٢٨ يوليو ١٩٣٣ يا صغيري بالاغوست، لم يكن صحوي عصر اليوم صحوًا رفيقًا بي. فقد دوّى في البيت صراخٌ حادٌّ مفزع، أعقبته سقطةٌ عنيفة، فهببتُ من فراشي أقول في نفسي: لقد ألقى فريد بنفسه من أعلى السطح! وما كان هذا الظنُّ بعيدًا، فإن فريدًا منذ حادثة الملوخية ذات التراب يُنذرني كل يومٍ بكارثة. وثبتُ إلى الباب في لمح البصر، فإذا بي أجد فريدي ممدَّدًا على البسطة، لا حراك به. قلتُ: لا بأس، دوارٌ أو إغماءة، فهذا جزاء من يأكل الديدان والتراب. ولكن الذي كاد يُغمى عليَّ أنا، لا فريد، ما رأيتُه حول جسده الساكن: دبُّك جاثمًا عليه، ومعه ثلاثة دببة لا أدري من أين انحدروا. وكان دبُّك يصيح بصوته الأجش: — لا تفزع يا سيدي، فالأمر من صنيعنا! وقال الآخرون في صوتٍ أرادوا له اللين فلم يُفلحوا: — يا سيدي… يا سيدي… فصحتُ بهم: — دعوني الآن! لننظر في أمر المريض أولًا، ثم نحاسب المذنبين بعد ذلك. فقال مارتان — وهو فيما يظهر خطيبهم: — أما المريض، يا سيدي، فليس من اليسير إفاقته. والأحسن أن تنصرف قليلًا حتى يعود إليه وعيه. وبعد عشر دقائق نكون في غرفتك. أعدك بذلك — شرف الدببة! — ولك عندئذٍ أن تستجوبنا كما تشاء. ثم اختفوا جميعًا. أخذتُ أهزُّ فريدًا، وأرشُّ عليه ماء الكولونيا وماء هليوبوليس، بل والكحول. فتحرّك أخيرًا، فلما سألته عما حدث تمتم: — يا دكتور… خُيِّل إليَّ أن دببةً من قطن — مثل دبِّ مؤنس — تريد أن تلتهمني… لعلها هلوسة! فقلتُ له في وقار الطبيب: — لا بأس يا صديقي. اذهب فاطلب لنفسك فنجان قهوة. والحقُّ أنني كنتُ أشدَّ شوقًا إلى لقاء الدببة من الاطمئنان على فريد. وقد زال خوفي عليه، فهو لم يمت، ولن تُطالبني أسرته بفديته. دخلتُ غرفتي، فإذا الدببة الأربعة جالسون في أدبٍ حول مقعدي، ينتظرونني. جلستُ، ولم أكد أستقر حتى سمعتُ صوت مارتان الأجش يقول: — ها نحن يا سيدي. قصتنا يسيرة. منذ أن قسا السيد مؤنس وارتحل وتركني وحيدًا، جاءني رفاقي الثلاثة — بيدي بيش، وشيري بيد، وديريشيبه — وهم من دببة الحوت، يؤنسون وحدتي ليلًا ونهارًا. يرسلهم إلينا دبُّ الحوت كلما طال بي الشوق. إذا خلونا بأنفسنا لعبنا كما نشاء: نتحدث، ونغني، ونصرخ، بل نرقص أحيانًا. أما إذا حضرتَ، فنحن نُؤثر السكون لئلا نزعجك. ويتحوّل رفاقي — اتقاءً لريبة فريد — إلى ثلاث نملات صغيرات. غير أن السيد فريد نزل منذ قليل، فرأى النمل وأراد أن يبطش بهن. ومن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه، أليس كذلك يا سيدي؟ فعاد رفاقي إلى صورتهم الأولى، وصحنا جميعًا: قِف! ثم سمعنا صرخةً وسقوطًا، فإذا فريد مطروحٌ على الأرض. فأسرعنا إلى إسعافه، ثم حضرتَ أنت. هذه هي القصة. فهل نحن المخطئون؟ إن المسؤول الأول عن ذلك كله هو السيد مؤنس؛ لماذا يتركني وحيدًا؟ لقد طفتُ معه فرنسا، وما كنتُ لأُثقله في الإسكندرية. فقلتُ: — معك حق. ولكن في المرة المقبلة اختاروا صورًا أقلَّ إزعاجًا؛ فإن السيد فريد يخاف كل شيء — حتى النملة! وأما أنت يا مارتان فأعدك بأن مؤنس لن يتركك بعد اليوم فريسةً للوحدة. ولا حاجة إلى أن أقول لك إن حديثنا كله كان بالباليِّنية المشفَّعة بالهاء. ولو سمعنا فريد نتخاطب، لعاد إليه الإغماء مرةً أخرى. إلى اللقاء يا بالاغوست. إن من أحبَّ أصدقاءه لا يتركهم للوحدة: إما أن يصحبهم معه، وإما أن يكتب إليهم بين حينٍ وحين. فاكتب إلى دبِّك رسالةً، تُدخل بها السرور على قلبه. قبِّل أمينة، وغيغيت، عني. وأقبِّلك أنا قبلةً شديدة. بابا
صاحب السعادة، لم يشدَّ لي بابا «الباشِتَّه»، ولكنه شدَّ أذنيَّ! صباح الخير، ولهوًا سعيدًا.
سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر) وزير التربية والتعليم ٢٦ يونيو ١٩٥٣ سعادة رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، إني أحملُ إليكم تأييد بلادي، وتأييد سائر البلاد الإسلامية، تأييداً لكل ما قيل في هذا المؤتمر منذ استهلاله وحتى ساعتنا هذه؛ وهو تأييدٌ أزفُّه إليكم بغير قيدٍ ولا شرط، ذلك أن نهج تفكيرنا هو عينُ نهجكم. فليس ثمَّة خلافٌ بيننا في سبلِ إدراكِ وقبولِ القيم الروحية التي يتعينُ إرساؤها في عالمنا المتمدن الحديث. وإني إذ أقولُ هذا، لا أقوله بصفتي رجلاً من رجال القرن العشرين فحسب، ممن شُغفوا بثقافتكم وحضارتكم وتأثروا بكل ما نهلوه من مَعين المدنية الأوروبية، بل أقوله بصفتي مسلماً؛ فأنا على يقينٍ تام من أن أي مسلمٍ، في أي بقعةٍ من بقاع الأرض، لَو وقف مكاني هذا لَقالَ بالضبط ما أقوله الآن. إن كلمة “إسلام” مشتقةٌ من مادة “السلام”، وهي كلمةٌ ذات دلالةٍ جليلة، ليس في اللغة الإسلامية فحسب، بل في العالم أجمع. فالإسلامُ هو الدخول في السلم؛ وكلُّ مسلمٍ يبتغي أن يكون في سلمٍ مع الله. بيدَ أن الله “عزيزٌ ذو انتقام” في طلبه، فهو لا يكتفي بمجرد الصلح الظاهري، بل يوجبُ أن يكون السلمُ معه استسلاماً مطلقاً له. فكونُك مسلماً يعني أن تستسلم لله، وأن تَهبَه قلبك ونفسك وعقلك؛ أن تَهبَ نفسك لله بغير تحفظ. هكذا يؤمن المسلمون. وهم أبناءُ إبراهيم الذي استسلم لله استسلاماً كلياً، لدرجة أنه حينما أمره بالتضحية المشهورة لم يجد ما ينطق به من قول، إذ لم يكن أمامه إلا الطاعة بغير ترددٍ للأمر الذي أصدره الله إليه. ولم يستسلم إبراهيم وحده، بل طلب من ابنه الاستسلام ذاته، فأطاع الأب والابن معاً: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}. إن الإسلام يعني أن تكون في سلمٍ مع الله، وبالتبعية في سلمٍ مع البشر. ويبدو لي أن الإسلام والمسيحية يلتقيان في هذه النقطة لقاءً سعيداً. فقد كان المسيحُ هو المبشر بالسلام على الأرض بين ذوي النوايا الطيبة، بين الذين استسلموا للأب السماوي ووهبوا أنفسهم لله كلياً. إن الاختلافات بين المسلمين والمسيحيين — فيما عدا القضايا العقدية التي لا ينبغي لغير علماء اللاهوت الانشغال بحلها — لا وجود لها. فنحن جميعاً نفكر بالأسلوب ذاته، ولنا الأهدافُ عينُها من إرساء السلام بين البشر وتحقيق التقدم للعالم. إن كتاب الإسلام المقدس، القرآن الكريم، يتحدث عن المسيحيين والمسيحية، ولن تجدوا في سائر نصنا المقدس كلمةً واحدةً ضدهم؛ أعني ضد المسيحيين الحقيقيين، الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً ويستسلمون لها بقلوبٍ طاهرة. أما ذلك المسيحي الذي لا يعرف من إيمانه إلا الجانب الشكلي فذاك أمرٌ آخر؛ وهذا النمط هو من ينتقده القرآن، لأنه بداهةً لا يعرف الله حق المعرفة، ويقول إن الله ثالثُ ثلاثة. وأنا لا أعتقد أن المسيحيين الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً يقولون إن الله واحدٌ من ثلاثة. والقرآن يتحدث عن صلب المسيح، لكنه يوجه لومه لليهود الذين تفاخروا بصلبه، فيقول لهم القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. ويكفي أن نستشهد بآيات القرآن الموجهة للمسلمين، تلك التي تحارب الكبر وتؤكد أن أقرب الناس مودةً هم أولئك الذين استعدوا لمحبتكم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖيَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. وحينما يقرأ المسلمون هذه الكلمات في القرآن (وهم يفعلون ذلك غدواً وعشياً وخمس مراتٍ في اليوم خلال كدحهم) لا يمكنهم أن يتخيلوا وجود خلافٍ حقيقيٍ بينهم وبين المسيحي، فضلاً عن وجود سببٍ للبغضاء. لقد كان الأب “دانييلو” يقول إنه ينبغي قبول فكرة “الوطن” وقبول الاختلاف بين الأوطان، مع الاكتفاء بقبول هذا الاختلاف بمحبة. وإني لأوقعُ على هذه الكلمات الجميلة للأب دانييلو، وأؤكد أن سائر المسلمين يتعين عليهم التوقيع على هذا الإعلان. ففي بلاد الإسلام، يعيش المسلمون والمسيحيون وغيرهم جنباً إلى جنب. لا يقتصر الأمر على عيش المسيحيين في سلمٍ مع المسلمين، بل إن المسلمين يعيشون في سلمٍ حتى مع غير المسيحيين ومع الأجانب أيضاً. وفي بلدي، لا يعيش الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان واليسوعيون لمجرد العيش، بل يعيشون ليعلّموا؛ فلهم مدارسهم ومعاهدهم التي يعلمون فيها المسيحيين والمسلمين على السواء، حيث يرسل المسلمون أبناءهم لتلك المدارس. إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في وئامٍ تام مع أساتذتهم المسيحيين. كما أن المسيحيين يلتحقون بمدارسنا الوطنية وجامعاتنا، ومن بينهم فلورنسيون أيضاً. لا توجد أي صعوبةٍ في الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وليس هذا في مصر فحسب، بل في سائر البلاد الإسلامية؛ ففي كل مكانٍ نجد التعايش كاملاً. وحينما تتحدثون عن “السلام المسيحي”، فنحن نفهمه على أنه “السلامُ” بغير نعوت؛ لأنه لا يوجد سلامٌ مسيحيٌ فحسب، أو سلامٌ مسلمٌ فحسب، بل يوجد “سلامٌ عالميٌّ وشامل”. فالسلامُ بحد ذاته لا دين له؛ بل بالأحرى له دينُ اللهِ الواحد، وهو “دينُ السلام”. لقد اجتمعنا هنا لنتناقش ونرى إلى أي حدٍ يمكن للصلاة والشعر أن يساهما في إرساء السلام في العالم. وبناءً عليه، فإني لا أعرف ديناً يُعلي من شأن الصلاة، ويُلحُّ على الإنسان أن يصلي ويكون في صلةٍ مستمرةٍ بالله، كالإسلام. وليس هذا لمجرد أن الإسلام يفرض على المسلمين خمس صلواتٍ في اليوم، ولا لأن الصلاة من بين الشعائر الأساسية التي يجب على الإنسان المشاركة فيها، بل لأن الإسلام لا يكتفي بالصلوات الخمس الرسمية، بل يؤكد أن ثمة شكلاً آخر من الصلاة، أهم بكثير من الصلاة الشعائرية: وهي استحضار الله الذي يجب أن يكون حاضراً في رُوح الإنسان، في جميع لحظات الليل والنهار. فالقرآن يأمرُ بإقامة الصلاة الرسمية، لكنَّ الحضور المستمر لله في النفس أهم بكثيرٍ منها. فالقرآن لا يكتفي بالرسم، بل يريد أن يكون ذكرُ الله حاضراً في الرُّوح، ويقدم للمسلمين نماذج من الأدعية، منها على سبيل المثال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖوَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚأَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. وأيضاً: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖبِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖوَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وهناك نماذج عديدة أخرى من هذه الأدعية التي قدمها القرآن للمسلمين ليكونوا على صلةٍ بالله خارج أوقات الصلاة الرسمية. وفي الليل، ندعو الله هكذا (كما ورد في المأثور النبوي): «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ». هكذا يملك المسلمون أدعيةً شتى يناجون بها الله في الصباح والمساء، عند اليقظة وعند المنام، بخلاف الصلاة الرسمية. أما حيال الشعر، فقد اتخذ القرآن موقفاً حاسماً بإدانة الشعراء الغاوين: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. وبناءً عليه، فالقرآن ضد الشعر العابث، لكنه مع الشعر الذي يعلّم الناس الخير ويصدرُ عمن يعملون الصالحات: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}. فالشاعرُ قد يكون مقبولاً في الإسلام شريطة أن يكون رجلَ خير، ينطق بما ينفع من يسمعه ويتعلمه. هكذا يدين الإسلام الشعر المبتذل، لكنه يقرُّ الشعرَ الجدير بهذا الاسم. وللمسلمين، بطبيعة الحال، شعراؤهم؛ فلهم شعراءُ المجون كما هو حال العالم أجمع، لكنَّ لهم أيضاً شعراءهم من أهل الخير، وهم شعراءُ من الطراز الأول. ويمكنكم أن تسألوا علماءكم من المستشرقين، وتستفسروا منهم إلى أي حدٍ يرتبط التصوفُ المسيحي بالتصوف الإسلامي، وكيف تغلغل هذا التصوف في إسبانيا خلال القرنين العاشر والحادي عشر. فالتصوفُ الإسلامي والتصوف المسيحي قريبان جداً من بعضهما، ولهما المناهل ذاتها، وهي “حبُّ الله” و”حبُّ الحق”. فإله المسلمين هو إله المسيحيين، وصلاةُ هؤلاء وصلاة هؤلاء واحدةٌ تقريباً، فيما عدا بعض الشكليات؛ ونحن نتقبل هذا الاختلاف بمحبة. لقد وجد شاعرٌ مسلمٌ تحرر من كل قيدٍ شكلي، ففحص الإسلام ودرس المسيحية واليهودية ودرس دياناتٍ أخرى، ولم تمنحه أيٌّ من هذه الأديان راحة النفس التي كان ينشدها. كان شاعراً عربياً عاش في القرن العاشر، وهو ضرير، وأعني به “أبا العلاء المعري”، الذي قرأ كل شيء، وعاشر المسلمين والمسيحيين واليهود والفرس وغيرهم، وخرج بروحٍ متحررةٍ تماماً من كل شكليةٍ دينية. لكنه لم يستطع أبداً التحرر من التفكير في الله؛ فقد كان يؤمن بالله، إلهاً حكيماً، إلهاً خلق العالم، لكنه لم يستطع فهم “الوحي”. هذا الشاعر، بعد أن طاف بالبلاد الإسلامية، عاد إلى داره واعتزل العالم ومكث في بيته خمسين عاماً (رهين المحبسين) لا يرى إلا تلاميذه، ولا يخرج أبداً. وحرم على نفسه كل لذة؛ فلم يكن يأكل إلا العدس والتين، وقضى خمسين عاماً في هذه الحياة الطاهرة المتصونة والمتسمة بالقداسة حقاً، قداسةٌ رغم إنكاره لكل وحي. لقد قرأتُ صلواتِ هذا الشاعر الضرير، وأعتقد أنها لم تُنشر بعد باللغات الأوروبية، لأنها رأت النور مؤخراً بالعربية، ولا أدري إن كان المستشرقون يعرفونها. لقد كان هذا الرجل يؤمن بالصلاة، بالصلاة الحقة؛ تلك التي لا تُؤدى لمجرد الأداء، أو للتظاهر بأن المصلي يتوجه لله. فالله لا يحب المرائين، ولا يحب الذين يوجهون صلاتهم لغيره. فالله يوجب أن يتوجه المصلي إليه بقلبٍ طاهرٍ تماماً، ويريد منه أن يفحص ضميره قبل الصلاة، ويطهره من كل ما هو سوى الله. وحينما نريد أن نرى إن كانت الصلاةُ والشعرُ وسيلتين فعاليتين لإرساء السلام بين الأمم، فيتعين علينا ابتداءً أن نفحص ضمائرنا لنتبين ما إذا كنا نرتكبُ مظالمَ في حق الآخرين. إن اليوم الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون مستعدين للقاء — ليس بوجوهٍ باسمةٍ فحسب، بل وقبل كل شيء بقلوبٍ وضمائر طاهرةٍ ونقية — ستكون الصلاةُ والشعرُ هما الوسيلةَ الأكثر فعاليةً لإرساء سلامٍ دائمٍ بين المسيحية والإسلام.
Translations by Gemini and ChatGPT and may contain errors.
سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر) ٢٥ يونيو ١٩٥٤ سعادة رئيس البلدية، سيداتي، سادتي، لقد قال لي العمدة “لا بيرا” منذ أيامٍ قلائل، في جملة ما غمرني به من رقيق القول: «ما أجمل العودة إلى الدار بعد طول سفر!». وإني لأحبُّ أن أعتبر نفسي هنا في داري، وأن أتحدث إليكم كحديث المرء في أهله وعشيرته. فنحن جميعاً إنما جئنا هنا بحثاً عن الحق، وطلباً للعدل، وسعياً لأن يحلَّ سلام الله في كل القلوب وبين سائر البشر، ويملأ الأرض خيراً ورخاءً. فما عسانا أن نفعل لنكون أصدقاء، ونتحدث حديث القلوب؟ سأتحدث إليكم بأبسط ما يكون الحديث، وبالنهج الذي أوصى به الله المسلمين؛ إذ يقول سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ{. إني أحمل إليكم أولاً تحية بلادي ودعواتها بنجاح مؤتمركم هذا، بل مؤتمرنا؛ لأن هذا اللقاء الذي يُسمى “مؤتمر السلام والحضارة المسيحية” هو أيضاً مؤتمرٌ للحضارة والسلام الإسلامي. فليس ثمة خلافٌ جوهري بين الإسلام والمسيحية؛ فإلهنا واحد، وإيماننا واحد، وغاياتنا ومُثُلنا واحدة. ومرةً أخرى يوصينا الله بالوحدة فيقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{. إذن فإلهنا واحد، ونحن يدٌ واحدة ضد كل ما يتهددنا. سأتحدث إليكم بالنهج الذي أمرت به الكتب المقدسة، وأقول لكم ببساطة إن سائر المسلمين قد أجمعوا على تأييد مُثُلكم وغاياتكم وطريقتكم في التفكير فيما يخص العدل والسلام. إن أزمة “الوحي” التي تشغلكم اليوم قد شغلت المسلمين منذ زمنٍ بعيد، منذ القرن الثامن للميلاد، حينما واجه المسلمون هذه الأزمة فور ترجمتهم للفلسفة اليونانية واحتكاكهم بالحضارة الإيرانية. وحينئذٍ انفتحت الهوة بين الإنسان وخالقه؛ فالإنسان دائماً ما يداخله الغرور حين يفكر، وحين يتوهم أنه اكتشف جديداً، فيتخيل أنه قد سخر العالم لنفسه، ويظن أن الدنيا في غنىً عن الله، فيضع نفسه في موضع التضاد مع الخالق. إن حلَّ هذه الأزمة يكمن في التوفيق بين الحضارة والوحي. ومع أن الإنسان حاول دوماً إيجاد الحل كلما تطور وترقى، إلا أن غروره كان يزداد بازدياد توهمه للتقدم العقلي. وفي نهاية القرن العاشر وبداية الحادي عشر، برز مفكران مسلمان كبيران؛ أحدهما في سورية، وهو أعظم شعراء الإسلام: أبو العلاء المعري، الذي ثار على الوحي، وزعم أن الأنبياء سبب العداوة في العالم، وأن النبوات خديعة من “شيوخٍ” أرادوا السلطان والمال، وكان يقول: »أفيقوا؛ فما وحيكم إلا مكرٌ وخديعة« . أما الغزالي، فقد سلك مسلكاً عجيباً؛ إذ حاول هدم الفلسفة ليُفهم المسلمين أنهم في غنىً عنها، وأن كل شيء موجود في القرآن. ثم جاء ابن رشد محاولاً التوفيق بين الفلسفة والدين في كتابه «فصل المقال«. بيد أن الفلسفة ازدهرت في الأندلس ازدهاراً عظيماً بفضل الأساتذة وترجمة الكتب إلى اللاتينية. وفي المغرب، خاض المسلمون معركةً ضارية ضد الفلسفة وأحرقوا كتبها. ويروى عن فيلسوفٍ أندلسيٍ كبير (ابن رشد) أنه قال لمن أحرقوا كتبه: «إنكم قد تحرقون الورق، ولكنكم لا تحرقون العلم؛ لأن العلم في صدري، ولا يحرقه النار». ثم داهمتنا الأزمة في القرن التاسع عشر ووجدت المسلمين في حالة ضعفٍ وسبات. لكنهم استيقظوا رويداً رويداً، واستعادوا وعيهم بمجد الإسلام الغابر، وأرادوا استعادة كرامتهم القديمة. لقد عانى المسلمون في القرون الأخيرة من “عقدة المغلوب” أمام الأقوياء، فكانوا يرون الحضارة الغربية شيئاً خارقاً وأرادوا بأي ثمن جعل الإسلام جديراً بها. وحينئذٍ ظهر محمد عبده، الذي حاول إثبات أن الدين لا يتعارض مع الحضارة، ولكنه أسرف في التأويل حتى أراد أن يجد الميكروبات التي اكتشفها الأطباء في آيات القرآن! وهذا النهج أرضى المسلمين لثلاثين عاماً فحسب. أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت في مصر والشرق الأدنى دعوةٌ للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام، والتمسك بالنصوص القرآنية في نزاهتها بعيداً عن التأويلات المتكلفة. وأرادوا التأكيد على أن العلم والدين يمكنهما التعايش والوئام، شريطة أن يتسم العقل بالتواضع، ويقر بعجزه عن إدراك كل شيء من خلال كشوف العلم والتقنية؛ فالدين يظل هو السيد، وهو المعلم للقلب والوجدان، وهو الموجه لسمو البشر. بين الحربين العالميتين، شهد العالم العربي نهضةً حضاريةً استثنائية، وتبنى الثقافة المعاصرة والحضارة الغربية بصدق. ففي مصر مثلاً، تُدرس العلوم واللغات الأجنبية في كل المراحل التعليمية. وذهب المسلمون لأبعد من ذلك حين قالوا: «إن هذه الحضارة الغربية ليست مِلكاً للغرب وحده، بل هي حضارةٌ إنسانية، بدأت في اليونان وروما، ثم نَصَّرها المسيحيون وأسلمها المسلمون». لقد اضطلع المسلمون بدورٍ هائل في تطور هذه الحضارة، ولا يمكن للغربيين ادعاء ملكيتها الخالصة. والمسلمون اليوم يشعرون بأنهم شركاء في حضارتكم، وعليكم واجبٌ نحوهم بأن تنقلوا إليهم ما استحدثتموه من كشوف، لا كأسيادٍ بل كإخوةٍ وشركاء؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد. لقد نَصَّرتم الزمان في وقتٍ ما، وأَسلموه هم في وقتٍ آخر؛ أنتم تقدمتم في العصر الحديث وهم تقدموا في الماضي. أنتم إخوةٌ يجب أن تَرُدوا للشرق الإسلامي ما كان قد مَنَحكم إياه في القرون الوسطى. إن ما ينشده المسلمون اليوم هو العيش في سلامٍ مع العالم، ولكن في ظل سلامٍ حقيقي، لا سلامٍ ركيزته الرهبة والقهر. إنهم يطالبون بالعدل الذي يجب أن يكون واحداً للجميع؛ فلا يقبل المسلمون أبداً أن يكون هناك عدلٌ في أوروبا للأوروبيين، وعدلٌ في الشرق تفرضه قوة السلاح والاستعمار. إني لا أسعى للتفلسف أو الغرق في اليوتوبيا، بل أريد شيئاً واحداً: أن أُبين لكم أن علينا واجباً أسمى، وهو استعادة تلك الأخوة بين العالم الإسلامي والغرب، بل وبسطها بين بني الإنسان كافة. فليس عند الله شرقٌ وغرب، ولا شمالٌ وجنوب؛ بل هناك “العالم” وهناك “البشر”. والله حين يمنح العدل، لا يمنحه للمسيحيين وحدهم أو المسلمين وحدهم، بل يمنحه للعالم أجمع. أطلب منكم “مراجعة للضمير”. فالقرآن يقول: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{. وهذا يصدق على المسيحي كما يصدق على المسلم. إن الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك هي دماء الجميع. فالله لم يخلق العالم لأمةٍ واحدة، بل خلقه لتنعم فيه البشرية جمعاء، وتعبده وتخضع له في ظل العدل والسلام. وإني لعلى يقينٍ من أنكم، بمراجعة ضمائركم، ستدركون أن علينا جميعاً واجباً إلهياً؛ واجباً يهدف لأن يكون عدل الله شاملاً، وسلامه يرفرف في كل القلوب، ويملأ الأرض خيراً وبركة. وإني لا أختم حديثي دون أن أُعرب للبروفيسور “لا بيرا” عن إعجابي وامتناني، بل وعن محبتي؛ فبفضله أرى مرةً أخرى هذه المدينة التي أحبُّها: فلورنسا. وبفضله نلت سعادة لقائه، وإني لأجد في كل عامٍ الشرف في لقائكم جميعاً مرةً أخرى.
خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٥ السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖوَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}. لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ. ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه. ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}. إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه. إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ. إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ. لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ. كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ. وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”. ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة. بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل). كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ. ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ. المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً. المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله. بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً. من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين. أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ. ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ. أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه. لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ. بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً. خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٥ السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}. لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ. ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه. ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}. إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه. إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ. إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ. لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ. كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ. وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”. ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة. بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل). كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ. ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ. المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً. المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله. بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً. من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين. أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ. ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ. أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه. لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ. بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً. خلفية تاريخية: أُلقي هذا الخطاب في “مؤتمرات السلام والحضارة المسيحية” التي كان ينظمها عمدة فلورنسا الشهير جيورجيو لا پيرا في الخمسينيات، وكان طه حسين ضيفاً دائماً وممثلاً رسمياً لمصر فيها.
خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٦ من أعماق قلبي، أتقدم بوافر الشكر للبروفيسور جورجيو لا بيرا على لفتته الكريمة بدعوتي للتحدث في عيد القديس “يوحنا المعمدان”. وهو رجلٌ نُجله جميعاً، مسلمين ومسيحيين. لذا، يسعدني أن أعرب عن كامل امتناني للعمدة “لا بيرا” ولمدينة فلورنسا لإتاحة الفرصة لي للتحدث في هذا العيد؛ لأنه يومٌ يُكرم فيه المسلمون والمسيحيون على السواء نبياً بَشّر بنور عيسى المسيح العظيم. لقد كانت “النبوة” هي المبدأ الذي انطلقت منه التاريخ الإسلامي. تعلمون جميعاً أن العرب، قبل مجيء النبي، كانوا شتاتاً من قبائل بدائية غارقة في البداوة، تشغلهم الحروب والغزوات، ويعيشون حياةً هي أشد ما يمكن للمرء أن يتخيله من بؤسٍ وضنك. حياةً ملأى بالخوف والقلق، حياةً كان الآباء فيها يئدون أبناءهم وبناتهم أحياء؛ لقد كانوا حقاً آباء فاقةٍ ومسغبة. ثم جاء يومٌ، ظهر فيه رجلٌ أكد أنه مبعوثٌ من الله ليخرج تلك القبائل من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الضلال ويرشدهم إلى الصراط المستقيم. وعد هذا الرجل العرب بحياة سعيدة، وأكد أنه لم يأتِ للعرب وحدهم، بل للناس أجمعين؛ لم يأتِ ليغير أو يبدل شرائع المسيحية أو اليهودية، بل جاء مصدقاً لها. وقد واجه هذا الرجل صراعات واضطهادات مريرة. كان يدعو الأغنياء للرفق بالفقراء، والعظماء للرفق بالصغار، ويأمر السادة بحسن معاملة العبيد. كان يقول إن العبيد والسادة سواءٌ أمام الله، وأنه لا تفاضل بين سيد وعبد، ولا فقير وغني، ولا قوي وضعيف، بل إن الناس يتفاوتون أمام الله بحسب أعمالهم. لقد كان يقول إن الله خلق الناس من أب وأم واحدين؛ وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتآزروا، ويتعاونوا فيما بينهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي نهاية المطاف، وجد هذا الرجل آذاناً صاغية وطاعةً مخلصة؛ وبفضله استحال الشعب العربي شعباً متمدناً. إذن، بالنبوة بدأ تاريخنا. كان نبي الإسلام يؤكد أن الله أوحى إليه بأن الإنسان لا يمكنه الفرار بعيداً عن ربه في أي لحظة من لحظات وجوده، ذلك أن الله هو ضمير الإنسان. والله يستجيب دائماً لمن يرجوه، ولهذا يوجب على الإنسان الإيمان به: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ولأن الله يصحب الإنسان من مستهل حياته إلى منتهاها، فهو يحصي عليه كل ما يفعل، وكل ما يضمر، وكل ما يشعر به؛ فلا يخفى على الله شيءٌ من شؤون حياة الإنسان. وعلينا أن ندرك ذلك جيداً؛ فعلى المرء أن يحيا حياته وفقاً لأوامر الله. وأمرُ الله يتلخص في ثلاثة مبادئ: العدل، والإحسان إلى القريب، والتضامن بين البشر. فالمسلم الحق يجب أن يسير في حياته وفق هذه المبادئ والفرائض: فعليه أن يكون عادلاً تجاه الآخرين، أياً كانوا، مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. عليه أن يكون عادلاً في حياته الخاصة كما في حياته العامة، وفي حياته الدولية كذلك. وعليه أن يكون رحيماً؛ فالله لا يمقت شيئاً كمقته للأثرة والقسوة. يجب على الإنسان أن يكون محسناً، وأن يتخذ من محبة القريب ركيزةً لحياته العامة والخاصة، ولحياته الباطنة وفكره على السواء. لقد بدأت حياة الإسلام بدعوة النبي، وبالتأكيد على أن الله يحصي كل ما نفعل ونظن. والله يقص علينا في الكتب المقدسة المختلفة — في العهدين القديم والجديد كما في القرآن — أخبار الأمم التي سبقتنا، ولا سيما تاريخ اليهود والنصارى الأوائل. يقص علينا كيف كانوا سعداء ما أطاعوا أوامر الله، وكيف كان الله يسبغ عليهم عونه ما حافظوا على العهد مع أبيهم السماوي. وحينما يتخلى الله عن الناس، يجعلهم محلاً لغضبه، كما حدث حين لم يتبع إسرائيل أوامره ونسي الميثاق، فاستحال ميثاقاً غليظاً ضدهم. يقص الله علينا كم من مرة نقض بنو إسرائيل ميثاق إبراهيم، وكم مرة عاقبهم الله وجازاهم على هذا الذنب. ولم يقص الله علينا هذا لمجرد عرض التاريخ، بل فعل ذلك ليكون لنا عبرةً ودرساً. إن المسلم ملزمٌ بتذكر كل ذلك؛ فهو مطالبٌ بالصلاة، ومن ثمَّ بقراءة القرآن خمس مرات في اليوم، وعليه أن يذكر كل ما وقع قبل أن تكون الأمة المسلمة، وقبل بزوغ فجر الإسلام. ولا ينبغي له أبداً أن ينسى ما قد يحل به إن عصى الله. إن النبوة التي تنظم حياتنا، والتي تصحبنا أفراداً وجماعات، تريد أن تُعلمنا أن الله قد وهبنا عقلاً لنتفكر، وحريةً لنعمل وفقاً لأوامره. فالإنسان لا يُمنع من عصيان الأوامر الإلهية؛ فبمقدوره أن يعصي، ولكن عليه أن يعلم ما ينتظره إن فعل: العقاب في الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الأخرى. وبما أننا نملك العقل، فعلينا أن نميز بين الخير والشر: بين ما هو عدل وما هو جور، بين ما هو إحسان وما هو قسوة. وعلينا أن نؤدي لله حساباً عن كل ما نعلم وكل ما نصنع في هذه الحياة وفي الظروف التي تكتنفها. وخلاصة القول، إن الإسلام لا يختلف عن أي دين من الأديان السماوية في هذا الشأن؛ لأن المسلمين والمسيحيين واليهود يدركون بالمنطق ذاته طبيعة العلاقات الجوهرية بين الله والبشر. فهناك ميثاقٌ بين الله والناس، ميثاقٌ مشروطٌ بالعدل، والإحسان للقريب، والتضامن الإنساني. واليوم الذي ينقض فيه الإنسان هذا الميثاق، لا يعد مستحقاً لرحمة الله ومحبته، بل يصبح غرضاً لغضبه وعقابه. وإذا كنا نتفق على أنه لا يوجد خلافٌ جوهري بين الإسلام والأديان السماوية الأخرى من هذا المنظور، فإني أتساءل: لماذا لا يمكننا التفاهم أيضاً في سائر الأمور الأخرى؟ تلك الأمور التي تشكل حياتنا وتصيغها، والتي يجب أن تمثل الركيزة لتحسين وجودنا، ولإعادة العدل إلى العالم وتنظيم حياةٍ تقوم على الإحسان والتضامن بين سائر البشر. إن القرآن يخبرنا بأن الإنسان قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فالإنسان هو ممثل الله في الأرض لتحقيق العدل، ولنيل هذا العدل لا غنى عن التعاون بين الإنسان والله، كما هي إرادة الله. فلماذا لا نسعى حقاً للتفاهم والتعاون؟ لماذا لا نبذل جهداً حقيقياً، كلنا، للوصول إلى انتصار العدل، ولنمنح الإنسان حياةً مستلهمةً من الإحسان والتضامن والتفاهم المتبادل؟ إن لم نصل إلى ذلك، فبسبب وجود مغريات كثيرة تدفع الإنسان لمحبة نفسه أكثر من قريبه، وللإثراء على حساب جاره، وللعمل بأنانية ليكون دائماً الأكثر غنىً وجاهاً وقوة. ومن أجل نيل القوة والعظمة، لا يتردد الإنسان في دفع الآخرين نحو العنف، فرداً وجماعة. صدقوني: إن الشيء الوحيد الذي يفرقنا في عالمنا المعاصر، والسبب الجوهري الذي من أجله لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون، والغرب والشرق، بل ويكادون يتصادمون، والسبب الذي يبذر في الأرض الكراهية بدلاً من الحب، هو “أثرة” (أنانية) قلةٍ قليلة. هذه الأثرة تجعل الأقوياء يرغبون في اضطهاد من هم أقل قوة، وتجعل الأغنياء يرغبون في قهر الفقراء. وأحياناً يحدث أن يدرك الفقراء والضعفاء ضعفهم وبؤسهم، ويقدرون مدى الهوة التي تفصلهم عمن يضطهدونهم، فيثورون لنيل حقوقهم؛ أي لتحقيق ذلك العدل الذي أراد الله وجوده بين الناس، والذي ينكره المستبدون. إن ما نخشاه، وما يفرق اليوم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب، يكمن هنا: إن المسيحي الصالح والمسلم الحق، اللذين يؤمنان حقاً بالميثاق بين الله والناس، ويريدان طاعة أوامر الله، عليهما أن يفحصا ضميرهما ويسألا نفسيهما: أمن العدل أن تُقهر شعوبٌ لكي تزداد شعوبٌ أخرى قوةً وعظمة؟ أمن العدل أن تجوع شعوبٌ لكي تسرف شعوبٌ أخرى في الطعام؟ أمن العدل أن تُحرم شعوبٌ من ثمار أرضها وكدحها، لكي تنعم شعوبٌ أخرى بالرخاء والترف؟ إن ضمير هذا المسيحي أو هذا المسلم سيقول حتماً إن هذا ليس عدلاً، وليس إحساناً، ولا يتفق مع أوامر الله؛ وعندها سيجد قوة الإرادة للتحرك، ووضع نفسه في خدمة الآخرين، ليكون جديراً بمحبة الله، وسيكون عادلاً مع الآخرين لكي يكون الآخرون عادلين معه. ليس ثمة في الجوهر ما يفرقنا حقاً. لماذا يتعين على الغرب أن يكون سيداً للشرق؟ لماذا؟ ألأن الشرق لا يزال يفتقر إلى مستوى ثقافي أرفع؟ إن كان الأمر كذلك، فواجب الغرب أن يخرج الشرق من جهله. إن الشرق ضعيف؛ لكن العدل والإحسان يأمران الغرب بإخراج الشرق من ضعفه. بيد أن الغرب يفعل في الشرق النقيض من ذلك تماماً. ينتابني انطباعٌ بأنه يبذل قصارى جهده ليزيد من إضعاف الشرق، وجعله أكثر بؤساً، ليبقى الشرق دائماً في حاجةٍ إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الحقيقة أقوى من كل شيء، كما أن العلم والمعرفة أقوى من الجهل، والنور أقوى من الظلام. إن الشرق الجاهل يتعلم ويتثقف تدريجياً؛ وبدأ يعي جهله، ويطالب بحقه في الحياة؛ حقه في تبوأ المكانة التي يستحقها في محفل الأمم. ويرى في الدين الذي وهبه الله إياه أنه لا تفاضل بين مسيحي ومسلم، ولا بين شرق وغرب، ولا قوي وضعيف. وحينها يتساءل الشرق: لماذا أبقى دائماً بائساً، ضعيفاً، مقهوراً من رجالٍ هم في نهاية المطاف بشرٌ مثلي تماماً؟ هل بيننا أي فرق جوهري أمام الله، والحقيقة، والعدل؟ ما كل هذا العداء من الغرب نحو الشرق؟ ما كل هذا الريب؟ إن المسيحيين والمسلمين خُلقوا ليتفاهموا، ويتآزروا، ويتعاونوا، وينشروا عدل الله، ويدافعوا عن الدين والوحي والنبوة، ضد المادية وضد إنكار الله. لقد خُلق المسلمون والمسيحيون ليتفاهموا! يقول القرآن للمسيحيين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}. إن القرآن يدعو المسيحيين لهذا التفاهم، وكذلك المسيحية تدعو سائر البشر لتفاهمٍ كهذا. إن هذه المبادئ ذاتها توجد في الإنجيل كما توجد في القرآن. لقد نطق بها عيسى، وأكدها نبي الإسلام. فعلى المسلمين والمسيحيين التفاهم على المبدأ ذاته، وأن يعملوا جنباً إلى جنب لخدمة الله في الأرض وتحقيق ملكوته فيها. لماذا إذن لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون؟ ببساطة لأن القدر أراد في لحظةٍ من لحظات التاريخ أن يضعف الشرق ويقوى الغرب، ولأن سوء الحظ أراد أن ينسى الغرب أوامر الله، وينسى العدل والإحسان، ولا يفكر إلا في نفسه، ساعياً لاستعباد الشرق بدلاً من معونته ومساندته. أيها السادة، إني أتحدث إليكم بصفتي مصرياً، وبصفتي مسلماً. فبصفتي مصرياً، أؤكد أن بلادي لا تطلب إلا شيئاً واحداً: صداقة سائر شعوب الأرض. ولكن صداقةً تقوم على العدل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى الحق الذي وهبه الله لكل البشر؛ تطلب صداقة كل الشعوب شريطة ألا تستحيل وسيلةً للاستغلال والقهر، أو أداةً لسلطةٍ تنكر حقوق الإنسان في حياة كريمة. لا تطلب مصر غير ذلك؛ فهي تمد يدها للعالم أجمع، وللغرب المسيحي قبل أي أحد آخر؛ ولكن ما عساها أن تفعل إن هي مدت يدها للغرب ورفض الغرب مصافحتها؟ ما عساها أن تفعل إن نشدت صداقة الغرب المسيحي ووجدت من يرفضها، من لا يريد الصداقة بل يريد شيئاً آخر: العظمة، القوة، الاضطهاد، العبودية؟ وبصفتي مسلماً، فقد قلتُ لكم مراراً — وهذه هي المرة الرابعة التي آخذ فيها الكلمة في هذه اللقاءات — تفكروا فيما تحتويه دياناتنا، لكي نقتنع بوجوب خدمة الله، وهو في الجوهر أمرٌ يسير. أؤكد لكم أن ما يفرق بين المسلمين والمسيحيين أشياءٌ قليلةٌ جداً. أنتم تتحدثون عن رُوح الله، وتقولون إن عيسى هو كلمة الله، ونحن نقول ذلك أيضاً؛ أنتم تُجلون العذراء ونحن نُجلها أيضاً. واليوم تحتفلون بعيد القديس يوحنا المعمدان، ونحن نحتفل معكم بهذا العيد. إن ما يجمع بين دينَينا أكثر مما يفرقنا. فلنتحد للدفاع عن حقوق الله؛ ولندافع عن عدله؛ ولنحب بعضنا بعضاً ونتآزر لتحقيق ملكوت الله في الأرض، متضامنين لمحاربة المادية التي تكتسح الأرض يوماً بعد يوم. فلنتعاون إذن لتحقيق هذا الرجاء الجميل الذي يأتي من الله، والذي نقرأه نحن المسلمين كل يومٍ تقريباً في كتابنا المقدس؛ لتحقيق ذلك الملكوت الإلهي الذي يحيا فيه المؤمنون، والمحسنون، والمتحابون في الله، حياةً ملأى بالسعادة، حيث تكون كلمة السر فيها ببساطة: «تبارك الرب الإله!»، ويكون تحيتهم فيها حين يلتقون: «سلام!»، وشعارهم الأخير: «الحمد لله رب العالمين!». {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚوَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
عهد كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/٩ ، عدد ٢٣٢٨ أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضى الناس عني ، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي . فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها ، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب ، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر ، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم ، والذين يتفضلون علي فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضى . كذلك كنت منذ بدأت أكتب ، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة ، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا . فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم ، ويحسنوا بها الظن ، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال . لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في « الكوكب » فأحبوا ذلك ، ورضوا عنه ، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له . نعم ، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في « الكوكب » ، وألحوا علي في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر ، والرغبة في الخير لي ، وللقراء مما سأكتبه . نعم ، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء ، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء ، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون . ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين ، وقبلت مغتبطًا رضى الراضين ، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء ، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني . فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص ، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح ، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه ، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي ، ماضي العزم ، قوي الأمل ، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب ، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين . وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة ، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب . فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب « الكوكب » وقراؤه ، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون ، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء . وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة ، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب ، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار ، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا ، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور ؟ كل شيء ضيق من حولنا ، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي ، فضيقته وبالغت في تضييقه . ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق ، وتأخذنا بتصغير عقولنا ، وتقصير ألسنتنا ، والكبح من أقلامنا ، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد ، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي ، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة ، وبسلطانها الإداري مرة أخرى . وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة ، رقيقة مسرفة الرقة ، حساسة حادة الحس ، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل ، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله ، لا بما ينكر العرف ، ولا بما ينكر الدستور ، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق . وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر ، فيباح أو يحظر . وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا ، وعلى غير وجهه أحيانًا . وإذا تفكيرنا يتهم ، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه ، وكل شيء نأباه مرغوب فيه . وتمضي الأسابيع والأشهر ، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي ، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج ، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة . فلابد إذن من أن تضيق العقول ، وتضعف الإرادة ، وتنحل العزائم . وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته ، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه ؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم ، ولتجمعه كله إليها ، ولتحصره كله في يدها ، ولتضغطه ما وسعها الضغط ، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا . هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان ، فيجب أن تظلها بجناحها ، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب ، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق . وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا ، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر . وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي ؟ هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي . فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية ، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر ، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر ، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا ، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه ، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله . نعم ، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة ، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي ، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين ، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر ، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط ، ويقودونه إلى الرقي والخير . لندع التفكير في هذا كله ، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا ، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء ، ويستأثر بكل شيء ، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو ، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة . كل شيء ضيق من حولنا ، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان ، وإنما الغريب أننا لم نتأخر ، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة . وليس الغريب أن عقولنا لم تزد سعة ، وأن إرادتنا لم تزد قوة ، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة ، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة ، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية ، وأخذت علينا كل سبيل . نعم ، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل ، والصدق في الرأي ، والمضاء في العزم ، والقوة على المقاومة ، والاستعداد لاحتمال المكروه . فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر ، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية ، والعزيمة الماضية ، والقوة على المقاومة . وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون ، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي ، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد .
الشهداء كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/١١ ، عدد ٢٣٣٠ كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال . وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل . وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا . وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين . ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي« . ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره . كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟ ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء . مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر . وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا . رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم . رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله . في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين . شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى . هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم مخوف منه على الأمن ؟ هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .
درس كوكب الشرق ، ٢٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٤٦ رئيسُ وزرائنا أستاذ ، تلاميذه الوزراء ، يعلّمهم كيف يحكمون ، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له ، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه ، ومن قصّر منهم أقصاه . ووزير داخليتنا أستاذ ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم ، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع ، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم ، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا ، ووجّه إليهم أسئلة . فمن فهم الدروس وأحسن الجواب ، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها ، رقّاه . ومن لم يظهر منه سبق الفهم ، ولا مهارة في الجواب ، ولا نشاط في السيرة العملية ، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه . ومن ظهر في فهمه التواء ، وفي أجوبته انحراف ، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة ، هبط به إلى إقليم دون إقليمه ، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم . وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس ، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية ، فسمعوا منه ، وتحدّثوا إليه ، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها . وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان ، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك ، ولكن من المرجّح ، إن لم يكن من المحقّق ، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا ، وعلى وزراء العالم كله ، ورجال الإدارة فيه ، كان موضوع الحديث في درس أمس . ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق ، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام ، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار ، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس ، وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد . زعيمان يزوران شعبًا يحبهما ، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما ، والسخط على خصومهما . والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه ، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له ، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء ، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع ، وطبق آفاق الدنيا ، وتردّد في أجواء السماء ، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له ، ويفديه بالأمهات والآباء ، وبالبنات والأبناء ، وبما كان يملك أيام الرخاء ، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء ، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء . فكيف التخلّص من هذه المظاهرة ؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها ؟ فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة ، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها ، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه ، فهو بهم كَلِف ، ولهم مستجيب . هذه هي المشكلة التي كانت موضوع التمرين يوم السبت ، وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية ، وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه . وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات ، يأباها الدستور ، وينكرها القانون ، ويتحرّج منها النظام؛ تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل ، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم ، وتبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق ، وتبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب ، وتبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب ، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء ، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون . كانوا يعلمون هذا ، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة ، وربما تهالكوا إليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم ، وإكباره لكفاياتهم ، ما يريدون . وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة ، ولون من ألوان السلطان ، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم . والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب ، ويعيد ذكرى الماضي ، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي ، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم . فالخطف مظهر من مظاهر الضعف ، والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر . وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق ، والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها . والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا ، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين ، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام . فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة « الغاية تبيح الوسيلة » تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات . فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه ، اضطربت نفوس المديرين ، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم ؟ أنخطف أم لا نخطف ؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم ؟ حتى كان درس أمس . وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات ، ولكنه يُباح للحكومات ، والحكومات الدستورية خاصة . ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت ، فمنهم من تكفيه الإشارة ، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل . والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل ، لا بالمسرفين في الذكاء ، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه . فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء ، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد ، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا ، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها . فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم . وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور ، فساءت حالها ، واضطربت أمورها ، وأوشكت الفوضى أن تفسدها ، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون ، ويكلفون به ، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر . أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها ، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء ، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا ، ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزع منها انتزاعًا . فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف ، وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف . هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء ؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها ، وما تزال نفوسهم مضطربة ، وآراؤهم مختلفة ؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين . ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان ، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة ، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص . وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا ، وحيثما توجّهوا . ولكن الحاجة تفتق الحيلة ، كما قال القدماء . وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم ، فمن يدري ؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا ، وأن يُسار بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطيور ، ولا يؤمَن منها الضرر .
استقلال كوكب الشرق ، ١٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٣٦ ولست أريد الاستقلال السياسي ، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي ، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل ، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقًا… إنما أريد استقلال الجامعة ، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه ، إما لأن كثيرًا من الناس حديثو عهد بالجامعات ، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئًا ، وإما لأن فريقًا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله ، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح . وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعًا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم . وهؤلاء الناس أكثر جدًا مما تظن ، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة ، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد . فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس . وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئًا ، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئًا ، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئًا ذا بال . وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئًا ، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يخفي علمه ويصوره تصويرًا خاصًا لزملائه النواب . فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية ، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو ، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام . وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلي ، لا لبس فيه ولا غموض . فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب ، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء . وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان ، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم . فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه . وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم ، يقص من أجنحتهم ، ويقلم من أظفارهم ، ويقبض سلطانهم قليلًا أو كثيرًا . فلا بد إذن من أن يُضيق حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل . وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم ، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير . وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل ، ووضعت عنه تقريرًا رفعته إلى المجلس ، فخدعت نفسها ، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا . ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه . وأكبر الظن أن كثيرًا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير . ولم يقرأوه ؟ وهم يثقون باللجنة ، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها ، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يطلب ، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يقال ، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام ، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم . زعمت اللجنة في تقريرها ، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف ، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا ، فذلك لأن هذه الجامعات غنية ، لا تنفق عليها الحكومات ، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول ، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل . وهذا — مع الأسف — غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز . فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلًا تقوم على أموال الدولة ، وقد توهب لها الأموال ، ولكن هذه الهبات ليست شيئًا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام . وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد ، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال ، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية . ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها . ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضًا ، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونًا يمكنها من السيطرة عليه . فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة ، لأن الحكومة لا تملك مالًا خاصًا ، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء . ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدًا مكرًا عبقًا ثقيلًا ، لم يلتفت إليه مجلس النواب ، أو التفت إليه ولم يحفل به ، ولن نجد له شبيهًا في بلد من بلاد الأرض . ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة ، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية ، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي . وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد ، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان . كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة ، حسب القانون الذي أصدره البرلمان ، تتألف من الجامعيين . فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابًا حرًا لا يتقيد بشرط . فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوًا ، يضاف إليهم المدير ، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًا على كل حال . فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس ، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها ، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء ، وللوزير حق الاعتراض في بعضها ، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة . أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرًا ، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر . فقد أصبح وكيل العميد عضوًا في المجلس بحكم منصبه ، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل ، فأصبح خاضعًا للوزير خضوعًا مباشرًا ، وأصبح عضوًا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب . وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذًا ذا كرسٍ ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية ، فهو أيضًا عضو معين . ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة ، أو ضُيق عليهم فيه ، كما ضُيق على كثرة الشعب في انتخاب النواب . فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر ، يجب ألا يوضع في أيدي المصريين إلا بحساب ، وفي ظل مراقبة شديدة ، لأن المصريين ، سواء منهم العلماء وعامة الشعب ، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد ، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي . ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين ، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة ، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون . ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيد ، والآخر حكومي مطلق . فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفًا ، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان ، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير . فإذا جد الجد ، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال ، جاء المجلس الثاني ، وهو يتألف من موظفين ، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة ، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة ، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير ، والذين يؤجرون على قيامهم بعمل العميد . فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يؤجرون على وكالتهم ، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم ، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرض المسائل ذات الخطر . وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشتهي . وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها ؟ هي ميزانية الجامعة ، وهي التصرف في أموال الجامعة ، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم . أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي ؟ فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة ، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تنقله أو ترقيه أو تؤدبه . فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة ، لا شيء يضمن له الحرية العلمية ، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها . فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرًا في الرأي أو في البحث العلمي ، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة . على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة ، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة . ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان . وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب ، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة ، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء . أفهمت الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم ؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعًا على مصر ، وقد ضُيق الدستور ، فليُضيق نظام الجامعة . إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد ، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب ، يسير التفكير ، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة ، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبًا ، وأيسرهم تفكيرًا ، وأقلهم نفاذ بصيرة ، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب ، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره ، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد . وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضيقه ، واستكثر الجامعة فضيق نظامها ، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد ، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئًا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة ، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات . نعم ، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد ، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء ؟ ومن يعين رئيس الوزراء ؟
مصر في الصباح ولابد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا يلتقون كل يوم إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب. ودفعوا إلى الوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند اللذين يعرفونهم واللذين لا يعرفونهم من الأزهريين. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشؤون الاجتماع. وأولئك الذين كانوا يخطبون في المحافل والمجامع ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس أحاديثهم ومحاورهم، وتذكر أسمائهم فتمتلئ بها الافواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشان، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، أو إنشاد الشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فاجلوا واكبروا، ونظروا من حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملا به هذه الحلقات التي كانت تنحلق من حول الصحن وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة، وكانت أصداء ذلك ترد عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى اقبل ذلك اليوم الذي دار فيه الملاحظون في الازهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر دفعا، ثم يسالون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم انهم مطرودون، وان درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وان شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغنى لابن هشام بدل الكامل للبرد، منفى من الرواق العباسي، مقرون إلى اسطوانة من هذه الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان). هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم يلبثوا أن استأنفوا الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، يسخرون مما كانوا يسخرون منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ رحمه الله في ترجمة البؤساء، وقد كانوا يعجبون بهذه الجملة إعجاباً شديداً، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في سبيله، واخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث. وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون في النثر، فان فكروا فيه قلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الاجادة، ولم يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون يجيدون قليلا، ويسيئون كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون انهم ضعاف في النثر، وانهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ، لانه كان احب منهما للصحف، واكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي بين الشعراء القدماء، وكان صاحباه يسخران منه ومن المتنبي، ويكرهان أن يسمعا له حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يقرا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر الرديء وحمله عليه وأضافته إليه، وكان انحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين: بموسم عاشوراء قد عمت البشرى … وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى ونادى المنادي أيها الناس يمموا … ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى ولست ادري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعاً. ولعل ثالثهم محموداً أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه الآثار التي لم تكن تستحق اقل من الخلود. وفي ذات يوم اقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم في العناية من النثر، ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و (مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جاداً كل الجد، مؤمنا كل الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان انهما لن يستطيعا. فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام، ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في الصباح. وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ وماذا يقول فيها فلا يحير جواباً، فيتمثل ثالثنا بهذا البيت الذي كان يغيض الزيات ويحفظه: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما فكتب في الحالة الحاضرة. ولم يفتح الله عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاماً ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل حال، فمازال إذن قائما من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه منذ يوم الاثنين الماضي أن يصدماه بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه منهما. ولست ادري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث. أما أنا فاعترف باني فكرت بهذه الساعة، وقدرت إنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن احتاط له، واستعد لهجمة الزيات، واربا بنفسي عن أن اسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فاصبح خليقاً أن يخوفنا به: شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس فحاولت منذ أسبوع أن اطرق هذا الموضوع، وان اكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين. ثم ابدرناه معاً بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح. ذلك إن الزيات راغ وزاغ وعدل عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة الحاضرة التي نبغضها اشد البغض ونضيق بها اعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر على أن يصف الحالة الحاضرة الآن؟ وأي الكتاب لا يقدر على أن يجيد في هذا الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي احسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فالتقيت في روعة أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه. وإذن فهو مازال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في الصباح. أما أنا فلم اشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لابد من الكتابة فيه، ولكن أي مصر، أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاث مختلفة فيما بينها اختلاف غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر. وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الانبابي رحمه الله، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء. وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا اذكر اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب. ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث اصف؟ وعن أي الأمصار الثلاث اتحدث؟ فاما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقضني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان شافعيا موسوسا، ينفق نصف ساعة في إقامة الصلاة: ال. . . ال. . . الله الله. . ال. . الله اكبر، ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: أل. . أل. . الله. . الله. . أل. . . الله اكبر ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد وإذا هو يخرج ويستأنف الدخول فيها. وما يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف أقامتها حتى إذا أشفق من فوات الوقت عزم امره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر الشريف. استغفر الله فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني في السحر لا في الفجر صوت ذلك الشيخ الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيء يشبه العالم، وإنما كان تاجرا اعرض عن التجارة، وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في لليل. فإذا اقبل السحر خرج من غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل جملاً متقطعة من الورد الذي كان يبدأه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد الحسين، حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في الجو، لان الذين كانوا نياما في السحر قد اصبحوا إيقاضاً حين ارتفعت الشمس. استغفر الله، وقد نسيت أصواتاً أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد اقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة. وهذه (حمدة) التي كانت تبيع الوان الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا. فأما اشترينا وأما تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب (حمدة) فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ويزلزل له حوش عطى زلزالاً!! على هذه الأصوات كنت استقبل مصرا، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد افاق، وهو يحك عينه من بقية النعاس، ويهيئ (الجوزة) للحاج فيروز، فإذا مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة الفول والبليلة والطعمية قد ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض، الشيء عطفت ذات الشمال ان كنت مستعجلا، فمضيت من حارة الوطاويط، حيث اقذر مكان خلقه الله، وحيث اعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساءً، قد جلسوا في اقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وان كنت مستانياً عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة ثم انغمست في شارع الحلوجي، ثم دفعت إلى باب المزينين. هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح واقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن باني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلاماً يرضاها وابلغ من استحسانه ما اقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين. ان الزيات ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من قلعة الكبش، وتنتهي إلى الازهر، وانما محمودا ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية، كما كان يقول، وتنتهي إلى الأزهر، فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند الرسالة، أو عند قبة الغوري، فلسنا في حاجة إليها الان، وقد يحتاج إليها أبنائنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه. طه حسين الرسالة – العدد ٤١ – ١٦\٤\١٩٣٤
محاضرة الآنسة مي لا اعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، والى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الامريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم اشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلا لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلا لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة أثنين، وكنت اسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكا عظيما في أن للمرأة فضلا على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بان للمرأة فضلا على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديبا من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب. وإذن أنا مقتنع بان الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاء، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملا في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وانهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بان ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بان المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاء وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاء فشئ فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لان كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا انهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراها، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لان الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن انهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجنى، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما.، إنما هي اثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة اطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعدا عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحسانا؟ ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة. ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها واثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بان أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال اكرم مما تظن الآنسة مي، واحب للرحمة واحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الأثم، وانما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد اخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا اكرم مما تظنين، واحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيرا، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما أحتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا اعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم اعرف هذا، ولن أستطيع أن اعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فان تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وان تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الارض، فنحن خير منهما حالا، وأجمل منهما شكلا من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وان نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، ` وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة لامرأة هي ايزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون ايزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع ايزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش احسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارع إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، واعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة. طه حسين الرسالة – العدد 37 – بتاريخ: ١٩\٣\١٩٣٤
كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد صديقي العزيز المجهول إسماعيل بن زيد حفظه الله وأكثر من أمثاله. تحية طيبة تلقاك حيث كنت، فإني لا اعرف أين تكون، كما إني لا اعرف من تكون. أما بعد فقد قرأت كتابك في (الرسالة) منذ أيام، ولست ادري أين ظفر به صديقنا الدكتور عوض، فإني لم أتلقه قبل نشره، ولو قد وصل إلى لما أبطأت في الرد عليك برغم كثرة العمل واشتغال النفس بأشياء يراها الناس خطيرة بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، وأراها أنا كما تراها أنت أهون شأناً وأقل خطراً من صيد الضفادع، وتثقيف الجراد واستخراج أشعة الشمس من قشر الخيار. واكبر الظن انك رجل رؤوف بالأصدقاء شفيق على الإخلاء خطر لك أن تستفتيني فيما عرض لك من الأمر فسطرت كتابك وهممت بإرساله إلي، ثم عرفت إني مجهود مكدود فرحمتني ورفقت بي وأجلت إرسال كتابك إلي حتى ينقضي العام وافرغ لمثل هذه الموضوعات الجليلة القيمة. ولكن كتابك وقع إلى صديقنا عوض على أي نحو من هذه الأنحاء التي تقع بها الكتب إلى الناس أو يقع بها الناس على الكتب وعوض رجل فيه مهارة العفاريت ولباقة الشياطين اكتسبهما في اكبر الظن من ترجمته لقصة فاوست ومن طول عشرته لشيطان الشاعر الألماني العظيم. فلم يكد يقع الكتاب إليه أو لم يكد هو يقع على الكتاب، حتى أسرع به إلى الرسالة يكيد بنشره لك ولي جميعاً. يكيد لك لأنه يحسب أن الناس سيضحكون حين يظهرون على هذه الموضوعات الغريبة التي تفكر فيها وتنفق في درسها وقتك وجهدك، ويكيد لي حين يطلب إلي باسمك على ملأ من قراء الرسالة أن أبواب لك الكتب التي تريد أن تذيعها في هذه الموضوعات. وليس عوض شيطانا ولا عفريتا ولا مترجماً لفوست ولا معاشرا طويل العشرة لمفستو فيليس انقضى يومه وليله دون أن يجد ويكد ليغيظ إنسانا من الناس ويعبث بصديق من الأصدقاء، واحسبه أن أعياه الظفر بمن يغيظه أو يعبث به لا يتردد في أن يغيظ نفسه أو يعبث بها، وله في الحطيئة قدوة سيئة وأسوة قبيحة. ولابد من أن يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الشر ويدفعهم إلى البغي كما يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الخير ويهديهم إلى البر والرشاد. وقد هممت أيها الصديق العزيز المجهول أن اعرض عن هذه الرسالة التي لم أتلقها أو أن أؤجل الرد عليها كما أجلت أنت إرسالها ولكني – ولا أكذبك – لم أكد أتم قراءتها حتى استرحت إليها ونعمت بها لأنها صادفت هوى في نفسي ولاءمت بعض ما كان يضطرب في رأسي من الخواطر والآراء. فلم أجد بدا من أن أرد عليك في (الرسالة) لأني لا اعرف عنوانك ولأني قرأت كتابك في الرسالة وتلقيته من طريقها، ولأني لا آمن هذا العفريت الذي نسميه عوضاً ونكل إليه تعليم الجغرافيا في كليتين من كليات الجامعة أن ينالها بقليل أو كثير من التبديل والتغيير، وأنت تعلم أن من العسير جدا أن أجيبك في فصل واحد إلى تبويب هذه الكتب الأربعة التي ألفتها غير مبوبة، فذلك يحتاج إلى وقت وفراغ لا أملكهما في هذه الأيام أيضاً؛ وذلك يحتاج بعد هذا إلى مكان من الرسالة قد لا تستطيع أن تخصصه لنا دون أن تظلم واحداً أو اثنين من كتابها الأدباء. ولست اذكر الرفق بالقارئ ولا الترفيه عليه، فالقارئ آخر من أفكر فيه؛ وليس يعنيني أن يغضب أو يرضى، وليس يهمني أن يقرأ أو يعرض عن القراءة، فإني لا اكتب له وإنما اكتب لك. وأنا لا اكتب له لأن هذا الموضوع اعمق وأدق من أن يكتب للقراء؛ إنما يكتب للقراء في فلسفة أفلاطون وأرسططاليس ونيتشة وأمثالهم من أصحاب العقول الجبارة؛ فأما فلسفة الجراد فإنها الطف وأخفى وأرق من أن تبلغها عقول المثقفين أو تنفذ إليها بصائر المستنيرين؛ لهذا أفكر فيك أنت ولا أفكر في القراء؛ ولو فكرت فيهم لما كتبت شيئا، لأني لا احب أن ألقاهم بما يكرهون لا سبيل إذن إلى أن أتحدث إليك في هذه الموضوعات الأربعة التي ألفت فيها كتبا غير مبوبة، وإنما أتحدث إليك في موضوع واحد منها اختاره ليكون نموذجا لغيره من الموضوعات التي ألفت فيها والتي يمكن أن تؤلف فيها؛ فإن أبيت إلا أن أبوب لك هذه الكتب الأربعة فقد نستطيع أن نصنع ذلك في مجالس خاصة نلتقي فيها بين حين وحين لهذا العمل الجليل، نلتقي فيها لنتحدث على مهل وفي حرية دون أن يشاركنا في الحديث هؤلاء القراء الذين لانا منهم أن يذهبوا فينا المذاهب وان يطلقوا فينا الألسنة وان يظنوا بنا الظنون. وقد اخترت تعليم الجراد أصول الفلسفة موضوعا لهذا الحديث. وأول ما ألاحظه أيها الصديق العزيز المجهول انك أهملت عنوان الكتاب الذي ألفته إهمالا شديدا، واكبر الظن أن إهمالك للفنون هو الذي حال بينك وبين تبويب الكتاب على ما تحب. ولست ادري أصحيح ما قال القدماء من أن الكتاب يعرف بعنوانه، ولكني اعتقد أن عنوان الكتاب يبوبه وينظمه، ويلائم بين أجزاءه ويشيع فيه هذه الموسيقى التي تحببه إلى النفوس وتغري به عقول القراء. وأول ما يجب العناية بالعنوان فيما أرى أن نذهب به مذهب القدماء الصالحين، فلا نرسله إرسالا ولكن نقيده بالسجع، لأن إرسال الأشياء في غير قيد يمكنها من أن تهيم على وجهها وتنطلق في غير وجه، وتكون كالجراد هذا الذي لا يستقر على سنبلة أو كوز إلا ريثما ينتقل إلى سنبلة أو كوز. فإذا أردت يا صديقي أن تضع كتاباً فلا تفكر في موضوعه ولا في أجزائه ولا في أبوابه وفصوله ولا في غاياته وأغراضه، فهذا كله يأتي وحده دون أن تدعوه أو تلج في دعائه بالعناية أو التفكير، إنما الشيء الذي يجب أن تقف عليه جهدك، وتنفق فيه وقتك، وتستنفد فيه قوتك، هو العنوان، والعنوان المقيد المسجوع. ويشهد بذلك تراثنا الأدبي العظيم الذي أن أحصيته وجدت أكثره قد قيد بهذه العنوانات المسجوعة؛ ويشهد بذلك صديقنا الزيات فقد كانت لنا معه جولات قيمة خصبة أيام الشباب في هذا الفن الذي لا يحسنه إلا اقلون؛ ويشهد بذلك صديقنا محمود حسن زناتي الذي كان أستاذنا في هذا الفن العجيب. لذلك لم أكد اختار هذا الموضوع للحديث حتى فكرت قبل كل شيء في عنوان الكتاب الذي ألفته ولم تنبئني منه إلا بطرف يسير قصير. وقد سميت هذا الكتاب كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد وأخص ما يمتاز به العنوان البارع أن يراه القارئ فيظنه واضحا جليا، فإذا رآه الأخصائي تبين فيه ألوانا من الغموض وفنونا من الغرابة تحتاج إلى الشرح والتفسير، والى الحاشية والتقرير ولا شك في أن المثقفين من قراء الرسالة سيرون هذا العنوان سهلا سائغا وقريبا دانياً. ولكن أصحاب البيان والراسخين في علم التأويل سيلاحظون أن كلمة الفلسفة هنا قد استعملت في غير معناها الحقيقي المعروف؛ فليس للجراد فلسفة؛ والدليل على ذلك انك تريد أن تعلمه الفلسفة، وإذن فقد يقال أن في هذه الكلمة مجازا مرسلا لأن المؤلف أراد فلسفة الجراد باعتبار ما سيكون، لأن الجراد إذا قرأ كتابك أن شاء الله تهذب وتأدب وصارت له فلسفة. ولكن ليس هذا هو الذي أراده المؤلف، فقد يكون أراد شيئا آخر، وهو أن للجراد الآن فلسفة جرادية يراد أن يعدل عنها إلى الفلسفة الإنسانية. وقد يكون المؤلف أراد بالفلسفة المصدر أي جعل الجراد فيلسوفا يقال فلسفت الشيء جعلته فلسفيا، وفلسفت الإنسان جعلته من أصحاب الفلسفة، وفلسفت الجراد جعلته مفلسفا. ولا تبحث عن هذه الكلمة في المعاجم العربية القديمة، فقد لا تظفر في هذه المعاجم بشيء، ولكن ابحث عن هذه الكلمة عند الفلاسفة في كلية الآداب فهم الذين يلائمون بين القديم والجديد، وهم الذين يرجع إليهم في مثل هذه المشكلات. أرأيت أن كلمة واحدة من هذا العنوان قد أثارت كل هذه الأبحاث التي أومأت إليها إيماء، فكيف بكلماته الأخرى إذا لوحظت مفرقة وإذا لوحظت مجموعة. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا العنوان سيضمن لك شيئين: الأول انه إعلان سيعجب القراء ويروقهم، بل سيبهرهم ويروعهم، وسيدعوهم إلى شراء الكتاب والترويج له عند الأصحاب والأصدقاء. ولعله يروق في وزارة المعارف وأنت أعلم بما وراء ذلك من المنافع التي لا تحصى. والشيء الثاني أن هذا العنوان سيرسم لك برنامج الكتاب ويمكنك من تبويبه في غير مشقة ولا عسر. ولا تكلف نفسك تروية ولا تفكيراً، ولكن خذ كلمات هذا العنوان واجعل منها عنوانات لأبحاثك فسترى أن كتابك قد بوب بإذن الله. فليكن موضع الباب الأول إذن هو البحث عن كلمة الكتاب مما اشتقت، ومن أين أخذت، وما معانيها المختلفة التي دلت عليها في العصور المختلفة والبيئات المتباينة. ولا تخف أن يقال لك أن هذا استطراد وإطالة وتزيد في القول، فلولا الاستطراد والإطالة والتزيد في القول لذهب أكثر العلم أو أكثر الأدب على الأقل. ولك في الجاحظ أسوة حسنة فهو قد أطال في ذكر الكتاب حين أراد أن يؤلف في الحيوان. وقد ألف أرسططاليس من قبله في هذا الموضوع فآثر الإيجاز واجتنب الاستطراد وكانت النتيجة أن الناس جميعا يقرءون كتاب الجاحظ وليس منهم من ينظر في كتاب أرسططاليس، لأن كتاب أرسططاليس علم وقد غير علم الحيوان، وكتاب الجاحظ أدب وقلما يتغير الأدب، ولاسيما حين يمتاز بالإطالة والاطراد. ونحن في كلية الآداب لا نبدأ دروس الأدب حتى نعلم الشبان علما كثيراً عن لفظ الأدب ومعانيه، فسر سيرتنا ولا بأس عليك. وإذا فرغت من هذه الأبحاث القيمة التي لا تتصل ولا يجب أن تتصل بالموضوع، فخذ بعد ذلك في بحث يكون صلة بينها وبين الموضوع وهو إضافة الكتاب إلى الإرشاد والصلة بينه وبين الجراد. وكيف تختلف الكتب باختلاف أصناف الناس، وكيف تختلف الكتب باختلاف أنواع الحيوان، لا من جهة موضعها وأسلوبها فحسب، بل من جهة أحجامها وقطعها أيضاً ومن جهة مادتها التي تطبع وتذاع فيها، ومن جهة الخط والحروف التي تستخدم في هذا الطبع؛ فأنواع الطبع تختلف باختلاف القراء في القدرة والذوق، وكذلك الأحجام، وكذلك مادة الورق والغلاف؛ ويجب أن يطرد هذا بالقياس إلى الحيوان وبالقياس إلى الجراد خاصة، وواضح جدا أن هذا سيذهب بك في ألوان من البحث الطريف الذي لم تسبق إليه؛ فإذا فسرت آراءك ببعض الصور فثق بأنك ستحدث في عالم التأليف حدثا عظيما، وثق بأنك ستفتح للجنة الترجمة والتأليف والنشر أبوابا لن تتردد في ولوجها ولكنها لن تعرف كيف تخرج منها. ثم دع هذا الباب إلى الباب الثاني واجعل عنوانه الإرشاد واسلك في هذا الباب مسلكك في الباب الأول، فاخضع لفظ الإرشاد ومعانيه لكل هذه التجارب التي أخضعت لها لفظ الكتاب ومعانيه، ثم ابحث عن إرشاد الجراد كيف يكون فاعقد فصلا تصور فيه مذهب الذين يرون أن الجراد يفهم بالعقل وبين كيف يكون إرشاده على هذا النحو، واعقد فصلا آخر تصور فيه رأي المحدثين الذي يرون أن الجراد يفهم بالفم والبطن وبين فيه كيف يكون إرشاد الجراد من طريق الأفواه والبطون. والناس كما تعلم يختلفون في هذا الموضوع، ومنهم من يرى أن تكتب أصول الفلسفة على أوراق الأشجار والنجوم والزرع التي يحبها الجراد ويميل إلى أكلها ويقولون أن الجراد إذا أكل هذه الأوراق المفلسفة فهم العلم ووعى الحكمة واصبح فيلسوفا بإذن الله. ثم اجعل الكلمة الثالثة عنوانا للباب الثالث وهي إلى. ولابد من أن تبحث عن السبب في أن الإرشاد يتعدى بالى ولا يتعدى بغيرها من حروف الجر؛ ولم لا يقال كتاب الإرشاد لفلسفة أو بفلسفة أو في فلسفة أو من فلسفة أو عن فلسفة أو على فلسفة الجراد. وواضح أن كل حرف من هذه الأحرف سيحتاج إلى فصل مطول جدا وستجد في كتاب المغني لابن هشام ما يعينك على تحرير هذه الفصول. ولا تخف من هذه الإطالة فإنها هي التي ستنفعك وتروج كتابك عند أصدقائنا الأزهريين. ثم إذا أردت أن يروج كتابك عند الجامعيين وفي كلية الأدب خاصة فاحسن عنايتك بالباب الرابع وهو باب الفلسفة وهو اللب الأول للكتاب، لأن الأبواب التي سبقت كانت قشوراً ولكنها كانت قشورا لابد منها، فكل لب محتاج إلى قشر وإلا لما كان لبا. فابحث الآن عن الفلسفة وعن أصل لفظها وأحذر أن تقول إنه يوناني فقد يكون هذا مطابقاً للحق، ولكن الحق في هذه الأيام لا يغني عن البدع شيئا. والبدع في هذه الأيام إن تخرج الأشياء عن أصولها وتوضع في غير مواضعها وترد إلى غير مصادرها. والظاهر أن كلمة الفلسفة ترجع إلى أصل سأمي عربي، وما أشك في أنك ستجد في شعر قضاعة بيتا يثبت لك وللناس جميعا أن العرب قد عرفوا الفلسفة واستعملوا لفظها قبل أن يولد سقراط. ولابد أن تعرض معاني الفلسفة ومذاهب الفلاسفة في العصور المختلفة وتبحث عن أيها أدنى إلى الجراد، إلى عقله إن كنت من أنصار العقل، وإلى بطنه إن كنت من أنصار البطون. فإذا فرغت من هذا البحث الهائل المخيف وصلت إلى الباب الأخير الذي هو نتيجة النتائج وجوهر الجواهر وأصل الأصول وفصل الفصول وخلاصة الكتاب ولب الألباب وهو باب الجراد الذي وجه إليه الإرشاد. وهذا الباب معقد بطبعه فلابد من أن تبحث عن لفظ الجراد من أين جاء والى أين انتهى، ولابد من أن تبحث عن منزلة الجراد بين أنواع الحيوان، ولابد من أن تبحث عن محاسنه وعيوبه، ثم لا بد من أن تبحث عن عقله وما يكونه من الملكات وعن بطنه وما يمتاز به من الخصال في الاستيعاب والهضم وتصريف العلم والفلسفة إلى أجزاء الجسم وأطرافه والوصول آخر الأمر إلى أن يسير الجراد سيرة فلسفية صالحة. فإذا وصلت إلى هذا الموضع من كتابك وخيل إليك أنك قد انتهيت به إلى غايته وأفدت العلم فائدة محققة تمكنك من نيل الدكتوراه من كلية الآداب فعد إلى منهج ديكارت وألغ هذا الذي كتبته كله إلغاء، وافترض انك لم تكتب شيئا ولم تعلم شيئا واستأنف التحدث من جديد فسترى أنك قد أضعت وقتك في غير نفع، وأنفقت جهدك في غير طائل، واستهلكت راحتك وورقك وحبرك وأقلامك في غير غناء، لأن الجراد ليس في حاجة إلى أن يتعلم الفلسفة الإنسانية الآن، فقد تعلمها منذ عهد بعيد؛ فهو أن كان ناهبا سالبا ومغيراً محاربا فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وهل زاد الإنسان على أنه حيوان قوام حياته السلب والنهب والحرب؟ وهو إن كان خفيفا سريعا متنقلا لا يستقر على حال من القلق فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وما أظن أنك تستطيع أن تلقى جرادة تجهل قول الشاعر القديم: تنقل فلذات الهوى في التنقل وهو إن كان مفتنا في الخفة والتنقل فقد أخذ هذا الافتنان عن الإنسان، لأنه يراقب الحضارة وتطورها، ويراقب المبادئ وتلونها، ويراقب اضطراب الناس في آرائهم وأهوائهم ومذاهبهم ومبادئهم، ويراقب الضمائر التي تباع، والعقول التي تمتهن، والحريات التي تزدرى، والأصول التي تتخذ تجارة ووسيلة إلى الربح وتحقيق المنافع الدنيئة. وقد هم الجراد أن يقلد الإنسان في هذا فأدركته بقية من عقله أو من بطنه الذي تستقر فيه الفلسفة وامتنعت به عن أن ينحط إلى هذه القرارة الحقيرة الموبوءة التي انحط إليها الإنسان الحديث، فظل حيث هو يغير كريما ليأكل من ثمرات الأرض ما يستطيع أن يصل إليه، ويعود كريما أن استطاع العودة أو يموت كريما بما يسلط عليه الإنسان من ألوان البأس وضروب الفناء. وأنت حين تصل إلى هذه النتيجة بين اثنتين: فإن كنت من أنصار الفساد وعشاق الانحطاط الذين يرون أن الإنسان قد وصل في هذا العصر إلى أرقى أطوار الحضارة فاستأنف العمل لتبحث عن طريق تهدي بها الجراد إلى تقليد الإنسان في الانحدار إلى هذه القرارة، وإن كنت من المحافظين الذين يكرهون التطور الحديث ويمقتون نتائجه فادع الإنسان إلى أن يتعلم فلسفة الجراد وضع في هذا كتابا اسمه: (التبيان عن تجرد الإنسان) والتجرد هنا مشتق بالطبع من الجراد. وتقبل أيها الصديق العزيز المجهول اخلص تحياتي طه حسين الرسالة – العدد 202 – 17\5\1937
عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.
Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.
عدلي . . . يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف ، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير . ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم الى استبقائها ومد أسبابها . فهم كانوا اذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا ، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة ، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذى أصابهم ، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره ، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون الى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل ، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة .ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا الى الألم متنوعة ، ووسائل الى الحزن متباينة ، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت ، حتى اذا عملت الأيام عملها ، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى ، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا ، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد ، لتقاوم الظروف ، وتمانع النسيان وتستبقى شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي انفسها فيه . كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما ، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت . وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت ، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها . فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين . وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها ، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما . كثرت عليهم الأحداث والخطوب ، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن . وعجزت أعصابهم عن المقاومة ، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها لحوادث ، وتتقاذفها الكوارث ، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة ، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة ، حتى تشب وتقفز مسرعة ، خفيفة ، عنيفة ، تبتغى حادثة أخرى وكارثة أخرى ، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى . وهذا وحده هو الذى يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذى ألم بهم حين نعت اليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله ، فقد وقعت هذه الأناء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم ، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام . أفاقوا وجزعوا ، واشتد عليهم الجزع ، حتى كاد يشبه اليأس ، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه ، وإنما صرفوا عنه صرفا ، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها . وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار اذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه ، ولا يستقبلون الليل اذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده ، يصبحون وهم يجهلون الى أين يدفعهم النهار المضيء ، ويمسون وهم يجهلون الى أين يذهب بهم الليل المظلم . كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم ؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل الى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها ، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج ، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها ، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها ، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب ، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب ، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس ، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع الى الحرج ، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم ، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه ، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه ، لم يعبر جثمانه البحر بعد الى وطنه ليواري في ترابه ، ويدفن في ثراه المقدس . هم معذورون . وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا ، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه . ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون ، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال . والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له . أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان . وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل . ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس ؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية ، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب ، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم . كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله ، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم ، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم ، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة : سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله! كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا ، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم ، ولا يدنو منها شيء إلا التهب . والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة الى أبعد الأماكن منها فتذكى فيها نارا ، وتثير في جوها أوارا ، وتخرج أهلها عن أطوارهم ، وتدفعهم الى حب الحياة بعد الموت ، والعزة بعد الذل ، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان . وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه ، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا ، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة . وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور . وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم ، الذي لا يقوم إلا على بصيرة ، ولا يقبل إلا على ثقة ، وبعد تفكير طويل ، وروية متصلة . ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء ٠ قلما تظفر بمثلها عند الزعماء . ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذى نعرفها به ، ولا طبعت بهذا الطابع الذى يميزها من غيرها من الثورات . كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية . وقد اختلفوا واختصموا ، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا ٠ ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية الى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث ، ويبقى على رغم الخطوب . ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا الى ما كانوا عليه من ائتلاف ، ويثوبوا الى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق ، فصفا بعضهم لبعض ، وسعى بعضهم الى بعض ، ورضى بعضهم عن بعض ، ورضيت الأمة عنهم جميعا . ورضى الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم الى جواره ، يسعى بعضهم في إثر بعض الى دار الخلود وقد أدى واجه ، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق . وكان سعد أسبقهم الى الخلود ، وكان عدلي آخرهم انتقالا الى دار الخلود . ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث ، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح ، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد ، ومضت على وفاتهم الأيام . ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد ، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه ، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه . وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا ، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها ، وحتى تدعوك كلها الى أن تحمده وتثني عليه . وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع ، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا . فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية ، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة . فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية : كان رضى الخلق ، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها ، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق الى الناس ولا تظهر نفسها لهم ، ولا تطمعهم في صاحبها ، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع ، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة ، ولونا من الكبرياء ، فيهابونه وينأون عنه . فإذا اتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه ، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء ، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال . ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية ، وقلبا طاهرا وفيا ، وضميرا كريما حيا . وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة ، وحديث عذب ولسان عفيف ، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو ، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه . والناحية الثانية مذهبه السياسي . فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال ، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق ، لم يكن يتهم في ذلك من أحد . وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد نؤدى الى الطفر بهذا الحق، وتنتهى بمصر الى ما تريد ٠ ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه الى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره ، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه ، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج . فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف ، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى . إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه ٠ كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين ، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف . وكان لا يحسن الحديث الى الشعب ، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ الى قلوب الشعب ، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من الهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد ، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها ٠ فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين : الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة . الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها ، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز ، بل تتجاوز هذا الى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور ، وتنظيم سلطة الشعب ، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة ؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات ، وبأنها ما دامت كذلك فبي التي يجب أن تضع الدستور وان تعلنه لا أن تتلقاه . ومن يدرى ؟ لو أن الظروف وأتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي المت بها فجرت عليها شرا كثيرا . ولست أدرى لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها . فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية ، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره . ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة ، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز ؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية ؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز ؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر ينها وبينهم خلاف : مهما يكن من شيء ، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا . الناحية الثالثة : وفاء هذ الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب ، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية ، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل الى الاستقلال ، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة ، وهي العماد الشرعي الوحيد الذى يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية ؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضى نفسه وضميره في السياسة، فتقدم الى أمته في الانتخابات : فلما قضت عليه اذعن لقضائها ورضى به ، لا يحمل لأمته غلا ، ولا يضمر لها حقدا ، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه الى غيره . ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذى صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم. وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم . ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الاباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة ، أو يؤيد وزارة ، أو بشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور ؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه الى الائتلاف مع سعد حين دعى إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف . وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية ، وكان اعتماده على الدستور ، وكان بقاؤه رهينا يقاء الدستور ؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور ، وكيف أسرع الى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور . ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم ، وكيف أسرع الى الاحتجاج على هذا التغيير ، وكيف أسرع الى التعاون مع المؤتمر الوطني الذى أنكر ما حدث من تغيير ، وألح في أن ترد الأمور الى نصابها ، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني ، فأسرع عدلي الى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة . حياة الكرامة والنعيم . وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال . فاذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي الى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت ، وهى(البروفيدنس) ! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين ، فأرادت أن تلائم ينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟ طه حسين الرسالة – ١\١١\١٩٣٣
عبد الخالق ثروت باشا (١٨٧٣ – ١٩٢٨)، سياسي مصري، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول. تولى رئاسة الوزراء لفترتين في ١٩٢٢، وفي ١٩٢٧. كان له دور فعال في الضغط على بريطانيا حتى تصدر تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢ الذي بموجبه أنهت الحماية البريطانية على مصر واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة.
Abdel Khalek Sarwat Pasha (1873–1928) was an Egyptian political figure. He served as the Prime Minister of Egypt in 1922 and again in 1927-28. He was instrumental in bringing Great Britain to issue its Unilateral Declaration of Egyptian Independence in February 1922, which ended the British Protectorate and recognized Egypt as an Independent Sovereign State.
ثروت . . . انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعوًد بعد الاطمئنان الى انه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه وليس مصدر ذلك انه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقاً في السياسة . فقد اجتمعت له كل هذه الخلال وخلال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين الى حين وفي مختلف البيئات والأوطان ، ثم يمضى هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم . ولكن الناس تعودوا الاطمئنان الى انهم قد مضوا الى حيث لا يعودون ولكن قليلا من هؤلاء زكوا في نفوس أصدقائهم آثارا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارا لا تزيدها الأيام إلا اضطراما ذاك لانهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع ينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها . من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت قاسم أمين وثروت باشا وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسماً واحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله اقرب الى الذكرى القوية منه الى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لان قاسما كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبداً أما ثروت فان أصدقائه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه داما هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبداً ولئن كنت لم اعرف قاسماً إلا من طريق آثاره واحاديث اصدقاه فقد عرفت ثروت واتصلت به واستطيع أن اتحدت عنه لو أن الى هذا الحديث سيلا *** يقولون أن ثروت ظلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما انه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه . أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضا ، ولكن أي تاريخ ؟ لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف ، وكيف السبيل الى ذلك وليس بين المصربين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل اثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرا عميقا بعيد المدى كثروت . نعم ليس بين المصربين في هذا العصر الحديث من اعطى امته الدستور ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من كسب لامته الاستقلال ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت . فهو الذي فعل هذا كله . وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهوداً وتجشم إليه أهوالا واتصل في سبياه بأصحاب السلطان هنا وهناك ، وكان ينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يعرف منها شيء ولن يعرف منها شي، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة ،فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء . ولم تنته تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة :فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولاً شطراً طويلاً من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن رحم الله ثروت ورحم الله قاسما إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال : إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي انفق حياته السياسية عاملا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل ! لم يتكلم حياً ولن يستطع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتا ، فهو بهذا اصدق مثال وأقواه لهذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم وهو كقاسم عمل حيا وأوذي في حياته وهو كقاسم يعمل ميتا دون أن ينصفه الأحياء ولكن قاسماً عمل ويعمل للمرأة . أما ثروت فعمل لمصر كلها . قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكلا لم يخطئ حين قدر إنه يحرر الشرق كله ثروت باشا صديقاً غير اني لم اكتب لأتحدث عن ثروت زعيماً إنما كتبت لأتحدث عنه صديقاً. ولعل خير حديث عن ثروت صديقاً إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملا نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس . ولعل اصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان . كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين ، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يفشون داره صباحا ومساء ما دام إليه الأمر حتى اذا اعتزل انكروه وجهلوا الطريق الى داره. وكان ممن حضر جماعة الحوا في الزراية على هؤلاء وتنقصهم واخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه الى أن يظهر رأيه ، فقال مبتسما : من اخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس لها أو حكهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت لها وحكمك أنت عليها . فانت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلاناً يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة ، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نقسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة . ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة . ولقد كان مزاجه رحمه الله صفواً كله . ولقد كان طبعه – رحمه الله نقاء كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها . فليس غريبا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلا الى تكديرها أو النيل منها . ذلك لان صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد ينه وبين بعض الناس حتى تنتهي الى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كرمة خالصة . ويكفي أن ترجع الى احاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها لهؤلاء الخصوم فسترى ا نه بذكرهم دائما – ولاسيما الذين كان يختصهم المودة قبل الفتنة- بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك اشد التأثير ولقد اذكر اني كنت عنده ذات يوم فأنبأني إنه كتب الى سعد – رحمهما اللّٰه- كتابا يقترح فيه عليه الاحتكام الى جماعة من صفوة المصرين فيما شجر بينهما من خصومة . وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى اذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن اثني عليه بل قال : وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة الى لحظة . وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فاسرع إليه ثم عاد مبتسما وقال : تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف . ولبثت انتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد . فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب اسطراً حتى نهض واخذ يمشي في الحجرة ذاهباً جائياً لا يكاد بمسك عن الكلام إلا مضطراً . . . ولكني اشهد انه ما ظهر على ثروت – رحمه اللّٰه -غيظ ولا حفيظة ولا موجدة ، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفق الى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق … وتبينت يومئذٍ إنه كان لا يزال يحبه ويبر به وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له . كما انه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق الى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وتروت ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة . ومهما انس فلن انسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد رحمه اللّٰه – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت ومخايله ولحظاته وعن تصوير هذا كله لما يضطرب في نفسه من العواطف والميول . أما أنا فاستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت واشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة . ومهما انس. فلن انسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢ . في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي ابلغ هذا الإثم الى ثروت في الإسكندرية بالتلفون . فلما وقع في سمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين … فسمعت منه آهة فيها كل شيء : فيها الحزن العميق . وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني : هل قبض على الآثمين ؟ قلت .لا . قال يكفي . وانصرف اني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلي لينقطع اسىً وان نفسي لتتفرق لوعة وان شطراً غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وان كثيرا من هذا الخير الذي أتمثله لمتصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت *** سمعت صوت ثروت لأول سرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد اقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قراراً لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة الى الصحف . وكان صوته حازما وكان صوته عذبا ، فأحببته وملت إليه . ولكني لم اتصل به. ومضت الأعوام وانا لا اعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة ، وكنت قد عدت من اوربا ، وكنت أتأهب لاستئناف السفر ، وكنت قد كتبت مقالا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ محمد المهدي وشكاني الى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة . واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا الى الجامعة فرآني الأستاذ احمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمني الى معالي ثروت باشا وزير الحقانية .فاخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب اليًَ فيها الرفق حين اكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد . ففهمت اني لم افصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفاً زادني بالرجل حبا ، وعرفت يعد ذلك بساعات قصار اني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة الى اوربا ومضت أيام البعثة كلها لم الق فيها ثروت ولم اسمع من أمره بشيء ثم عدت الى مصر فلقيته وخرجت من عنده اشد الناس حبا له وإعجابا به وشكرا لحسن لقائه وكان هو الذي قدمني الى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة . وما كان اشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني الى الجهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجد واختلف رحمه ﷲ الى درسي أياما يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى اذا كان آخر الدرس اقبل الي فصافحني في ظرف ودعة وعرفني بنفسه ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه اللّٰه اعطف أهل الجامعة علي وارفقهم بي وأشدهم إلحاحا علي في ألا اخلط ين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفاً لي عما أنا فيه من الدرس والجد وكانت لثروت – رحمه الله قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان اذا جادلك لم يليث أن يتسلط عليك ولاسيما حين يجادلك في امر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحاً مخلصاً تحس منه في غير شك انه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه . كنت اعرف منه هذا فكنت احبه وكنت أخشاه وكنت اذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه . اذكر اني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة لخلاف كان بيني وينه رحمه اللّٰه في مادة من مواد لائحة الجامعة . واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن استرد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى اليّ وهمس في أذني : لا اطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما اطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت فانا : اخشى أن نتكلم قال: فانا آبى أن تستقيل. قلت : إن كان الأمر على هذا النحو فانا مذعن لما تريد. قال . أنا لا احب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن . افتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث ؟ ثروت « والشعر الجاهلي» رحم اللّٰه ثروت …كانت الخصومة ينه وبيني في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل . وكان – رحمه اللّٰه – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة ( ولم يكن فيها ) بشيء من الحق ، وان يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة .وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر « الجاهلي » وارجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم . واقبل علي بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت انه كان يأسف اشد الأسف لأنه لم يكن يقدر اني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة زرته بعد ذلك ، فلقيني ضاحكاً ثم وضع يده على كتفي وقال : إن حرية الرأي اكرم من إن يعبث بها العابثون مهما يكونون ، وثق بان أول اثر لما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا . ولكني اطلب إليك أن تثبت للعاصفة والا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف . فانت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات ولولا نصيحة روت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر رحم اللّٰه ثروت . لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدا وما لن استطيع أن أتحدث عنه الآن . ولكني اذكر يوم ظهر تقرير النيابة في امر هذا الكتاب فاستقلت . وطلب هو الى وزر المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت . فطلب الى مدير الجامعة أن يطلب الي أن ازوره . فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسما وما هي إلا دقائق حتى اقنعني بان استقالتي خطأ . ولكنه كان اظرف واكرم من أن يطلب الي استردادها فأمر بالإعراض عنها . طلبت إليه ذلك اليوم أن ادع الجامعة وأن انتقل الى عمل آخر اذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة . فقال : قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك علىَّ أن أجيبك إليه ، ولكن للجامعة علي حقا آخر . كيف تتريد أن تقاوم رجلا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة ؟ ثم مضت اشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في اثرها أن ا نقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت . وكلفت أن ازور رئيس الوزراء ،وكنت مصراً، وكنت اعلم اني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت إن أجيب دعوته . وانكر عليَّ الناس جميعا هذا الإباء ولكني طلبت الى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء اني لن أراه ما دام إليه الأمر ، فاذا ترك الحكم فسيراني . فسكت وسكت . وانتهى كل شيء واستقالت وزارته . وذهبت إليه أزوره . وكنت اقدر اني سأجد منه عتبا ولوما . ولكني لم اجد منه إلا ظرفاً وعطفاً ، ولم الق منه إلا هذه البشاشة التي اعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعا وخصومه جميعا والذين لا يحفظون له ودا ولا يضمرون عليه حقداً . لقيته ذلك اليوم واطلت المجلس عنده ، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة . وانصرفت من عنده وانا اقدر اني سأراه بعد قليل … ولكني لم اره منذ ذلك اليوم ولن أراه *** لم أتحدث إليك مما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء المكن في اكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة ، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لان الرجل كان وفيا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطوراً على المودة والوفاء فيها وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف علي ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟ ماذا كنت أكون من ثروت رجلا كغيري من الناس ؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من اخلص فلنفسه . وقد احسّ ثروت مني إخلاصا في حبه ، وما أرى إلا انه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف علي ورفق بي واخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى حملني على أن احبه فأحببته ولم اقف ولن اقف في حبه عند حد وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكّرته اني حين عدت من اوربا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي . ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب الى الحب . واذكر انه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه اللّٰه فقال : لو عرفتهم لأحببتهم حبا لا يقل عن إعجابك بهم ٠ وقد عرفتهم فأحببتهم . ولكني عرفت ثروت معرفة لم اعرفها أحدا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبا لا حد له كما قلت : رحم اللّٰه ثروت… كيف استطيع أن أنساه أو أن اقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يوما ما وانا لا أكاد اذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من اوربا إلا ذكرت ثروت واثره فيها . لقد كنت اركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء . ولقد كنت اجد منه في هذا كله عطفا لا يشبهه عطف . وودا لا يشبهه ود . ولقد كان يزيد من اثر هذا الود والعطف في نفسي ماكنت اشعر به من ا نه كان عطفا خالصاً وودا لا تشوبه شائبة . ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث ، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفاً . ولكني اعتقد أن ثروت كان اعظم هؤلاء الزعماء جيعا حظاً من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته واكثر ما تظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة نعم . إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع الى التصفيق والصياح . ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية . واقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خير في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه لما تردد ، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه رحم اللّٰه ثروت . لقد انقطعت يننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين ، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان الى انه قد مات وما أرى إنا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينالها ضعف أو خمود وان الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة ، وان ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء رحم اللّٰه ثروت . لثن كان رهين قبر في الصحراء فان شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدا هليوبوليس طه حسين المقتطف – ١ ديسمبر ١٩٢٨
توسل . . . أما المتسولون فهم الجامعيون ، وأما الذى تبتغى إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد ! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة ! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملا ، أم هو مجلس الجامعة مختصرا . ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقا من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد ، ليرفع عنهم ثقلا يجدون ألمه في نفوسهم ، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه ، وهم في أكبر الظن مضطرون إلي احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير . زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات ، ومن مجلس الجامعة أيضا ، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات ، إلا أن ينهضوا بتعليم ماده لا أستاذ لها ، فهم حينئذ يقومون مقام الأساتذة ذوى الكراسي ، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية ، حتى إذا عين لمادة من هذه المواد أستاذ ، أخذ مكانه في المجلس ، واخرج الأستاذ المساعد منه مشكورا أو غير مشكورا قالوا وأريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات ، فإذا كثرة المجلس مصرية ، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين ، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوى الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم ، وزهدوا في تجديد عقودهم ، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة ، أحدهم مصري ، والآخران أجنبيان ، قالوا : ففكرت الجامعة وقدرت ، وأرادت أن تفسر القانون تفسيرا معقولا فيه شيء من السعة ، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها ، وإذا فهم يستطيعون أن يأخذوا ، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية ، وأن كان مجلس الجامعة محرما عليهم . ولكن هذا التفسير الذى وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية ، ضاق باثنين ، وبأثنين ليس غير ، فرد هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد ، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون ، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية ، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما ، ففكر الإخوان أيضا وقدروا ، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني ، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم ، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلى بالتكافؤ في الحقوق والواجبات . قالوا ، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة ، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأى مجلس الكلية ، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجا على التقاليد ، ولا شذوذا على النظام ، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين ، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون. وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذى أدخل على نظام الجامعة ، كان بعيدا كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة ، وعن أن يلائم كرامتها ، وعن أن يلائم الكرامة الطى تجب المصريين أنفسهم في بلادهم ، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية ، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأستاذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات ، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة ، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات وكان الذى دفعهم إلى ذلك أمرين : أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم ، واعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذى لا يقيم فيها إلا قليلا ثم يعود إلى جامعته الطى جاء منها ، فلابد إذا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية ، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات ، ومجلس الجامعة ، ليشرفوا بعض الشى على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة ، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذه عنه ، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم ، كانوا موفقين كل التوفيق ، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون ، لما استطاعت الجامعة أن تخطوا خطوة واحدة إلى الأمام . وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر ، ولا علم لهم بشؤونها ، ولاحظ لهم من لغة أهلها ، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة ، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة ، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعا ، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية ، فضج مدير الجامعة ، وضج وزير المعارف ، واضطربت الأمور اضطرابا شديدا وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة ، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود ، وصرف بعض العمداء إلى آخر مالا حاجة إلى إعادة ذكره الآن . والأمر الثاني الذى فكر فيه الشارعون للنظام القديم ، هو أن الجامعة مصرية ، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال ، وأن طبيعة الاستقلال تقتضى أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم ، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكا قويا في تدبير أمور الجامعة على اختلافها ، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيرا ، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقا في هذه الأعوام الأخيرة الماضية ، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية ، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي ، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات ، فكيف خطر لسادة اليوم ، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر . نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جدا ، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها ، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور على باشا إبراهيم ، جد في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته ، ولكنه لم يوفق ، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلا ، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون يمثل هذا التعديل ، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم ، هو الذى أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين ، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى ، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب الطى أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات ، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث ، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية ، والعزة المصرية ، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهى ديمقراطية تنكره كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة ، وهى لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم ، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثرا في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات . يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة ، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذى يكف اليد المصرية قليلا أو كثيرا عن شئون الجامعة ، والذى يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة ، وسلطان الأجانب من جهة أخرى ، والذى يلقى على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئا من الذلة ، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن. حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء ، والذى انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلي أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أخرجا منه . وهما من خير أعضائه ، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية ، فتتوسل . إلى الوزير في أن يبقى أعضائها المصريين ، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك ، أن تعديل القانون من هذه الناحية ، كان إسرافا في الخطأ ، وستضطر الجامعة إلي أن تلح في أن يرد القانون إلي ما كان عليه ، ولكن من الذى يضمن أن تتصل التجربة ، حتى يظهر فساد هذا التعديل ، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ . وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟ . ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه . طه حسين كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣ .
طغيان . . . إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم . والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه . أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى . ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها . وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم . نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص . ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين . أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه . فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه . فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة . ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون . يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول . طه حسين جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ .
جهد !!… جهد ضائع هذا الذى تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء ، وفى اللجان الوزارية ، ثم في هيئات الفقهاء ، فمجلس الوزراء ، فالمجالس النيابية ، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به ، بل ليس مرغوبا فيه ، فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا ، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلي غاية ، فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع ، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء ، وكيف يتورطون فيه والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده ، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى ، خطيرة قبيحة ألا تر في حياة الناس ، شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة . فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها ، وتهزأ بمرافقها ، وتشرع القوانين ، ثم لا ترعى لها حرمة ، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم . نحب أن نعلم فيم غير قانون الجامعة ، وفيم تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد ، وفيما اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون أنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه!؟ . لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم ، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة ، ومحوا لحقها في الحرية ، وقضاء على شخصيتها العلمية . . وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير ، ونشتد في اللوم ، وكنا نلوم البرلمان علي إقرار هذا التغيير وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم فقد ظهر الآن أنا كنا مخطئين أشد الخطأ ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضى حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة . فلابد من تغييره هو أيضا ، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة ، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي ، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير ، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه ، ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطئون ، فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلي اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم ، وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة قصة اختيار العميد لكلية العلوم !! . كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوى الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات ، وكان راي مجالس الكليات لا يقيد الوزير ، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا ، ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية ، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس ، لم يشذ منهم احد في ذلك. فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة خيل إليه في أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوى الكراسي ، علي أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار، وانفذ القانون في الكليات الطب والحقوق والآداب ، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين . فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون ، ولما يمض على صدوره شهر . . . اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته فكانت نتيجة الانتخاب السرى أن أقصى العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها ، ولكنهم لم يقدروا انه سيضعف عن احتمالها ، وسيتجاوز حدود القانون الذى وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان ، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة ، ويرعى حرمتها ، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن يحفظ للجامعات ، ولكن عمل الوزير اثبت أن الجامعيين كانوا واهمين اشد الوهم مخطئين كل الخطأ، فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا ، ولكن ثقا هذه النتيجة ناء به ، وناء بالجامعة معه أيضا ، زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن قنع هؤلاء المرشحين المصريين بان ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب وينفذ العميد السابق بين المرشحين ، وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون ، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين ، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه . قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال ، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم ، وجادلهم ، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا ، هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا ، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال ، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد ، وذكر النقل والتشريد ولست ادرى كيف انتهى الحوار ولكن الشى الذى لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول الغى وأعيد مكانه انتخاب جديد نفذ فيه العميد الإنجليزي السابق ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني ترفع الى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمورا هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدا منذ أمس . في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذى وضعه الوزير نفسه ودافع عنه وليس لهذا التجاوز مصدرا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز، وفى هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا . أليس رئيسها هو الذى رد على مكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ امر الوزير، فطلب الى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي ، والح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة ، فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها وهى بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحصوا لها على الاستقلال!! وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعوراً قويا رهيبا يضطرها الى أن تطلب الى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز …. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها ، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها ، من مدير الجامعة بالنيابة ، ومن وزير المعارف ، فقد قبلوا أن يخالف القانون ، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب ، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد إنجليزي. ثم يتهم المصريون بعد ذلك بانهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون انفسهم بالخير من دونهم، وفيها عبرة أخرى وهى أن المصريين لن يفوزوا بشيء ، ولن يصلوا الى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم علي هذا النحو وما داموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون . طه حسين كوكب الشرق، ١ يونية ١٩٣٣ .
الثعبان كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة ، فصيح اللسان . لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد ، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح ، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا ، وعقلا لا يرى حوله إلا شراً ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذى يشمل كل إنسان ، وكل شى ، والذى يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئاً ، ولكنه قوى ملح كأنه ضوء الشمس ، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب ، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصباً وقوة ونشاطا . وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره ، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شى من العنف لم يكن المصريون يعرفونه فى ذلك الوقت ، وإذا هو لا يستقر فى مكانه مهما يكن هذا المكان فى دار أو ناد أو قهوة أو ديوان ، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت فى مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب ، وإنما يذهب ويجى ويأتى من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر فى وجهه ، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام ، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف ، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التى تتتابع سراعا فى مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية ، وإذا أصحابه يأخذهم شى من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب ، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف . وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور فى ذلك الوقت تجرى فى مصر كما أخذت تجرى منذ كان فى مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان ، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضى إلا لتقف فقد كان فى مصر احتلال أجنبى يتغلغل سلطانه الظاهر والخفى فى جميع المرافق العامة والخاصة ، وكان فى مصر سلطان وطنى شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى ، ويحاول أحيانا أن يرضى أولئك وهؤلاء ، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء . وكان هذا كله يفسد الجو المصرى ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفى نفسهم إشفاق من الأخرى ، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا فى الأندية والقهوات والدواوين واندسوا فى المجالس الخاصة . فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبى أو إلى السلطان الوطنى . وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك . فكان المفكرون وذوو الرأى يعيشون فى قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك . فليس غريبا أن يثير صاحبنا فى نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك ، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شى . وكان صاحبنا حديث عهد بأوربا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التى لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية فى ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسى كما كانت تغل حياة المصريين فى ذلك الوقت أيضا ، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه فى أن يأتى ويدع من الأمر ما يشاء وفى أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذى غيره بقول أو عمل . وقد شارك فى هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون فى أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه فى الحياة المصرية من قريب أو بعيد ، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن فى أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية فى القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقى وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان . فعاد إلى مصر وللغيظ فى قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدى من ثورته أو فورته ، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شى والضيق بكل شى. والحرص على تغيير كل شى. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين . ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها ، وكانت تتكرر أحياناً أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها . وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها ، ورأى فى هذا الإعجاب وفى هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقاً شديدا . وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفى حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التى ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا . ولم يكد يستقر فى أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما . فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى . لم ير تغيرا فى الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال فى الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد . حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبى ولا باحتياط السلطان الوطنى ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التى ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذى كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تحفل بشى من هذا ، وإنما تمضى أمامها لا تلوى على شى ولا يردها شى ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا . ورأى المصريين يقولون فى كل شى لا يتحفظون ولا يتحرجون . ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبى، وهم لا يرضون عن النظام السياسى الوطنى، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها فى رفق مرة وفى عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح . ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقى بعضهم بعضا إلا فى الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقى فى الحياة المادية والعقلية . رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه . ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضى كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جاداً فى الإصلاح طامحا إلى الرقى مطالبا بالاستقلال . ولكن إقامته فى أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شى من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقى الشر أن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقاً جديدا . كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقى والطموح ، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم فى توثبهم إلى الرقى والطموح . ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصرى الجارف إلى التطور العنيف وهو فى الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية ، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون فى مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حيناً آخر. وقد زاده حرصاً على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب فى أوربا وشقى بما لقى فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفى نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة فى أن يعوض الوقت الذى أضاعه فى أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائراً فائراً مطالبا بالإصلاح . وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين ، فريق يعتدل ، وفريق يتطرف . فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء . وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها ، وأثنى عليها ولم يشارك فيها ، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل فى ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذى لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين . وكذلك كنت تراه فى مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه فى مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه فى كل حفل يقيمه المعتدلون وفى كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء . ولكنه كان ماهراً أشد المهارة فى الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء . هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر . وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور فى نصابها واطمأنت القلوب فى الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث . وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين فى المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة فى التجديد بنوع خاص . ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعى حين تمتحن مصر فى آمالها وأمانيها وفى حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويحدد المحافظ إن كان صادقا فى اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف. ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله ، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله ، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث . وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم ، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم ، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين ، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأى فى السياسة والنظم الاجتماعية . وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها . ثم أصبحت المحافظة فى بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا فى النعى على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة ، ولكنه فى الوقت نفسه لم يقصر فى ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه فى المحافظة ، وفى أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب . شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم ، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك فى سياستها ، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأى جميعاً . قلت لصاحبى أتستطيع أن تحدثنى بما تريد إليه من هذه القصة التى لا تنتهى . قال صاحبى لا أريد إلا إلى شى ء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى فى أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبى ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر فى مصر الثعابين . طه حسين البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.
أجد أم مزاح يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواما طوالا . ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذى رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين . ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذى أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت فى غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام . يقال هذا ويقال أكثر من هذا . فهل يأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه ، وفى أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين . وإنما هذه الحرية التى أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التى يقول فيها قوله المعروف : صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً ، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقى فى أعناقنا وفى أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقى من القيود والجوامع والأغلال. وتفسير ذلك يسير جدا فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية فى حدود معينة وشروط مبينة فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا فى الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئا . ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء ، وما قيل حوله من الكلام ، وما كتب حوله من الفصول، كلاما آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون فى باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أى منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأى . وفى هذا الكلام أن نظاما للحرية قد أقيم فى مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان ، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق ، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التى يثق بها الناس، ولا للأوبرا ، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحرارا كل شى على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء . كذلك قال الكاتب الفرنسى سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئا يشبه ذلك سنة ١٩٤٥ . ولست أرى بين الكاتب الفرنسى وبيننا فرقا عظيما فكل هذه الموضوعات التى أشار إليها الكاتب الفرنسى يمكن تأويلها نحوا من التأويل ، وتمكينها نحوا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التى لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكرى العام وأعوانه من الرقباء . وكل ما فى الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون فى دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكرى أن يستقروا ، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره ، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام ، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء . ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التى أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ ، وفرح النواب ، وصفق الصحفيون ، وابتهج الشعب فيما يقال . فليأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أفرح ، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئا، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضى بها غيرى فلست أرضاها لأنى لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذى يخدع بالأوهام ويعلل بالأمانى والآمال . إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام ، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغى هذه القيود التى تقيد الحرية إلغاء صحيحاً ، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه . فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إنى قد أجزت لك الحرية وقتا ما ، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم فى إحسانك حين تحسن وفى إساءتك حين تسىء . فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشىء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطى من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء ، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتى من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد ، ولسان الشعب الذى يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان . فهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه البرلمان! كلا ، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغى أن ينتهى! إن مثل هذه الحرية التى يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التى تحب الحياة السمحة فى الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد فى فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت فى الشكوى ، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها ، فلم يرسلها حرة تهيم فى الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجى تظن أنها حرة . ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضى إلى غير مدى ، وإنما هى مضطرة إلى أن تقف حين ينتهى الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجى . هذا هو المثل الدقيق للحرية التى أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم فى أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية فى الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغى أن تعدوها وآماد لا ينبغى أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام فى مكتب الحاكم العسكرى ولا فى مكاتب الرقباء وإنما تقام فى مكتب النائب العام وفى دور القضاء . وهل يريد رئيس الوزراء مثلا آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا فى دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى استقروا فى مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شى بهذه الدمى التى يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى ، والتى يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار ، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حينا آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه. أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذى يلائم شعبا كريما يريد أن يحيا حياة كريمة فى ظل دستور حر كريم . وفيم هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه . ونحن متفقون على أن الغلو فى حمايتها احتياط لابد منه ، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذى يمنع الحكومة من أن تتقدم فى شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان فى هذا العام هادى مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع . فلو قدمت إليه القوانين لما تردد فى أن يجتمع ولما تردد فى أن يعمل . وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية ، أخشى أن يلقى فى روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام . ولست أشك فى أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضا أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغى هذه القيود إلغاء صحيحا يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفا على رضى البرلمان . فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإنى أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الأجراء الذى يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدا لا فكاهة وحقيقة لا وهما ، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلى العسكرى . فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها فى مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح . طه حسين البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.
وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . . الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم ، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً. نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير . ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقى أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحى أبولون ، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجنى ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين. ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقى والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن ، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب ، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبى منه من الضرائب . ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذى يعيشون فيه ، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل ، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف ، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه ، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروى صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمأوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون ، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادى محمد على ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء ، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم. أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم ، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال ، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهى الأداة. إن صدقي بشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج ، كلا يا سيدى إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفي ، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سيأسى أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل. ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم ، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان . وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكنى أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية . فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه ، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله . وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية. انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم ، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذى يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذى يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب . وما ترضى به وزير الأشغال الذى يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمى الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء . ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ . فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ . إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدى إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية . فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنياءنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بأسا أو ترفق بمحروم . ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام . أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا . كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذى لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضأ يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغنى يشكو إلى بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكنى فكرت فيما بيني وبين نفسى أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وانى في هذا الوقت الذى كان يتحدث إلى فيه هذا الغنى لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغنى بائساً لأنه قد نصف إيراده مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأنى لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال. طه حسين المصري، ١ أبريل١٩٤٤.
In February 1912, when this article “Ṭarīqat al-Iṣlāḥ” (The Method of Reform) appeared in al-Muqtabas, Taha Hussein was not yet 23. At that time, he was studying at the Egyptian University (founded 1908) and already distinguishing himself as one of its most brilliant students. He would leave for France later that same year, in 1912, to pursue higher studies at Montpellier and later at the Sorbonne.
في فبرايرعام ١٩١٢، عندما ظهرت هذه المقالة بعنوان “طريقة الإصلاح” في جريدة “المقتبس”، لم يكن طه حسين قد أتمّ بعد عامه الثالث والعشرين. في ذلك الوقت، كان طه حسين يدرس في الجامعة المصرية (التي تأسست عام ١٩٠٨)، وكان قد بدأ بالفعل أن يتميز كأحد أبرزطلابها. وقد سافر إلى فرنسا في وقت لاحق من العام نفسه (١٩١٢) لمتابعة دراساته العليا في مونبلييه.
طريقة الإصلاح لا اعرف في إصلاح اللغة إلا طرقا ثلاث قديمة غير جديدة أي أني لست مبتدعاً لها بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول – الثانية شعور القراء بفخامة ذلكم المجد الضائع والشرف المفقود شعوراً يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألف الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطر يق شأواً بعيداً فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود وقد قر أت للحكومة في السنة الماضية قرارا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا وكن مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة أو أني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر – الثانية تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليها تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أرت إليها آنفاً وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائه والتلمس لدوائها وقد وجدت منذ سنين لسيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال. الثالثة تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العر بية قلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي ولست أرى لأكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانها الصغير الذي خطبكم فيد منذ أيام فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشى الخلاق والعقول فقد حق له عليّ الثناء الجيل وقد حق علينا جميعاً أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلاً نستطيع أن نضن للغة استرداد مجدها القديم. طه حسين المقتبس ، ١ فبراير ١٩١٢
وثبتان . . . كلتاهما بعيدة المدى ، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها فى حياة مصر . لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها . أما أولاهما فهى هذه التى كانت حين أعلنت الثورة فى دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم ، وقوانينه تصدر باسم الأمة . وما أشك فى أن المصريين قد وجدوا فى أعماق نفوسهم وضمائرهم ، هذا الشعور الذى كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه ، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة ، والإباء المصرى الصريح ، والقوة التى تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم ، كانوا لا يفكرون فى أمر يأتونه أو يدعونه ، ولا فى خطة يضعونها ، ولا فى قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!. والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم ، وقادتهم ، والمسئولين من حكامهم ، كانوا فى كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم ، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط فى التردد والاضطراب ، ويلقى فى روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هى دائما إلى ذلك المحجب فى قصره ، وهى أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله انهيارا . ومضى هذا كله إلى غير رجعة ، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا ، واستطاعت أن تجليه وتجلى معه سلطانه إلى ما وراء البحر. ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها فى تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب ، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء . وكانت هذه هى الوثبة الثانية التى أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وأبائها واستقلالها حقائق واقعة ، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أمانى يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون. قالت الثورة للملك السابق : التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع. وقالت الثورة للإنجليز : يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التى لا تشوبها شائبة . فطاولوا وماطلوا ، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التى سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل . ولكن الثورة ثبتت فى مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت ، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة ، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت فى روعهم وأقرت فى ضمائرهم ما ألقته فى روع المصريين وما أقرته فى ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والاباء ، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم ، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون ، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم ، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن . فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا ، وما أرادت مصر والسودان ، وهم قارون فى وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون فى قول ولا عمل، ولا يسرفون فى إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها ، وقالوا : لا ولم يقولوا غيرها ، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف ، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد. فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها ، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر فى هذا الدرس الذى ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة ، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم ، وصدق الرأى وتصميم الإرادة . كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب فى غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم : إذا هم ألقى بين عينيه غرمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر فى رأيه غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا وهذا الدرس الذى ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التى أنزلت الإنجليز عند رأى مصر فى أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر فى السادس والعشرين من شهر يوليو الماضى هى وحدها التى ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا . نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله . هذه هى الخصال التى لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم فى سبيلها العقاب إلا ريثما تزول وكلما قوى التجاوب بين الثورة والشعب وقوى إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية فى سبيل الحق . كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالا . ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن ، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل فى حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التى ائتمنت نفسها على حقوقنا والتى إئتمناها نحن على حقوقنا ، والتى ستؤدى إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها . وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا فى غير مماحكة ولا مداورة بنعم أولا . فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض فى المماحكة وأمهر أمم الأرض فى المداورة والالتواء . هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده ، وإنما قهرنا بها الطغيان كله فى نفس الملك السابق وفى نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز . وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا فى غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد فى القول والثبات على الرأى والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار . وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم فى أول الطريق وأن حياة الشعوب شى يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجرى دائما على ما يشتهون . فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا . يجب أن يجلو الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضى فى سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا فى سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب . وكنت إذا قوم رمونى رميتهم فهل أنا فى ذا بالهمدان ظالم متى تجمع القلب الذكى وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة، فهي سراب يخدع الضعفاء ويخدم الأقوياء
سراب لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التى أنشئت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الاقوياء وأوهام الضعفاء ، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل فى الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف ، ويطمئن القلق ، وتستقر القلوب بين الجنوب . لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديا ولم تقمع باغيا ، ولم تقر أمنا ولم تشع عدلا ولم تزد على أن أنفقت مالا كثيرا وملأت الأرض كلاما وأوهاما ، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والاقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم. ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسا للسلم ، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التى ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر. ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الاطلنطى فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه . كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك فى بلاد اليونان التى كانت حليفته فى الحرب ، والتى اصطلت النار الألمانية ، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الانجليزية أيضا . لم أؤمن بشى ء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الاخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشى فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين فى أحدهما الرحمة وفى الآخر صنوف العذاب . وهم يبرعون فى بذل الوعود كما يبرعون فى أخلافها ويمتازون فى إعطاء العهود كما يمتازون فى نقضها ، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفا ، وأهون من أعظم الناس هوانا . كذلك تملق الانجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب ، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا فى البغى والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل فى مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التى أعلنها فى ميثاق الاطلنطى فقال : تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول . وما كرهت شيئا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك فى هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت فى شى ء قط كما شككت فى مجلس الأمن هذا الذى لا يؤمن أحدا ولا يرد إلى أحد حقا ولا ينصف مظلوما من ظالم ولا يصد معتديا عن عدوان والذى سميته غير مرة مجلس الخوف . ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد . ولم نر قط قويا اعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض . وإنما الأقوياء بين اثنتين دائما ، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون ان لم يجدوا إلى البطش سبيلا . وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع فى كل ، عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال . وهذا مجلس الأمن يجتمع فى كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفا آمن ولا باغيا كف عن بغيه ، ولا مظلوما أتيح له الانصاف ، ولا ظالما آثر العدل والقصد . وإنما تجرى أمور الاستعمار فى ظلهما كما تعودت أن تجرى لم يتغير منها شى . شعوب تستذل وتستغل فى غير رفق ولا لين وفى غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلا إلى شى من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروها . وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب ، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلي أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضى فى جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين ، والله خير الحاكمين . وأروع من هذا كله وأبرع ان ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل فى الدفاع عنها الجهود التى لا تحصى ، وتوضع أيدى هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه فى مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التى يقع فيها الظلم المنكر فى كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذى يقال ، والجهود التى تبذل ، وينتظر العالم هذا القرار الذى ستصدره الهيئة أو المجلس ، والذى سينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل فى حياة راضية آمنة . ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء . هذه الدماء التى تسفك وهذه النفوس التى تزهق وهذه الحقوق التى تهدر ، وهذه الحرمات التى تنتهك ، وهذه الشعوب التى تصبح وتمسى فى شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان . كل ذلك لا خطر له ولا ينبغى أن يكون له خطر. وإنما الشى الوحيد الذى يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص ، وتضحى فى سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء ، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل، اتفاق الدول المستعمرة قائما لا يصل اليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلا . فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغ بريطانيا العظمى على من تريد ان تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما ، وانما المهم أن تظل الدولتان على شى من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد ، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التى لا توافقها فى المذهب ولا فى الرأى، ولا فى تدبير شئون المال. الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء ، ومنفعة الأقوياء فى أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغى أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال. كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شى ، وبعد كل شى ولا عليهم أن يضحى بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة . ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون . فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضا ، وقد يصدم بعضها بعضا ، وقد يجب أن يضحى ببعضها فى سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغى أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبى وإن كرهه الشعب الفر نسى وقد ينبغى أن تمضى فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية فى غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التى لا تعرف لها غاية . وقد ينبغى أن تضحى بريطانيا العظمى بشى من تجارتها فى الشرق الأقصى وفى شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديا . وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم فى أقطار أخرى من الأرض . وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شى، من المصاعب أو العقبات . فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت فى غير طائل ، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التى ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين. وأذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها ، صورها الشاعر العربى القديم أروع تصوير وأبرعه فى بيته الخالد . ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدا ولا نرضى أن يظلمنا أحد . طه حسين الجمهورية ١١ ديسمبر٣ ١٩٥ .
لقد سئمنا هذا الحديث المعاد عن المفاوضات، وحان أن ننتقل من القول إلى العمل
الحديث المعاد . . . لم أعجب قط لشىء عجبى لأن المصريين لم يملوا المفاوضات ، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب . وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافا ، وإلا بغضا وحقدا وفسادا . مع أن التجربة هى خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه . انى لأقرأ أحاديث الإنجليز فى هذه الأيام عن المفاوضات التى أخذنا فيها منذ حين ، فما أشك فى أنى أقرأ نفس الأحاديث التى كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلى رحمه الله يدير المفاوضات والتى قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين فى لندرة أو فى القاهرة . فأعجب كيف لا نسأم نحن ، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد . وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء فى مصر . فهم لا يكرهون شيئا كما يكرهون الجلاء . وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون ، فأما نحن فلا نحب شيئا كما نحب الجلاء . فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول . فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا وكتبنا حتى ملت أقلامنا . وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير وآن لنا أن نسدل الاستار دون هذه القصة السخيفة التى لا تريد أن تنقضى وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل . وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها . وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الاصلاح على اختلاف ألوانه لا فى هذا الانتظار الممل الذى يميت القلب ويفل الحد ويرد إلي اليأس المرهق للنفوس وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشوا أحرارا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبى وعرف العالم له حقه فى الكرامة والعزة والاستقلال . لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابا وشيعا يمكر بعضها تدمير بعض فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا وأن نبين لهم فى وضوح لا يحتمل شكا ولا لبسا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعا وأحزابا ، ولن يلقي منا الآن إلا شعبا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهى فى أقصر وقت ممكن إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطى كله ، وإما إلى شر لن يؤذى المصريين وحدهم ولكنه سيؤذى الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض. قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز، بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها ، وسئمنا الانتظار كما سئموه ، وأصبحنا لا نريد إلا شيئا واحدا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل ، إما فى تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما فى تحقيق الجلاء الذى لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب . إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلى وحده ، وإنما ثارت على الطغيان الخارجى أيضا . بل إن ثورتها على الطغيان الداخلى لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التى تجعل مصر للمصريين حقا وصدقا . والتى تشعر المصريين جميعا بأنهم قد أصبحوا فى وطنهم أحرارا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعانى . لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر ثم مضت الأعوام ولم يتكشف أعلانهم هذا عن شى . فاوضهم صدقى رحمه الله فلم يصل إلى شيء ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شى ء ، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عاما أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث . وما لنا نتحدث إلى الإنجليز ، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا ، وأن نتحدث اليها حديث الجد الصارم الحر الذى لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما : منزلة الحياة العزيزة الكريمة أو منزلة الجهاد العنيف الذى يجشم أصحابه الهول وقد ينتهى بكثير منهم إلى الاستشهاد. أن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغى الخارجى والغدر الداخلي فيجب أن يكون لقاؤهم درسا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب ، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة . إنما تكتسب بأقصى غاية الجود ، وهو بذل النفوس لها ثمنا . ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل فى سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب فى ألوان النعيم . كل هذه أشياء لا ينبغى أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذى يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون . آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي وهى طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين. يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التى لا تغنى عنهم شيئا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئا لأنها رحمة عقيم تجرى بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة . إنما الرحمة الصحيحة التى ينبغى أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هى هذه التى تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير وهى رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة ولا يطمع فيها الطامع ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات . بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذى يملأ الجو ويصم الاذان ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كراما . وأول مظهر لهذه الكرامةأن نرفض الاحتلال الأجنبى ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه . كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذى يقام للقائهم أم لم يشهده . فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعى إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذى تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التى ستتلقى عنا هذا الوطن تراثا حرا كريما. وليكن هذا اليوم الذى نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذى نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلا نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون وليكن هذا اليوم يوم القسم الذى نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد حديث المفاوضات . طه حسين الأهرام ، ١٠\٥\١٩٥٣
الاستعمار مصاب بعقدة الخوف والكبرياء، فلا يريد أن يعترف بحق الشعوب في الحرية.
تعقيد هو هذا الذى أصاب الأمم المستعمرة ، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى ، عن تنبه الأمم المغلوبة الى حقها ، فى أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها فى المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به. فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة فى هذا التنبه شيئا من التحدى لقوتها وبأسها وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرا من المنافع ، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذى ظهر هنا وهناك فى الأمم المستضعفة ، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التى تشب فى الهند ، وتشب فى مصر أو تضطرم نارها فى سوريا ، أو فى العراق والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء وكذلك نشأ هذا التعقيد . تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء فى نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التى تطالبها الأمم الضعيفة بحقها فى الاستقلال . فكان ما كان من تلك الخطوب التى جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة . ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرا حين كانت الحرب العالمية الثانية . وحين اجتاحت ألمانيا ، فى أول هذه الحرب ، غرب أوربا ، واضطرت الامبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف ، وأشدها نكرا ، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة فى الشرق لتأمن جانبها أولا ولتستعين بها ثانيا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء . فى ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأمانى الرائعة وظنت الأمم الشرقية ، الخاضعة للسلطان البريطانى ، خضوعا خالصا أو خضوعا مشوبا أنها ستظفر باستقلالها كاملا غير منقوص حين تنجلى غمرة الحرب . وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة ، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة ، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم ، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقى يرى فى تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار الى هذا اللين والاسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الانسانية قد أقبلت على تطور حقيقى خطير، لحياتها التى أفعمتها الكوارث والمحن والآلام . ولم يشك أشد الناس تشاؤما من الشرقيين فى أن العالم صائر الى الحسنى ، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوى ، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة فى ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام . ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الامبراطورية البريطانية تقربا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلا للوعود وتجلية للأمانى ، وتزيينا للآمال . فأهل سوريا ولبنان يعلن اليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم فى كل يوم ، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التى تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلا بعد أن ملئت جورا وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب ، وعلى ما تشتهى ، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد . ولكن الحرب لا تكاد تنتهى حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنا بالمنى ، والأحلام وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم ، وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة ، وكبرياؤه تلك التى كانت يعرف بها قبل الحرب ، وإذا هو يصرح ذات يوم فى مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها فى تقرير مصيرها كل هذه الخصال ، ألوان من المثل العليا التى يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر، والاحتمال والانتظار، والأناة . وأن الانسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها فى يوم من الأيام. ولم تكد الحرب تنتهى حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبى وتجرعت من هذا الاحتلال غصصا ، ونسيت كل النسيان ، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التى زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان . وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال . أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسى ، ومرتعا خصبا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا فى تلك الأرض ، يستغلونها ، ويستذلون أهلها يرون ذلك حقا لهم ، لا ينبغى الجدال فيه . ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربى ، والغرب الأوربى، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب ، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوى بهذا الحق ، وألوان من الكيد والخداع ، وفنون من المداورات والمناورات ، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير ، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذى يتعمده أصحابه تعمدا ولا يضطرون إليه اضطرارا . والناظر إلى البلاد العربية فى هذه الأيام، يرى عجبا أى عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التى كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء مازالت تدور فى تلك الدائرة التى تسمى المفاوضات والمحادثات وهى لا تدور فى هذا الدائرة وحدها ، وإنما يدور معها الانجليز ، فالمفاوضات تبدأ لتنتهى وتنتهى لتبدأ ، وتسير لتقف وتقف لتسير ، والعالم يرى ويعجب ، ولا يقول شيئا أو لا يصنع شيئا . ويرى شمال افريقيا على نفس الحال التى كان عليها قبل الحرب ، وحين انتهت الحرب . لم يتغير من أمره شى ، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه ، وتنأى عنه لتعود إليه ، لا تستريح ولا تريح ، تقول كثيرا ولا تصدق فى شى مما تقول ، وتسرف فى الوعد ، ولا تفى بشى مما تعد . وممثلوها فى شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذى يزهو النفوس ، ويريق الدماء ، ويملأ الأرض كذبا وكيدا ونفاقا . والانسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئا ولا تصنع شيئا ، ولا تستخذى من هذه الموبقات التى ينبغى أذ يستخذى منها كل رجل كريم . فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين ان يخلع، وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تشترى ضمائر بعض الموظفين فى حكومته بالمال لتطالب الأجنبى بخلع السلطان ، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الاسلام . وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الاسلام من المسلمين . والضمير العالمى يرى هذا كله ، فلا يكاد يحفل به . أو يلتفت اليه وأغرب من هذا كله أن هيئة الامم المتحدة تجتمع بين حين وحين ، ويتحدث الخطباء فيها من الانجليز والفرنسيين وغير الانجليز والفرنسيين عن العدل الذى يجب أن يملأ الأرض ، وعن الحرية التى يجب أسن تتاح للأمم وعن المساواة التى يجب أن تتحقق بين الشعوب . ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسى الغريب المختلط الذى أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء . وأفسد عليها تقدير ما يكون ، وما لا يكون . وتقدير ما يحسن وما لا يحسن ، واضطرها إلى أن تعيش فى عصر قد انقضى منذ زمن بعيد . كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى ، تصفية للسلطان البريطانى على العالم . مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم ، منذ وقت غير قصير وهو فى طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارا تاما . وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعا فى السلطان الفرنسى ، وتحديا للقوة الفرنسية . واستخفافا بالبأس الفرنسى العظيم . مع أن قوة فرنسا وبأسها ، قد تعرضا لخطر أى خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبى ، وهى الآن بسبيل استرجاع شى، من هذا البأس وتلك القوة وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها ، لتقر وراء البحر سلطانا لا سبيل إلى أن يستقر ، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد . وأغرب ما فى أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك ، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش فى هذا العصر الحديث . وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الانجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ، ورجال الثقافة فيهم . ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد ، عددا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية . وأثناء الحرب ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها . وتحدثت إليهم فى شؤون إفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها ، وسخط على ا لاستعمار الفرنسى كما أسخط عليه . وفى هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا فى شمال إفريقيا ، ومنهم من ألف فى ذلك كتبا قيمة ، ومنهم من خصص لذلك أعدادا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة فى باريس لإعلان انكارهم ، لسياسة الذين يمثلون فرنسا فى شمال افريقيا . ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم فى البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شى وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون ، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابا. وللشعب الفرنسى مع ذلك برلمان ، يقال إنه يمثله تمثيلا صادقا ، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية فى شمال إفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية فى الهند الصينية ، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية فى سياستها ، مصرة عليها لا تغير منها شيئا . وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان ، قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا فى شمال افريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا فى هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال . فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته. فى محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة ثم ينظر الشعب ، وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئا . ما مصدر هذا كله ! هو من غير شك هذا التعقيد الذى أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة فى الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق فى الحرية وفى أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل فى أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء . يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذى ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال. ولست أعجب لشى كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التى نشهدها فى هذه الأيام فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية ، فيدعون إليها ويحثون على الايمان بها ، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما فى الاناجيل من أصول العدل والانصاف ، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم . وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء ، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب الى كنائسهم فى أيام الآحاد . وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربى والغرب الأوروبى على هذا التعقيد المنكر الذى يفسد من أمر الحضارة كل شى ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرا مما كان يمكن أن يبذل فى ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان . ومن يدرى لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون . طه حسين الأهرام ١٩٥٣/٦/٦ .
تشريف وتكليف لست أدرى أيتاح لهذا الحديث ان يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة اللواء أركان حرب محمد نجيب . وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه فإنى لم اكتبه إلا مفكرا فيه أعمق التفكير ومكبرا له أصدق الاكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جدا قرأته الآن فى صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار . وهى صحيفة الأحد التى تصدرها الكوريرى دلاسيرا ليقرأ فيها الناس الاخبار التى يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف فى هذا اليوم من أيام الاسبوع. فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التى وقعت فيها أخيرا وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع ، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعا لهذا الحديث . فهو قد رأى أن صور السلطان الذى أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد وإنما ترك هذا المكان خاليا وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب . وليس يعنينى الآن ولا يعنى قراء الاهرام من مقال الصحفى الايطالى إلا هذا النبأ فنحن نقرأ أنباء مراكش فى الصحف العالمية على اختلافها مفصلة مرة ومجملة مرة أخرى صادقة أحيانا مغالية فى كثير من الاحيان . ولست أدرى أيشعر القارى المصرى بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين ، وأى فخر يجده المصرى اعمق فى القلوب اثرا ، وأبعد فى النفوس صدى ، من هذا الذى يجده حين يقرأ فى صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست فى حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيرا ولا تخاف منه شرا إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى فى أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها فلما نفيت صور السلطان كما نفى السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزا لما يحتاج المراكشيون اليه من العزاء ورمزا كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل ، وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التى حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من الاستعمار ليست رمزا للتحرير فى مصر وحدها ولكنها رمز للتحرير فى البلاد الاخرى التى تشقى بالاستعمار وطغيان الاجنبى وخيانة بعض المواطنين . فخر يملأ النفوس بهجة ورضى لولا إنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضى. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نزعت منهم صورة السلطان الذى يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء يجدون فى نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزى والشقاء . كانوا يرون أنفسهم أحرارا فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغو من اللغو ووهم من الوهم. وكانوا يرون أنهم كرام. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطانا يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده فى جزيرة من جزر البحر ليس يدرى أيقيم فيها إقامة المستقر أم ينقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد. ثم لم يقصى الاستعمار هذا السلطان وحده إنما أقصى معه صوره التى كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يغمر القلوب حين نقرأ فى هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذى كان المراكشيون يحبونه قد أزيلت من أماكنها وأن صورة نجيب قد بقيت فى مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفى سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء . ولكنه سرور يشوبه ظلم لاذع وحزن ممض لأن نجيبا بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء فى صمتها الرائع البليغ، ولكنهم فى حاجة ألى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم فى حاجة إلى الكلام الحى الذى يحيى القلوب، وهم فى حاجة الى العمل الحى الذى يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد الى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم فيها الشعور بأن العزة ليست وهما وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية ، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنو ثمرها فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتى نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغ ولا باغ ولا مستعمر ولا متجبر. هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم! بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت فى هذه الصحيفة الايطالية . وما أشك فى أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذى أنقذ وطنه من بعض الشر ويريد أن ينقذه من الشر كله . وما اشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف وحده فهو أبعد الناس عن الاثرة وابغضهم لها ولكنه سيرد هذا الشرف الى وطنه اولا ، فهو الذى انشأه وبعث فيه روحه القوى الذكى ، ورفعه الى حيث هو الآن وسيرد هذا الشرف الى اعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة الى النور ومن الضعف الى القوة ومن الهوان الى العزة والكرامة . وما أشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف كما فهمته ، وكما يجب ان يفهمه المصريون جميعا وكما ينبغى أن يفهمه الرجل الذى يجد فى نفسه شعور الرجولة والمروءة . ذلك أن التشريف فى نفسه ليس كلاما يرسل إرسالا ولا ثناء يكال كيلا ولا تمجيدا لا يتجاوز إرضاء من يساق إليه ، وإنما التشريف تكليف قبل كل شئن هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغى أن يؤدى الواجب كاملا غير منقوص . إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضى هذا الذين يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقا ولا رياء ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم ، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلا إلى فضل . يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه فى أن يضيف إحسانا الى إحسان يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب . وما أشك فى أنه يفهم تشريف المراكشيون له على هذا النحو ، هم يحمدون له ما فعل فى وطنه وينتظرون منه أن يمضى فى الطريق التى سلك وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفى الأثرة أشد النفى . فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون غيره من الأوطان والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد . ان فى نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها ، لأننا وجدنا هذه العقدة فى أنفسنا وهى عقدة فيها كثير من الخزى وكثير من الذل لانهم ظلموا فى وطنهم وأوذوا فى كرامتهم وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلا ولا كثيرا. فمن الحق علينا جميعا أن نرد عليهم شيئا من ثقة ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة وأن نشعرهم بأن النوب تنوب وبأن الخطوب تلم ولكنها لا تلبث أن تزول وإنما هى الغمرات ثم ينجلين ، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح . يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه وإنما يشقى به معهم إخوانهم فى اللغة والتاريخ والدين. وأنا واثق بعد هذا بأن تألب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء . فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذى ليس فيه شك أن الكرة الجامحة لن تغنى عن أصحابها شيئا وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق . يجب أن يشعر المصريون جميعا بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة اخواننا على ما أصابهم من الباساء والضراء وأن نكون أهلا لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا. طه حسين الأهرام٤ سبتمبر ١٩٥٣ .
ثورة حية وحياة ثائرة أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون فى جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون فى جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل. أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوى عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات فى كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم فى الحياة . يمس الموظف فى ديوانه ، والعامل فى مكتبه أو معمله والزارع فى حقله ، والعامل فى مصنعه . أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته فى أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع فى شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط. أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شى. كذلك أريد أن أرى المصريين فى هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون فى أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه . بل هم يعيشون فى أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذى يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب . ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – 11 ١ ٠٠٤٠٠ أن كهن غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو فى القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة فى النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم فى غمرة ساهون لا هون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرين منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذى لا طائل فيه ، وهم العاجزين منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء . قوم يضيعون حياتهم فى البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم فى السخط والشكوى وفى البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس فى أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة فى شى بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة فى شى . أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل. أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هى واضحة مستقيمة قريبة يكفى أن نقصد اليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هى تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذى يقتضى أن تستقر الثورة فى كل ضمير وأن تضطرم جذوتها فى كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر فى تدبير أمرها كل عقل ويدعوا إلى بلوغ أهدافها كل لسان. هذه السبيل هى ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع فى أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط . وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذى يمكن من الأخذ فى تنفيد المشروعات الكثيرة التى تهيئ للإصلاح الصناعى والزراعى وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكنى أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد فى تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهى معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق . وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هى قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغى أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغى أن تكون جريئة بطبعها . ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ فى مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شى من الثقة والثقة لا تأتى وحدها إنما تأتى حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل. أنى أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم فى مصر ، وهذا خير ما فى ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر فى مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم فى قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح . إحدى اثنتين أما أن يكون فى مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق فى إصلاح مصر! وإما ألا يكون فى مصر مال، وإذن فمن أين يأتى هذا المال الذى ينفق فى ألوان من الترف السخيف الذى لا يغنى؟ . ليصدقنى رجال الثورة أنهم فى حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا. لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم فى إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها . وما أشك فى أن هذا الامتحان سينتهى بأصحابه إلى النجح . وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر فى إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم فى مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة . طه حسين الأهرام١٩٥٣/٢/٧
بين الرضى والسخط . . . ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل ، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق . يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل فى نظم جديدة يجب أن تستقر . والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل . تشاؤم بما كان قائما وما لايزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغى أن يكون ، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع اليه . ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها ، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن فى طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم ، وقعودا عن العمل ، واستسلاما للأحداث ، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل ، لأن فى طغيان هذه الخصال ، استراحة إلى الوهم ، واطمئنان إلى الخيال وفتورا فى النشاط . والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغى أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة ، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف فى الأمل الذى ينتهى أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن. أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت فى هذه الأيام حول شؤون التعليم فى مصر. فليس من الحق فى شى ء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح ، ولا مكان فيه للسخط ، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها. وليس من الحق فى شى أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء . فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن . ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام ، فهى فى هذا القرن خير مما كانت فى القرن الماضى ، وهى بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك . ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم ، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه ، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة ، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها . ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسى الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل ، ففتحت المدارس والجامعات ، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء ، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد ، ومضت فى سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم فى عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم . والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح ، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا . ولو قد سألت أى وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا ، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم ، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذى لا ينقضى ، والذى يملأ الحياة أمامهم ظلاما . وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب ، ناسيا لنفسه ، جادا فى الإصلاح ، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصى عليه من المشكلات . ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون فى الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس ، وإنما يضيعون أوقاتهم، وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق فى تعليمهم من المال الذى يحصى بالملايين الكثيرة ، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا فى الصباح ذلك أجدر أن يفسد رأيهم فى معاهدهم ومدارسهم ، ويهدر ثقتهم بأنفسهم ، ويسى ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد . فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة ، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفى نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم ، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التى يتقاضونها والتى لا تكاد تغنى عن أكثرهم شيئا ، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون فى غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه ، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر فى مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا إنما الحق علي الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأى أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذى يرغب فى الإصلاح ويحبب التقدم والرقى . وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما فى أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم. ليس من شك فى أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة فى وقت يقصر أو يطول . وقد قبلت وزارة المعارف فى هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت فى العام الماضى كما يقال . فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه فى القلة . ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس فى هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة فى مثل هذا بالقياس إلى الجامعات . أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم ان قليلا من العلم خير من الجهل ، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التى يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها . وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا استثنى منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضى فى سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذى اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة فى ذلك توسعا عظيما وليس لمشكلات التعليم فى مصر حل إلا هذا يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية . بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادى الآن وبذلك سأنادى ما وسعنى النداء ، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء ، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا فى غير مشقة ولا عناء . وأمر الجامعات كأمر المدارس هى أقل مما ينبغى ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم ، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شى . فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التى لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره . ولست أخفى علي وزير المعارف أنى ضقت أشد الضيق بما قاله فى إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية هذا كثير مسرف فى الكثرة لأنه ليس صحيحا فقد يكون فى كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة ، وإنما هى كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس فى كثير من الجامعات الأجنبية ، وهى بعد ذلك فى حاجة إلى الإصلاح شأنها فى ذلك شأن كل شى فى مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح فى يوم من الأيام لأن الكمال شى لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه . وبين يدى كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التى ظلمها وزير المعارف فى خطبته تلك . وهى كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث ، وتفوقا فيه ، ولا تقل عن الكتب التى يصدرها الجامعيون فى غير مصر . وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم ، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا . وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم ، ولا يتابعون نشاطهم ، ولا يستقصون بحوثهم ، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات . وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا فى حاجة وستكون دائما فى حاجة إلى الإصلاح ، وليس لها أن ترضي عن نفسها ، فليس يرضى عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود ، فأما الذين يطلبون الرقى ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال ، فهم ساخطون دائما ، راضون عن أنفسهم أحيانا، يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقى، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج . وإنى لأرجو ملحا فى الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتى اتخذتها بشأن التعليم العام . فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث فى وقت ملائم ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح ، والشى الذى لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شى كما تشكو من الكظة والازدحام . فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا . طه حسين
ثم ماذا . . . لم يسئنى سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال ، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه ، ويعبثوا به ، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل ، وقيام الوهم سخف من السخف ، ولون من ألوان التضليل ، وسقوطه تحرر من الخرافة ، وتبرؤ من عبادة الأصنام التى لا تغنى عن الذين يعبدونها شيئا . لم يسئنى إذن سقوط الدستور ولم يسرني ، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم ، مهما يكن ، طائفة من حقوق الشعب ، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا ، مع أن الدستور ينصفهم ، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء . وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذى ظلمهم أو سامهم الضيم ، وأن يظفروا بالنصفة . وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه ، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور . من أجل هذا لم يسرنى سقوط الدستور ، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه . ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة ، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد ، فالحياة التى نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدرى أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن ، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد فى إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه . والناس يختلفون فى هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذى يضعه ولأى نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم فى هذا الأمر كهذا الوقت الذى ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور . فهو الوقت الذى يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه ، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتى وبما يحسن أن يدع . وكان الدستور الذي ألغى قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون . أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذى لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل ، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه ، ومن قلبه وعقله ، ومن آماله وآلامه وحاجاته . وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التى مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء . ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضى عنه الناس ، وآمنوا به ، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود فى سبيل صيانته ، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل ، ثم ألغى ، ووضع مكانه دستور آخر ، وقيل أن الدستور منحة من الملك ، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل . ثم قويت هذه النظرية فى نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه فى غير موقف ، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه ، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء فى مناصب الحكم . حتى لم يبق شك آخر الأمر فى أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان . وإذن فأول ما يجب حين نفكر فى وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله ، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب . فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات ، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال ، إنما وضع للشعب كله الذى يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول فى أن يختار لنفسه نظام الحكم ، وفى أن يضع لنفسه أصول النظام الذى يختاره ، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التى تتعاقب عليها . وإذن فأول ما ينبغى هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب ، فليست فى مصر قوة تستطيع أن تهدى إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذى يعطى نفسه الدستور الذى يريد ، وهو الذى يعطى كل هيئة من هيئاته ، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط فى الخطأ ويهيأ المشكلات التى لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل . والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد ، وليس من شك فى أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد ، ولكنه فيم أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل . وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة ، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة . أو من أقل من مئة . وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف فى أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذى يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب فى درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا . فقد ينبغى أن يكون الوقت الذى يمضى بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف فى الطول . وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمى إلى استفتاء الشعب فورا فى الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة . وأنا أشارك صديقنا فى هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهى إلى تقرير النظام الجمهورى الذى يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه . فقد عاشت مصر على النظام الملكى منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هى التاريخ إلى الآن . وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا ، كان لها فى العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا . ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد . وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمى الذى ينزلونه على أنفسهم من السماء ، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم ، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتى منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التى تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون ، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التى يرسمها لهم الدستور ، يرزقهم على ذلك أجورهم ، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون . وقد سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعى والرعية ، والسيد والمسود ، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء : مل المقام فكم أعاشر أمة أمرت بغير صلاحها امراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أجراؤها فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذى ارتقي فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا فى الوهم من توارث الملك لا لشى إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا . كل هذا كان يساغ فى العهود الماضية ، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أى شى آخر . ولم ينكر المسلمون فى أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التى استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم . وفى وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم ، والحكمة والحلم ، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة فى بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذى هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشى إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها . لا أشك إذن فى اتجاه الشعب المصرى الآن إلى النظام الجمهورى . فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة امرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما . فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغى ألا تدفع إلى الإسراع الذى يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التى تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلى الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها ، وعرض عليها المشروع الذى أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها . فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وانفذ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم ، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدرى إلى أى وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذى أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع فى غير طائل فسينفقه الشعب فى نوعين من النشاط الخصب النافع الذى هو فى أشد الحاجة إليه والذى من أجله كانت الثورة . أحد هذين النوعين هو النشاط فى إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه ، والآخر هو نشاط النهضة فى التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح فى حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات . كذلك أفكر فى حياتنا الجديدة التى بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم ، ولست أدرى أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسى من أمر المستقبل؟ ولكنى أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا. طه حسين الأهرام ، ١٣\١٢\١٩٥٢
صورة … لن أبيح لنفسى أن اتعمق الأحداث الطارئة فى مصر وبينى وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وانما أصور ما تأثرت به فى هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هى الا ساعات حتى استحال هذا القلق والاشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغنى اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو. وما هى إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الامل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وانما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت فى طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها فى شيء. ثم أصبح ذات يوم فاقرأ فى الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار فى نفسى من العواطف وما دار فى عقلى من الخواطر وما خفق به قلبى من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر فى طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا فى ذلك العهد لم يكن الجيش فى حاجة إلى أن يتدخل فى أمر من الأمور فظل فى مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما فى هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة فى منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به. والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» فقد كان الجيش هذه الأمة التى دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت فى الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التى خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدى وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون فى الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة فى رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا فى الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقى حين تحركت بى السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتى حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دونى أثناء أجازة الصيف التى أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التى تنشر ما أرسله اليها من فصول . وقد وصلت إلى ايطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس فى روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته فى هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذونى فى ذات وطنى يقولون لى قليلا ويضمرون فى أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن فى الحياة حتى يضطرب قلبى ويضطرب لسانى قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم فى مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون فى ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكرى يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكرى قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر فى بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ فى إجابتى كما كانوا يتحفظون فى أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بى ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت اليه الأمور فى وطننا . أما قراءة الصحف فكانت عذابا أى عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة فى أوروبا كما كانت منغصة فى مصر . ولم أشعر بشى ء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التى لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفنى فيها أحد والتى لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. فى هذه القرية كظمت غيظى وجعلت أجيله بينى وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا فى الصحف وأقرأ كثيرا فى الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة . ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير فى مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور فى مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير . تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلى وإذا نور اليقين يغمرنى من جميع أقطارى وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها فى ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجى فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلى ذلك أن فساد الأمر فى داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أى خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها . بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر فى الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا فى الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما فى نفوسهم من غل وجشع وحقد. لقد ثابت مصر إلي نفسها فى هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هى سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هى آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق فى مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة . بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب . طه حسين الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢
كلمة . . . ذهب كاتب فرنسى معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التى يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغى للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير فى نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم فى الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغى للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس . ولا ينبغى له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية فى بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع فى مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذى يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام . ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسى أثناء هذا الصيف . ولست أدرى اذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا فى شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الانتاج حيث استطاع إليه سبيلا ، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة ، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج فى هذه البيئة الفنية المترفة التى يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتى تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغنى عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض ، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما رأى وأنكره أشد الانكار وصور ضيقه وإنكاره فى هذه الكلمة التى ذاعت عنه فى إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم ، قال لبعض رفاقه يكفى أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدرى الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء ، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدرى أكان وجوه المترفين فى تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت فى نفسى كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيرى من الناس ، وليس يضنينى أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم فى الترف ناضرة أو عابسة ، حسنة أو قبيحة وإنما الذى يعنينى وما أشك في أنه يعنى هذا الكاتب الفرنسى أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراض هذا الضمير أم ساخط ، أمطمئن هو أم قلق ، أباسم هو أم عابس! أمتعب هو أم مستريح ، ولست أدرى كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق فى النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا فى البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك. ولست أدرى كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعر ف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم فى الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون. ولست أدرى كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق فى ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد ، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة . ولست أدرى آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسى لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما فى العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون . نعم لست أدرى كيف يستمتع ضمير الرجل . الحر بالرضي والطمأنينة ، والابتسام والراحة ، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال ، وغرقوا فى شقاء لا يعرفون له قرارا . فهذه الوجوه التى رآها كاتبنا هذا الفرنسى قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما فى نفوس أصحابها من البشاعة والقبح ، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعى بالتضامن بينه وبين نظرائه فى هذه الحياة أنه يفزع اليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمى الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء فى إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذى يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذى يقرون النظام ويحفظون الأمن فى أوقات للسلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون فى ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه ، يعملون له فى أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له فى مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفى تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفى تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة ، لا يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف وليستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التى يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها ، وما أعرف أنى ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة فى قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسى بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة فى البر والبحر وما أذكر أنى آويت إلى فندق فى السفر، أو آويت إلى دارى فى الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسى بشى من أمر هؤلاء الذين يتيحون لى بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لى الراحة ويبتسمون ليعدوا لى شيئا من نعيم. وما أكثر ما نقرأ فى الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا ، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر فى نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون فى قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون فى عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون فى سيرتهم مع الناس بما يجدون فى قلوبهم من شعور وما يدبرون فى عقولهم من تفكير ، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذى ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعى فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح . فكرت فى هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسى بل فكرت فى أكثر من هذا كله وفكر ت في ثورتنا المصرية التى جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتى أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها فى حزم وعزم لا تردد فيهما وفى جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسى أيتاح لى ولأمثالى من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعى الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم فى الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلى بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعى صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان ، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد انصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما فى أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا . أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا ، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار. منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا طه حسين البلاغ ، ٤\٩\١٩٥٢
نسيان ا لنفس … ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمنى ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس فى هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص فى القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا . والرجل الشجاع حقا هو الذى يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذى يستطيع أن يضبط نفسه فى مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجنى ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم فى ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به فى ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه فى هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذى يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل. شى ء محتاطا لكل طارئ ، كان المصرى الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها فى كل ما تستقبل من الإصلاح . أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التى نطمح إليها وأمانينا التى نحرص على تحقيقها وآفاتنا التى نريد أن نخلص منها . وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفى والانتقام . وأحب أن أسجل قبل كل شى أنى قرأت أحاديث فى هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفى ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة فى تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجى أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هى لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا . ولكنى قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلي الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسى إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم فى أن يسيئوا إليه . والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التى تحدث فى بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة . وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم . فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم . وما أشك فى أن العهد الذى سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم ، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك . ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزى الآثم والمسى بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة . فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك فى قليل أو كثير. ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها ، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه . فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقى الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا . وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها فى الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأى ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا . فلسنا إذن فى حاجة إلي أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى . والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذى أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا . ولهم فى بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتى وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم فى بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلي صحفهم من ذلك ما يحبون ، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطأهم فى الحكم علينا وفى تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجتنياً . وأى منفعة للمصريين فى أن يتهم بعضهم بعضا فى الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة فى حقوق الوطن والممالأة عليه . كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه فى صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء . أؤكد للقراء أنى لا أفكر الآن فى نصر مصرى على مصرى ولا فى تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أنى مصرى ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت ، أبيح لنفسى ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها . والأيام التى نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هى أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلي الكرامة التى يطلبها والعزة التى يرجوها والعدل الذى يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفى بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجى الذى نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن فى مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغى والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب فى سبيل الأهواء والشهوات . كم أتمنى أن يتخذ كل مصرى من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحيفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم فى شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا . وكم أتمنى أن يظهر الرأى العام المصرى على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة . وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن فى نسيان المرء نفسه فى مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أى صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينس نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال. طه حسين البلاغ ، ٢٥\٨\١٩٥٢
هزل وجد . . . أنفقت أياما عشرة لا تصل إلى فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إلى الصحف الفرنسية أو الإيطالية . وأرادت الظروف ألا يكون فى الفندق الذى أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد فى مصر من الأحداث . فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هى طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التى لا تقنع ولا ترضى ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة . وجعلت أظن الظنون وأقدر فى نفسى ألوانا من الفروض تصور لى الحياة الواقعة فى مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلى على الأنباء ، وكنت مشغولا عن كل شى، بالتفكير فى ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله فى حياتنا التى نحياها اليوم وفى حياتنا التى سنحياها غدا أو بعد غد . ولم أكن أشك فى أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلى عن كل شى بهذا التفكير وكنت لا أفكر فى أمس القريب أو البعيد إلا لأوزان بينه وبين اليوم أو لإوزان بينه وبين غد أو بعد غد . وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلى قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة . وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغى ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا. كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسى أن الزمان قد استدار فى مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغى ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره . كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا . ولكن الصحف المصرية تصل إلى ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة . رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغى البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شى لا فى الظاهر ولا فيما ورائه من خفى الأشياء والأسرار . كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع ، وتتبع للصغائر وإغراق فى البحث عنها ومضى فى الجدال الذى لا يغنى عن أصحابه ولا عن الناس شيئا. الأحزاب ماضية فى خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية فى تلقط النوادر التى يتفكه بها الناس حين يلقى بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإنى لفى ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت فى ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض . فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمى باللغة العربية وسوء تصرفي فيها . وما رأى القارئ فى أنى لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط فى حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف فى هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء فى مغنى اللبيب لابن هشام . وقد أغرقت فى هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأنى أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال . فالناس جميعا يعلمون أنى لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها . والناس جميعا يعلمون أنى لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع فى شى ، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهى ولا أعرف كيف أقول . الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا . ولست أنا الذى طلب إلى الناس أن يسمونى بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبونى بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه . لم أمعن فى الضحك إذن لأنى أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت فى الضحك العميق العريض الطويل الممض لأنى ذكرت تلك الصورة التى استقرت فى نفسى لمصر قبل أن تصل إلى الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شى من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها . ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير . وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والابصار والاسماع كل هذا فى ناحية وأمامه فى ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها ، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا . ولكن له أمثالا كثيرة فى صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسنى من قريب أو بعيد وإنما تمس غيرى من الناس . وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغى أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث . لقد كانت بينى وبين قوم من المصريين خصومة فى شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إلى أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتنى إليه الأحداث اضطرارا . فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل فى بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر. وقد ساءلت نفسى دائما وفى كثير من الالحاح عن بيت المتنبى : وإذا كانت النفس كبارا تعبت فى مرادها الأجسام كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذى طالما ألقيته على نفسى حين قرأت الصحف التى وصلت إلى من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذى غير حياة مصر فى أيام قليلة بل فى ساعات قليلة فرد اليها شرفها وكرامتها فى داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصرى بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع فى عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير. ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول فى أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا . ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذى يمعنون فيه ، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأى خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هى مقبلة عليه من عظائم الأمور . أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا . ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب : والشيخ إن قومته من زيغه لم يقم التثقيف منه ما انحنى فأى غرابة فى أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأى غرابة فى أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التى مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شؤون الإصلاح السياسى والاجتماعى والعقلى أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعى فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهى تفكر فى تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء . يسمعون هذا كله فلا تصغى إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم فى غير موضع للابتسام . ولابد من أن يأتى يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين . وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعنىبالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر واللامعان فى السخف . نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة . ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون مازال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول . فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتى يومهم الذى يوعدون . طه حسين لأهرام ٦\٩\١٩٥٢
الفئة الضائعة هى هذه الفئة التى تفكر بعقولها وتهدى الناس بتفكيرها والتى تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتى تصفى الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية ، تزكى فى نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال . هى فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بهاما لم يذوقوا ، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال . هذه الفئة التى تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى فى روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا فى الأرض عن علم بها وقدرة على السير فى مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس ، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها ، وتيسير مصاعبها ، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب . هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد . . فى أقرب حقوقها إليها ، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين . وما اكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم ، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا ، فهم بين هاتين – المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها . هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن ، لا يحفل بهم أحد ، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى فى أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى فى أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم : ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود لقد كثر الكلام فى قانون حقوق المؤلفين هذا ، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذى مهد طريقه إلى البرلمان فى العهد القديم . ثم قيا . إنه بعث فى العهد الجديد بعد أن أغرق فى النوم ، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك ان يستوى قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم . ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء . وتكلم الأدباء فى شأنه من بعيد ، من بعيد جدا ، دون أن يسألهم عنه سائل ، أو يؤامرهم فيه مؤامر ، ثم قيل فى هذه الأيام أن نشاطه قد عاد اليه وانه يسعى فى طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدرى أهى الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون لم يسعوا إلى . الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعى ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت ، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم فى هذه الحياة الحديثة التى لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون ان يسلكهم نظام ، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الاشياء تقتضى أن يسألوا ويستأمروا ، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة أودعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى فى أمرهم دون مشورة منهم ، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب . . فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها ، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذى أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فاهملهم الناس . شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمى غيرهم من عامة الناس . وهم بذلك قانعون واليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم فى هذا القانون الذى يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شى ينكرونه فلا ينبغى لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا فى أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم ، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد ، أثيرت بعض مشكلاته فى الصحف فقال فيه بعضهم ما قال فى هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات . . لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون . ومن يدرى لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمى آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء فى العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان. أدباءنا وعلماؤنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعنى الحكومة بحماية هذه الحقوق . . . لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل ، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه ، إنما هو كلام يقال ويحمى بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية . فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شى جديد لم يكن يخطر لهم ببال . وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة . فالأديب صاحب فن ، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء ، كأن الموسيقى ليست فنا ، وكأن الغناء ليس فنا ، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشى آخر، كذلك يفكر كثير من أدباءنا وعلمائنا. هم يعيشون فى العصور القديمة ، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه . فللأدباء والعلماء فى البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء فى أقطار الأرض ، على تباعدها وتنائيها ، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم فى شى . وقد تغيرت حياة الأديب فى الشرق كما تغيرت حياة الأديب فى الغرب ، فليس فى الشرق ولا فى الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما . وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح فى سبيله ويجد فى الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم . والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها ، وإنما ينتجه للإنسانية كلها ، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى . ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر فى حمايتهما بعد ذلك ، ولا يقصر فى الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا . وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى ، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما ، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادى المشهور؛ قانون العرض والطلب ، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان . ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع فى بيئة العالم والأديب إلا بالقانون ، ولا سبيل إلى حمايتها فى البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمى تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا . كل هذه أوليات استقرت فى نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدباءنا وعلماءنا يجهلونها ، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها ، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما . . ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من انتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا ، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا . ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعنى بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة . وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها ، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس ، وأن يعنوا بها لتعنى بها الحكومة ، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم ، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق . فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون فى غيره من الفنون . والزمان لا يحفل بشكواهم ، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فتحيى فيها ألوانا من الجمال . وقديما قيل : «أعن نفسك تعنك السماء» . فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم ، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التى إن صدق فيها شى فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم : صرت كأنى ذبالة نصبت تضئ للناس وهى تحترق طه حسين الجمهورية ، ١٨\١\١٩٥٤