Back to homepage

الجيل الضائع | The Lost Generation

القلق الخطر …!
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢١ ديسمبر ١٩٤٧

من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

الجيل الضائع
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

مشكلة اللغات الأجنبية
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٨ يناير ١٩٤٨

عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

بيت آخر
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٨ يناير ١٩٤٨

وهذا بيت آخر تحفظه الأجيال من تلاميذ المدارس، لا تستطيع أن تُفلت منه أو تجد من حفظه مهربًا، وهي من أجل ذلك تنساه أو تحاول أن تنساه حين تتقدم بها السن قليلًا؛ لأنه يذكِّرها بالمدرسة ويردُّها إلى دروس النحو ويُحضر أمامها صورًا مختلفة للمعلمين الذين يتخذون العمائم أو الطرابيش والثياب الضيقة أو الثياب الواسعة، والذين ينطقون في لهجة المتأنقين المتحذلقين أو في لهجة المتحفظين المتزمتين، والذين يُعربون ويعلِّمون التلاميذ كيف يعربون قول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب

ولست أظن أن مصريًّا يحسن القراءة والكتابة، وقد مرَّ بمدرسة من المدارس الابتدائية الأميرية أو الحرة، يستطيع أن يقول إنه لم يلقَ هذا البيت في طريقه أثناء الدرس، ولم يشقَ بحفظه وتكراره وإعرابه، فهو من أبيات النحو الابتدائي التي يرويها المعلمون لتلاميذهم مثلًا وشاهدًا على أن الفعل المضارع ينصب إذا اقترن بفاء السببية بعد أداة من أدوات التمني أو الرجاء. وكنَّا في أيام الصبا نشقى بهذا البيت وأمثاله حين كان المعلِّمون يزعمون لنا أن بين الفعل والفاء «أن» مضمرة لا تستطيع أن تظهر. ومنَّا من كان يسأل نفسه: ما الذي يمنعها من أن تظهر؟! ومنَّا من كان يذهب في هذا الإضمار والاستتار مذاهب مختلفة ويلتمس لها عللًا متباينة، ولكننا لم نكن نفهمه على كل حال. فكان البيت مع ذلك يعجبنا ويرضينا؛ لأنه قريبٌ من أفهامنا، يسيرٌ على أذواقنا، لا نجد في ألفاظه ولا في معانيه مشقةً ولا جهدًا، نحفظه في غير عسر، وننشده في غير تكلف، ونفهمه في غير عناء، ونعجز مع ذلك عن فهم ما كان المعلمون يقولون لنا من استخفاء «أن» هذه بين الفاء والفعل، وحرصها على ألا تظهر أو عجزها عن أن تظهر.

ولست أظن أن مثقفًا مرَّ بالمدارس الابتدائية يستطيع أن يذكر هذا البيت دون أن تظهر على ثغره ابتسامة خفيفة سريعة؛ لما يذكر من عناء المعلمين في الإفهام وعناء المتعلمين في الفهم، وشقاء أولئك وهؤلاء بهذا الحرف المضمر المستخفي في غير حاجة إلى الإضمار ولا إلى الاستخفاء.

وكثير من الناس الذين تقدمت بهم السن، وشقَّت عليهم حياة الكهول وحياة الشيوخ، وأدركهم هذا الضعف الجسمي والنفسي الذي يحول بينهم وبين آمال الشباب ولذاته، ولا يبقى لهم من تلك الآمال وهذه اللذات إلَّا ذكريات مختلفة، ولكنها حزينة تثير في نفوسهم اللوعة على ما فات واليأس مما هو مقبل، والأسف على أنهم لا يستطيعون أن يستقبلوا من أمورهم ما استدبروا، وأن يستأنفوا من آمالهم ولذاتهم ما مضى، فلم يبقَ إلى استدراكه من سبيل.

فهم يتحدثون بما أبلوا في هذا الموقف أو ذاك من مواقف الفرح والمرح والنشاط، ويعجزهم عن أن يبلوا هذا البلاء وعن أن يقفوا هذا الموقف وعن أن يداعبوا أملًا أو يصيبوا لذةً أو يحاولوا نشاطًا؛ تقعد بهم السن ويردهم الضعف عن كل ذلك، فهم لا يستطيعون إلَّا أن يذكروا ويتفكروا ويحزنوا على أنفسهم، ويقولوا في هذه اللهجة البائسة اليائسة:

ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

وهم واثقون في حزنٍ يائس أو يأسٍ حزين بأن الشباب لن يعود في يوم من الأيام، وبأنهم لن يخبروه مما فعل المشيب بقليل أو كثير. وما أكثر ما يودون لو عاد إليهم الشباب أو الصبا، ورأوا أنفسهم جالسين في فصول المدارس الابتدائية أو الثانوية قد أقبلوا على المعلم أو أعرضوا عنه، وهو يفسر لهم معنى التمني والرجاء، ويفسر لهم فاء السببية وواو المعية، ويدلهم على مكان «أن» هذه المضمرة المستخفية التي لا تستطيع ولا ينبغي أن تظهر لا في شعر ولا في نثر؛ لأن النحو قد فرض عليها أن تستخفي في شيءٍ كثيرٍ من الاستحياء، بحيث يفترض وجودها أو يقطع بوجودها دون أن تراها العين حين تقرأ، ودون أن تحسَّها الأذن حين تسمع، ودون أن ينطق بها اللسان حين ينشد. قضيَ عليها أن تحضر وهي غائبة، وأن تغيب وهي حاضرة، وأن تكون أشد استخفاء واستحياء من صاحبة بشار تلك التي يقول فيها:

صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد

ولكني أذكر هذا البيت وأذكِّر به الذين حفظوه ثم نسوه، وهم يودُّون لو عادوا إليه أو عاد إليهم لمعنًى لم يخطر لصاحبه حين أنشأه، ولم يخطر لأحد من قرائه ورواته حين ينشده، ولم يخطر للمعلم حين يفسره ولا للمتعلم حين يشقى بتأويله وتعليله، وهو معنى الندم.

الندم، لا على ما فات من لذات الشباب المادية والمعنوية، ولا على ما ضاع من الآمال والمآرب، ولا على هذا النقص الذي يصيب الكهول والشيوخ حين تتقدم بهم السن، فيعجزون عما كانوا يقدرون عليه حين كانوا يستقبلون الحياة باسمين لها، وحين كانت الحياة تستقبلهم باسمةً لهم، بل على آمال تحققت وقد كان ينبغي لها ألَّا تتحقق، ومآرب قضيت وقد كان ينبغي لها ألَّا تقضى، ومنافع أُدركت وقد كان ينبغي لها ألَّا تدرك؛ لأن في تحقق تلك الآمال نقصًا من نفوسهم، ولأن في قضاء تلك المآرب غضًّا من أقدارهم في أنفسهم وفي أنفس الناس، ولأن في إدراك هذه المنافع ضررًا أي ضرر يصيبهم في أنفسهم ويصيب مواطنيهم في أوطانهم، ولأنهم خطوا حين حققوا تلك الآمال وقضوا تلك المآرب، وأدركوا هذه المنافع خطواتٍ حاسمةً لا سبيل إلى تداركها ولا إلى إصلاح ما نشأ عنها من السيئات والآثام.

انظر إلى ذلك الشاب الذي كان في طور الشباب جذوة من نار، لا يرضى عن شيء ولا يرضى بشيء، وإنما هو ساخط دائمًا طامح دائمًا ناظر دائمًا إلى أمام، مُستَخِفٌّ بما حوله من الأشياء، وبمن حوله من الناس. يرى أن الشيوخ والكهول قد رضوا بالقليل وقنعوا بما لا يقنع به الرجل الكريم، واطمئنوا إلى ما لا يطمئن إليه أصحاب الأنفة والإباء؛ فهو ثائر على الشيوخ والكهول، طامع في أن يجدد كل شيء، وفي أن يثب بنفسه وبوطنه إلى ما لم تستطع الأجيال الماضية أن تبلغ من منازل العزة والكرامة والاستقلال.

وهو من أجل ذلك صريح كأشد ما تكون الصراحة في مخاصمته للقديم وإنكاره للحاضر من حوله، عنيفٌ كأشد ما يكون العنف في مطالبته بالتجديد والتغيير؛ لا يرضى عن السياسة؛ لأنها راكدة خامدة، ولا يرضى عن الثقافة؛ لأنها هامدة جامدة، ولا يرضى عن النظام الاجتماعي؛ لأنه ظالم جائر. وهو لا يطمئن إلَّا إذا خرجت السياسة عن خمودها وركودها ونشطت أعظم النشاط، فضمنت للمواطنين حريتهم في وطنهم، وضمنت لهم حريتهم بالقياس إلى الأجنبي المحتل الغير، ودفعتهم بهذه الحرية إلى أن يجدوا ويعملوا في غير تقصير ولا قصور، لا يبلغون منزلة إلَّا سعوا إلى منزلةٍ أسمى منها، ثم هو لا يرضى عن الثقافة حتى تخرج من همودها وجمودها، وحتى تمتلئ القلوب والعقول علمًا وأدبًا بعد أن مُلئت جهلًا وغفلةً وبلادةً وذهولًا!

وهو لا يؤمن للنظام الاجتماعي حتى يمسه الإصلاح من جميع جوانبه، فتمتلئ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويطعم الجائع ويكتسي العاري، ويصح المريض. كأنه جذوة مضطرمة من نار، يضيق بالسياسة الراكدة والثقافة الجامدة والنظام الاجتماعي الجائر، ويريد أن يتغير من حوله كل شيء. ثم هو الآن وزير أو شيء يشبه الوزير، قد أصاب من المال والمنصب والجاه ما أرضاه، وكان الظن به ألَّا يرضى، وما أغناه وكان الظن به ألَّا يغنى، وما أقنعه وكان الظن به ألَّا يقنع.

فهو راضٍ عن السياسة مهما يكن حظُّها من الركود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الركود إمعانًا؛ لأن نشاطها يضره ولا ينفعه. وهو راضٍ عن الثقافة مهما يكن حظُّها من الخمود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الخمود إمعانًا؛ لأن اضطرام جذوتها يؤذيه ولا يرضيه. وهو راضٍ عن النظام الاجتماعي وإن تهافت الناس من حوله في الموت جوعًا وبؤسًا كما يتهافت الفراش في النار، لا يعنيه أن يمسه نار الإصلاح من أي طرف من أطرافه؛ لأن تطور النظام الاجتماعي إلى العدل لا يتيح له ما يتمنى من اجتماع المال إلى المال وتكدس الثراء إلى الثراء، وثق بأنه لا ينشد ولا يحب أن ينشد ولا يحب أن يسمع هذا البيت:

ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

لأنه يشفق إن عاد إليه الشباب أن يلومه أشنع اللوم وأبشعه، وأن يظهره من التناقض بين حياته الأولى وحياته الأخيرة على ما يقض مضجعه وينغص عليه حياته تنغيصًا، وبماذا تريد أن يخبر الشباب إذا عاد إليه؟ أيخبره بأنه كان يحب الحرية ثم أصبح يؤثر عليها الاستبداد؟ وكان يحب الثقافة فأصبح يحب مكانها الجهل؟ وكان يحب العدل فأصبح يفضل عليه الجور؟!

وذلك الشاب الذي لم يكن يحفل بسياسة ولا بثقافة ولا بعدل؛ لأنه لم يكن يفكر في الشئون العامة، وإنما كان مقبلًا على العلم للعلم، وعلى الفنِّ للفنِّ، وعلى الأدب للأدب، لا يعنيه إلَّا أن يمعن في المعرفة وينتج يومًا ما من الأيام ما ينفع الناس ويرضي حاجته هو إلى الإنتاج. ثم ينظر ذات يوم فإذا ظروف الحياة قد دفعته إلى منصب من المناصب، وعمل من الأعمال العامة، فألقى بينه وبين العلم والفن والأدب أستارًا صفاقًا، لا سبيل إلى رفعها ولا إلى النفوذ إلى ما ورائها. ماذا تريد أن يقص على الشباب إن عاد إليه؟! أتريد أن يقص عليه أنه يؤثر الجهل على العلم، وغلظ الذوق على رقته، وكدر الطبع على صفائه؛ لأن المناصب والأعمال والأموال لا تحب العقول العالمة، ولا الأذواق الرقيقة ولا الطباع الصافية إلَّا قليلًا؟!

كنت أتمنى أن يغري اللَّه بجماعة من هؤلاء الشيوخ جماعة من تلك الهواتف التي تتحدث بها الأقاصيص، فلا يقبل أحدٌ من هؤلاء الشيوخ على نومه حين ينام، ولا يقظته حين يستيقظ، ولا على عمله حين يعمل ولا على كسله حين يكسل، إلَّا سمع هذا الهاتف يلقي في أذنه بصوت يبلغ أعماق نفسه فيهزُّها هزًّا ويملؤها حزنًا وندمًا:

ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading