Back to homepage

خطاب من طه حسين لإبنه مؤنس | A letter from Taha Hussein to his son

٢٨ يوليو ١٩٣٣
يا صغيري بالاغوست،
لم يكن صحوي عصر اليوم صحوًا رفيقًا بي. فقد دوّى في البيت صراخٌ حادٌّ مفزع، أعقبته سقطةٌ عنيفة، فهببتُ من فراشي أقول في نفسي: لقد ألقى فريد بنفسه من أعلى السطح! وما كان هذا الظنُّ بعيدًا، فإن فريدًا منذ حادثة الملوخية ذات التراب يُنذرني كل يومٍ بكارثة.
وثبتُ إلى الباب في لمح البصر، فإذا بي أجد فريدي ممدَّدًا على البسطة، لا حراك به. قلتُ: لا بأس، دوارٌ أو إغماءة، فهذا جزاء من يأكل الديدان والتراب. ولكن الذي كاد يُغمى عليَّ أنا، لا فريد، ما رأيتُه حول جسده الساكن: دبُّك جاثمًا عليه، ومعه ثلاثة دببة لا أدري من أين انحدروا.
وكان دبُّك يصيح بصوته الأجش:
— لا تفزع يا سيدي، فالأمر من صنيعنا!
وقال الآخرون في صوتٍ أرادوا له اللين فلم يُفلحوا:
— يا سيدي… يا سيدي…
فصحتُ بهم:
— دعوني الآن! لننظر في أمر المريض أولًا، ثم نحاسب المذنبين بعد ذلك.
فقال مارتان — وهو فيما يظهر خطيبهم:
— أما المريض، يا سيدي، فليس من اليسير إفاقته. والأحسن أن تنصرف قليلًا حتى يعود إليه وعيه. وبعد عشر دقائق نكون في غرفتك. أعدك بذلك — شرف الدببة! — ولك عندئذٍ أن تستجوبنا كما تشاء.
ثم اختفوا جميعًا.
أخذتُ أهزُّ فريدًا، وأرشُّ عليه ماء الكولونيا وماء هليوبوليس، بل والكحول. فتحرّك أخيرًا، فلما سألته عما حدث تمتم:
— يا دكتور… خُيِّل إليَّ أن دببةً من قطن — مثل دبِّ مؤنس — تريد أن تلتهمني… لعلها هلوسة!
فقلتُ له في وقار الطبيب:
— لا بأس يا صديقي. اذهب فاطلب لنفسك فنجان قهوة.
والحقُّ أنني كنتُ أشدَّ شوقًا إلى لقاء الدببة من الاطمئنان على فريد. وقد زال خوفي عليه، فهو لم يمت، ولن تُطالبني أسرته بفديته.
دخلتُ غرفتي، فإذا الدببة الأربعة جالسون في أدبٍ حول مقعدي، ينتظرونني. جلستُ، ولم أكد أستقر حتى سمعتُ صوت مارتان الأجش يقول:
— ها نحن يا سيدي. قصتنا يسيرة. منذ أن قسا السيد مؤنس وارتحل وتركني وحيدًا، جاءني رفاقي الثلاثة — بيدي بيش، وشيري بيد، وديريشيبه — وهم من دببة الحوت، يؤنسون وحدتي ليلًا ونهارًا. يرسلهم إلينا دبُّ الحوت كلما طال بي الشوق.
إذا خلونا بأنفسنا لعبنا كما نشاء: نتحدث، ونغني، ونصرخ، بل نرقص أحيانًا. أما إذا حضرتَ، فنحن نُؤثر السكون لئلا نزعجك. ويتحوّل رفاقي — اتقاءً لريبة فريد — إلى ثلاث نملات صغيرات.
غير أن السيد فريد نزل منذ قليل، فرأى النمل وأراد أن يبطش بهن. ومن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه، أليس كذلك يا سيدي؟ فعاد رفاقي إلى صورتهم الأولى، وصحنا جميعًا: قِف! ثم سمعنا صرخةً وسقوطًا، فإذا فريد مطروحٌ على الأرض. فأسرعنا إلى إسعافه، ثم حضرتَ أنت.
هذه هي القصة. فهل نحن المخطئون؟ إن المسؤول الأول عن ذلك كله هو السيد مؤنس؛ لماذا يتركني وحيدًا؟ لقد طفتُ معه فرنسا، وما كنتُ لأُثقله في الإسكندرية.
فقلتُ:
— معك حق. ولكن في المرة المقبلة اختاروا صورًا أقلَّ إزعاجًا؛ فإن السيد فريد يخاف كل شيء — حتى النملة! وأما أنت يا مارتان فأعدك بأن مؤنس لن يتركك بعد اليوم فريسةً للوحدة.
ولا حاجة إلى أن أقول لك إن حديثنا كله كان بالباليِّنية المشفَّعة بالهاء. ولو سمعنا فريد نتخاطب، لعاد إليه الإغماء مرةً أخرى.
إلى اللقاء يا بالاغوست. إن من أحبَّ أصدقاءه لا يتركهم للوحدة: إما أن يصحبهم معه، وإما أن يكتب إليهم بين حينٍ وحين. فاكتب إلى دبِّك رسالةً، تُدخل بها السرور على قلبه.
قبِّل أمينة، وغيغيت، عني. وأقبِّلك أنا قبلةً شديدة.
بابا

صاحب السعادة،
لم يشدَّ لي بابا «الباشِتَّه»، ولكنه شدَّ أذنيَّ!
صباح الخير، ولهوًا سعيدًا.


Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading