ابن الرومي وشعره
طه حسين
كوكب الشرق
١٨ مارس ١٩٣٣
النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور طه حسين بقاعة بورت التذكارية
أيها السادة:
كنتُ أود لو استمر الحال على ما كان عليه، ومضى الأستاذ جيفري في حديثه عن ابن الرومي، فقد يكون من الخير لي أن أستفيد مما كان يُلقِيه، وقد يكون من الخير لكم أن تستمعوا أيضًا إليه؛ فقد كان يأتيكم من غير شك بخير مما ستسمعون. الحديث عن ابن الرومي يخالف الأحاديث عن غيره من الشعراء حاشا أبا تمام، ومصدر هذا ما قاله الأستاذ جيفري، وما تجدونه في الكتب العربية قديمها وحديثها من أنَّ أصل هذا الشاعر يوناني صريح، لا يحتمل شكًّا ولا خلافًا، وأنَّ ابن الرومي كان قريبًا جدًّا من أصله اليوناني، لم يبعد العهد به فلم تضعف وراثته، ولم يتأثر كثيرًا بوراثات أخرى، فهو إذن بطبيعته وفنه مخالِف كل المخالفة لكثرة الشعراء الذين عرفناهم في القرون الأولى للهجرة.
حياة ابن الرومي كحياة غيره من الشعراء المعاصرين مجهولة أو كالمجهولة، فنحن نعلم أنه وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وأنه مات بين سنة ست وسبعين ومائتين، وسنة أربع وثمانين ومائتين، ونحن نعلم أنه مات مسمومًا، وأنَّ الذي سمَّه أو أمر مَن سمَّه هو القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يكرهه ويشفق منه، فأغرى به مَن أطعمه شيئًا فيه السم. ونحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، لم يكن محبَّبًا إلى الناس، وإنما كان بغيضًا إليهم، وكان محسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سُوء حظه، بل ربما كان سُوء حظه من سُوء طبيعته؛ فقد كان حادَّ المزاج مضطربه، معتلَّ الطبع ضعيفَ الأعصاب، حادَّ الحس جدًّا يكاد يبلغ من ذلك الإسراف، وكان هذا كله قد أعطاه عن الحياة صورة رديئة من ناحية، ومحبَّبة من ناحية أخرى؛ كان اضطراب مزاجه يبغض فيه الناس ويسيء رأيه فيهم، ولكن قوة حسه ورِقَّة طبعه كانت تحبِّب إليه كل اللذات، فكان يجمع بين الخصلتين، فهو رجل يحب اللذة ويسرف فيها ويتهالك عليها، فهو إذن محبٌّ للحياة أشد الحب، وهو في الوقت نفسه مبغض للأحياء قبيح الرأي فيهم، يتبرم بهم أشد التبرم، ويود لو استطاع أن يتخلص منهم. أما الأحياء فكانوا يبغضونه كما كان يبغضهم، وأما الحياة فلست أدري أكانت تحبه أم كانت تبغضه، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه أخذ من اللذات بحظ لا بأس به، ولعله أسرف في ذلك، فضاعَفَ ما كان يجده من ألم، وضاعَفَ ما كان في أعصابه من اضطراب وفي مزاجه من فساد.
وكلكم يعلم ما يتحدث به الناس عن ابن الرومي، من أنه كان يتطيَّر ويسرف في الطيرة، حتى كان ذلك يؤثِّر في حياته ومزاجه تأثيرًا شديدًا، وكان يضطره إلى أن يلزم بيته أيامًا لا يخرج؛ إما لأنه رأى جاره الأحدب، أو لأنه سمع صاحبًا له هو علي بن سليمان الأخفش عبث به مرة كعادته، فمرَّ عليه في الصباح فدَقَّ الباب، فإذا قيل: مَن الطارق؟ أجاب مرة: ابن حنظلة، فتشاءم بهذا الاسم، وأقسم لا يخرج، وكان هذا يضطره أن يعذب نفسه ويعذب مَن معه.
هذا أكثر أو كل ما نعرفه عن ابن الرومي، وهو — كما ترون — ليس بالشيء الكثير، بل نحن نعرف شيئًا آخَر، وهو أنَّ سوء حظ ابن الرومي لم يلزمه في حياته فحسب، بل لزمه بعد ذلك، فديوان ابن الرومي من أكبر دواوين الشعر العربي، بل لعله أكبرها وأضخمها، وهو أقلها انتشارًا، ولعله لم يُطبَع إلى الآن، بل لم يُطبَع منه إلا جزء صغير ومختارات اختارها كاتب أديب من هذا الديوان، فهو إذن سيئ الحظ في حياته وبعد موته. ويقال إنَّ تشاؤمه وتطيُّره قد أصاب ديوانه أيضًا، فلم يعرض له أحد إلا أصابه شيء، فبعض الناس يتندر بذلك لأن الأستاذ العقاد أراد أن يكتب عنه فسُجِن، وأرجو ألا تكون محاضرتنا عنه مصدرَ شيء من هذه الأشياء التي أعيذكم منها أنتم، أن لم أعِذْ منها نفسي.
قلتُ: إنَّ ابن الرومي يخالف غيره من الشعراء الذين عاصروه أو جاءوا قبله، إلا واحدًا هو أبو تمام، وذلك أنَّ طبيعة أبي تمام الشعرية مشبهة لطبيعة ابن الرومي من وجوه؛ فهما متفقان من حيث إنهما يعتمدان اعتمادًا شديدًا جدًّا على العقل في شعرهما، وهما لا يستسلمان للخيال وحده، وإنما يتخذان الخيال وسيلةً إلى تحقيق ما يريده العقل، وهما يتفقان في أنهما حريصان كل الحرص على تعمُّق المعاني، وعلى استيفائها منها واستقصائها والمبالغة في هذا الاستقصاء، حتى يأتيا بالأشياء الغريبة التي يضيق بها الناس الذين تعوَّدوا أن يقرءوا المألوف من الشعر، وهما لا يرضيان أن يكون أحدهما عبدًا للغة، وإنما يبيحان لنفسيهما تصريفها كما يريدان وكما تريد المعاني، دون أن يخضعا للتشدد في أصولها ومراعاة قواعدها، يتفقان في هذا كله، ويختلفان بعد ذلك بعض الاختلاف؛ فأبو تمام أحرص جدًّا من ابن الرومي على متانة اللفظ وروعته في أغلب شعره، لا يعدل عن هذه المتانة، ولا ينصرف عن هذه الروعة إلا حين يضطره المعنى إلى ذلك اضطرارًا لا مخرج له منه، أما ابن الرومي فهو سهل في شعره، لا يريد أن يشق على نفسه ولا على سامعيه، وهو يرسل لسانه على سجيته كما يرسل نفسه على سجيتها، فهو من أقل الشعراء كلفًا بالغريب وإيرادًا له، وعنايته بالجمال اللفظي قد تُحَسُّ أحيانًا، ولكنها تُلتمَس فلا توجد في كثير من الأحيان، وقد تروعك سهولة اللفظ في البيت أو البيتين، ولكنك لا تستطيع أن تقرأ قصيدة كاملة دون أن تجد في هذه القصيدة من الألفاظ ما يغيظك أحيانًا، ويضيق به صدرك أحيانًا أخرى. ثم هما يختلفان من ناحية أخرى في أنَّ أبا تمام كان شديد الحرص على البديع والمحسنات البديعية، أو بعبارة أصح كان شديد الحرص على جمال الصنعة الفنية في الشعر؛ فهو كان يتتبع الاستعارة ويسرف في تتبُّعها، ويجدُّ ما استطاع في طلب الجناس والمطابقة وما إلى هذه الأنواع من المحسنات البديعية، وهو كان يجد في هذه الأشياء جمالًا لا بدَّ منه، وكان يحرص على أن يلائم بين جمال الألفاظ وجمال المعاني.
أما ابن الرومي فهو لا يتحرج من البديع، ولكنه لا يتهالك عليه، وكما أنه لا يكلف بالغريب ولا يتكلف متانة اللفظ ولا جزالته ولا رصانته، فهو كذلك لا يكلف بهذا الطباق أو الجناس، إن وُفِّقَ إلى هذه الأشياء فذاك، وإن لم يُوفَّق فلا يعنيه.
وهما يختلفان من ناحية ثالثة؛ فأبو تمام شاعر كغيره من الشعراء، قصائده متوسطة لا تسرف في الطول وله مقطوعات، أما ابن الرومي فشاعر مطيل ومطيل جدًّا، يبلغ بقصيدته المئات من الأبيات، وهذا الاختلاف بين الشاعرين في إطالة القصيدة مصدره واضح جدًّا، وهو أنَّ الشاعرين وإن اتفقا في الغوص على المعاني، فهما يختلفان في مقدار هذا الغوص، أو بعبارة أدق في مقدار البسط والتفصيل في المعاني التي يظفران بها، أما أبو تمام فهو يبحث عن المعنى، ويجدُّ في التماسه، ويظفر به ويعرضه عليك عرضًا متوسطًا لا يطيل فيه ولا يسرف، بل في نفسه شيء من الاحترام لك، والاعتراف بأن لك عقلًا يستطيع أن يتمَّ ما لم يتمه هو، والاطمئنان إلى أنك ستتم هذا المعنى اتمامًا حسنًا، دون أن تقصر أو دون أن تغلو، فهو إذن يفصِّل المعنى، ولكنه لا يسرف في التفصيل، ويهمل الزوائد ويتجافى عن الأطراف.
أما ابن الرومي فالأمر في شعره ليس كذلك، فهو يمضي مع أبي تمام في الغوص على المعنى والتفتيش والجد في طلبه حتى يبلغ المعنى الجيد، فإذا ظفر بهذا المعنى ساء ظنه بالناس في الأدب كما يسوء ظنه بهم في الحياة العملية، فكما أنه كان يعتقد أنَّ الناس ليسوا أخيارًا في معاملتهم، فهو كذلك كان يعتقد أنَّ حظ الناس من الذكاء ليس بحيث يمكنه من أن يطمئن إليهم في فهم المعاني، فهو إذن كان حريصًا على أن يتم هو معانيه، ويستقصي البحث والعرض حتى لا يتعرض لأي عبث من الذين يسمعونه أو يقرءونه، ومن هنا كان المعنى الذي يستطيع أبو تمام أن يعرضه في بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة على أكثر تقدير، يطيل فيه ابن الرومي في الأبيات التي تبلغ العشرة أو تتجاوزها، ومصدر هذا — كما قلت — هو أخذ أبي تمام بما لا بد منه وثقته بعقل الناس، وحرص ابن الرومي على أن يصل إلى كل شيء وعدم اطمئنانه إلى الذين يسمعونه أو يقرءونه.
هل أقول أيضًا إنَّ علم أبي تمام باللغة العربية والأدب العربي كان أوسع وأعمق من علم ابن الرومي بهذه اللغة وهذا الأدب؟ الواقع أنَّ القدماء قد اتهموا أبا تمام بالسرقة لأنه كان كثير الرواية للشعر، يطيل النظر فيه، وظنوا أنه أسرف في استغلاله، ولستُ أدري أكان هذا صحيحًا، ولكن الذي لا شك فيه أنَّ إطالة الرواية وإطالة النظر في أشعار القدماء قد أثَّرت في لفظ أبي تمام، فجعلته من أرصن ألفاظ الشعراء في عصره، بينما ابن الرومي لم يُعرَف عنه تَعمُّقٌ كتعمُّق أبي تمام في الرواية ولا في اللغة، وإنما كان حظه من هذا كحظ غيره من الشعراء الذين عاصروه، فهو إذن لا يمتاز بكثرة الرواية كما امتاز البحتري وأبو تمام؛ فليس غريبًا أن يظهر أثر هذا في شعره، وأن يكون شعره من أسهل الشعر الذي نعرفه في القرن الثالث للهجرة.
لفظ ابن الرومي غير متين، بل ربما كانت الجزالة والرصانة فيه نادرة، وشعره في هذه الناحية أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، قريب إلى النثر من ناحيتين: إحداهما تعمُّده التفصيل والبسط والإجادة في أداء المعاني التي يريد أن يؤديها، فالذي نعرفه — لا في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات على اختلافها — أنَّ الشعراء ليسوا في حاجة إلى الإطناب، ولا في حاجة إلى التفصيل الشديد، وأنَّ الجمال الشعري ربما اعتمد على الإيجاز دون التفصيل أو اللمحة الدالة كما يقولون، أما التفصيل والبسط والتطويل فهو من خصائص النثر ومن مزاياه، فمن هذه الجهة — جهة التفصيل والإطالة — ربما فسد شعر ابن الرومي بعض الشيء؛ لأن الشعر كما قلت لكم لا يحتاج إلى كل هذه الإطالة، ولا إلى هذا التفصيل الذي أمَلَّ القدماء، والذي أمَلَّ ابن الرومي نفسه واضطره أن يعتذر في بعض قصائده من الإطالة.
الشعر لا يحتمل هذه الإطالة في المعاني الغنائية، وهو إذا احتمله في القصص فقلَّ أن يحتمله في غيره.
وأما الناحية الأخرى التي تقرِّب شعر ابن الرومي من النثر، فهي هذه السهولة في اللفظ والإعراض عن التجويد اللفظي، فابن الرومي يبلغ من ذلك ما يريد أحيانًا، ولكنه لا يريد هذه الإجادة في كثير من الأحيان، ويكفي أن تقرءوا قصيدةً لابن الرومي، فسترون فيها متانة عارضة، ولكنكم سترون فيها شيئًا يشبه العلة الدائمة في شعر ابن الرومي، وهو هذا اللفظ الذي يقرب من أذهان الناس جميعًا حتى يكاد يبلغ حد الابتذال.
بعد هذه المقارنة السريعة بين شعر ابن الرومي وأبي تمام بوجه عام، أريد أن ألفتكم إلى الخصائص التي تميِّز شعر ابن الرومي من الشعر العربي عامة، والتي تظهر فيها آثار طبيعته اليونانية وآثار ثقافته اليونانية، فقد يكون من الحق علينا أيضًا ألَّا نغلو في إضافة خصائص ابن الرومي إلى طبيعته اليونانية أو إلى الوراثة اليونانية فيه، بل قد يكون من الحق أن نلاحظ أنَّ التأثير اليوناني في شعر ابن الرومي إن عاد إلى الوراثة، فهو في الوقت نفسه يعود إلى الثقافة اليونانية الإسلامية.
لسنا نعرف أكان ابن الرومي يحسن اليونانية أم لا، وليست هناك نصوص تدلنا على أنه كان يعرف هذه اللغة معرفة تمكِّنه من أن يتصل بالآداب اليونانية مباشرةً.
وابن الرومي ليس يونانيًّا خالصًا، ولكنه يوناني من ناحية، وفارسي من ناحية أخرى، فإذا كان أبوه أو جده يونانيًّا فأمه فارسية، وإذن فالطبيعة الخاصة التي تؤثِّر فيه ليست هي الطبيعة اليونانية الخالصة ولا الطبيعة الفارسية الخالصة، إنما هي الطبيعة المختلطة، وإنما الذي كوَّن عقله ومَلَكته الشعرية هي ثقافته، وهذه الثقافة — فيما يظهر — كانت ثقافة متأثِّرة جدًّا بما عرفه المسلمون من الثقافات الأجنبية والعربية، وكانت في الوقت نفسه ثقافة عربية إسلامية، فهو على حظٍّ لا بأس به من العلم بالعربية ولغتها، وهو على حظٍّ لا بأس به من الدين الإسلامي وأحكامه، وحظٍّ عظيم مما كان يعرفه الرجل المثقف من علوم اليونان غير الإسلامية.
وأنا أضيف تكوين عقل ابن الرومي إلى الثقافة الإسلامية اليونانية أكثر مما أضيفه إلى وراثته اليونانية، ومن المحقق أنَّ اجتماع الثقافة إلى تلك الوراثة هو الذي كوَّن هذه الطبيعة الخاصة التي نجدها في شعر ابن الرومي.
نظرة ابن الرومي إلى الأشياء، ونظرته إلى الطبيعة، وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني؛ كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين، إلا في شعر أبي تمام كما قلت لكم.
ابن الرومي كان قوي الخيال جدًّا، وكان خياله بعيدًا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدًّا، وكان قوي الشعور؛ فكان إذا أَلَمَّ بمعنًى من المعاني تأثَّر به تأثُّرًا واضحًا، وربما كان أحسن ما يصوِّر لنا خاصيةَ ابن الرومي أو خصائصه في الشعر أن نقف وقفة قصيرة عند شيء من شعره، لنرى أنه كان يمتاز من الذين عاصروه ومن الذين تقدموه.
قبل أن أقف عند شيء من هذا الشعر أريد أن ألفتكم إلى نوع من النقد وُجِّه إلى أبي تمام كما وُجِّه إلى ابن الرومي؛ ذلك النقد هو أنَّ أبا تمام كان يضيف إلى الأشياء صفات ليس من المعقول أن تضاف إليها، فهم ينكرون مثلًا على أبي تمام أنه كان يشخِّص، فهو كان يجعل للدهر أخدعين، وكان يجعل الدهر طويلًا عريضًا، وكان يجعل الدهر شيئًا يُركَب، وكان يصوِّر هذه المعاني كما تُصوَّر الأشخاص، كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى الأشخاص والكائنات الحية، ويضيف إليها من الأوصاف ما لا يُضَاف إلا إلى الأشخاص أيضًا. هذا النقد وُجِّه إلى أبي تمام، وأسرف الآمدي وغير الآمدي في أخذه به، وزعموا حين نقدوا أبا تمام أنَّ هذا النوع من الاستعارة وُجِد عند المتقدمين، ولكن أقل جدًّا مما وُجِدَ عند أبي تمام.
هذا العيب — إن كان عيبًا — يوجد عند ابن الرومي أكثر جدًّا مما يوجد عند أبي تمام للسبب الذي قدَّمْتُه، وهو أنَّ وقوف ابن الرومي عند المعاني أطول جدًّا من وقوف أبي تمام عند هذه المعاني، ومتى كان الأمر كذلك فطول وقوف ابن الرومي عند المعاني يضطره إلى أن يطيل النظر فيها، فهو يتصرف فيها ويعبث بها أكثر مما كان أبو تمام يتصرف في معانيه. وإذا كان أبو تمام قد استطاع أن يجعل للدهر أخدعين، وأن يجعله طويلًا عريضًا، فإن ابن الرومي قد فعل ما هو أكثر من ذلك، فابن الرومي قد تصوَّر هذه المعاني على أنها أشخاص، ووقف هذه الأشخاص منه موقف المتحدث الذي يخاصمه ويطيل معه الخصومة، فهو أجرى في معانيه حياة وحركة من شأنها ألَّا تجري إلا في الكائنات الحية، ثم لم يكتفِ بذلك، بل جعل لهذه المعاني عقولًا تفكِّر وتقاضي، فهو إذن قد جعل معانيه أشخاصًا من الناس، وجعلها تفكِّر وتناقش على أصول المنطق، وهو إذن قد جعل معانيه كأنها أشخاص من الناس، وجعل الحياة ملعبًا أو مسرحًا من مسارح التمثيل، وجعل هذه المعاني هي الأشخاص أو أبطال القصة، هذا النحو من التفكير وهذا النحو من معالجة المعاني وإجراء التفكير فيما ليس من شأنه أن يفكر وإطالة هذا التفكير وهذا الحوار، من الأشياء التي تدل على أنها نتيجة من نتائج الطبيعة والثقافة اليونانية عند أبي تمام وابن الرومي، وهي هذه الطبيعة التي أنشأت فن التمثيل عند اليونان، والتي لم تستطع أن نتصور الشعر الغنائي نفسه كما تصوَّره العرب على أنه مجرد التعبير عن الآراء المختلفة والميول المتباينة، وإنما اضطرت إلى أن تثبت الحركة، واضطرت إلى أن يكون غناؤها نفسه تمثيلًا، وأن يتكلف غير واحد إنشاد الشعر الغنائي، فالشعر الغنائي عند اليونان لم يكن في أول الأمر يستقل بإنشاده شاعر واحد، وإنما كان يشاركه في ذلك شاعر آخَر، ويستعين بالمغنين والموقعين.
هذا النوع من الكثرة، أو من التعديد، أو من إيجاد المغايرة الظاهرة جدًّا بين الفرد الذي يتأثَّر بالمعاني ويحس العواطف، هذا النوع من التفكير هو الذي يميز ابن الرومي وأبا تمام عن الشعراء الذين تقدموهما أو عاصروهما.
ويكفي لأجل أن تفهموا هذا النوع أن تنظروا إلى هذه القصيدة التي يعاتب بها صاحبه وصديقه أبا القاسم الشطرنجي، انظروا إليه كيف يبدأ هذه القصيدة، وكيف يكون من الخصال السيئة التي اكتشفها عند صاحبه جماعة من الأشخاص يتحدث إليهم ويتحدثون إليه:
يَا أَخِي أَيْنَ رَيْعُ ذَاكَ اللِّقَاءِأَيْنَ مَا كَانَ بَيْنَنَا مِنْ صَفَاءِأَيْنَ مِصْدَاقُ شَاهِدٍ كَانَ يَحْكِيأَنَّكَ الْمُخْلِصُ الصَّحِيحُ الْإِخَاءِكَشَفَتْ مِنْكَ حَاجَتِي هَفَوَاتٍغُطِّيَتْ بُرْهَةً بِحُسْنِ اللِّقَاءِ
هذه الهفوات التي كشفتها حاجته عند صاحبه، هي التي سيشخصها ابن الرومي، وسيتخذ منها جماعة يسبغ عليهن ثوب النساء وسيتحدث إليهن، وسيكون بينه وبينهن حوار لو اتسعت اللغة العربية له لكان كالحوار التمثيلي، ولكنها لم تكن تتسع له في ذلك العصر، لم يسعه إلا أن يقول «قلتُ، وقُلْنَ»، أي أن يحدث بينه وبينهن سؤالًا وجوابًا «قُلْنَ وقلتُ».
تَرَكَتْنِي وَلَمْ أَكُنْ سَيِّئَ الظَّنـْـنِ أُسِيءُ الظُّنُونَ بِالْأَصْدِقَاءِ
انظروا أولًا إلى «الظن» و«الظنون» وإلى تكرار هذا اللفظ مفردًا في الشطر الأول، وجمعًا في الشطر الثاني، فهو يُحدِث لنا موسيقى كالبحتري حين كان يكرر الألفاظ أو يرشح في الشطر الأول للقافية التي تأتي في الشطر الثاني، كقوله:
وَحَسْنَاءَ لَمْ تُحْسِنْ صَنِيعًا وَرُبَّمَاصَبَوْتُ إِلَى حَسْنَاءَ سِيءَ صَنِيعُهَا
يقول ابن الرومي:
قُلْتُ لَمَّا بَدَتْ لِعَيْنِيَ شُنْعًارُبَّ شَوْهَاءَ فِي حَشَا حَسْنَاءِ
يقول إنه لما رأى هذه الخصال التي ظهرت له أساء ظنه بأصدقائه، ولم يكن من شأنه ذلك، وقال ربما توجد المرأة السيئة في ظل المرأة الحسناء، إذ ربما توجد الخصلة السيئة في ظل الخصال الحسنة.
لَيْتَنِي مَا هَتَكْتُ عَنْكُنَّ سِتْرًافَثَوَيْتُنَّ تَحْتَ ذَاكَ الْغِطَاءِ
في البيت السابق كان يتحدث إلى نفسه، ثم انتقل الحديث إلى هذه الخصال.
وأحب أن ألفتكم إلى شيء من الإهمال في هذا البيت، وهو قوله «ذاك» كأنه يتحدث إلى مفرد، ولكنه يتحدث إلى الجمع، ولست أقول إنَّ هذا خطأ، فإنه مألوف شائع، ولكني أقول إنَّ فيه إهمالًا في الذوق، وستجدون هذا الإهمال كثيرًا جدًّا في شعر ابن الرومي:
إن تزولا انكشافنا ما تجلتعنك ظلماء شبهة قتماء
يقول: لولا إننا ظهرنا ما تجلت عنكَ هذه الشبهة المظلمة، التي تغشك في صاحبك أبي القاسم.
قُلْتُ أعجب بِكُنَّ مِن كَاسِفَاتٍكَاشِفَاتٍ غَوَاشِي الظَّلْمَاءِقَدْ أفدتني مع الخبرِ بِالصَّاحِبِ أنَّ رُبَّ كَاسِفٍ مُسْتَضَاءِ
هنا يلم ابن الرومي بالبديع؛ كاسفات كاشفات «جناس» كاسف مستضاء، ونوع من المعاينة:
فلَنْ أعجب بمُهْتَدٍ يتمَنَّىأنَّه لم يَزَلْ عَلَى عَمْيَاءِكُنْتَ فِي شُبْهةٍ فزَالَتْ بِنَا عَنـْـكَ فَأَوْسَعْتَنَا مِنَ الْإِزْرَاءِوَتَمَنَّيْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحِيــرَةِ تَحْتَ الْعمَايَةِ الطَّخْبَاءِ
الخصال هي التي تتحدث إليه فتقول: إنك عجيب مهتدٍ، ولكنك تتمنى أن تظل حائرًا مع أننا نكشف عنك الشبهة:
قُلْتُ تَاللهِ لَيْسَ مِثْلِيَ مَنْ وَدْدَ ضَلَالًا وَحِيرَةً بِاهْتِدَاءِغَيْرَ أَنِّي وَدَدْتُ سَتْرَ صَدِيقِيبَدَلًا بِاسْتِفَاضِةِ الْأَنْبَاءِقُلْنَ هَذَا هَوًى فَعَرِّجْ عَلَى الْحَقْقِ وَخَلِّ الْهَوَى لِقَلْبٍ هَوَاءِ
أظنكم تلاحظون أنَّ الهوى كثير في هذا البيت:
لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَوَدَّ لِخِلٍّأَنَّهُ الدَّهْرُ كَامِنُ الْأَدْوَاءِبَلْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تُنَقِّرَ عَنْهُنـْـنَ وَإِلَّا فَأَنْتَ كَالْبُعَدَاءِإِنَّ بَحْثَ الطَّبِيبِ عَنْ دَاءِ ذِي الدَّاءِ لَأسُّ الشِّفَاءِ قَبْلَ الشِّفَاءِدُونَكَ الْكَشْفَ وَالْعِتَابَ فَقَوِّمْبِهِمَا كُلَّ خِلَّةٍ عَوْجَاءِ
فأنتم ترون إلى هذا الحوار بين ابن الرومي وبين هذه الخصال من صاحبه، وقد كان مغرمًا به مسرورًا من حُسن العشرة، وما كان يظهر له من أنه مخلص صحيح الإخلاص، ثم عرضت له حاجة فتقدم فيها إلى أخيه فلم يسعفه ولم يواته، فاستكشف أنه ليس كله حسنًا، وبدت له هذه العيوب شنيعة قبيحة، فأسف لأنه فتَّش عن صاحبه فبدت له عيوبه، ووَدَّ لو لم تظهر هذه العيوب، ولكن هذه الخصال نطقت بنفسها وقد أزلنا عنك الشبهة وعرفناك حقيقة الصديق، وهذا النحو هو الذي نجده في القصص التمثيلية اليونانية عند اسكيلوس أو سوفوكليس أو ايروبيد.
ثم يتحدث ابن الرومي إلى صديقه وصاحبه أبي القاسم في عتاب، فانظروا كيف يستقصي المعاني ولا يطمئن إلى الإيجاز، وإنما يفصِّل ويسرف في التفصيل:
يَا أَخِي هَبْكَ لَمْ تَهَبْ لِي مِنْ سَعْــيِكَ حَظًّا كَسَائِرِ الْبُخَلَاءِأَفَلَا كَانَ مِنْكَ رَدٌّ جَمِيلٌفِيهِ لِلنَّفْسِ رَاحَةٌ مِنْ عَنَاءِأَجَزَاءُ الصَّدِيقِ إِبْطَاؤُهُ الْعَشـْـوَةَ حَتَّى يَظَلَّ كَالْعَشْوَاءِتَارِكًا سَعْيَهُ اتِّكَالًا عَلَى سَعـْـيِكَ دُونَ الصِّحَابِ وَالشُّفَعَاءِكَالَّذِي غَرَّهُ السَّرَابُ بِمَا خَيْــيَلَ حَتَّى هَرَاقَ مَا فِي السِّقَاءِ
أراد أن يقول لصاحبه: هَبْكَ لم تُرِدْ أن تجيبني إلى ما طلبت، وهَبْكَ لم تُرِدْ أن تسعى إلى هذه الحاجة التي كلَّفْتُك السعي فيها، أَمَا كان ينبغي أن تجيب جوابًا حسنًا أستطيع أن أطمئن إليه؟ هذا هو المعنى الذي كان يريد أن يقوله، وقد فصلته هنا تفصيلًا، ويمكن الكاتب المجيد أن يوجزه أكثر مما قلتُ أنا، ولكن ابن الرومي لا يطمئن إلى ذكاء كاتب أو سامع في أن يستكمل المعنى ويتمه إذا ظفر به.
ثم يقول بعد ذلك:
يَا أَبَا الْقَاسِمَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِدَهْرِي قَطَعْتَ مَتْنَ الرَّجَاءِبِكرُ حَاجَات مَنْ يَعُدُّكَ لِلشِّدْدَةِ طَوْرًا وَتَارَةً لِلرَّخَاءِنِمْتَ عَنْهَا وَمَا لِمِثْلِكَ عُذْرٌعِنْدَ ذِي نُهْيَةٍ عَلَى الْإِغْفَاءِقَسَمًا لَوْ سَأَلْتُ أُخْرَى عُوَانًالَتَنَمَّرْتَ لِي مَعَ الْأَعْدَاءِلَا أُجَازِيكَ مِنْ غُرُورِكَ إِيَّايَ غُرُورًا وُقِيتَ سُوءَ الْجَزَاءِبَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنْتَ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
تلاحظون أنَّ في هذه الأبيات من أول «يا أخي» إلى آخر بيت وقفنا عنده عذوبةً في اللفظ، ورفقًا في الحديث، نلاحظ فيه العتاب بمعناه الصحيح، هو شيء بين الرضا والسخط، بل هو سخط يلبسه صاحبه ثوب الرضا، هو شيء قريب من الهجاء، ولكنه ليس هجاء … وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادةً لا حدَّ لها، فهو شديد على صاحبه، ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول:
بَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنَتْ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين.
مَا بِأَمْثَالِ مَا أَتَيْتَ مِنَ الْأَسـْـرِ يَحُلُّ الْفَتَى ذُرَى الْعَلْيَاءِلَا وَلَا يَكْسِبُ الْمَحَامِدَ فِي النَّاسِ وَلَا يَشْتَرِي جَمِيلَ الثَّنَاءِلَيْسَ مَنْ حَلَّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي أَنـْـتَ بِهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَوَفَاءِبَذَلَ الْوَعْدَ لِلْأَخِلَّاءِ سمْحًافَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِفَغَدَا كَالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيـْـنِ وَيَأْبَى الْإِثْمَارَ كُلَّ الْإِبَاءِلَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إنَّ الذي يريد أن يبلغ العلى وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل مَن بلغوا مرتبة في السماحة، يَعِدُ ثم لا يَفِي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول:
لَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة، وغالى حتى آلمه وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:
يَا أَخِي يَا أَخَا الدَّمَاثَةِ وَالرِّقـْـقَةِ وَالظَّرْفِ وَالْحِجَا وَالدَّهَاءِ
انظروا إلى كل هذه الصفات التي جمعها ورتَّبَها في هذا البيت، بعد هذا التقريع العنيف هو مضطر إلى أن يخفف من حدة هذا التوبيخ، فيأتي بهذا البيت يجمع فيه كل هذه الصفات الحسنة، وهي هنا أشبه بالدش البارد، ثم لا يكتفي بهذه الصفات، بل يفصِّل فيقول:
رُبَّمَا هَالَنِي وَحَيَّرَ عَقْلِيأَخْذُكَ الْلَاعِبِينَ بِالْبَأْسَاءِوَرِضَاهُمْ هُنَاكَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبـْـعِ وَأَدْنَى رِضَاكَ فِي الْإِرْبَاءِوَاحْتِرَاسُ الدُّهَاةِ مِنْكَ وَإِعْصَافُكَ بِالْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِعَنْ تَدَابِيرِكَ اللِّطَافِ اللَّوَاتِيهُنَّ أَخْفَى مِنْ مُسْتَسِرِّ الْهَبَاءِبَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِ
انظروا إلى هذا البيت، فهو من أجمل تشبيهات ابن الرومي، فهو يريد أن يقول إنَّ نبوغ صاحبه في لعب الشطرنج نبوغ خفي دقيق، كأنه السر في ضمير المحب الذي أفشى سره مرة فعُوقِبَ على هذا الإفشاء.
بَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِفَإِخَالُ الَّذِي تُدِيرُ عَلَى الْقَوْمِ حُرُوبًا دَوَائِرَ الْأَرْحَاءِوَأَظُنُّ افْتِرَاسَكَ الْقِرْنَ فَالْقِرْنَ مَنَايَا وَشِيكَةَ الْإِرْدَاءِوَأَرَى أَنَّ رُقْعَةَ الْأَدَمِ الْأَحـْـمَرِ أَرْضٌ عَلَلْتهَا بِدِمَاءِغَلِطَ النَّاسُ لَسْتَ تَلْعَبَ بِالشَّطـْـرَنْجِ لَكِنْ بَأَنْفَسِ اللُّعَبَاءِأَنْتَ جديهَا وَغَيْرُكَ مَنْ يَلـْـعَبُ إِنَّ الرِّجَالَ غَيْرَ النِّسَاءِلَكَ مَكْرٌ يَدِبُّ فِي الْقَوْمِ أَخْفَىمِنْ دَبِيبِ الْغِذَاءِ فِي الْأَعْضَاءِأَوْ دَبِيبِ الْملَالِ فِي مُسْتَهَامِيــنَ إِلَى غَايَةٍ مِنَ الْبَغْضَاءِ
(أو مسير القضاء)
انظروا إلى هذا البيت جيدًا:
أَوْ مَسِيرِ القَضَاءِ فِي ظُلَمِ الْغَيـْـبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِالْتِوَاءِأَوْ سُرَى الشَّيْبِ تَحْتَ لَيْلِ شَبَابٍمُسْتَحِيرٍ فِي لِمَّةٍ سَمْحَاءِدَبَّ فِيهَا لَهَا وَمِنْهَا إِلَيْهَافَاكْتَسَتْ لَوْنَ رثَّةٍ شَمْطَاءِتَقْتُلُ الشَّاهَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الرُّقـْـعَةِ طَبًّا بِالْقِتْلَةِ النَّكْرَاءِغَيْر مَا نَاظِرٍ بِعَيْنِكَ فِي الدَّسـْـتِ وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى الرُّسَلَاءِبَلْ تَرَاهَا وَأَنْتَ مُسْتَدْبِرُ الظَّهـْـرِ بِقَلْبٍ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَكَاءِمَا رَأَيْنَا سِوَاكَ قِرْنًا يُوَلِّيوَهْوَ يُرْدِي فَوَارِسَ الْهَيْجَاءِوَالْفُؤَادُ الذَّكِيُّ لِلمُطْرِقِ المُعـْـرِضِ عَينٌ يَرَى بِهَا مِنْ وَرَاءِتَقْرَأُ الدَّسْتَ ظَاهِرًا فَتُؤَدِّيــهِ جَمِيعًا كَأَحْفَظِ القُرَّاءِ
هذه الأبيات من أجمل ما قيل في اللغة العربية في لعب الشطرنج، ولكن ابن الرومي من غير شك لم يكن يريد أن يمدح صاحبه، ولا أن يتملقه ببراعته في لعب الشطرنج من حيث إنه بارع ماهر، وإنما هو يتخذ هذا الوصف والثناء ذريعةً إلى أن يخفِّف عن صاحبه حدة هذا التقريع، فهو يريد أن يترضاه وأن يتملقه، فيصفه بأحب الأشياء إليه، وبالشيء الذي يجد فيه هذا الرجل رضى وراحة، وهو مهارته في لعب الشطرنج، ثم يمضي ابن الرومي فيصف صاحبه بالذكاء وبالذكاء النادر، ويصفه بهذا الذكاء الذي يجمع إلى البراعة استقامة في الخلق، ولا يتهالك على السلطان، ولا يتهالك على الثروة، وهو من أجل هذا أعرض عن صحبة الملوك وصحبة المترفين والأمراء، من أجل هذا أيضًا ابتعد عن التجارة وربحها، وهو يؤثر حياة هؤلاء الناس الذين يرضون الحياة السهلة اللينة، ولكن بما فيها من ضيق اليد مع الترف الميسور واللذة العقلية، يؤثر هذا على الثروة والجاه، ويمضي في هذا حتى يوقن أنه أرضاه.
فإذا بلغ ابن الرومي من ذلك ما أراد، بأن حمل صاحبه بأن يعجب بنفسه وخُلُقه وفلسفته، فإذا بلغ من ذلك ما أراد، وإذا نسي صاحبه ذلك التقريع والتعنيف عاد بغاية اللين والسهولة، وعاتبه وسأله أترى كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها مجتمعة فيك، ثم يعسر عليك بعد ذلك أن تفهم مودتي وصداقتي، وأن تسعى وراء هذه الحاجة التي كلَّفْتُكَ السعي فيها؟ حتى إذا بلغ من هذا العتاب مأربه اشتد مرة أخرى وعنَّف صاحبه، ولم يكتفِ بهذا العنف وهذا التقريع، بل يلتمس قاضيًا، هذا القاضي هو أخو أبي القاسم أبو بكر، فيعرض عليه القضية ويطلب إليه أن يمضي فيها رأيه، ولا يمكن أن يكون فيها إلا عدلًا، فيصوِّر صاحبه أشنع صورة أمام القاضي، فإذا فعل ذلك عاد إليه فاستعطفه بأرق لفظ حلو، وأكَّدَ له أنه لم يُرِدْ هجاءً، إنما يريد عتابًا، ثم تنتهي القصيدة عند هذا الحد.
فأنتم ترون أنَّ هذه القصيدة التي هي من أواسط قصائد ابن الرومي، وله كثير خير منها، لو اتسع الوقت لدرسها معكم درسًا مفصَّلًا، لكانت كافية في أن تعطينا فكرة واضحة عن ابن الرومي.
مع أنَّ هذه القصيدة لا تكاد تتجاوز ثلاثين ومائة بيت، فقد ألَمَّ فيها بفنون مختلفة؛ فهو مادح، وهو محاور، وهو واصف، وهو بالغ بعتابه حدًّا نستطيع أن نقول إنه الهجاء، ولكنه نفسه يقول إنه لا يهجو، وهو على هذا ملِمٌّ بطائفة غير قليلة من الفنون الشعرية، وهو على هذا حريص أن يرتِّب قصيدته وألَّا يرسلها إرسالًا، وإنما هو كأبي تمام يرتِّب قصيدته ترتيبًا منطقيًّا، فأنتم حينما تقرءونها لا تستطيعون أن تقدموا جزءًا على جزء، إنما تقرءونها كما رتَّبَها هو، وأنتم مضطرون إلى أن تنتقلوا معه من معنى إلى معنى، ومن فصل من فصول القصيدة إلى فصل آخَر.
وابن الرومي من أخص الشعراء الذين جعلوا شعرهم فصولًا كالنثر — وهذا ما يسميه أصحاب البيان من الفرنج واليونان (Perode) — فيقسم قصيدته إلى فصول، يبدأ الفصل ثم ينتقل إلى فصل آخَر فيستقصيه ويتمه، ومن حيث إنه يطيل فهذا أظهر في شعره منه في شعر أبي تمام.
إذن هذه القصيدة — كما ترون — على جمعها لكثير من فنون ابن الرومي، تصوِّر لنا الخاصة التي يمتاز بها، وهي إسباغه الحياة والحركة على الأشياء والمعاني.
آسَف أشد الأسف؛ لأن ساعة أو ساعات لا تكفي لأداء ما كنتُ أودُّ أن أؤديه، ولكن ما تخسرونه من ضيق الوقت ليس شيئًا، فإن ابن الرومي ظلَّ طولَ الوقت مضطهدًا، فلما جاء هذا العصر كُوفِئ عن صبره أحسن المكافأة؛ لأنه درس وفكَّر فيه أكثر ما درس غيره من الشعراء، لا أكاد أستثني إلا المتنبي وأبا العلاء، ودرس دراسة تلائم عصرنا درسه بنوع خاص الأستاذان العقاد والمازني.
أما العقاد فكتب عنه كتابًا، هو من غير شك أحسن ما كُتِب عن ابن الرومي إلى الآن، وله قيمة ذاتية خاصة، وإن كان الأستاذ العقاد عني بالشاعر أكثر مما عني بالشعر، ولكن هذا نفسه فوز كبير، فشخصية ابن الرومي من أحسن الشخصيات الإنسانية التي يجب أن تُدرس، وأنا حين أقول الإنسانية أعني ما أقول، فالباحثون يجب أن يعنوا بابن الرومي، لا أقول في الأدب وحده، بل في الأدب والفلسفة وعلم النفس، فالأستاذ العقاد في كتابه على عنايته بالشاعر قد أحسن إلى ابن الرومي، وأحسن إلى الأدباء المعاصرين إحسانًا لا حدَّ له.
وعني المازني في مقالاته عن ابن الرومي في كتابه حصاد الهشيم عنايةً أشهد أنها من أقوى العنايات، فلا أعرف أني قرأت شيئًا أروع ولا أمتع من هذه الفصول التي كتبها، والمازني قد يكون أكثر استشهادًا بشعر ابن الرومي من العقاد، ولكنه كالعقاد يقف عند شخصية ابن الرومي أكثر مما يقف عند الجمال والتحليل الفني، والظاهر أنهما يكلفان كلفًا خاصًّا بشخصيات الشعراء، أما أنا فربما عنيت بالشعر أكثر من عنايتي بالشاعر، وربما اتخذت الشاعر وسيلةً إلى فهم الشعر؛ ولذلك أرجو وألحُّ في الرجاء أن تتيح لي الأوقاتُ والظروفُ أن أدرس مع العقاد والمازني ابنَ الرومي، ولكن من ناحية شعره وفنِّه لا من ناحية شخصه، فأظن أنهما قد بلغا من ذلك فوق ما أريد.
بول فاليري
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ ديسمبر ١٩٣٣
النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.
أيها السادة
كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.
ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.
ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.
وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.
بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.
ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.
ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.
كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»
والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.
فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.
ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.
وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.
هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.
ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.
احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.
هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.
بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.
كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.
سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.
وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.
ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.
ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.
هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»
استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.
وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.
وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.
أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.
يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.
في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.
والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.
والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.
والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.
وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.
سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.
من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.
ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.
نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»
ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.
هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»
يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!
ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.
ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.
وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.
هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.
من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.
وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.
وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.
والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.
كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.
أخلاق الأدباء
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٣٨
«… فالأدباء ناس من النَّاس، لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحسِّ المرهف الدقيق، والشُّعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف، فيظهر من أخلاقهم — على اختلاف ما فيها من الخير والشَّر — ما يخفى من أخلاق غيرهم من النَّاس …»
سمعتُ الكتاب الذي أرسلته إليَّ «الهلال» تريدني فيه على أن أتحدث إلى قرائها عن أخلاق الأدباء، ثُمَّ التفتُّ إلى صبي أحبه وأوثره وسألته عن أظهر أخلاق الأديب فقال في لهجة الجد: «الثرثرة، وتضييع الأوقات، وتصديع الرءوس».
ثم استأنى شيئًا كأنَّما يُفكِّر فيما قال ويتناوله بالتمحيص والنقد، ثم استأنف حديثه فقال: «ولكن من غير الأدباء من يثرثرون، ويضيعون الوقت، ويصدعون الرءوس، فلنقل إيثارًا للدِّقة وحرصًا على التحقيق، أنَّ الأديب يتخذ الثرثرة صناعة وفنًّا وطابعًا يطبع به حياته وغايته ينفق فيه جهده، على حين يثرثر غيره هاويًا للثرثرة، لا مقصورًا عليها، ولا مدفوعًا إليها بحكم الغريزة والطبع»، وكذلك استطاع هذا الصبي أن يُصوِّر أظهر صفات الأديب في شيء من الغلو والإسراف، ولكن في شيء من الإصابة غير قليل، ولهذا الصبي عذره فيما أسرف وما غلا، فهو نفسه يحب الأدب ويتكلفه ويوشك أن يشارك فيه، وربما كان الغلو من أخص صفات الأديب وأظهر خصاله، ولعلَّ الغلو أن يكون الخصلة الأولى الجوهرية التي تنشأ عنها أخلاق الأديب، والتي يصدر عنها الأديب فيما يفعل وما يقول، فالأديب من غير شكٍّ إنسان صناعته الكلام، لا يتكلم ليؤدي ما تعوَّد النَّاس أن يؤدوه من المعاني فحسب، ولكنَّه يتكلم؛ لأنَّه اتخذ الكلام غاية وغرضًا، وهو لم يتخذ الكلام غاية وغرضًا؛ إلا لأنَّه أفاض عليه من الروعة وأشاع فيه من الجمال ما جعله خليقًا أن يتنافس النَّاس فيه ويتهالكوا عليه، وما جعله خليقًا أن يطلب أشد الطلب ويرغب فيه أشد الرغبة، فيتيه به أصحابه ويتخذه مُنشئه تجارة تربح أحيانًا، ويدركها الكساد أحيانًا أخرى، فالأديب إذن قد عمد إلى الكلام الذي يتخذه النَّاس وسيلة إلى تأدية أغراضهم، وأداة إلى أن يفهم بعضهم بعضًا، فحوله عن وجهه وجعله غاية بعد أن كان سببًا، وغرضًا يقصد لنفسه بعد أن كان أداة يوصل إلى غيره، والذي مكَّن الأديب من أن يجعل الكلام غاية بعد أن كان وسيلة، وغرضًا بعد أن كان أداة وسببًا، إنَّما كان هذا الغلو الذي ركب في طبعه، والإسراف الذي كوَّن مزاجه، فسيطر على حياته كلها، غلو في الحسِّ يجعله يحس الأشياء على نحو أقوى وأشد مما يحسها غيره، وغلو في الشعور والعاطفة يجعله يندفع إلى الأشياء أو يرتدُّ عنها، على نحو أقوى وأشد مما يندفع غيره إلى الأشياء أو يرتد عنها، ثُمَّ غلو في الحكم والتقدير يجعله يقوِّم الأشياء تقويمًا لم يتعوده النَّاس ولم يألفوه، ثُمَّ غلو بعد هذا كله في تصوير الأشياء والتعبير عنها، يجعله يعرض الأشياء على نحو غريب لم يألف النَّاس عرضها عليه، وهم من أجل ذلك يُقبلون عليه، ويكلفون به، ويتنافسون فيه.
وما أعرف أنَّ أديبًا يشذ عن هذه القاعدة، أو ينحرف عن هذا الأصل؛ فالشعراء والكُتَّاب يختلفون في إيثارهم للمبالغة، وحرصهم على القصد والاعتدال، ولكنَّهم على ذلك متفقون في مقدار من الغلو لا يكون أحدهم شاعرًا أو كاتبًا بدونه، فلن تجد أديبًا إلا وهو مرهف الحس، دقيق الشعور، رقيق المزاج إلى حدٍّ لا يُشاركه فيه غيره من النَّاس، وإرهاف حسه، ودقة شعوره، ورقة مزاجه إلى هذا الحد غير المألوف هي التي ميزته من النَّاس، فأتاحت له أن يجد ما لا يجدون، ويشعر بما لا يشعرون، ويقول بعد هذا كله ما لا يقولون، ويذهب من مذاهب القول وألوانه ما لا يألفون.
فإذا أردت بعد هذا أن تعرف أخلاق الأديب؛ فارجع بها إلى هذا الأصل، وردَّها إلى هذا المصدر، فستنتهي بها إلى الينبوع الذي فاضت منه، وإلى المعدن الذي صدرت عنه، وقد تعوَّد النَّاس أن يظنوا بالأدباء الظنون، وأن يُضيفوا إليهم من الأخلاق والخصال ما يخيل إليك أنَّهم يمتازون به من غيرهم، وينفردون به انفرادًا، والنَّاس معذورون فهم يرون للأدباء أو الممتازين منهم على أقل تقدير أطوارًا غريبة خاصة، وهم يقرءون من شعرهم ونثرهم ما يصور لهم ألوانًا من الحياة ينكرونها ويرغبون عنها، أو يؤثرونها ويحرصون عليها، ولكنهم لا يألفونها عند أوساط النَّاس.
فهم يعرفون من أمر بشار ما يعرفون؛ إسرافًا في اللهو، وغلوًّا في العبث، وتهالكًا على اللذة، ودفاعًا عن هذا كله، واستهتارًا بهذا كله، فما يشكُّون في أنَّ بشارًا رجلٌ شاذٌّ، وفي أنَّ شذوذه جاءه من أنَّه أديب، وربَّما كان من الحق أن يروا أنَّ بشارًا رجل أدب، وأنَّ أدبه جاءه من أنَّه خلق شاذًّا، ولولا شذوذ فطرته وخروج الطبيعة به عمَّا ألف من اعتدال المزاج، واتزان الحس، واستقامة الشعور، لأحس الأشياء كما يحسها غيره من النَّاس، ولتصرف فيها وحكم عليها كما يتصرف فيها ويحكم عليها غيره من النَّاس، وقل مثل ذلك فيمن شئت من الممتازين المتفوقين بين الأدباء في كل بيئة، وفي كل عصر، وفي كل جيل، هم قوم شذت بهم الطبيعة عن المألوف، وخرجت بهم عن الطور الذي عرفه النَّاس، فمنحتهم حسًّا مُرهفًا وشعورًا دقيقًا ومزاجًا حادًّا، ودفعهم هذا كله إلى التأثر بالحياة وظروفها تأثرًا شاذًّا، وإلى التعبير عن الحياة وظروفها تعبيرًا شاذًّا، ولكنَّ الغريب أنَّ النَّاس لم يقبلوا الأدباء كما هم، ولم يرضوا عنهم جملة، وإنَّما أخذوا الأدب فشطروه شطرين، قبلوا أحدهما فتنافسوا فيه، ورفضوا أحدهما الآخر ونعوا عليه أشد النعي ومقتوه أشنع المقت.
فالنَّاس يقرءون شعر بشار فيُعجبون به أو يُعجب به أكثرهم، ولكنَّهم ينقمون من بشار قبح سيرته، وسوء خُلقه، وإسرافه في العبث والمجون، وما ينبغي أن نطلب إلى النَّاس، بل نحن نعوذ بالله أن نطلب إلى النَّاس الرضى عمَّا هو معروف من سيرة بشار وأمثاله من أصحاب العبث والمجون، ولكن الذي نطلبه هو الإنصاف، فلولا أنَّ بشارًا قد سار سيرته المعروفة، وعكف على ما عكف عليه من العبث، لما أنتج هذا الشعر الذي نرضى عنه ونُعجب به، وفرق عظيم بين أن ترضى عن سيرة بشار، وتُغري بها النَّاس وتُرغِّبهم فيها، وبين أن تُحقِّقَ الصِّلة بين هذه السيرة، وبين ما أنتجت من الآثار الأدبية، وتردها وترد آثارها الأدبية إلى أصل واحد، هو هذا الشذوذ الفطري الذي طبع الشاعر عليه، والله كفيل بحساب بشار وأخذه بذنوبه، أو التجاوز له عن هذه الذنوب، وصاحب الأخلاق كفيل بتنبيه النَّاس إلى الفضيلة والرذيلة، وترغيبهم عن هذه، وتزيين تلك في قلوبهم، ولكننا نحن حين نحكم في الأدب ونُقدِّر آثار الأدباء، خليقون أن نُقرِّر أنَّ سيرة بشار هذه القبيحة قد أنتجت لنا شعره هذا الجميل.
وقد أراد الله بالنَّاس خيرًا فأعفاهم من الشر المُطلق، ورفع عنهم ثقل القُبح الخالص، واستخرج لهم من الشر خيرًا، ومن القبح حسنًا، وجعل ما يكرهون سبيلًا إلى ما يُحبُّون، فلنرحم هؤلاء الأدباء البائسين الذين تورطوا فيما نكره؛ فأنتجوا لنا ما نحبُّ، وقد أحسَّ بشار بُغض معاصيره له، وسمع نعيهم عليه، وأراد أن يذود عن نفسه، وأن يعتذر عمَّا كان يُنكر النَّاس من أمره فقال:
طبعت على ما في غير مخيرهواي ولو خُيِّرت كنت المهذباأريد فلا أعطى وأعطى ولم أردوقصر علمي أن أنال المغيبافأصرف عن قصدي وعلمي مقصروأمسي وما أعقبت إلا التعجبا
وللفلاسفة وأصحاب الكلام أن يُجادلوا بشارًا ويُنازعوه في ميله إلى الخير، وإعلانه للدعوة إليه، ولكننا نحن الذين ليسوا فلاسفة ولا متكلمين، خليقون أن نرحم بشارًا وأمثاله من آثامهم هذه، وأن نعرف لهم أنَّهم قد تورطوا فيها وشقوا بها؛ لننعم نحن بما أنتجوا لنا من آيات الفن، وروائع الشعر والنثر، وليس الأمر مقصورًا على أمر بشار وأمثاله من أصحاب العبث الذي يأباه الدين، وينكره الخلق، ولكنَّه يتجاوزهم إلى أصحاب الجد الذين شذت بهم الطبيعة عن المألوف، فدفعتهم إلى ألوان من السيرة، وإلى فنون من الكلام تُناقض العبث والمجون، ولكنَّنا مع ذلك ننكرها ونضيق بها، وإن أعجبنا بآثارها الفنية، فقد شذَّت الطبيعة بأبي العلاء عمَّا أَلِفَ النَّاس في حياتهم، وألزمته فنونًا من القسوة على نفسه وعلى النَّاس، ومن سوء الرأي في نفسه وفي النَّاس، ما أظن أننا نتخذها مثلًا أو نغري بها الشباب، ولكننا مع ذلك نقرأ اللزوميات فنُعجب بها، ونفتتن بكثير من شعرها، ونجد ألوانًا من المتاع فيما حفظت لنا من صور هذه الفلسفة المظلمة، وما اختار أبو العلاء أن يكون متشائمًا مظلم النفس سيئ الرأي، وما اختار أبو العلاء أن يسير هذه السيرة التي دُفع إليها دفعًا، فلنرحم أبا العلاء إذن من سيرته هذه التي لم يخترها، وإنَّما أُكره عليها إكراهًا، ولنعرف له أنَّه شقي لنسعد، وقسا على نفسه لنرفه نحن على نفوسنا بما ترك لنا من الآثار.
والأدباء بعد هذا كله يختلفون اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من تظهر سيرته في آثاره الأدبية، ومنهم من يخفون هذه السيرة، ويظهرون في آثارهم ما يناقضها أشد المناقضة، فسيرة بشار ظاهرة في شعره، وسيرة أبي نواس ظاهرة في شعره أيضًا، وكثرة ما ترك أبو العتاهية من الشعر تُناقض ما نعرفه من حياته، وقد كان الشاعر الفرنسي ألفريد دي فيني ألقى في نفوس النَّاس الذين قرءوا شعره أنَّه صورة الجد والحزم والتشاؤم والشدة على النفس، ثم أظهر البحث من أمره ما يُناقض شعره أشدَّ المناقضة، ومن الأدباء من يتوسط بين ذلك، فيظهر من سيرته في آثاره الأدبية أطرافًا، ويُخفي منها أطرافًا، ويكلف الباحثين عن تاريخ الأدب ألوانًا من العناء؛ ليستخرجوا الحقَّ من سيرته وآثاره، وهذا الاختلاف بين الأدباء يأتي فيما أقدر من رأيهم فيما يكون بينهم وبين الجماعات التي يعيشون فيها من الصلة، ومن شجاعتهم واختلاف حظوظهم من هذه الشجاعة التي تمكنهم أو لا تمكنهم من مصارحة الجماعة بشخصياتهم كما هي؛ فمنهم من يُؤمن بشخصه أكثر مما يُؤمن بالجماعة، ويحفل بشخصه أكثر مما يحفل بالجماعة، فيجاهر الجماعة بنفسه وما يؤلف من العواطف والميول والأحوال متعرضًا في سبيل ذلك لألوان الإنكار والسخط التي تنتهي به أحيانًا إلى الاضطهاد، وربما انتهت به من الاضطهاد إلى أقصاها، ومنهم الذي يُصانع ويُوادع ويؤثر العاقبة؛ فيظهر للجماعة من نفسه ما تحتمل، ويخفي عليها من نفسه ما لا يطيق؛ لينفق حياة هادئة أو كالهادئة. وربما كان هؤلاء المصانعون الموادعون أحق النَّاس بالرحمة وأجدرهم بالإشفاق، فليس إنكار الشخصية بالشيء الهين على صاحب الشخصية القوية.
وقد تسألني بعد هذا عن أخلاق الأدباء ما هي؟ أو ما عسى أن تكون؟ وهل يمكن أن يُقال فيها قولٌ جامعٌ يختصرها ويجملها؟ فصدقني ليس هذا بالشيء الهين، بل ليس هذا بالشيء الممكن.
فالأدباء ناس من النَّاس لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحس المرهف الدقيق، والشعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف الحاد، فيظهر من أخلاقهم على اختلاف ما فيها من الخير والشر ما يخفى من أخلاق غيرهم من الناس، وما أكثر الذين أحبوا اللهو وعكفوا على الخمر، فلم يكد يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بشار وأبي نواس، وما أكثر الذين يدخنون الحشيش والأفيون، فلا يكاد النَّاس يعرفون من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بودلير، وما أكثر الذين يتشاءمون ويقسون على أنفسهم فلم يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنهم لم يفطروا على طبيعة أبي العلاء، صدقني أنَّ للأدباء عيبًا خطيرًا هو الذي يدل عليهم ويغري بهم، أو قل: إنَّ لهم عيبين خطيرين يخيلان إلى النَّاس أنَّهم فرقة ممتازة بأخلاق لا يُشاركهم فيها غيرهم؛ فأمَّا أول هذين العيبين فهو الغلو الذي ركب في طبائعهم، وأشيع في أمزجتهم، وجعلهم يقيسون ذراعًا كلما قاس النَّاس أصبعًا، أما ثاني هذين العيبين فهو هذا الذي ذكره الصبي الذي أحبه وأوثره، وهو الثرثرة والإغراق في الكلام.
المعري: أشاعر أم فيلسوف
طه حسين
مجلة الهلال
يونيو ١٩٣٨
… أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …
سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.
وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.
وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.
ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.
وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.
فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.
وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.
وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.
أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.
وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.
ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.
يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.
لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.
كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.
وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.
وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.
ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.
فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.
وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.
فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.
أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.
على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.
أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.
فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.
إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.
فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.
وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.
وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:
ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.
لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.
وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.
وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.
هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.
والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.
فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟
لا تظلموا الموتى!
طه حسين
النداء
٢٠ أبريل ١٩٤٨
لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.
ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!
فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!
قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …
ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:
لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا
قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.
قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.
قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.
قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.
قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:
إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …
ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.
وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.
وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:
ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ
وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي
قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ
إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي
ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.
ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا
أبو نواس أيضًا
طه حسين
جريدة الأهرام
٣٠ مايو ١٩٥٣
أحبب إليَّ بهذا الصمت العميق الذي يُمعن فيه العلماء والأدباء وأصحاب الفن الرفيع أشدَّ الإمعان؛ حتى ينسوا النَّاس، ويُوشك النَّاس أنْ ينسوهم، وحتَّى يُوشك أحدهم أنْ ينسى نفسه لشدة ما أمعن في الصمت، وأغرق في البحث، وشغله العمل عن كل شيء، ثُمَّ يعود إلى نفسه وإلى النَّاس ذات يومٍ وفي يده طُرْفة نفيسة يطرفهم بها في كثير من التواضع والحياء، وكان صمته ذاك الخصب يُنشد قول الراجز القديم:
هذا جناي وخياره فيهإذ كل جانٍ يده إلى فيه
وأحبب إليَّ كذلك بهذه الأيام الغرِّ التي تستقبلني مُصبحًا أو مُمسيًا بطرفة من هذه الطرف يهديها إليَّ أصحابُها بين حينٍ وحينٍ.
ما أعمق هذا الرضا الذي أحسسته ونعمت به أمسِ حين استقبلني الصَّباح بطرفة تاريخية قيِّمَة جاءتني من دمشق، وحين استقبلني المساء بطرفة أدبية رائعة جاءتني من القاهرة، كلتا الطرفتين نتيجة من نتائج هذا الصمت العميق الطويل الذي يُمعن فيه أصحابه، ثم يخرجون منه بما ينفعهم وينفع الناس!
وقد كانت طرفة الصباح مجلدًا ضخمًا قيِّمًا من هذا الكتاب العظيم الذي يُعدُّ بين الكنوز النفيسة لتراثنا العربي، وهو تاريخ دمشق لابن عساكر. أخذ المجمع العلمي العربي في نشره، وعهد بإخراج المجلد الأول منه إلى الأستاذ صلاح المنجد، وسأتحدث عنه في الأسبوع المُقبِل إن شاء الله.
وكانت طُرفة المساء مُجلَّدًا ضخمًا كذلك يشتمل على ديوان أبي نواس عُنِيَتْ بنشره شركة مطبعة مصر، وعهدت بإخراجه وتحقيق نَصِّه إلى الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، وقدَّم له شاعرنا الكبير الأستاذ عزيز أباظة بمُقدِّمة مُمتعة، وهذا المُجلد هو الذي سأتحدث عنه اليوم في كثير من الإيجاز.
ولأمرٍ ما أَلَحَّ أبو نواس على النَّاس في هذه الأعوام الأخيرة من حياتنا الأدبية؛ فقد أخرج الأستاذ عبد الرحمن صدقي منذ وقت قصير كتابين قيِّمين عن أبي نواس، وتحدثت في الأسبوع الماضي عن الكتاب الذي درس فيه الأستاذ الدكتور محمد النويهي نفسية أبي نُواس، وهذا ديوان أبي نواس تُخرجه لنا مطبعة مصر في صورة جديدة قد حُقِّقت نصوصها، وبرئت من شوائب التصحيف والتحريف التي أفسدت الطبعات التي شاعت بين أيدي النَّاس.
ما عسى أن تكون الصِّلة بين هذا الجيل من أجيال المصريين وبين هذا الشاعر العظيم من شعراء القرن الثَّاني للهجرة؟ فقد ينبغي أن تكون هناك صلة خفية أو ظاهرة حملت هؤلاء السادة من المثقفين الذين أترفت عقولهم وأذواقهم، وهذبت طباعهم وأمزجتهم، على أن يُعْنَوْا بأبي نواس؛ منهم من يعرض حياته، ومنهم من يعرض فَنَّه، ومنهم من يحلل نفسَه، ومنهم من ينشر شعره نشرًا محققًا جديدًا. أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من مُجرد الميل إلى إحياء الأدب القديم؟ ولكن لماذا يُختار أبو نواس بين شعرائنا القدماء الذين لا يكاد يحصيهم العدُّ؟ لِمَ لا يختار شاعر من شعراء العصر الأموي، أو شاعر آخر من الذين عاصروا أبا نواس، أو الذين جاءوا بعده؟ وما أكثر ما يتحدث النَّاس في هذه الأيام عن الضِّيق بالقديم والزهد فيه، وعن الكلف بالجديد والشوق إليه! أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من أنَّ كثيرًا من المُثقفين في هذه الأيام يجدون مثلما كان يجد أبو نواس من الفراغ، ويُصرفون عمَّا أُتيح لأبي نواس من اللهو والعبث والاستمتاع بلذات الحياة؛ فهم يتعزَّوْنَ بما أُتيح لغيرهم عمَّا لم يُتح لهم، ويتسلَّوْن بوصف لَذَّات الحياة عن لَذَّات الحياة نفسها؟
ولكنَّ أبا نواس لم يكن وحده صاحب اللهو والعبث والمجون، وإنَّما كان كثيرٌ من مُعاصريه يُشاركونه في أمره كُلِّه، يلهون كما يلهو، ويعبثون كما يعبث، ويُسرفون على أنفسهم وعلى النَّاس في الاستهتار باللهو والعبث ووصفهما في الشعر الجميل الصريح؛ وإذن فما بال هؤلاء الباحثين المجودين يُؤثِرون أبا نواس بالبحث من دون غيره من مُعاصريه؟
يُخيَّل إليه أنَّ هذه الصلة لا تأتي من شيء من هذه الأشياء التي أشرتُ إليها، وإنَّما تأتي من شيء آخر يُصوِّر أصدق تصويرٍ هذا الروحَ الجديد الذي مَلأ الحياة المصرية وسايَرها منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان يعنف مرة ويهدأ أخرى، وهو رُوح الثورة والطموح إلى التحرُّر من الحياة الجامدة التي تُثقلها القيود والأغلال، وتضيق فيها الأوضاع الاجتماعية ضيقًا شديدًا؛ فتؤثِر طائفة قليلة بطيِّبات الحياة، وتحرم الكثرة الكثيرة هذه الطيبات. ولست أريد بطيبات الحياة هنا هذه اللذات المادية التي تُتاح للمترفين، وتُصرف عن المحرومين، وإنَّما أُرِيدُ بهذه الطيبات ما هو أوسع من هذا سعة وأرقى منه طبيعة ومزاجًا، أريد الطيبات المعنوية والمادية جميعًا، أريد الحرية الشائعة التي لا تقصر على طبقة بعينها وإنَّما تُتاح للنَّاس جميعًا، وأريد المساواة في الحقوق التي لا تُفرِّق بين جنس وجنس ولا بين طبقة وطبقة، والتي لا تبيح الاستعلاء لبعض الناس على بعض، ولا تبيح لبعض النَّاس أن يستأثروا دون غيرهم بما يتيح لهم التفوق والامتياز، هذا الروح ملأ حياتنا المصرية منذ انتهت الحرب العالمية الأولى؛ فدفعنا إلى المطالبة بالحرية السياسية، وبالحرية الاجتماعية، وبالمُساواة في الحقوق والواجبات، وحرصنا على أن نَخلُص من التسلط الأجنبي، وجاهدنا حتى ظفِرنا بدستور يسجِّل المساواة بين النَّاس، وقضينا ثُلث القرن الذي قضيناه في جهاد عنيف حينًا هادئ أحيانًا؛ لنحقق هذه الغايات تحقيقًا لا يقبل جدالًا ولا نزاعًا، وهذا الرُّوح هو الذي أغرى المثقفين منَّا بحُبِّ أبي نواس والعناية بشعره؛ فأبو نواس ثمرة من ثمرات الثَّورة التي حققت المساواة بين العرب وغيرهم من الأمم المغلوبة، وشعر هذا الجامح الذي لا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، إنَّما هو شعر المنتصر الذي أسكره الانتصار حتى أخرجه عن طوره، وحتى دفعه إلى ألوان من الشَّطَطِ في سيرته وفي تفكيره وفي شِعْرِه الذي يصور تلك السيرة وهذا التَّفكير.
فأبو نواس ثائر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة كلها، ثائر على العرب يعيبهم في غير تحفُّظ، ويُفَضِّلُ عليهم الفرس، ويُحْفِظُ السلطان أحيانًا حتى يُلْقِيَه في غيابات السجن، وهو ثائر على المألوف من حياة الناس هذه الحياة الهادئة المطمئنة التي تجري على وتيرة وحيدة محتفظة بما فرض الدين عليها من النقاء والقصد والاعتدال؛ فهو يشرب الخمر ولا يريد أن يستخفي بشربها، وهو يُمعن في الشذوذ الجنسي في غير تحفُّظ ولا استحياء، وهو يسخر من المتزمِّتِين في غير رفق ولا أناة، ثم هو ثائر على المألوف من قيود الفن، فهو يُحسن الشعر العربي التقليدي أيما إحسان، ويُثبت ذلك بما يَقرِض من الشعر التقليدي الرصين؛ حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التقصير، ولكنَّه بعد ذلك يثور على هذا كله، ويُبدع في فنِّه الجديد، فيُعرض عن الأطلال ووصفها والبكاء عليها والحنين إليها، إلى اللذة وإطرائها والافتنان في وصفها إلى أبعد الحدود؛ كل ذلك لأنَّه نشأ كما نشأ أترابُه في ظل الثورة التي أدانت للمغلوبين من الغالبين، ودفعت كثيرًا من هؤلاء المغلوبين إلى فنون من الشَّطَطِ والجموح في القول والفعل جميعًا.
وليس أبو نواس بدعًا من أترابه الذين عاصروه في البصرة والكوفة وبغداد، وقد وجد أبو نواس وأصحابه من الوزراء والأمراء ومن بعض الخلفاء رِضًى عن هذا الجموح، فتجاوزوا فيه كل حدٍّ؛ ومن هنا أخالف الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، كما خالفت الأستاذ النُّويهي من قبل في ردِّ ثورة أبي نواس هذه إلى ما زعم الرُّواة من سيرة أمه، أو إلى إخفاقه في حبٍّ جبان؛ فلم تكن ثورة أبي نواس مقصورة عليه، وإنَّما كانت شائعة في كثير من أصحابه الشُّعراء وغير الشعراء من أهل ذلك العصر.
وأخالف الأستاذ الغزالي في شيء آخر ليس أقل خطرًا من هذا الذي ذكرتُه آنفًا؛ فالثورة الفنية التي نراها عند أبي نواس وأصحابه، والتي دفعت إلى الإغراق في وصف اللذات والاستهتار بها، ليست ثورة عباسية ولا عراقية، وإنَّما هي قدرة قديمة نشأت في الحجاز، وفي المدينة خاصة أيام الأمويين، وانتقلت من المدينة إلى الشام أيام يزيد بن عبد الملك، وعظُم خطرها أيام هشام بن عبد الملك بفضل الوليد بن يزيد الذي كان ضحية من ضحاياها، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق فاستقرت فيه مع السلطان، ولم تهدأ إلا بعد قتل الأمين بن الرشيد ونهوض المأمون بخلافة المسلمين.
فإذا كان في العراق أبو نواس ومسلم ومطيع وحماد ووالبة؛ فقد كان في الحجاز الأحوص، وفي الشام الوليد بن يزيد، وحديثُ هذا يطول.
وقد كنت أحب أن أثني على هذه الطبعة الجديدة لديوان أبي نواس ثناءً لا تحفُّظ فيه، ولكني مُضْطَرٌّ مع الأسف إلى شيء كثير من الاحتياط؛ فهذه الطبعة على جودتها وعلى ما بُذل في تصحيح نصِّها من الجهد العنيف، ليست طبعة علمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلستُ أعرف أنَّ الأستاذ الغزالي قد استقصى النُّسخ المخطوطة لديوان أبي نواس في دور الكتب المُختلفة، ولست أعرف أنَّه قد استقصى أكثرها أو كثيرًا منها.
وقد كنت أعلم أنَّ المستشرق الألماني الدكتور شادة قد أنفق ثلاثين عامًا من عمره دارسًا لأبي نواس يُهيِّئُ طبعة علمية لديوانه، ولكنَّه فَارَقَ هذه الدنيا، ولست أعرف إلى أي مرحلة بلغ من بحثه وتنقيبه.
وخصلة أخرى تضطرني إلى التحفُّظ: وهي أنَّ النَّاشر ومطبعة مصر قد راعَيَا ذوق المعاصِرِين، وتخريج القوانين القائمة أكثر ممَّا راعَيَا حقَّ العلم في نشر النَّصِّ كاملًا غير منقوص فهما يهديان إلى القُرَّاءِ نسخة مُصفَّاة يستطيعون أن يقرءوها في غير حَرَجٍ، وليس هذا بالشيء القليل، وما شيءٌ خير من لا شيء، كما يقول المثل.
فليقرأ القُرَّاء شاكرين للمطبعة والناشر هذا الجهدَ القَيِّمَ الخصبَ، ولينتظر العلماء أن يُنشر لهم نص أبي نواس، كما يريدون أن يكون.
أصداء النيل
للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
طه حسين
جريدة الأهرام
١٣ مارس ١٩٥٧
أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.
هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.
بدوي النشأة
ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.
وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».
الجزء الأول
وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.
كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.
هذا الجهد
وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.
واقرأ معي هذه الأبيات:
طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
القافية التامة
وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:
قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.
وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.
شطره الأخير
وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.
وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.
يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:
ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.
وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.
مر الليالي
وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.
كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.
والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.
وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.
الشعراء يرضون
فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»
وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.
بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
وفيها يقول:
اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:
أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.
وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.
ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.
وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.
فاسمع له كيف يقول:
مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.
ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.
وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.
واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.
وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟
فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.
والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:
على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!
وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.
وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.
أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.
وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.
وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.
وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.
ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.
ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.
والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.
والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:
وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:
إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.
صريع الوطن
طه حسين
جريدة السياسة
١٤ أكتوبر ١٩٣٢
أما تسمع ما يقول عباد: طابت لك المدينة الآن.
قال عبد الملك بن مروان هذا الكلام وهو يلتفت إلى رجل لعله قد بلغ الخمسين من العمر أو قاربها أو تجاوزها قليلًا، وكان هذا الرجل في أكبر الظن نحيفًا مهزولًا، رديء الصحة، حاد المزاج، يتكلف التجلد والصبر، ولكن طاقته للتكلف قد نفدت أو كادت، وكان هذا الرجل لا يُرى إلا كئيبًا محزونًا؛ فإذا تكلم لم يسمع الناس منه إلا حديثًا فيه وجد وشوق، وفيه حسرة ولوعة، وقد يسمعون منه شعرًا ملؤه اليأس والقنوط.
وكان هذا الرجل على ذلك كله مُعتدًّا بنفسه، معتزًّا بقومه، لا يكاد يحفل بعبد الملك بن مروان لولا أنه أمير المؤمنين. فلما قال له عبد الملك ما قال لم يبتسم ولم تنجلِ عن وجهه غبرة الكآبة، ولم يبرق في عينيه الحادتين برق الأمل، ولا تألَّق على جبينه ضوء الرجاء، وإنما أطرق برأسه إلى الأرض وقطب جبينه، وقال بصوت منخفض تكاد تخنقه العبرة:
إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد
أنشا يقول: لنا المِصْران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي
كان هذا الرجل أبا قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الملك يُنبئُه بما زعم له عباد بن زياد من أن جيوش بني أمية قد انتصرت في العراق، ففتحت لها الكوفة والبصرة — وكان عبد الملك يُقدِّر أن فتح العراق مقدمة طبيعية لفتح الحجاز وانتزاعه من يد ابن الزبير — فكان ينبئ بذلك أبا قطيفة يُريد أن يَسرَّه، وأن يُسرِّيَ عنه، وأن يفتح له بابًا من الأمل، ويثير في نفسه الكئيبة شعورًا باسمًا بأن رجوعه إلى المدينة قد أصبح قريبًا، ولكن أبا قطيفة لم يصدق خبر عباد، ولم يصطنع من الأدب ما ينبغي في مجلس أمير المؤمنين؛ فأعرض عن الخليفة وأنشد هذين البيتين:
إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد
أنشا يقول: لنا المصران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي
وأكبر الظن أن عبد الملك لم يَرُقه ذلك من ابن عمه الشاعر، فأسرَّها في نفسه وأمسك عن ابن عمه مع ذلك لرَحِمه وعصبيته، ولأن سياسة الدولة كانت تقضي على عبد الملك أن يكون حليمًا، وأن لا يصطنع العنف، وماذا يفيده العنف وهو محتاج إلى أن يترضى كل من حوله في هذه الأيام التي ما يزال نصف البلاد الإسلامية فيها خارجًا عن سلطانه، خاضعًا لابن الزبير؟
أمسك عبد الملك عن ابن عمه وأسرَّ في نفسه حقدًا. وكم كان يُسِرُّ عبد الملك في هذه الأيام من الحقد والضغينة! وكم كان يُمنِّي نفسه إذا خلى إليها بذلك اليوم الذي ينتقم فيه من أبناء عمه هؤلاء الذين قبلوا إمرته كارهين، والذين يظهرون له من الكبرياء والإعراض ما لا ينبغي أن يُواجه به أمير المؤمنين! وكم كان عبد الملك يتمنى ذلك اليوم الذي يُعاقِب فيه أبناء عمه أولئك الذين آثروا الحجاز على الشام، وملك قريش على ملك أمية، ونصرة مُضَر على نصرة قضاعة، فقبلوا سلطان ابن الزبير مؤيدين له أو صابرين عليه!
صبر عبد الملك على ابن قطيفة، ولكنه لم يمسك عنه لسانه، بل جعل يعيبه ويتنقصه في غيبته، وبلغ أبا قطيفة ذلك فلم يقبله ولم يصبر عليه، ولكنه لقي الشر بالشر، وأجاب على تنقُّص الخليفة إياه بهجاء الخليفة، والفخر عليه، وتهديده بالتلميح حينًا والتصريح حينًا آخر، فقال:
أنا ابن أبي معيط حين أُنْمِي لأكرم ضِئْضِئٍ وأعَزِّ جيل
وأُنْمِي للعقائل من قُصيٍّ ومخزوم فما أنا بالضَّئيل
وأروَى من كُرَيز قد نَمتَني وأروَى الخير بنتُ أبي عَقيل
كِلَا الحيَّينِ من هذا وهذا لعمرُ أبيك في الشرف الطويل
فعدِّدْ مثلَهن أبا ذبابٍ ليعلَمَ ما تقول ذوو العقول
فما الزرقاء لي أُمًّا فأَخْزَى ولا ليَ في الأرزاق مِن سبيل
وأبو ذباب عبد الملك، والزرقاء امرأة من كندة كانت من أمهات عبد الملك، وكان يُعيَّر بها، كما يقول أبو الفرج، وقال أبو قطيفة أيضًا يهجو عبد الملك:
نُبِّئتُ أن ابن العَمَلَّس عابني ومَن ذا مِن الناس البَريءُ المسلَّم؟
مَنَ انتم؟ مَنَ انتم؟ خبِّرونا مَنَ انتم فقد جعلت أشياء تَبدُو وتُكتَمُ
والبيت الأول من هذين البيتين مخروم ينقصه حرف في أوله ليستقيم وزنه على بحر الطويل، وينبغي أن تقرأ البيت الثاني ملغيًا همز أنتم، ناقلًا فتحتها إلى نون من ليستقيم وزنه أيضًا، وليس في هذا النقل ولا في ذلك الخَرْم عيب، وإنما ذلك شيء مألوف، والنقل خاصة مألوف شائع في شعر قريش وحديثها وقراءتها للقرآن، وليس لهذين البيتين قيمة شعرية ممتازة، ولكن للبيت الثاني قيمته السياسية الخطيرة حين يسأل الشاعرُ بني مروان عن أنفسهم ثلاثة مرات في الشطر الأول، وحين ينبئهم في الشطر الثاني بأن أشياء قد جعلت تبدو وتكتم. وفي هذين الأمرين ما فيهما من النذير.
ويروى أن عبد الملك لما سمع هذين البيتين قال: ما ظننت أنَّا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط. وسواء أكانت رعاية الحرمة هي التي منعت عبد الملك من عقوبة أبي قطيفة أم كانت السياسة، فقد سلم جلد أبي قطيفة من السياط، وما كان أشد خوفه من السياط وعبثها بجلده، ألم يكن قد كتب إلى أبيه وهو والٍ للكوفة من قبل عثمان شعرًا يشفق فيه من سوط الخليفة، إن لم يدركه أبوه فيزوجه، أو يهدي إليه جارية؟
أظن أن ما قدمته يعطيك عن هذا الرجل صورتين قويتين جدًّا، الأولى أنه كان رجلًا بأدق معاني هذه الكلمة، والأخرى أنه كان رجلًا رقيق القلب، حساسًا، قوي الشعور، وفيًّا، صادق الحنان. ولا بد من كلمتين قصيرتين أوضح بهما هاتين الصورتين، فأما رجولة شاعرنا فليس فيها غرابة أن عرفنا من هو، ويكفي أن نقول: إنه عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. كان أبوه الوليد بن عقبة من سادة بني أمية وأشرافهم، وأشدهم خصومة للإسلام وازورارًا عليه، يقال: إن الآية الكريمة نزلت فيه، وهي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات: ٦).
وقد أسلم وظهر حُسن إسلامه، وولاه عثمان الكوفة، ولكنه ظلم وفجر وأسرف في شرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، فزاد في صلاة الصبح ركعة، ثم التفت إلى الناس فقال: «وإن شئتم زدناكم.» فعزله عثمان وأقام عليه الحد. وعقبة بن أبي معيط أبو الوليد كان من أشد قريش فتنة للنبي وأصحابه قبل الهجرة، فلما ظفر المسلمون في وقعة بدر أُسِر عقبة فقتله النبي صبرًا، أما صاحبنا عمرو بن الوليد فلم يتول أمرًا من أمور الدولة، ولا عني بالسياسة، ولا هَمَّ بترك المدينة حتى حين ولي أبوه الكوفة، وإنما عاش في المدينة عيشة الفتيان الأغنياء الأعزاء يلهو ويستمتع بالحياة ما سمحت له الظروف بذلك.
ولعله نعم بالحياة حقًّا أثناء العشرين سنة التي ولي فيها معاوية أمير المسلمين، فلما مات معاوية ونهض بعده يزيد امتحن هذا الرجل في أحب شيء إليه، وأكرم شيء عليه؛ وهي حياته الهادئة الناعمة في المدينة، فظهرت صورته الثانية، وهي صورة الرقة والحنان وصدق الشعور. والواقع أن هذه الصورة لم تظهر عند هذا الرجل وحده، وإنما ظهرت عند جماعة من قريش، وظهرت في شكل مؤثر جدًّا. هذا عبيد الله بن قيس الرقيات يفيض ديوانه بالحزن والأسف؛ لأنه صاحب مصعب بن الزبير إلى العراق فبعد عن المدينة، فلما كانت وقعة الحرة جاءته الأنباء، فامتلأ شعره جزعًا على من أُصيب فيها من قريش، وكان عبيد الله زبيريًّا، وكان أبو قطيفة أمويًّا، ولكنهما جميعًا قرشيان عاشا في المدينة فأحبَّاها حبًّا لا يعدله حب.
وهذه حميدة حفيدة عبد الرحمن بن عوف تزوجت رجلًا من أهل الشام ورحلت معه كارهة عن المدينة، فلما كانت في بعض الطريق سمعت من يتغنى بشعر لأبي قطيفة في الحزن على المدينة والحنين إليها، فشهقت شهقة أتت على حياتها.
ما أشد تأثير الإسلام في نفوس قريش! كانت حياة أبي قطيفة هادئة وادعة في المدينة أثناء خلافة عثمان وخلافة معاوية، وكان بنو أمية أصحاب الكلمة في المدينة في هذا الدهر، منهم عثمان أمير المؤمنين، ثم منهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص اللذان كانت ولاية المدينة بينهما أيام معاوية، وكان سعيد بن العاص رجلًا من رجال قريش كريمًا سخيًّا شجاعًا، سهل الخلق، سمح النفس، تمتلئ العين مهابة بالنظر إليه، وتمتلئ النفس أُنْسًا بالحديث معه، وكان أبو قطيفة صديقًا لابنه عمرو بن سعيد، وكانت الحياة في ذلك الوقت نعمة كلها لبني أمية وبني هاشم في المدينة.
وكان بنو أمية وبنو هاشم يتنافسون في الكرم والجود أيهم يكسب الأنصار، وأيهم يسهل الحياة للناس من حوله؟ وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بأخبارهم في هذا التنافس، وكان لسعيد بن العاص قصر خارج المدينة يعيش فيه إذا اعتزل الحكم، ويجعله مثابة للطامعين، وأمنًا للخائفين، وكان الشعراء مفتونين بسعيد، ولِمَ لا؟ أليس قد أغنى الحطيئة وآمن الفرزدق من زياد؟ حضرت سعيدًا الوفاة فقال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة، قال: يا بني، إن قومي لن يكرهوا أن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، ولكن إذا مت فاذهب إلى معاوية وأخبره بديني، فسيعرض عليك قضاءه عني فلا تقبل، ولكن بِعْهُ هذا القصر؛ فإني إنما اتخذته نزهة، وليس هو بمال، ثم أدِّ بثمنه ما عليَّ من دين.
فلما مات حمل إلى البقيع فدفن فيه، وتقبل عمرو عزاء الناس عند القبر، وقد أعدت له الرواحل، فركب إلى دمشق ونعى أباه إلى معاوية، فتوجع شيخ قريش وترحم على كريم قريش، ثم قال: أعليه دين؟ قال عمرو: نعم، ثلاثمائة ألف درهم، قال معاوية: هي عليَّ، قال عمرو: لا، ولكنه أمرني أن أبيعك قصره، قال: قد اشتريته بدينه. ثم حمل الدين إلى المدينة فأداه عمرو عن أبيه، وكانت كلها منحًا وعد بها سعيد ولم يجدها عنده، فكان يكتب بها الصك لأصحابها.
وفي هذه الحياة السهلة الناعمة قضى أبو قطيفة نيفًا وعشرين عامًا، فلما كانت فتنة ابن الزبير أُخرِج بنو أمية من الحجاز، وفيهم أبو قطيفة، فامتلأت نفسه جزعًا على المدينة، وامتلأ شعره حنينًا إليها، وكان بحق شاعر الحنين إلى الأوطان في الإسلام، واقرأ هذه الأبيات:
القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
إلا البلاط فما حازت قرائنه دور نزحن عن الفحشاء والهون
قد يكتم الناس أسرارًا فأعلمها ولا ينالون حتى الموت مكنوني
واقرأ هذه الأبيات:
ليت شعري وأين مني ليت أعلى العهد يَلْبنٌ فَبَرام
أم كعهدي العقيق أم غيَّرته بعدي الحادثات والأيام؟
وبأهلي بدلت عكًّا ولخمًا وجذامًا وأين مني جذام؟
وتبدَّلت من مساكن قومي والقصور التي بها الآطام
كل قصر مشيد ذي أواس يتغنى على ذراه الحمام
أقرِ مني السلام إن جئت قومي وقليل لهم لدي السلام
سمع عبد الله بن الزبير هذا الشعر فقال: حن والله أبو قطيفة. وعليه السلام ورحمة الله. من لقيه فليخبره أنه آمِنٌ فليرجع. فأُخبِر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعًا، فلم يصل إليها حتى مات.
ألست ترى أن أبا قطيفة صريع الحنين إلى الوطن؟
كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن شعره وأخباره! ولكنها أول ما يلقاك في كتاب الأغاني إذا نظرت فيه، فاقضِ مع هذا الشاعر ساعة فلن تندم عليها.
الشعر العربي والقصص
طه حسين
الفجر
١٥ أكتوبر ١٩٣٤
وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.
وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.
أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.
ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.
وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.
والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.
فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بيزيسترات بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.
فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.
إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.
وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.
على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:
إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.
والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.
الثوب الضيق
طه حسين
مجلة المصور
٩ يناير ١٩٤٨
وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!
يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:
حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.
فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.
وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.
هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.
وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!
ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.
ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟
ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.
والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.
فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.
مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.
وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!
هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟
إقبال
شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
طه حسين
شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.
شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.
والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.
كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.
والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.
وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.
كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:
توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:
مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.
أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.
والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.
وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.
كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.
ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.
ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.
احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.
وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.
ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.
وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.
والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.
فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».
وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.
ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.
مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.
أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.
وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.
Leave a Reply