامخة لم يسألوا أنفسهم عما تتكلفه هذه الآثار الخالدة من النفقات والأموال: أقليل هو أم كثير؟ أثقيل هو أم خفيف؟ ولم يسألوا أنفسهم عن رأي الفلاحين فيما تحتاج إليه هذه الآثار من مال وجهد، أكانوا راضين به أم ساخطين عليه، ولم يسألوا أنفسهم عن ملاءمة هذه الآثار الخالدة لطاقة مصر وحاجتها، وإنما فكروا في شيء واحد، وعملوا لشيء واحد، وهو مجد مصر وعظمتها وتفوقها على سائر بلاد الأرض.
    وقد وفقوا كل التوفيق. فحدثني عن بلد من بلاد الأرض يستطيع أن يفاخر مصر أو يثبت لها بما فيه من الأهرام والمعابد والآثار. وحدثني أليس من الحق أن المعاصرين لبناء الأهرام والمعابد قد شقوا ببنائها، واحتملوا في سبيله البؤس والجهد والضيق؟ ولكننا نحن نفاخر بها ونكاثر ونعجب بها ونتيه. فهم قد شقوا لنسعد، وهم قد ذلوا لنعز، فلم لا يكون حبنا لأبنائنا كحب آبائنا لنا؟ ولم لا نشقى نحن الآن ليسعد أبناؤنا بعد حين؟ ولم لا نبتئس نحن الآن ليتيه أبناؤنا بعد حين؟
    لن نستفيد نحن من قاعة المحاضرات هذه إلا قليلًا، ولكن أبناءنا سيفاخرون بها ويكاثرون، وسيقولون عنا بألسنة ينطقها الحب والإعجاب والفخر: رحم الله هذا الجيل الذي أقام لنا هذا الأثر الخالد، فقد كان يتمثل دائمًا قول الشاعر القديم:
    نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
    أولئك بنو الأهرام، وهؤلاء بنو قاعة المحاضرات. وسيقول أبناؤنا عنا بألسنة ينطقها الحب والإشفاق والرحمة والرثاء: رحم الله هذا الجيل، لقد ذاق أبناؤه ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوى، ليبنوا لنا قاعة المحاضرات، كما ذاق المصريون القدماء ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوع، وعاشوا على الخبز والبصل ليبنوا لنا الأهرام.
    كذلك أراد الله لمصر أن تشقى أجيالها الحاضرة لتسعد أجيالها المقبلة. وليس من شك في أن أجيالنا المقبلة التي ستسعد بقاعة المحاضرات سيتيح لها الله وزارة كوزارتنا القائمة، تدعوها إلى التضحية، وتأخذها بإقامة بناء أو أبنية لا تقل عظمة عن قاعة المحاضرات وعن الأهرام. فمصر مريضة بفن البناء، لأن مصر مريضة بمقاومة الزمان وما يحمل من أعراض الفناء، كما يقول صاحب «أهل الكهف».
    وإذن فلتبنِ مصر ولتبنِ، ولتشْقَ مصر ولتشْقَ، فإن الله قد خلقها للشقاء والبناء معًا. ولتبسط الوزارة يدها على هؤلاء المبتدعين الذين يريدون أن يصرفوا مصر عما كتب الله لها من الشقاء والبناء، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.