آمال وأعمال
طه حسين
جريدة البلاغ
٤ يناير ١٩٤٥
يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.
وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.
ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.
وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.
فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.
وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.
وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.
وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.
فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟
ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.
هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟
ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.
فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.
ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!
ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟
الخطوة الأخيرة
طه حسين
جريدة البلاغ
١١ يناير ١٩٤٥
لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.
وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.
والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.
وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.
وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.
وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.
ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.
وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.
وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.
وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.
والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.
وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.
وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.
ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.
والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.
وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.
ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.
ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.
وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى.
العاقبة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ يناير ١٩٤٥
كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.
وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.
أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.
وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.
ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.
فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.
ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.
وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.
والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.
فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.
وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.
وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.
وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.
فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.
والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.
بين الشرق والغرب
(١)
طه حسين
جريدة البلاغ
١ فبراير ١٩٤٥
من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.
ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.
ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.
وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.
وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.
وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.
فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.
وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.
فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.
وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.
لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.
وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.
كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.
ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.
هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.
فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.
وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.
طبيعة الأشياء
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ فبراير ١٩٤٥
وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.
وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.
وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.
أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.
وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.
ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.
وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.
وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.
وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟
وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.
فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.
وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.
ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.
وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.
وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.
ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.
وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.
وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.
وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.
وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:
وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ
ماذا؟
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ فبراير ١٩٤٥
يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.
ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.
وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.
أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.
فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.
وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.
ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.
وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.
أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.
وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.
هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟
وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.
وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.
وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.
وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.
هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.
ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.
الغد
طه حسين
جريدة البلاغ
١ مارس ١٩٤٥
ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.
كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟
وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.
وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.
وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.
وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.
وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.
فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.
فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.
وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.
وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.
أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.
فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.
وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.
ماذا نريد؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ مارس ١٩٤٥
يُقال: إن شئون السياسة الخارجية قد أصبحت في هذه الأيام من الأمور ذات الخطر التي لا ينبغي لقادة الرأي أن يهملوا تنبيه الشعوب إليها، وتبصيرها بما قد يكون فيها، مما يؤثر في مستقبلها القريب أو البعيد تأثيرًا لا يمكن استدراكه إلا بعد الجهد والعناء، وكثير من التضحيات التي يمكن أن تتقى إذا استقبلت الشعوب أمرها عن بصيرة وروية، إذا تحدث إليها قادتها، وساستها في صراحة وصدق وإخلاص.
والذين يقولون هذا يستدلون عليه بهذه الأحاديث الكثيرة المتصلة التي تجرى في شعوب الدول الكبيرة والصغيرة على السواء. فالأحاديث عن مؤتمر سان فرانسيسكو لا تنقطع في إنجلترا وأمريكا، وفي البلاد الأوروبية المحررة التي تصل إلينا أنباؤها في شيء من النظام. وليس أدل على ذلك من بعض الأنباء التي نشرت صباح اليوم عن عناية الخطباء الأمريكيين بالترويج لمؤتمر سان فرانسيسكو في المدن والقرى، وفي بيئات الطلاب والتلاميذ، ومما يذيعه الراديو الفرنسي في كل يوم من الأحاديث التي يراد بها تبصير الشعب الفرنسي بما سيدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو من المشكلات، وإقناعه، وإقناع الشعوب الأخرى بما اتخذته الحكومة الفرنسية من موقف حين قررت أنها لا تريد أن تتقيد بشيء من التعهدات إلا عن بصيرة ودرس واقتناع. وقد بالغ الفرنسيون في ذلك حتى ظنت بهم الظنون، وحتى اضطر سفيرهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ينفي ما تلهج به بعض البيئات السياسية من أن فرنسا تريد أن تقود البلاد المحررة في معارضتها للدول الثلاث الكبرى.
وليس أدل على ذلك أيضًا مما نشر في أمريكا أول أمس، ونقل بعضه إلينا أمس من أن الرأي العام البلجيكي لا يؤمن بمؤتمر سان فرانسيسكو، ولا ينتظر منه خيرًا، وإنما ينظر إليه على أنه اجتماع سيلقي فيه ممثلو الدول الكبرى الثلاث دروسًا في الآداب الاجتماعية والسياسية على جماعة من الأطفال القاصرين. والذي دفع البلجيكيين إلى هذا التشاؤم الشديد أمران: أحدهما موقف الدول الثلاث الكبرى من المشكلة البولندية، والثاني ما وقع في نفوس الشعوب المحررة من خيبة الأمل بعد تحريرها، فقد كانت تنتظر واثقة أن ترد إليها حريتها كاملة، وأن يرد إليها رخاؤها موفورًا متى طرد الألمان من بلادها. وهي تنظر فترى حريتها مقيدة بظروف الحرب، وترى أن بينها وبين الرخاء، بل إن بينها وبين ما يقيم أودها أمدًا لا يزال بعيدًا.
وإذا كانت هذه هي حال البلاد الأوروبية المحررة التي لا تزال الحرب تدور في أرضها أو قريبًا من حدودها، وإذا كان موقفها من ميادين القتال لا يمنعها من أن تتحدث في هذه الشئون بهذه الحرية وبهذه الصراحة، فقد يخيل إليَّ أننا نحن نستطيع أن نتحدث بمثل ما تتحدث به تلك الشعوب من الحرية والصراحة أيضًا. وقد أظهر الساسة الأمريكيون — وهم يميلون دائمًا إلى الحرية — حرصهم على أن يكون المشروع الذي سيُدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو موضوعًا للدرس الحر الذي تظهر فيه إرادة الشعوب واضحة جلية، أو تظهر فيه على أقل تقدير آراء القادة الذين يرشدون الشعوب، ويبصرونها بما تقدم عليه، أو تحجم عنه من الأمور. ومن أجل هذا قلت، وما زلت أقول: إن مصائر الأمم لا ينبغي أن تقرر في ظل الأحكام العرفية، ولا ينبغي أن يقضى فيها دون أن يتاح للناس أن يقول بعضهم لبعض، ويسمع بعضهم من بعض، وأن يقولوا لحكوماتهم، ويسمعوا منها، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه، أو يحجموا عمَّا يحجمون عنه، وقد رضيت نفوسهم، واقتنعت عقولهم، واطمأنت قلوبهم إلى الإقدام أو الإحجام.
ولا بد من أن تقرر حقيقة واقعة، وهي أن من الخطأ أن يظن أن مؤتمر سان فرانسيسكو يلقى من البلاد المحررة، ومن الشعوب التي تُسمى الشعوب الصغيرة الاستقبالَ الحار الذي كان ينتظر أن يلقاه، ويشيع في نفوسها الابتهاج العظيم الذي كان ينتظر أن يشيعه فيها.
وذلك لأن الدول الثلاث الكبرى لم تستطع أن تكون سمحة، ولا أن تلائم بين ما كانت تبذل من الوعود أيام الشدة، وما اتخذت من القرارات أيام الرخاء. فقد كانت الدول الثلاث الكبرى سخية بالوعود أيام الشدة حتى استوثقت الشعوب المغلوبة، والشعوب الضعيفة بأن الأرض ستمتلئ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وأن نظام العالم الجديد لن يفرق بين شعب قوي وشعب ضعيف، ولن يتيح للدول الكبرى أن تستأثر بالأمر من دون الدول الصغيرة.
ولست أدري كيف استطاعت الشعوب في هذا العصر الحديث أن تستجيب لمثل هذه الأماني دون أن تستفيد من التجارب الكثيرة التي مرت بالإنسانية، ولكنها على كل حال قد استجابت لها، ووثقت بها كما استجابت لها في أعقاب الحرب الماضية، ووثقت بها أيضًا. مع ملاحظة هذا الفرق، وهو أن أحاديث السلم وتنظيم العالم قد ظلت أسرارًا مكتومة في الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. أمَّا في هذه الحرب، فقد اقتضت ظروف السياسة الأمريكية أن يكثر الكلام عن العالم الجديد، وعن الحريات الأربع، وعن ميثاق الأطلنطي، والحرب في أشد أطوارها عنفًا، وأعظمها خطرًا. والغريب أن التشاؤم وسوء الظن ليسا مقصورين على الأمم المحررة والشعوب الضعيفة، ولكنهما يجدان من يصورهما في بلاد الدول الكبرى الثلاث.
ولست أضرب لذلك إلا مثلًا واحدًا هو هذا الكتاب الذي أرسله الأستاذ بيفردج إلى جريدة التيمس، ونشر في أواخر الأسبوع الماضي، والذي ينقد فيه الأستاذ طريقة التصويت في مجلس الأمن، ويرى أن هذه الطريقة إذا لم تغير، فستنتهي إلى نتيجة محتومة خطرة، وهي أن الدول الصغيرة ستضطر إلى أن تلجأ إلى المحالفات تعقدها مع الدول الكبيرة، وسيكون من الآثار المحتومة لهذا أن يقسم العالم إلى مناطق النفوذ، وأن تعود المنافسة بين الدول الكبرى حول مناطق النفوذ هذه إلى شر مما كانت عليه قبل الحرب، وهذا سيسرع بهذه الدول الكبرى إلى الحرب الثالثة. كذلك قال الأستاذ بيفردج، وقد أسرع الدعاة الفرنسيون إلى هذا الكتاب، فأذاعوه في الراديو يؤيدون به مذهبهم في الاعتراض على نظام التصويت في مجلس الأمن.
على أن من الخطأ أيضًا أن يظن أن ما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاث في مؤتمر القرم يمكن أن يكون حلًّا نهائيًّا لما عرضوا له من المشكلات، فالرؤساء الثلاثة مهما يعظم حظهم من نفاذ البصيرة، وحصافة الرأي، والقوة المادية المنتصرة في الشرق والغرب ليسوا أقوى من طبائع الأشياء، ولا من الحقائق الواقعة. ويكفي أن ننظر إلى المشكلة البولندية؛ لنرى أنها ما زالت قائمة كما كانت يوم أصدر الثلاثة قرارهم في مؤتمر القرم. فحكومة بولندا المقيمة في لندرة لم تغير من موقفها قليلًا ولا كثيرًا، وهو موقف الإنكار والاحتجاج، وحكومة بولندا المقيمة في فارسوفيا، والتي تُعرف بحكومة لوبلين لا تزال كما هي، ولم يتقدم تأليف الحكومة الجديدة خطوة واحدة، حتى أصبح الحلفاء يخشون في كثير من القلق أن ينعقد مؤتمر سان فرانسيسكو دون أن تشهده بولندا مع أنها أولى ضحايا الحرب، وأشد البلاد المغلوبة تأثرًا بأهوالها. والأمر الواقع هو أن بولندا لم تُدع بعد إلى المؤتمر؛ لأن الحلفاء لا يعرفون إلى من يوجهون الدعوة، وقد يعرفون ذلك في يوم من الأيام.
وقد كان يُظن أن مسائل البلقان قد فُرغ من تنظيمها بين الدول الكبرى الثلاث في مؤتمر القرم، ولكن الظاهر أن مشكلات البلقان لا تنتهي. وقد كان من أحاديث مجلس العموم أمس ما وقع من تغير الحكومة في رومانيا، فقد يظهر أن الحكومة الرومانية التي كان يرأسها الجنرال رادسكو لم تخلص للديمقراطية، وأشفق الروس منها على مواصلاتهم فأسقطوها، وخاف رئيسها على حياته فالتجأ إلى المفوضية البريطانية. وكره الروس من حلفائهم حمايتهم لهذا اللاجئ فاحتجوا، وقد صرح المستر أيدن أمس بأن هذه المسألة موضوع بحث ومشاورة بين الحكومة البريطانية، والحكومة الأمريكية، والحكومة الروسية بالطبع.
وما تزال الأنباء تأتينا بأن الأمور في اليونان بعيدة عن الهدوء والاستقرار، بل بأن بعض اليونان لم يضعوا السلاح، وما يزالون يقاومون في بعض الأقاليم، ومعنى هذا كله أن اتفاق الدول الثلاث الكبرى له خطره العظيم من غير شك، ولكنه ليس هو الذي سيحل المشكلات العالمية، أو المشكلات الداخلية في البلاد المحررة، أو البلاد المغلوبة. وإذا كان التطور الحديث قد حقق للإنسانية شيئًا من الرقي، فهو أن مصائر الأمم لا يمكن أن يقضي فيها الأفراد، وإنما تقضي فيها الأمم نفسها، وأن مصير العالم لا يمكن أن تقضي فيه الأمم الكبرى، وإنما يجب أن يقضي فيه العالم نفسه، وأن يكون قضاؤه فيه على أساس من الحق، والعدل، والمساواة بين القوي والضعيف، وبين الصغير والكبير، وبين الدول ذات الجيوش الضخمة والدول التي لا جيش لها.
ومن المحقق أن هذا الأصل شيء قد اقتنعت به الشعوب، ولكن تنفيذه قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر، وقد تعترضه المصاعب، وتقوم في سبيله العقبات، ولكن الطبيعة منتهية إلى غايتها، ومحققة الحرية والمساواة بين الدول، كما حققت الحرية والمساواة بين الأفراد في كثير من البلاد الديمقراطية المتحضرة.
ويكفي أن نلاحظ أن الفرد القوي الغني ذا القوة والبأس، وذا السلطان والجاه لا يستطيع أن يعتدي في بلد متحضر على الفرد الضعيف الفقير الذي لا حظ له من قوة أو جاه، دون أن يجد من السلطان رادعًا له عن هذا الاعتداء قبل وقوعه، ومعاقبًا له على هذا الاعتداء بعد وقوعه.
فعلى هذا النحو، وعلى هذا النحو وحده، تفهم الشعوب ما ينبغي أن يقوم من العلاقات بينها في النظام الدولي. ولن تستطيع الشعوب أن تفهم أن تمتاز الدول الأربع، أو الدول الخمس بهذه العصمة التي تمنع الدول الصغيرة من أن تنتصف منها إن مستها بما لا تحب.
فإذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذه الدول الكبرى ذات الجيوش، وذات الأساطيل في البحر والجو، والدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تثبت لها في ميدان الصراع المادي — أقول: إذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذين النوعين من الدول، فلن يصنع مؤتمر سان فرانسيسكو شيئًا، ولكنه سيقوي هذه الظاهرة التي أفسدت حياة الشعوب الداخلية، وجعلت تفسد الحياة الدولية نفسها، وهي ظاهرة الصراع بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات في الشعب الواحد، وصراعًا دوليًّا بين طبقات الدول القوية والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وليس من أجل هذا كان ما كان من الحرب، وما احتملت الشعوب من أهوالها.
وإذن، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هذا كله؟ لست أدري ماذا سيتخذ الوفد الذي أُلف أمس أو أول أمس، ولكن الذي أعلمه، وأعتقد أنه وحده يلائم المصلحة، هو أن مصر الضعيفة الطامحة إلى الاستقلال الكامل لا ينبغي أن تتقيد بشيء مهما تكن الظروف إلا أن يكون استقلالها الكامل حقيقة واقعة بمأمن من كل اعتداء. والذي أعلمه وأعتقد أنه يلائم كرامة الوطن الكريم هو أن كلمة لا إذا قيلت في إبانها؛ تحمي الشعوب والأفراد والأجيال المقبلة من أخطار جسام.
حادثان
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ مارس ١٩٤٥
ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.
ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.
فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.
ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.
كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.
وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.
فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.
وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.
فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.
ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.
وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.
ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.
وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.
ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.
جو الحب والبغض
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٥ مارس ١٩٤٥
ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!
سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.
وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.
فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.
وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.
فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.
وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!
لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.
وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.
ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.
ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.
وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.
وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.
ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.
وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.
ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.
فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.
والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.
وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.
هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟
وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!
أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.
وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.
ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.
ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.
ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.
وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.
ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.
وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!
أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.
وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.
وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.
وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.
أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!
بين الجد والمزاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٥ أبريل ١٩٤٥
ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.
وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.
وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.
وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.
وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.
وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.
وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.
فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.
والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.
ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.
وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.
وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.
ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.
أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟
ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟
ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.
وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.
بين الشرق والغرب
(٢)
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ أبريل ١٩٤٥
لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.
وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.
ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.
والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.
ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.
وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.
فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.
وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.
وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.
وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.
كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟
ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.
والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.
وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.
وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.
فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.
بين الحقيقة والخيال
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أبريل ١٩٤٥
كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.
والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.
فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.
والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.
فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.
ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.
ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.
وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.
ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!
وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.
ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.
وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟
وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.
ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.
لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.
ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.
وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.
وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.
أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.
وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.
وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.
وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.
ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.
ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.
وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.
الدروس
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٩ أبريل ١٩٤٥
لعل أظهر ما تمتاز به حياة الناس — منذ أعلنت الحرب — أن هذه الحياة قد جاوزت قدرة العقل الإنساني على الفهم والإدراك، وقدرته على الاستقصاء والاستنتاج. فقد كثرت الأحداث وتتابعت، واشتد بينها الاختلاف والائتلاف كما اشتد بينها الاتفاق والافتراق، حتى أصبح العقل العادي عاجزًا عن أن يلم إلَّا بأطراف يسيرة منها. ثم هو لا يكاد يلم بهذه الأطراف ويأخذ في وضعها موضع التأمل والتفكير حتى تحدث حوادث أخرى مختلفة مؤتلفة ومفترقة متفقة؛ فيشغل بها عن الحوادث الأولى. وما يزال كذلك يلم بالأحداث العظام ليشغل عنها بأحداث عظام أخرى، حتى يصبح من أعسر الأشياء عليه أن يكوِّن لنفسه رأيًا شاملًا فيما يحيط به من الظروف، أو يصدر حكمًا عامًّا صحيحًا على ما يكتنفه من الخطوب.
والواقع أن كثرة الحوادث وتنوعها وتتابعها واختلاف حظها من الخطورة، كل ذلك قد اضطر الإنسان إلى أن يحيا حياة خاطفة ويفكر تفكيرًا خاطفًا، ويصبح أمره كله خطفًا بأدق ما لهذه الكلمة من المعاني. ومن أشق الأشياء على أي إنسان في هذه الأيام أن يصوِّر لك أو لنفسه تصويرًا صحيحًا محيطًا ما كان من الحوادث في شهر واحد فضلًا عن أن يصور ما كان من الحوادث منذ شبت هذه الحرب.
وأقل ما ينتهي إليه هذا كله من النتائج هو أن بعض هذه الحوادث يمر دون أن يستطيع الناس أن يفكروا فيه كما ينبغي أن يفكروا فيه، وأن يستخرجوا منه ما يمكن من العبر والعظات. فالحوادث تفقد قيمتها من هذه الناحية، ويصبح وقوعها ومرورها أشبه شيء بهذه الحقائق المألوفة التي يضربها الناس مثلًا لما لا يجدي التفكير فيه أو الحديث عنه. فهم يتحدثون عن انهيار الدفاع الألماني في إيطاليا، والتقاء الجيوش المتحالفة في ألمانيا كما يتحدثون عن الجو والمطر، لا يكادون ينتفعون بهذا الحديث ولا يفيدون منه عبرة أو موعظة؛ لأنهم لا يكادون يأخذون في هذا الحديث حتى تأتي أنباء أخرى تصرفهم عنه صرفًا عنيفًا.
ولست أتخيل ولا أفلسف، وإنما هذه حقيقة واقعة، فقد كنَّا نتحدث أمس عن هذه الأحداث العظام، ولكننا لم نبلغ من الحديث أيسره حتى جاءت الأنباء بأن القيادة الألمانية تعرض التسليم بلا قيد ولا شرط على الإنجليز والأمريكيين دون الروس، وبأن الحلفاء لا يقبلون تسليمًا إلَّا أن يكون هذا التسليم لهم جميعًا لا لبعضهم دون بعض.
وواضح جدًّا أننا شغلنا بهذه الأنباء الأخيرة عن الأنباء التي سبقتها، وشغلنا بها عن أنباء سان فرانسيسكو وما يحدث فيها من الخلاف والوفاق، وشغلنا بها عن أنباء أخرى لعلها كانت خليقة أن تضطرنا إلى كثير من الروية والتفكير.
والواقع أن هذا النبأ الأخير خليق أن يشغلنا عن كل نبأ آخر، فقد انتهت الحرب أو قررت أن تنتهي. ويكفي أن نفكر في هذا لنستحضر من أعماق أنفسنا صورًا مروعة لتلك الأيام المروعة التي عشناها حين كانت الحرب تريد أن تبتدئ سنة ١٩٣٨، وحين قررت أن تبتدئ في الصيف من سنة ١٩٣٩.
في تلك الأيام كان الناس ينظرون إلى المستقبل نظرات ملؤها الخوف والهول، ويستحضرون في أنفسهم كوارث الحرب الماضية، ويتصورون أن الحرب الجديدة ستجر عليهم كوارث أخرى لن تكون أقل منها هولًا، بل ستكون أدعى منها إلى الجزع والهلع. ثم لم تكد الحرب تعلن حتى أخذت تسعى سعيًا بطيئًا متلكئًا، وجعل الناس لا ينتظرون خيرًا من هذا البطء ولا من هذا التلكؤ، وإنما ينتظرون منهما الشر كل الشر والنكر كل النكر. وقد صدقوا فلم يأتِ شهر أبريل من سنة ١٩٤٠ حتى استحالت الحرب البطيئة المتلكئة إلى أهوال خاطفة متتابعة تلم بالنرويج والدنمرك. ثم لا يكاد العام يتقدم شهرًا حتى تلم بهولندا وبلجيكا وفرنسا، وإذا العالم يشهد شيئًا لم يكن يتصوره ولا يحسب له حسابًا؛ لأنه كان أضخم من أن يقدر وأعظم من أن يحسب له حساب، فقد انهارت هذه الدول الثلاث وانهارت فرنسا، تلك التي كان العالم يرى أنها أقوى دول الأرض، وأقدرها على مواجهة الألمانيين والثبات لهم في هذه الحرب، كما واجهتهم وثبتت لهم في الحرب الماضية حتى استطاع حلفاؤها أن يرسلوا إليها النجدات، وأن يعينوها على قهر العدو وإدراك الفوز. ولكنها في هذه المرة لم تستطع أن تثبت، وإنما انهارت في سرعة مدهشة سيكشف التاريخ عن تعليلها وتأويلها، وسيتبين أكان مصدرها الضعف أم كان مصدرها الخيانة أم كان مصدرها الضعف والخيانة معًا.
ثم تتابع الحوادث سودًا حالكة حتى تملأ العالم ظلمة قاتمة، وحتى يوشك الأمل أن يكون شعاعًا ضئيلًا لا يكاد يضيء في نفوس الناس إلَّا قليلًا. فقد أعلن هتلر حربه على روسيا بعد أن اضطرت بريطانيا العظمى إلى موقف مروع. وقد جعلت جنوده تمعن في اكتساح الأرض الروسية حتى بلغت أبواب موسكو وهزَّ الناس رءوسهم ذات يوم حين قال متحدث من راديو موسكو: إن الألمان لن يدخلوا مدينتهم المقدسة.
ثم تشب نار الحرب في الشرق الأقصى، وإذا اليابان تصب الكوارث على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمبراطورية البريطانية، وتلغي الإمبراطورية الهولندية إلغاءً، وتهدد الهند تهديدًا خطيرًا. وينظر الشرق فإذا هو مهدد بأن يؤخذ من جانبيه، فقد جعل رومل يدنو من مصر، وجعل الألمان يبلغون القوقاز، وظهر جليًّا أن الخطة المرسومة هي الإطباق على الشرق والاستيلاء على قناة السويس، وخنق الإمبراطورية البريطانية بقطع الطريق بين بريطانيا العظمى وبين الشرق من جهة، وإفساد المواصلات بينها وبين أمريكا بحرب الغواصات من جهة أخرى.
هنالك زلزل الناس زلزالًا شديدًا، وهنالك زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بأنفسهم وباللَّه الظنون، ولم يثبت منهم إلَّا الذين أوتوا من الإيمان حظًّا أعظم من كل هول وأعمق من كل روع وأضخم من كل كارثة وأبقى من كل حادثة. هنالك كان هتلر يتحدث بأنه يغير العالم تغييرًا خطيرًا، ويرسم له حياته الجديدة لألف عام مقبلة. وهنالك كان هتلر حائرًا في اختيار المدينة التي سيملي فيها الصلح أيمليه في لندرة، أيمليه في موسكو، أيمليه في باريس!
وهنالك كان موسوليني يتهيأ لدخول القاهرة ظافرًا منتصرًا، وليعلن فيها أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد بُعِثت بعثًا جديدًا. وهنالك كان الحلفاء يثبتون للخطب كرامًا، ويلقون الكوارث أباة، ويحتالون في الخروج من المآزق، يلطفون لأصدقائهم ويرفقون بأوليائهم، يبذلون الوعد عن سخاء، ويظهرون الود في غير تكلف، ويدعون إلى الحرية التي لا حد لها؛ حرية الأفراد في أمن من الخوف والجوع، وحرية الشعوب في أمن من الجور والعدوان.
ثم مضت الحوادث متتابعة متلاحقة مشتبهة، لا يكاد يشرق فيها الأمل حتى تخفيه ظلمات متكاثفة من اليأس. وقد وفَى للحلفاء من وفَى، وانحرف عنهم من انحرف، وتردد من تردد بين الوفاء والانحراف. وكنَّا نحن من الأوفياء الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يرتابوا، وإنما ثبتوا للهول منذ اللحظة الأولى. حتى إذا جد الجِد وعظم الخطب وبلغ الألمان أبواب الإسكندرية، وجعل الناس من الأجانب ينفرون من مصر خفافًا وثقالًا، يريدون أن يضعوا أنفسهم بمأمن من هذه الأهوال المظلمة والخطوب المدلهمة والموت الذي كان مستأنيًا يسعى على عجل — كما يقول الشاعر القديم — لبثنا نحن هادئين ثابتين لا يظهر علينا رَوع ولا جزع ولا انحراف، وإنما هو الجد والثبات كل الثبات والوفاء كل الوفاء والحزم كل الحزم. هنالك عرف النحاس باشا وزملاؤه كيف يظهرون للصديق والعدو أن مصر إذا عاهدت وفَت، وإذا قالت صدقت، وإذا جد الجِد ثبتت للحوادث وانتظرت الخطوب كما ينتظرها العزيز الكريم، لا يرضى الدنية ولا يلتمس الأمن في الغدر ونكث العهد والتنكر للصديق.
ثم مضت الحوادث في طريقها مترددة شيئًا، ثم مقدمة لا تلوي على شيء وإذا العدو ينهزم عن مصر، ثم عن أفريقيا، ثم عن إيطاليا نفسها، وإذا موسوليني يقبض عليه مرة، ثم يفر ليقبض عليه منذ أيام، وإذا الحرب تعبر البحر إلى هتلر فتخرجه من فرنسا ومن بلجيكا كما أخرجه الروسيون من أرضهم ومن بولندا. وإذا ألمانيا تغزى من الشرق والغرب جميعًا. وإذا الروسيون يحررون شرق أوروبا ووسطها كما يحرر الإنجليز والأمريكيون غرب أوروبا وجنوبها. وإذا الروسيون يدخلون برلين على حين لم يستطع الألمانيون أن يدخلوا موسكو. وإذا البرق يحمل إلينا مساء أمس أن ألمانيا تعرض التسليم على بعض الحلفاء دون بعض، وأن الحلفاء يأبون إلَّا أن يعرض التسليم عليهم جميعًا.
وإذن، فقد أرادت الحرب أن تنتهي في أوروبا، ومن الممكن أن تنتهي بعد ساعة وأخرى، وقد أخذت تلك الكواكب التي نشرت في العالم ذلك الضوء المنكر المخيف تتهاوى صراعًا، وأمَّا موسوليني فقد أخذ وأمَّا هتلر فيحتضر فيما يقال، وأمَّا الآخرون فسيؤخذون حتى يتم التسليم، وأمَّا الماريشال بيتان فينتظر المحاكمة في قلعة من قلاع باريس.
وكذلك عاشت الإنسانية أعوامًا منكرة لم تعشِ قط ما يشبهها فيما امتلأت به من الشر والمنكر، وهي توشك أن تخرج من هذه الأعوام، ولكن إلى ماذا؟ أإلى حياة ملؤها الحق والعدل والخير والوفاء للذين وفوا، والانتصاف للذين أنصفوا، والاعتراف بالجميل للذين قدموا الجميل؟ أم إلى حياة كتلك التي ألفتها الإنسانية، قوامها تسلط القوي وظلم القادر وجور المنتصر واضطرار الضعيف إلى الاستسلام الذليل أو إلى المقاومة الثائرة؟ أو إلى انتظار الفرص وتربص الدوائر؟
هذا هو السؤال الذي يلقى في كل ضمير حي، وفي كل قلب شاعر ذكي، وفي كل عقل مفكر متبصر.
ومن المحقق أن الإنسان يحسن الانتفاع بالدروس أحيانًا، ولكن من المحقق أيضًا أن الإنسان طاغية، يسرع إلى البطر حين يستغني، ويسرع إليه البطر لينفذ من المشكلات وينتصر على الخطوب.
ومن المحقق أيضًا أن في نفوس الناس ظمأً شديدًا إلى هذا العدل الذي طمعوا فيه حتى أعياهم الطمع، وطمحوا إليه حتى أجهدهم الطموح، ووُعِدوا به حتى أملتهم الوعود. وهم ينتظرون العدل واثقين بأنهم سيبلغونه، وإن كانت نذر السياسة تتحدث إليهم غير باسمة ولا مشرقة الوجوه. فقد حدثت في الشرق والغرب خطوب تشير إلى أن الإنسانية ما زالت غافلة ذاهلة تترك أمرها للأثرة، وتقيمه على المنافع العاجلة، وتَعِد حين تحتاج إلى المعونة، فإذا استغنت نسيت ما قدمت من الوعود، وجحدت ما قدم إليها من العون، وظنَّت أنها قد انتهت إلى الفوز الذي لا خوف بعده ولا قلق.
نعم، وقعت خطوب في الشرق والغرب تشير إلى أن الإنسانية لم تتغير ولم تنتفع من هذه الدروس القاسية العنيفة، كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية، والنتائج معروفة من غير شك. فكما أن السياسة التي بنيت في أعقاب الحرب الماضية على الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود قد أثارت الاضطراب في العالم كله، وانتهت إلى الحرب العالمية الثانية؛ فالسياسة التي ستقوم في أعقاب هذه الحرب ستنتج نفس هذه النتائج إلَّا أن تتخذ لنفسها أساسًا غير الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود.
وإني لأنكر ما أسمع وأنكر ما أرى، وأريد أن أكذب الحوادث وأصدق الأمل، وأعتقد أن العالم الحديث أذكى وأبقى من أن يلدغ من جحر مرتين. ومن يدري؟ لعل الآمال تصدق مرة، ولعل الحوادث تكذب مرة، ولعل المنتصرين أن ينتفعوا بالدروس التي لم يدفع بها المنتصرون في أعقاب الحرب الماضية!
كل هذا ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تجري الأمور بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية. فالرجل الحازم هو الذي لا يستسلم إلى اليأس، ولكنه لا ينخدع بالأمل. وإنما يظل فطنًا حذرًا مترتبًا مالكًا لأمره ضابطًا لنفسه، لا يقبل ولا يرفض إلَّا عن روية وبصيرة وعن رضًا ويقين.
وكم كنت أتمنى أن تأتي أخبار سان فرانسيسكو راضية مرضية، مؤذنة بأن آمالنا لا تخدعنا، وأن أمانينا لا تكذبنا، ولكني أرى بولندا ما تزال بعيدًا عن المؤتمر لم تدعَ إليه بعد، وأرى العالم العربي قد عمل في تأليف اللجنة التي توجه أعمال المؤتمر. ومع ذلك فهولندا هي الشهيدة الأولى من شهداء هذه الحرب، ومصر هي أصدق من وفَى للحلفاء حين امتحنوا بأهوال هذه الحرب وحين قل الأصدقاء الأوفياء.
آخر الحروب وأول السلم
طه حسين
جريدة البلاغ
٣ مايو ١٩٤٥
أصبح العالم كله في هذه الأيام دارًا هائلة للسينما تعرض فيها الحوادث الجسام عرضًا سريعًا خاطفًا، لا يتيح للنظارة تفكيرًا ولا تروية، فضلًا عن أن يتيح لهم شرحًا أو تعليقًا؛ ففي مساء السبت الماضي أُعلِن أن هملر يعرض على البريطانيين والأمريكيين تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط، وأن هؤلاء لا يقبلون هذا العرض إلَّا إذا قُدِّم إلى روسيا، وأنهم يمهلون ألمانيا إلى مساء الثلاثاء لتقبل هذا الإنذار.
وفي صباح الأحد، أُعلِن أن موسوليني وزملاءه قد أُخِذوا حين كانوا يسلكون طريق الفرار إلى سويسرا، وفي صباح الاثنين، أُعلِن أن موسوليني قد قُتِل، وأعلن تفصيل مقتله، وتفصيل المثلة الشنيعة التي مثَّلها الشعب بجثته في ميدان من ميادين ميلانو. وفي صباح الثلاثاء، أُعلِنت أسطورة موت هتلر، ثم كان الاختلاف في موته، فقال هملر وبعض أصحابه أن هتلر مات بنزيف في المخ، وقال خليفة هتلر للشعب الألماني وللعالم: إن هتلر مات مقتولًا وهو يحارب دفاعًا عن الشعب.
وبينما كان العالم يفكر في هذه الأحداث الخاطفة تفكيرًا خاطفًا، فيريد أن يَعتبِر بهذه الخاتمة الشائنة البشعة التي انتهت بها حياة موسوليني، ويريد أن يتحقق من موت هتلر أولًا، ومن العلة التي مات بها ثانيًا، ويريد أن يعرف متى يُعلن انتهاء الحرب، أو متى يتم تسليم ألمانيا. بينما كانت هذه الخواطر كلها تشغل العالم؛ أقبل المساء أمس وإذا نبأ آخر ليس أقل من كل هذه الأنباء خطرًا ولا أهون منها شأنًا يذاع، فيصرف الناس عن التفكير إلا فيه، وعن التأمل إلا في نتائجه الخطيرة القريبة والبعيدة.
فقد أُعلِن أمس أن الجيوش الألمانية المحاربة في شمال إيطاليا، وفي جزء من أرض النمسا قد استسلمت بلا قيد ولا شرط للماريشال ألكسندر، القائد العام لجيوش الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعلم الناس أن المفاوضات في هذا التسليم كانت تجري من وراء ستار منذ أيام، وأنها انتهت ظهر يوم الأحد الماضي، في الوقت الذي كان قتل موسوليني وعرض هملر للتسليم يشغلان الناس.
وعلم الناس كذلك أن القتال قد وقف في هذا الميدان ظهر أمس الأربعاء، وسمع الناس أو قرءوا تهنئة الماريشال ألكسندر لجنوده الذين حرروا إيطاليا بعد جهاد شاق طويل، والذين تلقوا الاستسلام من أضخم جيش ألماني استسلم إلى الآن بلا قيد ولا شرط، فقد بلغ عدد هذا الجيش المستسلم مليونًا من الجند، وهو قد ألقى سلاحه، وأسلم رجاله وأدواته، وأصبح خاضعًا خضوعًا تامًّا لأمر القيادة العليا المنتصرة في هذا الميدان.
ولست أدري أيذكر الناس أم قد أنستهم الحوادث أن يذكروا أن الحلفاء قد بدءوا تحرير إيطاليا في أوائل سبتمبر سنة ١٩٤٣، وأنهم لقوا في هذا التحرير أهوالًا هائلة، وخسروا فيه خسائر فادحة، وتعرضوا فيه لكثيرٍ من المصاعب التي كانت تأتي من الطبيعة، ومن السياسة، ومن ضرورات الحرب، وهم قد انتهوا الآن إلى تحرير إيطاليا كلها، أو بعبارة أصح إلى تحرير البحر الأبيض المتوسط كله. فهذا التسليم الذي تم أمس إنما هو الخاتمة الطبيعية لهذه المواقع الطويلة الشاقة التي بدأت في العلمين.
والشيء المحقق هو أن التسليم خطوة حاسمة في تاريخ هذه الحرب، بل خطوة حاسمة في تاريخ العالم الجديد؛ فقد أصبح من اليسير أن تمضي الجيوش المنتصرة في إيطاليا أمامها لا تلقى عائقًا حتى تشارك مع الجيوش المحاربة في ألمانيا نفسها، ومن يدري لعلها لا تبلغ ألمانيا حتى يكون التسليم النهائي حقيقة واقعة.
وأهم ما يثيره هذا الانتصار الهائل في النفوس من العبرة أمران؛ أولهما: أن الثبات ومضاء العزم والثقة بالنفس خصال مهما تتعقد أمامها المشكلات، فهي قاهرة لها، وظافرة بها، ومتغلبة عليها. فما أكثر المشكلات والمصاعب التي ثارت وتعقدت أمام قوَّاد الحلفاء في أفريقيا وصقلية وإيطاليا واليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط. لقد بلغت هذه المشكلات والمصاعب في بعض الأوقات حدًّا كان خليقًا أن يبعث اليأس في القلوب، وكان يضطر المستر تشرشل إلى أن يتجنب القول فيه حين يُسأل عنه في مجلس العموم البريطاني. ومع ذلك فقد قهر ساسة الحلفاء وقوَّادهم هذه المشكلات، ونفذوا من هذه الخطوب، وظفروا أمس بهذا الفوز العظيم؛ لأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ولأنهم لم يضطربوا ولم يترددوا، ولأنهم وثقوا بأنفسهم وبالغاية التي يحاربون من أجلها.
والأمر الثاني: هو أن هذا الفوز العظيم قد أبعد الحرب إبعادًا نهائيًّا عن منطقة البحر الأبيض المتوسط، فأصبح من حق هذه المنطقة أن تتنفس، وأن تتنفس في جوٍّ له حظ من حرية بعد أن اطمأن في هذا الميدان كل شيء، ولم يبق أمام الشعوب التي خرجت من غمرات الحرب إلَّا أن تستأنف حياتها؛ لتصلح ما فسد، وتُقوِّم ما اعوجَّ، وتأسو ما أصابها من الجراح. وهذا الفوز العظيم قد صُوِّر تصويرًا رائعًا في الأمر الذي أصدره الماريشال ألكسندر لجيوشه أمس. وهو خليق أن يملأ نفوس المنتصرين تيهًا وإعجابًا، وأن يغمرها بهذه النشوة التي تخرج المنتصر عن طوره وقتًا ما.
والواقع أن المنتصرين قد ابتهجوا بما أحرزوا من الفوز، وحقَّ لهم أن يبتهجوا، ولكن من الحق على المنتصرين المبتهجين — وقد تم لهم سحق العدو — أن ينتصروا في حرب أخرى لا ترى مظاهرها، ولا تصطنع فيها أسلحة البر والبحر والجو، وإنما هي حرب بين النفوس وبين نزعاتها. فالابتهاج بالنصر حق، والابتهاج بالنصر خير، ولكن يجب ألا يُشغل المنتصر بهذا الابتهاج عن المستقبل وما يخفي من الحوادث، وألَّا يندفع المنتصر مع الابتهاج حتى ينتهي إلى البطر. وخير الأمور أوساطها كما يقول المثل الإنساني القديم، والاعتدال ملاك الفضيلة، فلعل انتصار أمس وما سيتبعه من انتصارات تحدث اليوم وغدًا وبعد غد. لعل هذه الانتصارات التي ستُكره الحرب على أن تضع أوزارها أن تكون مقدمة لانتصار الظافرين على أنفسهم بعد أن انتصروا على عدوِّهم، وأن تكون مقدِّمة لعالم جديد يقوم على الاعتدال لا على الإسراف، وعلى القصد لا على الغلو والجموح، وعلى الإنصاف لا على الجور والاستعلاء.
وبينما كانت هذه الحوادث تحدث في العالم القديم فتملأ الدنيا وتشغل الناس؛ كانت حوادث أخرى تحدث في العالم الجديد، وتريد أن تملأ الدنيا وتشغل الناس، ولكنها لا تبلغ من ذلك ما تريد، وهي هذه الحوادث التي شغلت المؤتمرين في سان فرانسيسكو في الأيام القليلة الماضية. فأي غرابة في أن تعجز حوادث سان فرانسيسكو عن أن تظفر من عناية الناس بمثل ما ظفرت به حوادث أوروبا؟ فالحرب في سان فرانسيسكو حرب كلام لا أكثر ولا أقل، والاصطدام في سان فرانسيسكو اصطدام في الرأي لا ينقص عن ذلك ولا يزيد، ولكنه مع ذلك خليق أن يصور الاتجاهات التي ستسيطر على إنشاء العالم الجديد.
والعالم الجديد فيما يظهر أمنية ستتحقق بمقدار ما تتحقق الأماني في هذه الدنيا، ومعنى ذلك أنها ستتحقق شيئًا فشيئًا، وستتم قليلًا قليلًا، ومعنى ذلك أيضًا أن نظم العالم القديم لن تنهار فجأة، ولكنها ستضطرب — وقد أخذت تضطرب — ثم يصيبها الضعف والانحلال، ثم ينهار منها جزءٌ هنا وجزءٌ هناك، وما يزال العالم في هدمٍ وبناءٍ حتى ينظر الناس ذات يوم وإذا كل شيء من حولهم قد تغير، وإذا هم في عالم جديد قد دُفعوا إليه في رفق، وبلغوه وهم لا يشعرون أو لا يكادون يشعرون.
وآية ذلك أن الحوادث التي شُغل بها المؤتمرون في سان فرانسيسكو قد كانت صراعًا بين جديد لا يريده أكثر المؤتمرين، وقديم يحرصون عليه. وقد ظفر القديم، ولا ينبغي أن يُقال: إن الجديد انهزم، فهو لم ينهزم، ولكنه لم يفُز، وإنما فرض نفسه على التفكير العالمي. وهذا أول الفوز. اختلف المؤتمرون في رياسة المؤتمر: أتكون لوزير الخارجية في البلاد التي يجتمع فيها المؤتمر كما جرت بذلك التقاليد، أم تكون دولة بين رؤساء الوفود الكبرى؟ وقد انهزمت التقاليد نصف هزيمة، وانتصر الجديد نصف انتصار؛ فصارت رياسة المؤتمر نفسه دُولةً بين رؤساء الوفود، واحتُفظ لوزير الخارجية الأمريكية برياسة لجنتين خطيرتين.
ثم اختلف المؤتمرون في دعوة الأرجنتين إلى المؤتمر، فأمَّا أصحاب التجديد — وهم الروسيون وحلفاؤهم الأدنون — فكانوا يرفضون هذه الدعوة؛ لأن الأرجنتين أعانت العدو واضطرت الحلفاء إلى أن يقطعوا العلاقات الدبلوماسية بينهم وبينها، ولم تغير موقفها إلَّا حين أصبح انتصار الحلفاء من البديهيات، وحين أخذ الحلفاء في الاستعداد لعقد هذا المؤتمر، ولكن أنصار القديم آثروا العافية، وأرضوا العصبية الأمريكية، وانتظروا الخير من التعاون مع الأرجنتين؛ فدعوها إلى المؤتمر، وتمَّ لهم ما أرادوا.
واختلف المؤتمرون في تمثيل العمَّال في هذا المؤتمر، فدعا إليه مولوتوف وعارض فيه غيره، وكان ممثلنا نحن لسان المعارضين فيما يظهر. وهذه قضية خطيرة حقًّا، فلم يكن مولوتوف يستطيع أن يهملها، ولم يكن معارضوه يستطيعون أن يقبلوها، فالعمَّال قوام النظام الروسي الرسمي، وهم من غير شك قوام الحرب، ولو قد نجح مولوتوف فيما أراد لكان نجاحه تسجيلًا لوجود دويلة من هذه الدويلات التي يشفق منها رأس المال كل الإشفاق، وتشفق منها الديمقراطيات المعتدلة كل الإشفاق أيضًا، فلم يكن بد من أن ينهزم مولوتوف. ومن المحقق أنه عرض القضية وهو واثق بأنه سيخسرها، ولكنه عرضها لأن عرضها نفسه نوع من أنواع الربح.
واختلف المؤتمرون في مشكلة بولندا التي لا تريد أن تُحَل، والتي تزداد على الأيام صعوبةً وتعقيدًا، أتُدعى حكومة لوبلين أم لا تُدعى؟! فأمَّا روسيا فقالت: نعم، وبالغت في إلحاح، وأمَّا الآخرون فقالوا: لا، وبالغوا في الإباء، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، وليس أحد يدري متى ولا كيف ينتهي.
ويزيد أمر بولونيا تعقيدًا ما يقال من أن حكومة لوبلين تضطهد خصومها في الوطن البولوني نفسه اضطهادًا يوصف في مجلس العموم البريطاني بالشناعة والعنف، ففريق يقتلون، وفريق يستخفون، والحكومة البريطانية لا تستطيع أن تعلم ذلك؛ لأنها لا تستطيع أن تسأل حكومة لوبلين؛ فهي لم تعترف بهذه الحكومة، ولأنها تسأل الحكومة الروسية فلا تتلقى منها جوابًا.
وكذلك ننظر فنرى منظرين رائعين، ولكنهما يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف. فأمَّا أولهما فمنظر الحرب كليلة متخاذلة تقلم أظفارها، ويسرع إليها الفناء، وتوشك أن تسقط من الإعياء، ويوشك الحلفاء أن يجهزوا عليها، والعالم ينظر إلى ذلك سعيدًا راضيًا مغتبطًا؛ لأن الآباء سيعودون إلى أبنائهم، ولأن الأبناء سيعودون إلى أمهاتهم، ولأن الأزواج سيعودون إلى زوجاتهم، ولأن الأرض قد غصَّت بهذا الدم الغزير الذي ما زالت تشربه منذ ستة أعوام.
وأمَّا المنظر الثاني فمنظر السلم ترى مقبلة من بعيد وهي تسعى مبطئة ثقيلة، وتمشي على استحياء، وفي تردد واضطراب، والناس ينظرون إليها ولا يكادون يرونها، ولا يكادون يتبينون من ملامحها ما يؤذنهم بأنها ستحمل إليهم سعادةً وأمنًا، أو ستحمل إليهم شقاءً وخوفًا.
وقد تعلَّم الناس منذ أقدم العصور أنهم يستطيعون أن يطمئنوا وأن يقلقوا، وأن يأمنوا وأن يجزعوا، فذلك لا يغني عنهم شيئًا، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والخير كل الخير أن يصبروا ويثبتوا، أو يستقبلوا الأيام بالأمل والرجاء، والرغبة في الخير والحرص عليه؛ فمن يدري؟ لعل الأيام أن تحقق لهم بعض ما يأملون.
هل ذهب الخوف؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٣ مايو ١٩٤٥
أمَّا أن العالم قد تلقَّى أيام النصر بالرضا والابتهاج، فذلك شيء لا شك فيه ولا غرابة فيه أيضًا. فقد حقن استسلام ألمانيا دماء غزيرة كانت تُراق، لا نقول في كل يوم، ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وأمن الآباء والأمهات على من بقي من أبنائهم بعض غوائل الحرب، وإن لم يأمنوا غوائل الحرب كلها؛ لأنها ما زالت قائمة مستعرة في الشرق الأقصى، فمن الطبيعي أن يبتهج الناس بانهيار ذلك الصرح الآثم الذي كان الموت يخرج منه ويأوي إليه، والذي كان مصدرًا للهول، وموردًا للهول في قلب أوروبا.
ولكن هناك أشياء محققة لا معنى لإنكارها ولا للجدال فيها؛ فلم يكن ابتهاج الناس بالانتصار في أوروبا خالصًا من كل شائبة، ولا مطلقًا من كل قيد، ولا مُبرَّءًا مما يكدره وينغصه. فالخوف لم يذهب كله، وإنما بقي منه شيء غير قليل، مصدره هذه الحرب المتصلة في الشرق الأقصى، والتي اضطرت المستر تشرشل إلى أن يقول في بعض أحاديثه لمواطنيه إنهم سيستمتعون بوقت قصير من أوقات الراحة والابتهاج، ثم يستأنفون الجد والجهد والعمل؛ حتى يضطروا اليابان إلى مثل ما اضطرت إليه ألمانيا من الاستسلام.
وقد سمعنا المذيعين يتحدثون في الراديو أمس من بريطانيا العظمى وأمريكا أن العالم سيشهد منذ الآن حركة نقل هائلة لا نظير لها في التاريخ، وذلك حين يُنقَل الجنود وأداة الحرب من أوروبا إلى الشرق الأقصى؛ فالأمريكيون وحدهم ثلاثة ملايين من الجند يُراد تحويلهم من الميدان الغربي إلى الميدان الشرقي، ومعهم عتادهم وأدواتهم المختلفة.
فإذا أُضيف إلى ذلك ما سينقله البريطانيون ومن سينقلهم البريطانيون من أداة الحرب ورجالها إلى هذا الميدان، وما لا تزال أمريكا ترسله مباشرة من الوطن الأمريكي إلى الشرق الأقصى؛ عرفنا أن الإنسانية لم يُتَحْ لها بعد أن تطمئن وتستقر، وأن الناس لم يُتَحْ لهم بعد أن يثوبوا إلى أوطانهم، ويئوبوا إلى ديارهم، ويطمئنوا إلى أهلهم، ويستأنفوا العمل الذي يثمر وينتج في ظل الأمن والسلام.
فهذا مصدر من مصادر الخوف، ولكن للخوف مصادر أخرى قد لا تكون أقل من هذا المصدر هولًا، فقد ألقت ألمانيا السلاح ولكن آثار الحرب لم تُلْقِ السلاح، ولن تلقيه قبل وقت طويل.
وأظهر هذه الآثار هذا البؤس الشائع الذي يغمر المنتصرين والمنهزمين جميعًا، والذي يُعرِّض بعضهم للحرمان المؤلم، ويُعرِّض بعضهم الآخر للحرمان المميت.
وقد تحدث إلينا الراديو أمس من بريطانيا العظمى بأن الإنجليز سيجدون مشقة غير قليلة في التموين، وستُخفَّض حظوظهم من بعض المواد الغذائية، وقيل مثل ذلك بالقياس إلى أمريكا. فأما البلاد المحررة، فالبؤس فيها أظهر من أن يحتاج إلى الوصف، وأما الشعب المغلوب فهو يعيش بين أنقاضه كما تعيش الجرذان. فقد بدأ الأمريكيون يشعرون بشيء من الرثاء له والعطف عليه، ويتصدقون عليه ببعض الغذاء. ولم تكد أنباء ذلك تذاع حتى سخطت الأمم المحررة، وقال قائلوها إن الأمريكيين يسرعون إلى نجدة العدو المغلوب أكثر مما أسرعوا إلى نجدة الصديق المنتصر.
وإذن؛ فالخوف لم يذهب كله من هذه الجهة أيضًا، وما زال كل إنسان في أوروبا مشفقًا على نفسه وعلى ذويه من أعقاب الحرب، حتى حين يُتاح له أن يستقر في وطنه ويطمئن في داره وبين أهليه.
وما نظن أن في أوروبا أسرة لم تفجعها الحرب في واحد أو غير واحد من أبنائها، وما نظن أن في أوروبا أسرة لا تجد شيئًا من القلق على واحد أو غير واحد من أبنائها قد أفلت من الموت، ولكنه لم يفلت من الجراحات أو من الأمراض التي اقتضتها الحرب.
فابتهاج هؤلاء الناس بالانتصار لا يمكن أن يكون صفوًا ولا خالصًا من كل شائبة، وإنما هو ابتهاج إضافي هو أشبه شيء بتنفس المكروب الذي كان ينتظر أهوالًا تُصَبُّ عليه إلى غير حد، فرفعت عنه الأهوال بعد أن أخذ منها بحظ ثقيل بغيض.
وليس هذا كل شيء فهذا الانتصار الذي يدعو الناس إلى الرضا والابتهاج لا يُقْبِل عليهم بوجه مشرق مضيء، وإنما يُقْبِل عليهم بوجه لا يخلو من بعض العبوس. فقد استقبل العالم الانتصار في أعقاب الحرب الماضية مع شيء من الأمن لا يعرفه في أعقاب هذه الحرب.
لم يكن بين المنتصرين في الحرب الماضية ما نشهده الآن من هذه المظاهر العنيفة المخيفة للخلاف، وإنما أنفق العالم شهرًا أو شهرين مستمتعًا بالأمن والفوز، ولم تظهر الاختلافات السياسية بين المنتصرين إلا حين تقدمت المفاوضات شيئًا في مؤتمر الصلح، ثم لم تكن هذه الاختلافات مزعجة ولا مخيفة.
أمَّا في هذه الحرب فقد ظهرت الاختلافات قبل أن يستسلم العدو، وظهرت مباعدة بين المختفين ومتخذة ألوانًا من العنف، كانت تشغل الناس أحيانًا عن شئون الحرب نفسها. فلما تم استسلام العدو خلا الميدان للجدل والخلاف، وأي شيء أظهر من أن النصر لم يُعْلَن في يوم واحد عند الحلفاء جميعًا، وإنما أُعلِن في الغرب يوم الثلاثاء، وأُعلِن في شرق أوروبا يوم الأربعاء.
ولم يَرَ العالم في أعقاب الحرب الماضية ضحية خطيرة للاختلاف كهذه الضحية التي تُرى الآن. فالدولة البولندية التي أُعلِنَت الحرب من أجلها، والتي فقدت ثلث شعبها، والتي خسرت أكثر ثروتها الاقتصادية، والتي شاركت جيوشها في الانتصار الفعلي شرقًا وغربًا. هذه الدولة ضائعة بين الروسيين والسكسونيين، كلٌّ يؤكد أنه يريد بها الخير ويؤثرها بالعافية، ونتيجة هذا أنها غائبة عن مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين لا يقبلون حكومة لندن، ولأن السكسونيين لا يقبلون حكومة لوبلين.
فأما البولنديون أنفسهم فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؛ لأنهم خاضعون سواء رضوا أو كرهوا لسلطان أولئك أو لسلطان هؤلاء.
ثم لا يقف الأمر عند المشكلة البولندية، وإنما المشكلات تنبت في كل مكان، وتظهر في كل يوم. فمشكلة النمسا، ومشكلة تريستا، ومشكلة الوصاية، ومشكلة مجلس الأمن، ومشكلة الترك والروس، وما شئت من المشكلات التي لا تدري متى تنقضي، ولا كيف تنقضي.
والشيء الذي نرجو ألا يشك فيه القارئ، هو أن هذه المشكلات كلها على شدتها وحِدَّتها لن تصل من العنف إلى غايته، ولا بد من أن تجد لنفسها أو يجد المنتصرون لها حلولًا دائمة أو مؤقتة، ولكنها قائمة على كل حال. وقيامها واشتدادها واختلاف الناس في فهمها وفي حلها، كل ذلك يمنع الابتهاج بالنصر من أن يكون صفوًا خالصًا من كل شائبة، فهو ابتهاج حزين إن صح هذا التعبير، وهو ابتهاج قلق من غير شك.
على أن هناك شعوبًا أخرى لا تشارك في هذه المشكلات من قرب أو بعد، وإنما تشهدها كما يشهد المحايد من الأمر ما يسوءه حينًا ويرضيه حينًا آخر. وهذه الشعوب قد شاركت في الحرب مشاركة قوية أو ضعيفة، وأعانت المنتصرين معونة إيجابية أو سلبية، وذاقت مرارة الحرب، واصطلت نارها على كل حال، وكان من حقها أن تستقبل النصر مبتهجة له مغتبطة به لا يشوب ابتهاجها حزن، ولا يشوب اغتباطها قلق أو خوف.
ولكنها مع ذلك لم تظفر بهذا الابتهاج الصفو، ولم تنعم بهذه الغبطة الخالصة، وإنما تلقَّتْ أنباء الفوز، فابتسمت لها ابتسامة سريعة مرت على الثغور مر السحاب، ثم مضت هذه الشعوب في حياتها جادة محزونة قلقة، أقل ما تُوصَف به أنها ليست راضية عن يومها، ولا مطمئنة لغدها، وأنها لا تحفظ من أمسها إلا ذكريات مؤلمة تبعث في النفوس شيئًا غير قليل من الأسى والشك وخيبة الأمل.
وهذه الشعوب هي التي سمعت الوعود فصدقتها، ووثقت بها وعاشت معها، على أنها حقائق واقعة تخفيها الحرب العنيفة المخيفة، ولا تلبث أن تظهر حين تنجلي غمرات الحرب.
وقد نظرت هذه الشعوب ذات يوم فإذا الوعود التي كانت ناطقة في الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، تؤثر الصمت ثم تستخفي شيئًا، ثم تغيب عن القلوب، وتحتجب عن العيون، وتقوم مقامها مظاهر السياسة القديمة التي ألفها الناس قبل هذه الحرب، وضاقوا بها وظنوا أنهم لن يعودوا إليها، أو أنها لن تعود إليهم، ثم أصبحوا فإذا هم غارقون فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان. فيكف تريد من هذه الشعوب أن تفرغ للفرح والابتهاج، وتذود عن نفسها القلق والخوف، والأمور من حولهما تجري كأن الحرب لم تَثُرْ، وكأن الحرب لم تنتهِ إلى هذا الفوز العظيم؟!
هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا كاملًا شاملًا لا يشوبه قلق، ولا يكدره خوف؟! أم هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا رسميًّا نظر إليه الشعب باسمًا، ثم مضى في عمله كما يمضي في كل يوم يملأ قلبه الجد، ويملأ قلبه القلق، ويملأ قلبه أمل لا يدري متى يتحقق، وإن كان واثقًا بأنه سيتحقق في يوم من الأيام.
وأما استسلام ألمانيا فقد كانوا ينتظرون منه لأنفسهم خيرًا كثيرًا عاجلًا، ولكنهم نظروا فإذا ألمانيا تنهار، وهتلر ينتحر، والديمقراطية تنتصر. وهم في أثناء ذلك كما كانوا قبل ذلك، وكما كانوا قبل إعلان الحرب يتمنون أشياء يرونها حقًّا لهم، فلا يُجابون إليها، ولا يُرَدُّون عنها، وإنما يعلَّقون بين كلمات نعم ولا.
ولم يأتِ الوقت بعد. وقد يأتي الوقت بعد انتظار يقصر أو يطول، وهم يرون أن الانتصار لم يكد يُعلَن حتى رُدَّت الحرية إلى الناس في بلاد الإنجليز، وأُلْغِيَت القيود وزالت رقابة الصحف، واستطاع الناس أن يعيشوا أحرارًا كما كانوا يعيشون قبل الحرب مع أن الحرب لم تنتهِ بَعْدُ بالقياس إليهم، وما زالت تكلفهم جهودًا هائلة، وتُعرِّضهم لأخطار هائلة، وتصب عليهم أهوالًا مُروِّعة.
فرءوا هذا كله وفكروا فيه ورضوا عنه، ثم نظروا إلى أنفسهم، فإذا هم بعد إعلان الفوز كما كانوا قبل إعلان الفوز لم تُرَدَّ إليهم حرية، ولم يُرفَع عنهم قيد، ولم يخلصوا حتى من رقابة الصحف، وهم مع ذلك لا يحاربون إلا حربًا نظرية.
كانوا يأملون أن يُقال لهم يوم النصر: ابتهجوا معنا؛ فستخلص لكم حريتكم كاملة، ستجلو عن وطنكم جيوش الحلفاء، وسيستمتع وادي النيل باستقلاله شاملًا كاملًا موفورًا. ابتهجوا معنا؛ فأنتم منذ اليوم أحرار قد رُفِعَتْ عنكم القيود التي فرضتها طوارئ الحرب كلها أو أكثرها، وستستأنفون حياتكم كما كنتم تحيونها قبل الحرب، لا يحد من حريتكم في القول والعمل إلا القانون العام.
كانوا ينتظرون أن يُقال لهم ذلك، فلم يُقَل لهم منه شيء، وإنما سمعوا المدافع تُطلَق، وسمعوا الراديو يذيع أنباء النصر فابتسموا ومضوا لشأنهم ينظرون إلى الأعلام المرفوعة يعبث بها النسيم عبث المداعب، ولكنهم لا يكادون يلقون إلى شيء من ذلك بالًا.
أَتُراهم يُلامون؟!