Category: Uncategorized

  • الجيل الضائع | The Lost Generation

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

    مشكلة اللغات الأجنبية
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

    هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

    الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

    الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

    بيت آخر
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    وهذا بيت آخر تحفظه الأجيال من تلاميذ المدارس، لا تستطيع أن تُفلت منه أو تجد من حفظه مهربًا، وهي من أجل ذلك تنساه أو تحاول أن تنساه حين تتقدم بها السن قليلًا؛ لأنه يذكِّرها بالمدرسة ويردُّها إلى دروس النحو ويُحضر أمامها صورًا مختلفة للمعلمين الذين يتخذون العمائم أو الطرابيش والثياب الضيقة أو الثياب الواسعة، والذين ينطقون في لهجة المتأنقين المتحذلقين أو في لهجة المتحفظين المتزمتين، والذين يُعربون ويعلِّمون التلاميذ كيف يعربون قول الشاعر:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب

    ولست أظن أن مصريًّا يحسن القراءة والكتابة، وقد مرَّ بمدرسة من المدارس الابتدائية الأميرية أو الحرة، يستطيع أن يقول إنه لم يلقَ هذا البيت في طريقه أثناء الدرس، ولم يشقَ بحفظه وتكراره وإعرابه، فهو من أبيات النحو الابتدائي التي يرويها المعلمون لتلاميذهم مثلًا وشاهدًا على أن الفعل المضارع ينصب إذا اقترن بفاء السببية بعد أداة من أدوات التمني أو الرجاء. وكنَّا في أيام الصبا نشقى بهذا البيت وأمثاله حين كان المعلِّمون يزعمون لنا أن بين الفعل والفاء «أن» مضمرة لا تستطيع أن تظهر. ومنَّا من كان يسأل نفسه: ما الذي يمنعها من أن تظهر؟! ومنَّا من كان يذهب في هذا الإضمار والاستتار مذاهب مختلفة ويلتمس لها عللًا متباينة، ولكننا لم نكن نفهمه على كل حال. فكان البيت مع ذلك يعجبنا ويرضينا؛ لأنه قريبٌ من أفهامنا، يسيرٌ على أذواقنا، لا نجد في ألفاظه ولا في معانيه مشقةً ولا جهدًا، نحفظه في غير عسر، وننشده في غير تكلف، ونفهمه في غير عناء، ونعجز مع ذلك عن فهم ما كان المعلمون يقولون لنا من استخفاء «أن» هذه بين الفاء والفعل، وحرصها على ألا تظهر أو عجزها عن أن تظهر.

    ولست أظن أن مثقفًا مرَّ بالمدارس الابتدائية يستطيع أن يذكر هذا البيت دون أن تظهر على ثغره ابتسامة خفيفة سريعة؛ لما يذكر من عناء المعلمين في الإفهام وعناء المتعلمين في الفهم، وشقاء أولئك وهؤلاء بهذا الحرف المضمر المستخفي في غير حاجة إلى الإضمار ولا إلى الاستخفاء.

    وكثير من الناس الذين تقدمت بهم السن، وشقَّت عليهم حياة الكهول وحياة الشيوخ، وأدركهم هذا الضعف الجسمي والنفسي الذي يحول بينهم وبين آمال الشباب ولذاته، ولا يبقى لهم من تلك الآمال وهذه اللذات إلَّا ذكريات مختلفة، ولكنها حزينة تثير في نفوسهم اللوعة على ما فات واليأس مما هو مقبل، والأسف على أنهم لا يستطيعون أن يستقبلوا من أمورهم ما استدبروا، وأن يستأنفوا من آمالهم ولذاتهم ما مضى، فلم يبقَ إلى استدراكه من سبيل.

    فهم يتحدثون بما أبلوا في هذا الموقف أو ذاك من مواقف الفرح والمرح والنشاط، ويعجزهم عن أن يبلوا هذا البلاء وعن أن يقفوا هذا الموقف وعن أن يداعبوا أملًا أو يصيبوا لذةً أو يحاولوا نشاطًا؛ تقعد بهم السن ويردهم الضعف عن كل ذلك، فهم لا يستطيعون إلَّا أن يذكروا ويتفكروا ويحزنوا على أنفسهم، ويقولوا في هذه اللهجة البائسة اليائسة:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    وهم واثقون في حزنٍ يائس أو يأسٍ حزين بأن الشباب لن يعود في يوم من الأيام، وبأنهم لن يخبروه مما فعل المشيب بقليل أو كثير. وما أكثر ما يودون لو عاد إليهم الشباب أو الصبا، ورأوا أنفسهم جالسين في فصول المدارس الابتدائية أو الثانوية قد أقبلوا على المعلم أو أعرضوا عنه، وهو يفسر لهم معنى التمني والرجاء، ويفسر لهم فاء السببية وواو المعية، ويدلهم على مكان «أن» هذه المضمرة المستخفية التي لا تستطيع ولا ينبغي أن تظهر لا في شعر ولا في نثر؛ لأن النحو قد فرض عليها أن تستخفي في شيءٍ كثيرٍ من الاستحياء، بحيث يفترض وجودها أو يقطع بوجودها دون أن تراها العين حين تقرأ، ودون أن تحسَّها الأذن حين تسمع، ودون أن ينطق بها اللسان حين ينشد. قضيَ عليها أن تحضر وهي غائبة، وأن تغيب وهي حاضرة، وأن تكون أشد استخفاء واستحياء من صاحبة بشار تلك التي يقول فيها:

    صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولكني أذكر هذا البيت وأذكِّر به الذين حفظوه ثم نسوه، وهم يودُّون لو عادوا إليه أو عاد إليهم لمعنًى لم يخطر لصاحبه حين أنشأه، ولم يخطر لأحد من قرائه ورواته حين ينشده، ولم يخطر للمعلم حين يفسره ولا للمتعلم حين يشقى بتأويله وتعليله، وهو معنى الندم.

    الندم، لا على ما فات من لذات الشباب المادية والمعنوية، ولا على ما ضاع من الآمال والمآرب، ولا على هذا النقص الذي يصيب الكهول والشيوخ حين تتقدم بهم السن، فيعجزون عما كانوا يقدرون عليه حين كانوا يستقبلون الحياة باسمين لها، وحين كانت الحياة تستقبلهم باسمةً لهم، بل على آمال تحققت وقد كان ينبغي لها ألَّا تتحقق، ومآرب قضيت وقد كان ينبغي لها ألَّا تقضى، ومنافع أُدركت وقد كان ينبغي لها ألَّا تدرك؛ لأن في تحقق تلك الآمال نقصًا من نفوسهم، ولأن في قضاء تلك المآرب غضًّا من أقدارهم في أنفسهم وفي أنفس الناس، ولأن في إدراك هذه المنافع ضررًا أي ضرر يصيبهم في أنفسهم ويصيب مواطنيهم في أوطانهم، ولأنهم خطوا حين حققوا تلك الآمال وقضوا تلك المآرب، وأدركوا هذه المنافع خطواتٍ حاسمةً لا سبيل إلى تداركها ولا إلى إصلاح ما نشأ عنها من السيئات والآثام.

    انظر إلى ذلك الشاب الذي كان في طور الشباب جذوة من نار، لا يرضى عن شيء ولا يرضى بشيء، وإنما هو ساخط دائمًا طامح دائمًا ناظر دائمًا إلى أمام، مُستَخِفٌّ بما حوله من الأشياء، وبمن حوله من الناس. يرى أن الشيوخ والكهول قد رضوا بالقليل وقنعوا بما لا يقنع به الرجل الكريم، واطمئنوا إلى ما لا يطمئن إليه أصحاب الأنفة والإباء؛ فهو ثائر على الشيوخ والكهول، طامع في أن يجدد كل شيء، وفي أن يثب بنفسه وبوطنه إلى ما لم تستطع الأجيال الماضية أن تبلغ من منازل العزة والكرامة والاستقلال.

    وهو من أجل ذلك صريح كأشد ما تكون الصراحة في مخاصمته للقديم وإنكاره للحاضر من حوله، عنيفٌ كأشد ما يكون العنف في مطالبته بالتجديد والتغيير؛ لا يرضى عن السياسة؛ لأنها راكدة خامدة، ولا يرضى عن الثقافة؛ لأنها هامدة جامدة، ولا يرضى عن النظام الاجتماعي؛ لأنه ظالم جائر. وهو لا يطمئن إلَّا إذا خرجت السياسة عن خمودها وركودها ونشطت أعظم النشاط، فضمنت للمواطنين حريتهم في وطنهم، وضمنت لهم حريتهم بالقياس إلى الأجنبي المحتل الغير، ودفعتهم بهذه الحرية إلى أن يجدوا ويعملوا في غير تقصير ولا قصور، لا يبلغون منزلة إلَّا سعوا إلى منزلةٍ أسمى منها، ثم هو لا يرضى عن الثقافة حتى تخرج من همودها وجمودها، وحتى تمتلئ القلوب والعقول علمًا وأدبًا بعد أن مُلئت جهلًا وغفلةً وبلادةً وذهولًا!

    وهو لا يؤمن للنظام الاجتماعي حتى يمسه الإصلاح من جميع جوانبه، فتمتلئ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويطعم الجائع ويكتسي العاري، ويصح المريض. كأنه جذوة مضطرمة من نار، يضيق بالسياسة الراكدة والثقافة الجامدة والنظام الاجتماعي الجائر، ويريد أن يتغير من حوله كل شيء. ثم هو الآن وزير أو شيء يشبه الوزير، قد أصاب من المال والمنصب والجاه ما أرضاه، وكان الظن به ألَّا يرضى، وما أغناه وكان الظن به ألَّا يغنى، وما أقنعه وكان الظن به ألَّا يقنع.

    فهو راضٍ عن السياسة مهما يكن حظُّها من الركود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الركود إمعانًا؛ لأن نشاطها يضره ولا ينفعه. وهو راضٍ عن الثقافة مهما يكن حظُّها من الخمود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الخمود إمعانًا؛ لأن اضطرام جذوتها يؤذيه ولا يرضيه. وهو راضٍ عن النظام الاجتماعي وإن تهافت الناس من حوله في الموت جوعًا وبؤسًا كما يتهافت الفراش في النار، لا يعنيه أن يمسه نار الإصلاح من أي طرف من أطرافه؛ لأن تطور النظام الاجتماعي إلى العدل لا يتيح له ما يتمنى من اجتماع المال إلى المال وتكدس الثراء إلى الثراء، وثق بأنه لا ينشد ولا يحب أن ينشد ولا يحب أن يسمع هذا البيت:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    لأنه يشفق إن عاد إليه الشباب أن يلومه أشنع اللوم وأبشعه، وأن يظهره من التناقض بين حياته الأولى وحياته الأخيرة على ما يقض مضجعه وينغص عليه حياته تنغيصًا، وبماذا تريد أن يخبر الشباب إذا عاد إليه؟ أيخبره بأنه كان يحب الحرية ثم أصبح يؤثر عليها الاستبداد؟ وكان يحب الثقافة فأصبح يحب مكانها الجهل؟ وكان يحب العدل فأصبح يفضل عليه الجور؟!

    وذلك الشاب الذي لم يكن يحفل بسياسة ولا بثقافة ولا بعدل؛ لأنه لم يكن يفكر في الشئون العامة، وإنما كان مقبلًا على العلم للعلم، وعلى الفنِّ للفنِّ، وعلى الأدب للأدب، لا يعنيه إلَّا أن يمعن في المعرفة وينتج يومًا ما من الأيام ما ينفع الناس ويرضي حاجته هو إلى الإنتاج. ثم ينظر ذات يوم فإذا ظروف الحياة قد دفعته إلى منصب من المناصب، وعمل من الأعمال العامة، فألقى بينه وبين العلم والفن والأدب أستارًا صفاقًا، لا سبيل إلى رفعها ولا إلى النفوذ إلى ما ورائها. ماذا تريد أن يقص على الشباب إن عاد إليه؟! أتريد أن يقص عليه أنه يؤثر الجهل على العلم، وغلظ الذوق على رقته، وكدر الطبع على صفائه؛ لأن المناصب والأعمال والأموال لا تحب العقول العالمة، ولا الأذواق الرقيقة ولا الطباع الصافية إلَّا قليلًا؟!

    كنت أتمنى أن يغري اللَّه بجماعة من هؤلاء الشيوخ جماعة من تلك الهواتف التي تتحدث بها الأقاصيص، فلا يقبل أحدٌ من هؤلاء الشيوخ على نومه حين ينام، ولا يقظته حين يستيقظ، ولا على عمله حين يعمل ولا على كسله حين يكسل، إلَّا سمع هذا الهاتف يلقي في أذنه بصوت يبلغ أعماق نفسه فيهزُّها هزًّا ويملؤها حزنًا وندمًا:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

  • ثلاثون عامًا: الذوق والتجديد الأدبي | Thirty Years on Taste and Literary Renewal

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.

    قيود وأغلال
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    فبراير ١٩٣٠

    أراد كليمنصو في أول هذا القرن أن يُصوِّر عَبثَ الناس بعضهم ببعض، وخداعهم بعضهم لبعض، وما
    يصطنعون في صلاتهم الخاصة والعامة من ضروب النفاق والغش والتضليل، فوضع قصة تمثيلية من فصل واحد
    سماها «نقاب السعادة»، ووُفِّق إلى الإجادة فيها كل التوفيق، فأدرك الغرض الذي كان يرمي إليه في
    رشاقة لفظ، وحلاوة أسلوب، وخفة روح، وبصر بحاجات الناس ومقدرتهم على احتمال الحق وإساغته، ولكنه
    مع هذا كله لم يظفر برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، ولعله تعرض للسخط والهزيمة، ولعله أوشك أن
    تُنال قصته بالأذى؛ فقد مُثِّلت هذه القصة في سنة ١٩٠٠م في بعض ملاعب باريس فلم يحفل الناس بها،
    ولم يُثنِ عليها النقاد إلا ثناء يسيرًا مصدره في أكبر الظن مكانة الكاتب في الأدب والسياسة
    والاجتماع.

    ثم مُثِّلت بعد ذلك بعشر سنين، فلم يكن حظها في المرة الثانية خيرًا من حظها في المرة الأولى،
    ونشرتها في هذه الأيام مجلة اللاللستراسيون بمناسبة موت كليمنصو، وما نظن إلا أن الناس
    سيقرءونها في فُتورٍ كما شهدوا تمثيلها في فُتورٍ.

    وآية ذلك أن مجلة اللاللستراسيون تركتها ثلاثين سنة ولم تنشرها إلا بعد أن مات صاحبها، مع
    أنها تنشر من القصص التمثيلية الجيد والرديء، والقَيِّم والسخيف، ومع هذا فقد احتاط كليمنصو في
    قصته احتياطًا كثيرًا؛ فزعم أن حوادثها تقع في الصين، لا في باريس ولا في فرنسا ولا في أوروبا،
    ولا في بلد من هذه البلاد التي تتصل بالفرنسيين اتصالًا قريبًا أو بعيدًا، واتخذ الرمز سبيله في
    هذه القصة، فلم يصارح الناس بأنهم منافقون أو مخادعون، ولم يعرض لنظام بعينه من نظمهم السياسية
    والاجتماعية، وإنما تصور رجلًا من أغنياء الصين وأشرافها كُفَّ بصرُه، فاحتمل محنته هذه سعيدًا
    مغتبطًا؛ لأنه لم يكن يحس من حوله إلا إخلاصًا ووفاءً، وعناية به وحرصًا على إرضائه.

    كان يحس من أصدقائه مودة لا تشبهها مودة، وكان يحس من ابنه برًّا لا يقاربه بر، وكان يرى زوجه
    المثل الأعلى للعفة والوفاء والإخلاص على جمالها الجسمي والنفسي.

    وكان شاعرًا بارعًا في الشعر، وقد عرض عليه بعض الأطباء الأوروبيين أن يرد إلى عينيه ملكة
    الإبصار، فقبل على شكٍّ شديد وتردد كثير؛ لأنه لا يثق بالأوروبيين ولا يطمئن إليهم، وتحدَّث إلى
    صديق من أصدقائه في ذلك فشاركه في الشك، وحذره الأوربيين؛ لأنهم جنود الشيطان، على أنه قبل عرض
    الأوروبي مستيئسًا، وكتم قبوله هذا عن أكثر من يليه من الناس.

    ونحن نراه في أثناء القصة سعيدًا مغتبطًا يتغنى بما قدمنا من وفاء أصدقائه له، وبر ابنه به،
    وتضحية امرأته في سبيله، ونراه مستمتعًا بحظه من السعادة حتى إنه ليحب أن يشاركه فيه الناس
    جميعًا، ويدخل عليه بائس قد قُضِي بنفيه وهو يسير إلى منفاه ذليلًا مهينًا يعذبه الجوع، فيعينه
    بالمال والكسوة مُتَعرِّضًا بذلك لسخط الحكومة.

    وقد أراد الله أن يتم عليه نعمته، وينتهي به من السعادة إلى أقصاها، فيصل إليه رسول
    الإمبراطور يحمل إليه الهدايا والتحف ولقبًا جليلًا؛ لأن الإمبراطور قد اطَّلع على ديوان من
    دواوينه فأكبره، وأمر أن يُقرَأ في جميع أقطار الدولة، وعطف على صاحبه فأجلَّه وكرَّمه
    وأعطاه.

    وصاحبنا ناعم البال، طيب النفس، يشرك أصحابه في سعادته فيشرب ويسقيهم، ويغني لهم لذة العيش،
    وجمال الطبيعة، وبهجة الحياة، ويغلبه الشراب فينام، ويتفرق عنه أصحابه حينًا، ثم يفيق من نومه
    وقد نجع دواء الأوروبي، فسقط عن عينيه النقاب، فهو يرى الأرض والشمس والسماء، ويرى ما حوله وهو
    دهش لهذه المعجزة، وهو لا يكاد يملك نفسه فرحًا واغتباطًا، ولكنه يرى رجلًا يتسلل إلى داره
    ويسرق بعض ما فيها من نقد ومتاع، وهذا الرجل هو البائس الذي أعانه صاحبنا بالمال والكسوة، وتضرع
    إلى الإمبراطور حتى عفا عنه.

    ولكن صاحبنا سعيد، فهو يدع هذا الشقي وما أخذ، على أنه يسمع صوتًا فينهض وينظر في حجرة تليه؛
    فإذا هو يرى ابنه قد أخذ يُقلِّد أباه في حركاته المضطربة، ساخرًا منه، هازئًا به، وأستاذه
    يُشجعه ويذكيه، ثم ينظر فإذا كتاب أمامه لا يكاد يحدق فيه حتى يعرف ديوانه الذي أجازه
    الإمبراطور من أجله، وقد نشره بعض أصدقائه وزعم أنه شاركه في إنشائه.

    فانظر إليه وقد أفسدت كل هذه الأشياء سعادته وغبطته؛ فهذا صنيعته يسرقه، وهذا ابنه يسخر منه،
    وهذا صديقه يخونه في ديوانه، ولكنه على ذلك كله سعيد، فقد بقيت له امرأته، وهو يسرع إلى حجرته
    فإذا هي مغلقة، وإذا هو يحس فيها شيئًا، فإذا استَرَق النظَر رأى امرأته تأثم مع صديق له آخر؛
    فيفقد صوابه أو يكاد، ثم لا يلبث أن يذكر أنه كان مكفوفًا وكان سعيدًا، وأن شفاءه مع هذه الآفة
    إنما هو أثر لذلك الطبيب الأوروبي؛ أليس الأوروبيون جنود الشيطان؟ أليس هذا الأوروبي الذي رد
    إليه البصر قد سحره وخيَّل إليه؟

    بلى، إن كل ما يراه سحر من عمل الشيطان، فلم يسرق البائس، ولم يسخر الابن من أبيه، ولم يخن
    الصديق صديقه في ديوانه، ولم تأثم المرأة في عرضها. كل هذا سحر، ويجب أن يزول، وأي شيء أيسر من
    زواله؟

    لقد كان الطبيب الأوروبي حدَّثه أن قليلًا من دوائه يردُّ البصر، وأن كثيرًا من هذا الدواء
    يذهب به، فما أسرع ما يهوي صاحبنا إلى الزجاجة فيصبها في عينه، وإذا صيحة تتبعها ظلمة منكرة قد
    أسدلت على عيني هذا الرجل فعاد مكفوفًا كما كان! وهو يدعو إليه أصحابه وامرأته فيُقبلون مبتسمين
    عابسين به كما كانوا يعبسون به من قبل، ويتلقاهم هو راضيًا سعيدًا؛ لأنه لا يحس منهم إلا ما
    يحب، وهو يتناول عوده فيغنيهم — كما كان يفعل منذ حين — لذة العيش، وجمال الطبيعة، وبهجة
    الحياة.

    لم تظفر هذه القصة برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، وقد تكلف النقاد فعللوا هذا الإخفاق بأن في
    القصة طولًا هو بالخطابة أجدر منه بالتمثيل، ولكن التعليل الصحيح فيما يظهر هو أن هذه القصة لم
    تلائم هذا «الطاغية» الذي يتسلط على الأدب والأدباء في كثير من الأحيان؛ فيفسد عليه وعليهم كل
    شيء. وهذا «الطاغية» هو الذوق العام؛ فليس يكفي أن تنظم الشعر فتجيده، أو تكتب النثر فتحسنه، أو
    تضع القصة فتتقن وضعها لترضي الناس، وإنما يجب مع هذا كله، بل قبل هذا كله أن تُرضِيَ الذوق
    العام، وبعبارة أدق أن تتملق الذوق العام لترضي الناس.

    وليست الإجادة الفنية وحدها، وليست إصابة الحق وحدها تكفي لإرضاء الذوق العام، بل يظهر أن
    شيئًا من تملق بعض العواطف والميول، شيئًا من النفاق الأدبي بعبارة صريحة، ضروري ليرضي الذوق،
    وليعجب الناس. وآية ذلك أنَّا نعجب الآن بطائفة من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة كرههم معاصروهم
    كرهًا شديدًا؛ فأهملوا بعضهم إهمالًا، وآذوا بعضهم إيذاءً، وقضوا على فريق منهم بالموت، فإذا
    التمسنا الأسباب التي اضطرت الناس إلى أن يهملوا هؤلاء الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة، أو يؤذوهم
    أو يقتلوهم، فلن نجد إلا سببًا واحدًا هو النفور بين الشخصيات الفردية القوية ونفوس الجماعات
    وما كان يصورها من ذوق عام.

    هذا المفكر يرى في الدين رأيًا لا يلائم الجماعة فتنكره ثم تقاومه، ثم تؤذي صاحبه إيذاء يلائم
    مزاجها من جهة، ومقدار ما بينهما وبين هذا الرأي من التنافر من جهة أخرى.

    وهذا الشاعر أو الكاتب يذهب في الفن الشعري أو النثري مذهبًا جديدًا فتنكره، ثم تقاومه مقاومة
    تختلف قوة وضعفًا باختلاف مزاج الجماعة وما بينه وبين المذهب الجديد من تنافر.

    بعض الكُتَّاب والشعراء والمفكرين يؤثرون الراحة والعافية فيُماشون الجمهور، ويظفرون برضاه،
    وبعض الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة يؤثرون شخصياتهم أول الأمر، فإذا أحسوا مقاومة الجمهور ضعفوا
    وأذعنوا إذعانًا تامًّا، أو إذعانًا فيه شيء من المهارة والمداورة.

    أولئك وهؤلاء يتبعون الجماعة، فهم ظلالها، وقليل جدًّا من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة
    يؤثرون شخصياتهم، فإذا أحسوا مقاومة الناس لم تزدهم هذه المقاومة إلا قوة وشدة، فتكون الحرب
    بينهم وبين الجماعة، وتختلف حظوظهم من الفوز والهزيمة باختلاف الظروف المعاصرة لهم، ولكنهم
    ينتهون في أكثر الأحيان إلى فوز محقق تظفر به آراؤهم ومذاهبهم، بعد أن تذهب أشخاصهم وينساهم
    الناس.

    فأنت ترى أن حرية الأديب أسطورة من الأساطير، وأن من الإسراف والغرور أن يُنظر إليه كما ينظر
    إلى الرجل الذي يستمتع بحرية كاملة أو شبيهة بالكاملة، فقد رأيت في غير هذا الحديث أن الأديب
    مقيد في الإنتاج الأدبي نفسه بمزاجه وطبيعته، فهو لا يقدر على أن ينتج ما تريد، وإنما هو ينتج
    ما يستطيع، وأنت ترى الآن أنه قلما يستطيع إذاعة كل ما ينتجه، وإنما هو مقيد في ذلك بالبيئة
    التي يعيش فيها أو بالذوق العام.

    وأنت تعلم أن هناك سلطانًا آخر يقيد الأديب ويغله في الإنتاج وإذاعة ما ينتج، وهو سلطان
    الحكومة، تهيمن على حماية المظاهر العامة للحياة الاجتماعية؛ كالدين والأخلاق والنظم المختلفة،
    أفبعد هذا كله تذكر حرية الأدباء في الإنتاج والإذاعة دون أن تقترن بهذا الذكر ابتسامة ملؤها
    السخرية والإشفاق؟ ليس الأدباء أحرارًا، وإنما هم مغلولون، ومَن يدري لعل من هذه الأغلال ما
    يحمي الأدباء أنفسهم ويحمي الجماعات من شر كثير؛ فليست الحرية كلها خيرًا، وليست الأغلال كلها
    شرًّا.

    بين الشعر والموسيقى
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١٠ نوفمبر ١٩٣٠

    أعرفُ أنك تحبُّ الغناء وتؤثره على كل شيء، وتستهين في سبيله بكل فن، حتى بأقرب الفنون
    الجميلة إليه، وألصقها به، فأنت تؤثره على المُوسيقى المُجَرَّدة؛ لأنك ترى هذه المُوسيقى أدنى
    إلى اللُّغز والمُحَاجاة، تتحكم فيها شخصية صاحبها، فهي لا تَدُلُّ إلا على ما يُريد، أو شخصية
    سامعها، فهي لا تدل إلا على ما يريد أن يفهم منها.

    وأنت تُؤثِره على الشعر؛ لأنك تراه لغة واضحة، جلية المعنى، قريبة الدلالة، تظهر فيها شخصية
    الشاعر حُرَّةً مُطلقة، تقولُ ما تريد أن تقول، ولا تظهر فيها حرية السامع أو القارئ؛ لأنَّه
    مُضطرٌ إلى أنْ يَفْهَمَ عن الشاعر ما أراد أنْ يعلم من دقائق حِسِّه، ودَخَائل نَفْسِه، دون
    أنْ يذهب به الخيال كل مذهب، ويستطيع أنْ يفهم ما يحب هو أن يفهم مُتأثرًا بحسه الخاص وشعوره
    الفردي.

    أعرف هذا كله، ولكنِّي أعرفُ أيضًا أنك تغلو فيه كل الغلو، وتُسرف فيه كل الإسراف، وأنَّك
    تُخطئ حين تقَدِّر أنَّ الغناء وسط بين وضوح الشعر وغموض الموسيقى؛ لأنه يعتمد عليهما جميعًا،
    يعتمد على الأول في ألفاظه ومعانيه، ويعتمد على الثاني في تلحينه وتوقيعه، ففيه ما يُرضي حاجتك
    إلى الوُضوح، وفيه ما يرضي رغبتك في الغموض.

    وأنت حين تستمع للغناء تتخيل دون أن تضل؛ لأنَّ شعر الشاعر يحول بينك وبين الضلال، ويَعْصِمُك
    من الجورِ عن السبيل، ولكن أليس هذا نفسه يكفي لإقناعك بأنَّ الغناء كما تفهمه ليس شيئًا؛ لأنه
    لا قوام له إلا أن يعتمد على الشعر، ويعتمد على الموسيقى، ومهما تجهد وتتكلف من مَشَقَّة، فأنت
    عاجِزٌ عن أن تتصور غناءً لا شعر فيه ولا موسيقى.

    فأنت حين تُحب الغناء وتؤثره على الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة لا تزيد على أنك تُحب
    الشِّعر حينَ يخضع لقوانين التوقيع والتلحين، أو تُحِبُّ التوقيع والتلحين حين يتناولان الشِّعر
    ويَعْتَمِدَان على صوت المغني.

    وأنا أكره أن أتحدث إليك في فضل الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة، ولكنِّي أُحِبُّ أن يكون
    فهمك للغناء وحكمك عليه أصحَّ بعض الشيء من هذا الرأي الذي تراه، أو قُل إن شئت: إني أحب أن
    تفهم الغناء فهمًا فيه شيء من الدقة، وفيه شيء من الترف العقلي معًا، فما دام الغِنَاءُ وسطًا
    بين الشعر والمُوسيقى، فليس هو في الموسيقى وحدها ولا في الشعر وحده.

    ولولا أن تظن بي الظنون لقلتُ: إنه ليس في شيء منهما، وإنما هو في أنفسنا وأفئدتنا، وما الشعر
    والمُوسيقى والغناء نفسه إلا وسائل تكشف لنا عن هذه المَلَكة الخَاصَّة التي فُطرنا عليها، فليس
    لنا سبيل إلى الحياة من غيرها.

    أُريد أن أقولَ: إنَّنا حينَ نُحِبُّ الشِّعر لا نُحِبُّه لنفسه، وإنَّما نُحِبُّه لأنه يظهر
    لنا من عواطفنا وأهوائنا، وما نجد من ضروب الحس ما تعجز حياتنا العادية عن إظهاره، وكذلك حين
    نُحِبُّ المُوسِيقى نُحِبُّها لأنَّها تُمثل لنا هذه العواطف، وهذه الميول، وهذه الضروب الحسية
    والشعورية التي نجد لذة في الشعور بها والخضوع لسلطانها.

    وآية ذلك أنَّ كل شيء يكشفُ لنا عن هذه الصور من نفوسنا مُحبب إلينا، كريم عَلَينا، نقفُ
    عِنْدَه، ونُمْعِنُ فيه، ونَسْتَزِيدُ حَظَّنا منه، سواء أكانَ من هذه الأشياء التي نَصْنَعُها
    ونتعمدها، ونقصد إليها؛ كالشعر والموسيقى، وكالتصوير ونحت التماثيل، أمْ مِنْ هذه الأشياء التي
    لم نُنْشِئها، ولم نُفَكِّر في إِنْشَائها، ولم نُحاول أن نُصادفها أو نلقاها.

    ألست ترى منظرًا لم تكن تُفكر في أن تراه فتقف عنده وتملأ عينك منه مرة ومرة؟ ألست تسمع صوتًا
    لم تكن تقدر أن تسمعه فتُصغي إليه، وتُطيل الإصغاء، وتملأ أذنيك منه، وأنت لم تبتكر هذا المنظر
    ولم تخترع هذا الصوت، وإنما صادفته مُصادفة، ولقيته من غير حساب ولا تقدير؟ وإلا فما إعجابك
    بالبحر والجبل؟! وما رِضَاك في الغابة المُلتفة والجَنَّة الأنِيقَة؟! ومَا اسْتِمتاعك بغناء
    الطير وصوت الحشرات إذا أظلم الليل وهدأ من حولك كل شيء؟!

    وهل توقيع الموسيقى وشعر الشاعر في حقيقة الأمر إلا تقليد هذه المناظر والأصوات والمَظاهر
    الطبيعية التي نَلْقَاها فتُعْجِبُنا، وتُثير في نفوسنا ما تُثير من لذة هي أدنى إلى الابتهاج
    حينًا، وإلى الابتئاس حينًا آخر، وهي شيء بين الابتهاج والابتئاس في كثير من الأحيان؟

    ليس الغِناء إذن في الشعر، ولا هو في الموسيقى، ولا هو فيهما مُجتمعين، وإنَّما الغِنَاءُ في
    أنفسنا يثيره الشعر وحده، وتُثِيرُه المُوسيقى وحدها في نفوس المترفين الذين أخذوا بحظ موفور من
    رقي العقل، ودقة الحس، ورقة الشعور، ويُثيره اجتماع الشعر والموسيقى بالتوقيع والألحان في نفوس
    أوساط الناس.

    ولست أُخفي عليك أنِّي أتَمَنَّى لك من دِقَّة الحسِّ، ورقة الشعور، والإمعان في الحياة
    العقلية الخالصة ما يُمكنك من أنْ تجد اللذة الغنائية في الشعر الخالص والمُوسيقى المجردة؛
    فإنَّ في ذلك لَذَّة لا تَعدِلُها لذة، واستغناء بالنفس لا تَعدله الكنوز التي لا سبيل إلى أن
    تُقدر.

    وأي لذة تعدل هذه الساعة التي تخلو فيها إلى ديوان من دواوين الشعر، أو مجموعة من مجموعات
    الموسيقى فتقرأ وإذا أنت لا تنتقل من سطر إلى سطر، ولا مِنْ كَلِمَةٍ إلى كَلِمَةٍ، ولا مِنْ
    لَحْنٍ إلى لحن، ولا مِنْ نغمة إلى نغمة، حتى تثور في نفسك العواطف المُختلفة المضطربة، وحتى
    تلتهب في نفسك نيران الشوق إلى الكمال، أو تغمر نفسك راحة الرِّضا والاطمئنان دون أن تكلف أذنك
    الاستماع لإنشاد الشاعر، أو توقيع الموقع، أو غناء المغني.

    وإني لأعرف قومًا لا يبغضون شيئًا كما يبغضون أدوات المُوسيقى وما تُحدث من ضجيج وعجيج، وإنهم
    في الوقت نفسه لأشد الناس كلفًا بالموسيقى وحبًّا لها، ولكنهم يجدون لذتهم الفنية في قراءة
    النَّغم والألحان دونَ الاستماع لها، وإنِّي لأعرف قومًا يثقل عليهم إنشاد المُنشدين وهم على
    ذلك مُترفون في حب الشعر؛ مُوفَّقون في تَخيُّره والحكم على جيده، ولكنهم يؤثرون أن يفرغوا له
    وينقطعوا لقراءته والنظر فيه على أنْ يشغلهم عن جماله الخالص صوت المُنشد، أو غناء المُغني.
    هؤلاء هم المترفون في الفن الذين بلغوا من فهمه وإساغته أن جعلوه فلسفة، ووقفوا منه موقفهم من
    الطبيعة: يتأملون ويعجبون، ويغنيهم التأمل والتفكير عما يحتاج إليه غيرهم من الدلالة
    والتعبير.

    وإذا كان حقًّا أنَّ الغناء في أنفسنا، وأنَّ أنفسنا هي التي تُفيضه على الشعر والمُوسيقى
    وعلى غيرهما من المَظَاهِر الفَنِّية للجَمَال، فليس عَسيرًا أن أُجيبك على ما تَسأل عنه مِمَّا
    يقصد إليه النُقَّاد حين يقولونَ: إنَّهم يَجِدُون غناء في القطعة منَ الشِّعر القَصَصِيِّ أو
    التمثيلي، أو في القطعة من النثر الفني، فهم لا يفهمون من الغِناء هذا المَعْنَى العادي الذي
    يدلُّ عليه اللفظ في مُعجم اللغة، وإنَّما يفهمون منه إثارة ما يَكْمُن في نفوسنا من العواطف
    والميول والأهواء، التي تبعثُ فيها الرضا حينًا، والغضب حينًا آخر، والفرح طورًا، والحزن طورًا
    آخر.

    وليس من شك في أن كل مظهر من مظاهر الفن مثير لشيء من هذه العواطف، باعث إذن على الغناء، فليس
    الغناء — كما يفهمه الناس — إلا إعلانًا لعاطفة نجدها، أو استثارة لعاطفة تضمرها النفوس ولا
    تظهر عليها.

    وإنك لتقرأ الشعر القصصي؛ فإذا انتهى بك الشاعرُ إلى موقف مؤثر من حياة البطل، أو منظر بديع
    من مناظر الطبيعة، أو مظهر رائع من مظاهر الحياة الإنسانية، أحسستَ في نَفسك الحَنان أو
    الإعجابَ أو الرَّوعة، فتغنت نفسك بما أحسست، ولم يبقَ بينك وبين إعلانِ هذا الغناء إلا أمد
    قصير.

    وتستطيع أنْ تقول هذا في كثير من مَواقف القصص التَّمثيلي، شعرًا كانَ أو نثرًا، بلْ تستطيع
    أن تقولَ هذا أمام الصور أو النقش أو التمثال، بل تستطيع أن تقول أمام مظاهر الطبيعة الخالصة؛
    لأنك تجد الغناء في كل شيء، أو بعبارة أدق؛ لأن نفسك تستطيع أن تفيض الغناء على كل شيء.

    ستقول: وإذن فَلِمَ قُسِّم الشعرُ إلى قصص وغناء وتمثيل؟ وما باله لم يكن كله غناء؟! وحري —
    في حقيقة الأمر — بالشعر كله أن يكون غناء، ولكنَّ هذا التقسيم تقسيمٌ تاريخي دعتْ إليه
    المُصَادفة وحدها؛ فقد كانَ الشِّعْرُ في جيل من أَجيال الناس في أول أمره غناء يغلب عليه
    القصص، ثم غناء خالصًا، ثم غِناء يغلب عليه التمثيل، فقُسم هذه الأقسام وسُمي هذه التسمية.
    ولولا هذه المصادفة الصرفة، وأن الناس تأثروا بها بعد الجيل اليوناني، واتخذوها أصلًا وقاعدة؛
    لما عدلوا بالشعر على أنْ يكون غناء خالصًا كله.

    على أنك كما تَجِدُ الغِنَاء في الشِّعر القَصَصِي والتمثيلي، تَسْتَطِيعُ أنْ تَجِدَ
    التَّمثيل في الشعر الغِنَائي والقصصي، فيَكْفِي أنْ يتصور الشاعر القصصي بطلين أو فردين
    يتحاوران، وأنْ يُصور حِوارَهُما تصويرًا دقيقًا قويًّا، حتى يخدعك عن نفسك، ويُخيل إليك أنك
    تسمعهما وتراهما، وتتأثر بما تسمع وترى من أمرهما، وإذا أنت أمَامَ قِطْعَةٍ مِنَ الشعر
    التمثيلي ليست أقلَّ إمْعَانًا في فن التمثيل من القصص التَّمثيلي الذي لا شك فيه، ويكفي كذلك
    أنْ ترى الشاعر المُغَنِّي يتصور شيئًا كهذا، ويُتقن وصفه، ويُحْسِنُ تغنيه، لتجد التمثيل في
    الشعر الغنائي. ولعلك تذكر قصة ابن أبي ربيعة مع صاحبته في رائيته المشهورة:

    أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِّر غداة غَدٍ أم رائح فمهجر؟!

    وتذْكُر ما كان بينه وبين صاحبته من حِوَارٍ دَقيق رَقيقٍ خَلَّابٍ، ولعلك لا تُخَالِفُني في
    أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى أنْ تَكُون قصة تمثيلية صغيرة منها إلى أن تكون قصيدة غنائية عادية،
    وأنت كذلك تستطيعُ أن تجد القصص، بل أنت تجد القصص في الغناء والتمثيل حين يقصد الشاعر المغني
    إلى قصة يتحدث بها إليك، أو حين يقصد الشاعر الممثل إلى قصة يكلف أشخاصه إلقاءها على الجمهور من
    النظارة.

    فالحدود بين القصص والغناء والتمثيل حدود دقيقة في نفسها، ولكنها على كل حال حدود اصطلاحية
    تَواضَعَ عليها الناسُ للتعلم والتعليم، وللتصنيف والتقسيم، فهي إذا قسمت الشعر إلى فنون وفرقت
    بين هذه الفنون؛ فلن تستطيع أن تقسم شعور الناس بجمال هذا الشعر، وتأثرهم بما له من قوة وروعة،
    أو عُذوبة ورِقَّة، أو سِحْرٍ واخْتِلابٍ للعقول، إلى أقسام مُختلفة أو أطوارٍ مُتباينة،
    وإنَّما هو هذا القدر المُشْتَرك منَ الجمال الذي تجده دائمًا في كل آية من آيات الفن مهما تكن
    قصصًا أو غناء أو تمثيلًا، ومهما تكن شعرًا أو موسيقى أو تصويرًا.

    وأنا أعرف أنك ستقرأ هذا الكتاب ضاحكًا له، ساخرًا منه؛ لأنه لن يبلغ منك أن يقنعك بهذه
    الآراء أو يُرضيك عنها، ولكني أعلم أنك تحتمل من الرأي ما لا تَرْضى، وتستطيع أن تقرأ ما لا
    يُقنعك دون أن يُخرجك هذا عن طورك، فاكتم علي هذه الآراء؛ فليس للناس جميعًا ما لك من الصبر
    والاحتمال والحلم على من لا يشاركك فيما أنت فيه من خطأ أو صواب.

    وقد تعودتُ أن أحتمل منك سخفًا كثيرًا؛ فاحتمل مني سخفًا قليلًا، على أني لا أكره أن ألح عليك
    في هذا السخف حتى تُشاركني فيه، وتطمئن معي إليه، إلا إذا كان لك من قوة الحُجَّة على طلبك ما
    يُمكنك من أنْ تعدل بي عن هذا الرَّأي، وأنا مُنتظرٌ كتابًا منك على كل حال.

    الابتكار والتقليد في الآداب
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١ ديسمبر ١٩٣٠
    كان العرب مُجمعين على تقديم امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير في الجاهلية، وكانوا مُجمعين على تقديم الفرزدق وجرير والأخطل في الإسلام، ثُم أجمعوا على تقديم بشار وأبي نواس، ثم على تقديم البحتري وأبي تمام، ثُم على تقديم المُتنبي وأبي العلاء. وليس من شكٍّ في أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء شاعر مُجيد عظيم الحظ من الإجادة أمتع معاصريه، وكثير منهم لا يزال يُمتِّع كثرة النَّاس، وقليل منهم لا يكاد يعجِب الآن إلا الخاصة، ولكنَّ الشيء الذي لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ هؤلاء الشعراء جميعًا غير أبي العلاء لا يكاد نبوغهم يتجاوز أشخاصهم، ولا يكاد ظِلهم يعدوهم؛ فهم مُجيدون، وهم ممتعون، ولكنَّهم لم يوفَّقوا إلى أن يُلهِموا غيرهم أو يثيروا في نفسه الشعر، وكلُّ ما وُفِّقوا إليه هو أن يعجِبوا من سمعهم أو قرأهم، وأن يفتنوا هذا أو ذاك ببيت فيحتذيه، أو أسلوب فيحكيه.

    فأمَّا أن يخطر لأحدهم الخاطر الخصيب الذي يستغله ويستثمره القارئ أو السامع، فذلك شيء لا نكاد نظفر به عندهم، بل لسنا نظفر منه بقليل ولا كثير.

    وإنَّك لتبحث عن أثر امرئ القيس — أو غير امرئ القيس — فيمن عاصره أو جاء بعده من الشعراء، فإذا أنت مُضطر إلى أن تسجِّل أنَّ امرأ القيس أول من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، وهو أول من قيد الأوابد، وشبَّه الخيل بالعُقبان، وأنَّ الشُّعراء قد تابعوه فوقفوا على الأطلال وبكَوْا واستبكَوْا، وقيدوا الأوابد، وشبهوا الخيل بالعقبان؛ وأنَّ النابغة قد اعتذر فأجاد الاعتذار، وحذا حذوه المعتذرون من بعده، وبرع الأعشى في وصف الخمر، وتفوق زهير في المدح، وعلى هذا النحو في الشعراء الآخرين.

    ثم نحن الآن نسخر ممن يتبع امرأ القيس في هذه المعاني، ويسلك سبيله إلى هذه الأغراض. بل قد سخر أبو نواس منذ أحد عشر قرنًا بالذين كانوا يُظهرون تقليد امرئ القيس واتباع طريقته من الشعراء المحافظين؛ وما أرى أننا نرضى الآن عن أبي نواس — مهما يكن مجددًا — بالقياس إلى من تقدمه من الشعراء.

    وإذا أردنا أن نُكوِّن لأنفسنا رأيًا فيه وفي أصحابه، فهو أنَّهم كانوا شعراء مُجيدين في العصور التي عاشوا فيها، ونحن نحب شعرهم لأنَّه يُلائم نفوسنا ويُلائم العصر الذي نعيش نحن فيه الآن.

    وليس للخصومة بين الجديد والقديم في هذه الأيام مصدر إلا أن جماعة يأبَوْن أن يتخذوا هذا الأدب العربي مثلًا أعلى في أغراضه ومعانيه، وفي ألفاظه وأساليبه، وأنَّ جماعة آخرين يأبَوَن أن تنقطع الأسباب بينهم وبينه؛ فيحكونه ويقلدونه مُسرفين في هذا التقليد أو معتدلين، ولكنَّ هناك آدابًا أخرى وشعرًا آخر تُخالف آدابنا وشعرنا أشدَّ المخالفة من هذه الناحية. كانت ممتِعة مُعجِبة في عصورها أشدَّ الإمتاع وأعظم الإعجاب، ثم انقضت تلك العصور وتبعتها عصور أخرى مختلفة متباينة، ولكنَّ هذه الآداب ظلت مصدر الإعجاب والروعة، وأورثت تلك العصور التي جاءت بعدها معانيَ وأغراضًا وفنونًا قالت فيها فأجادت القول، وبلغت أعظم حظٍّ من الإجادة. وما زالت تلك الآداب القديمة حيةً وإنْ ماتت لغتها، مثمرةً وإن بَعُدَ العهد بها، يمضي فلا يزيدها مضيُّه إلا شبابًا وجدة، وتتباين الظروف وتختلف فلا يزيدها تباين الظروف واختلافها إلا نضرة وجمالًا، بل هي تبعث الحياة في النفوس وتبعث النشاط في العقول وتبعث القوة في الشعور، وتخلق أدباء ما كانوا ليوجَدوا لو لم يصل إليهم تراثها الخالد، ماتت لغة تلك الآداب وانقضت عصورها، ولكنَّ النَّاس ما زالوا يحيون عليها ويعيشون بها، ويجدون فيها مصدرًا للعمل والحركة والحياة والإنتاج.

    أكتب هذا وقد فرغت من قراءة قصة تمثيلية حديثة مُثِّلت في باريس أثناء السنة الماضية، وعنوانها «إنڤتريون الثامن والثلاثون».

    ومعنى هذا العنوان أنَّ موضوع هذه القصة قد شغل الشعراء والكُتَّاب الممثلين حتى وضعوا فيه ثمانيًا وثلاثين قصة منذ العصر اليوناني إلى الآن، وكل هذه القصص التي تناولت موضوعًا واحدًا لا يختلف ولا يتغير قد أعجبت من شهدها أو سمعها، ولم يكره أن يرى الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، بعد أن رأى أو قرأ ما سبقها. وأستطيع أن أؤكد لك أنَّ الذين شهدوا هذه القصة الثامنة والثلاثين أُعجبوا بها إعجابًا لا حدَّ له، ومنهم من قرأ ما سبقها من القصص فلم يُسئمه ذلك، ولم يجعل للملل إلى نفسه سبيلًا، ومن يدري لعل كاتبًا آخر يضع القصة التاسعة والثلاثين أو يتم الأربعين، فيجد من النَّاس شغفًا ومن الجمهور والنظارة إقبالًا. وأقول هذا أيضًا وقد فرغت من قراءة قصة أخرى مُثِّلَتْ في باريس هذا العام عنوانها «أستاذ الإنجليزية» هي الأولى في موضوعها وفي أسلوبها، ولكنَّ صاحبها لم يبتكر شيئًا، ولم يزد على أن دلنا على أنَّه قد قرأ شكسبير وأساغه وأحسن الانتفاع به؛ فهو يصور حبًّا مزدوجًا معقدًا يقع في هذه الأيام، ولكنَّه يستعير صوره كلها من تمثيل شكسبير دون أن يأتيَ بشيء من عنده إلا الحركة التمثيلية الحديثة، فأما خواطر الأشخاص والبواعث التي تدفعهم إلى العمل، والمعاني التي تثير في نفوسهم العواطف المختلفة وتدفعهم إلى الأمل حينًا وإلى اليأس حينًا آخر، وتُعقِّد حياتهم وتُسهِّلها؛ فكلها مأخوذة من قصص شكسبير.

    أَفَتَرَى إلى الفرق بين أولئك الشعراء الذين قدَّمت لك أسماءهم وبين الشاعر الذي ابتكر موضوع القصة الأولى وشكسبير الذي ألهم صاحب القصة الثانية؛ أولئك يُعجِبون ليس غير، وهؤلاء يعجِبون ويلهِمون أبدًا. ولست أريد أن أحمد ولا أن أذم، كما أنِّي لا أريد أن أرضى ولا أن أسخط، وإنَّما أريد أن أتخذ هذه المسألة سبيلًا إلى البحث عن أمر يختلف فيه الأدباء ولا يوفَّقون فيه إلى رأي يتفقون عليه، وهو الحد بين المبتكر والمستثمر من الأدباء. فليس من شكٍّ في أنَّ صاحب الموضوع الذي وُضعت فيه هذه القصص التي نيفت على الثلاثين مبتكِر لم يُسبَق إلى موضوعه؛ فله الفضل الأول في ابتكاره، وله الشخصية القوية التي استطاعت أن تُلهم سبعة وثلاثين شاعرًا وكاتبًا، وليس من شكٍّ في أنَّ شكسبير مُبتكِر له الفضل الأول في هذه القصص التمثيلية وما اشتملت عليه من صور قوية خالدة، مكَّنت صاحبنا الحديث من أن يصنع قصته الأخيرة هذه. وليس من شكٍّ في أن الكُتَّاب والشعراء الذين وضعوا قصصهم في الموضوع الأول، والكاتب الذي وضع قصته الأخيرة هذه عيالٌ على ذلك الشاعر اليوناني وعلى شكسبير، أفَتَرَاهم جميعًا مُقلدين أم تراهم جميعًا لا شخصية لهم، ولا حظ لهم من قوة أو براعة؟ فإنْ كان هذا كذاك فكيف ظفروا بإعجاب من قرأهم أو شهد قصصهم في ملاعب التمثيل؟ ومن أين لهم هذا الحظ من الإجادة التي ضمنت لهم هذا الإعجاب؟ وإن لم يكن هذا كذاك فما الحد بين المبتكِر والمقلِّد؟ وما نصيب هؤلاء الكُتَّاب والشعراء من الشخصية الفنية التي تضمن لهم الإجادة دون أن ترقى بهم إلى مرتبة المبتكِر الأول؟

    أما نُقادنا القدماء فلم يطيلوا البحث عن موضوع كهذا؛ لأنَّ أدبنا القديم لم يُهيئ لهم الفرصة ليطيلوا مثل هذا البحث؛ فقد صادفوا شاعرًا أخذ عن شاعر آخر معنًى من المعاني، أو لفظًا من الألفاظ، أو حاكاه في أسلوب من الأساليب، ورأوا الشعراء يترامون بالسرقة ويتقاذفون بالتقليد؛ فاجتهدوا في التفريق بين السرقة والأخذ، وبين من يأخذ المعنى فيزيد فيه حتى يُصبح له صاحبًا، ومن يأخذه فلا يزيد فيه، ومن يأخذه فيفسده بالنقص والتغيير.

    ولَمَّا كان ذلك لا يُصادف في الأدب العربي إلا في البيت أو الأبيات من حين إلى حين، فليس غريبًا أن يكون حظُّه من عناية النُّقَّاد محدودًا، ونصيبه من البحث والتفصيل ضئيلًا يسيرًا.

    وليس الأمر كذلك في الآداب الأجنبية؛ فقد كانت الصلات بين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين أوثق وأشد تعقيدًا من الصلات بين أدبائنا على اختلاف عصورهم.

    وقد كثُر الأدباء وقلَّت الموضوعات فتواردوا عليها عامدين ملحين في هذا العمد لا يحتاطون ولا يتسترون. وكان الشعراء الممثلون من اليونان يعمدون إلى موضوعات الشعر القصصي فينظمون فيها قصصهم التمثيلية، وكذلك كان يفعل الشعراء المغنون من اليونان؛ لا يكره أحدهم أن يعمد إلى موضوع من موضوعات الألياذة فينظم فيه القصيدة الفخمة الرائعة، وجاء شعراء اليونان الممثلون والمغنون فعمدوا إلى التراث اليوناني فاتخذوه موضوعًا لغنائهم وتمثيلهم، وجاء الشعراء المحدثون والكُتَّاب المحدثون فعمدوا إلى هذا التراث اليوناني الروماني فاستثمروه وأجادوا استثماره، وما يزالون في ذلك إلى الآن، وسيظلون فيه إلى غدٍ وبعد غدٍ، وكل أولئك له حظه من الإجادة، بل من التفوق، بل من النبوغ؛ فأنت ترى أنَّهم لم يبتكروا موضوعاتهم، وأنَّ ذلك لم يَحُلْ بينهم وبين التفوق والنبوغ.

    ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر النبوغ على راسين وكورني وموليير وفيكتور هوجو وجيته، وهم جميعًا يستثمرون الأدب اليوناني ويطرقون من موضوعاته ما طرقه اليونان من قبلهم فأجادوا فيه واستقصَوْا حظهم من الإجادة.

    حل هذه المسألة يسير؛ فليس من الحق أنَّ المبتكِر لا يكون مبتكِرًا حتى يخترع موضوعه اختراعًا ويخلقه بعد أن لم يكن، ولكنَّ المبتكِر من يخترع الموضوع، والمبتكِر أيضًا من يأخذ ما سبقه إليه غيره فيجدده ويفيض عليه من شخصيته القوية ما يبعث فيه الحياة والنشاط والشباب، وأنت إذا أردت أن تلتمس أسباب الجودة في هذه الآيات البيانية الحديثة التي تتناول موضوعاتٍ طرقها القدماء فأجادوا فيها، لم تستطع أن ترد هذه الأسباب إلى الموضوعات وحدها، ولا إلى شخصيات الكُتَّاب والشعراء وحدهم، وإنَّما هي أسباب مشتركة بينها وبينهم؛ فالموضوعات في أنفسها خصبة حية قابلة للبقاء والتجدد واستئناف النشاط، والشعراء والكُتَّاب أقوياء مهرة لهم من البراعة ما يمكِّنهم من استثارة هذه الحياة الكامنة وهذا النشاط الخفي.

    ولقد كان الأثينيون يسمعون الألياذة فيأخذهم ما فيها من جمال وروعة، ثم يشهدون القصة التمثيلية تُمثِّل الموضوع نفسه فيأخذهم ما فيها من رشاقة وظرف، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع نفسه مرة ثانية، فيخلبهم ما فيها من دقة وتحليل، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع للمرة الثالثة، فيستهويهم ما فيها من تفكير واستكشاف لأسرار النفس الإنسانية ودقائقها.

    فالموضوع الواحد يستطيع إذنْ أن يثير في النفس الإعجاب من نواحٍ مختلفة، وأن يبعث فيها العواطف المتباينة فيدفعها إلى الرِّضَى واللذة، وإلى السخط والألم، وإلى الهدوء والاطمئنان. وإذا كان البيان كما يقول القدماء من نقادنا إنَّما هو القدرة على تصوير المعنى الواحد في صور مختلفة، فليس غريبًا أن يُوفَّق الكُتَّاب والشعراء إلى إعجاب الجماهير ورضاهم إذا صوَّروا لهم الموضوع الواحد صورًا مختلفة، لكلٍّ منها حظه من القوة وظهور شخصية الكاتب أو الشاعر. على أنَّ هناك نوعًا من الاستثمار لا خير فيه ولا غناء، بل هو الشر كل الشر وهو الفتور كل الفتور؛ وذلك استثمار الذين لم تمددهم الطبيعة بحظ من القوة البيانية لما سبقوا إليه؛ فهؤلاء هم المقلدون الذين يفسدون ما يعمدون إليه لأنَّهم لا يستطيعون أن يبعثوا فيه حياة ولا نشاطًا، وإنما يستنفدون ما فيه من حياة أو نشاط.

    في الذوق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٥ أبريل ١٩٤٧

    يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!

    يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!

    ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.

    ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!

    وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.

    فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.

    وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!

    فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!

    وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!

    ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!

    وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!

    وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!

    فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!

    وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!

    عَوْد إلى شكسبير
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٠ سبتمبر ١٩٥٥

    فريقان من الأدباء يختصمان في فرنسا منذ وقت طويل جدًّا لا أدري متى بدأ، ولكني أعلم أني لم أكد أتذوق الأدب الفرنسي حين كنت طالبًا في باريس حتى رأيت مظاهر هذا الخصام، ولم أنس بعد خصومة شغلت الصحف الفرنسية، وشغلت بعض أساتذة الأدب في السوربون وقتًا طويلًا أثناء الحرب العالمية الأولى.

    كان بعض الأساتذة الجامعيين يلقي محاضرات عامة عن جان جاك روسو، وعرض ذات مساء للظروف التي أحاطت بانتقال جان جاك روسو من مذهبه الديني البروتستنتي إلى المذهب الكاثوليكي، وكان بعض الأدباء غير الجامعيين حاضرًا ذلك الدرس، فلما أصبح تناول بالنقد حديث الأستاذ الجامعي في صحيفة «التان»، وكانت في تلك الأيام أرفع الصحف الفرنسية مكانًا، وأنفذها إلى دقائق الأدب والنثر، ورد الأستاذ الجامعي في درسه المقبل على نقد ذلك الأديب، واتصل الحوار بين الأديبين وقتًا غير قصير، واشتركت فيه صحف أخرى غير صحيفة التان. يقول الأستاذ الجامعي في درسه. يَسمَع النُّقَّادُ الأحرار، إن صح هذا التعبير، ثم يجادلون الأستاذ وينقضون عليه آراءه وأقواله في صحفهم.

    وأكبر الظن أن هذه الخصومة بين أساتذة الأدب من الجامعيين وبين الأدباء والنُّقَّاد الأحرار أقدم جدًّا من ذلك الوقت الذي عرفتها فيه.

    والمستقر في نفوس الجامعيين أن أولئك الأدباء والنُّقَّاد الذين يكتبون في الصحف، ويؤلفون الكتب في الأدب والنقد، وتقبل عليهم كثرة ضخمة من القُرَّاء، إنما يكتبون على غير منهج، فيخطئون الصواب في كثير من الأحيان، ويظفرون به في قليل من الأحيان، وهم من أجل ذلك صحفيون وليسوا علماء، وحظهم من الثقة قليل.

    ويرى هؤلاء الأدباء الأحرار أن الأساتذة الجامعيين يسرفون على أنفسهم، وعلى قرائهم وتلاميذهم، وعلى الأدب نفسه حين يخضعون خضوعًا خالصًا لهذه المناهج الجافة الضيقة التي تقتل روح الفن، وتذهب بجماله، وتذوي نضرته، وترده إلى غذاء خشن غليظ قد يرضي المناهج، ولكنه لا يرضي الذوق، ولا يحيي القلب، ولا يروق الطبع الفني الصحيح.

    ***

    وليس أحب إليَّ حين ألقى الأساتذة الجامعيين للأدب من أن أذكر لهم كتابًا أو مقالًا لهذا الأديب أو ذاك من الأدباء الأحرار، فأثير عند بعضهم سخطًا شديدًا، وغضبًا جامحًا، وفنونًا لاذعة من النقد لا تخلو من فكاهة مرضية، ودعابة مسلية، فإذا لقيت بعض الأدباء الأحرار صنعت معهم نفس الصنيع، وذكرت لهم كتاب هذا الأستاذ أو ذاك عن كاتب عظيم، أو شاعر ممتاز، فأثرت فيهم سخرية حلوة مرة معًا.

    وقد يلتقي أساتذة الأدب وهؤلاء الأدباء الأحرار فلا يختصمون، ولا يثور بينهم الجدال؛ لأنهم يتجاذبون الحديث في كل شيء إلا في الأدب، قد استقر في نفوسهم جميعًا أن بعضهم لن يفهم بعضًا، ومتى استطاع الأحياء والموتى أن يأخذوا بينهم بأطراف الحديث، وأن يفهم بعضهم عن بعض، والأحياء بالطبع هم الأدباء الأحرار الذين لا يتقيدون بهذه المناهج الجامدة الثقيلة التي لا تعرض للون من ألوان الأدب إلا ذهبت بما فيه من حياة وخصب، وردته مجدبًا عقيمًا، ثم تطورت هذه الخصومة منذ أعوام، واتخذت شكلًا آخر لا يخلو من طرافة، فأساتذة الأدب في الجامعات يعنون بشخص الأديب، والظروف التي أحاطت به، والأحداث التي عرضت له، والخطوب التي أثرت فيه، وهم من أجل ذلك يتتبعون أسرار حياته الخاصة، ويحاولون أن يتبينوا تأثيرها في إنتاجه الأدبي، فهم يشغلون أنفسهم بالأدباء أكثر مما يشغلونها بآثارهم الأدبية، يتبعون في ذلك مناهج القرن الماضي، وهم من أجل ذلك يدرسون تاريخ الأشخاص أكثر مما يدرسون آثارهم، وهم يفسدون بذلك عقول الطلاب وأذواقهم، ويصرفونهم عن نصوص الأدب وما فيها من حياة وجمال وروعة إلى أشخاص الأدباء الذين ماتوا وأصبحوا تاريخًا.

    والأدباء الأحرار يرون أن الأدب حي دائمًا، وأن الجمال في النصوص الأدبية الجديرة بهذا الاسم لا يخضع لسلطان الزمان، وإنما هو باقٍ على تتابع العصور، وتعاقب الأجيال، وهو من أجل ذلك جدير أن يشغلنا؛ لأن الحياة القوية التي تشيع فيه لا تلبث أن تتجاوزه إلى عقولنا وقلوبنا وأذواقنا.

    وكذلك يعاب أساتذة الأدب في الجامعات الآن بأنهم يعنون بالتاريخ الأدبي أكثر مما يعنون بالأدب نفسه، وقد ثارت هذه الخصومة من جديد بين الأساتذة الجامعيين والأدباء الأحرار في هذه الأيام، وكان موضوعها وما زال هو ترجمة شكسبير، فقد ترجم شكسبير إلى اللغة الفرنسية مرات كثيرة جدًّا، ترجم منذ القرن السابع عشر، وما يزال يترجَم إلى الآن، تنشر الترجمة ثم لا يمضي عليها وقت طويل حتى تنسخها ترجمة جديدة.

    ***

    وقد تُرجم شكسبير إلى الفرنسية شعرًا ونثرًا، ولكن الترجمة التي ترضي كل المحبين لشكسبير والمكبرين لفنه لم توجد بعد على كثرة ما نُشر من التراجم، وعلى كثرة من شارك في هذه التراجم من أعلام الأدباء الفرنسيين في العصور المختلفة.

    وقد أخذ جماعة من الأدباء الممتازين المعاصرين، وكلهم أو أكثرهم شعراء، في إعداد ترجمة جديدة لشكسبير، وأعلنوا أنهم قد احتفلوا لهذه الترجمة كما لم يحتفل لها أحد من قبل، وأنهم سينشرون هذه الترجمة وينشرون معها النص الإنجليزي الأخير الذي حققه المختصون من الإنجليز بأدب شكسبير ونشر في كمبريدج. سينشرون النص والترجمة في المجلدات يتبع بعضها بعضًا، بحيث تستطيع أن تقرأ الترجمة الجديدة، وترجع متى شئت إلى النص في الصفحات المقابلة، ولن ترجع إلى النص وحده، بل سترجع معه إلى التعليقات والملاحظات التي سجلها المحققون.

    وقيل في هذا الإعلان: إن هذه الترجمة الجديدة ستصور الروح الحق للشاعر الإنجليزي العظيم، وستكون ترجمة حية لا ميتة كهذه التراجم التي نشرها المتخصصون في الإنجليزية من الأساتذة الجامعيين الذين يتقيدون بالمناهج، ويترجمون ترجمة توشك أن تكون لفظية، ويجهلون ما بين الروح الإنجليزي والروح الفرنسي من التباين والاختلاف.

    ولم يكد أحد الأدباء الأحرار يتحدث عن هذه الترجمة الجديدة في صحيفة الموند حتى ثار بعض الأساتذة الجامعيين، وقال قائلهم أو سأل سائلهم — وهو أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة بوردو: ماذا يريد المترجمون؟ أيريدون أن يظهروا في ترجمتهم الجديدة شكسبير، أم يريدون أن يقنعوا وأن يقنعوه من ذات نفوسهم؛ أي ينفخون فيه من روحهم هم؟ وكيف يستقيم للشعراء وأشباههم من الأدباء الذين لم يتخصصوا في اللغة الإنجليزية، ولم يتقنوا العلم بحقائق هذه اللغة كما اصطنعها شكسبير، كيف يستقيم لهم أن يترجموا هذا الشاعر العظيم ترجمة صحيحة دقيقة مطابقة، إذا لم يستعينوا بأهل الذكر من الجامعيين الذين وقفوا حياتهم على هذا الدرس؟ وكيف يتفق الاعتماد على آخر نص محقق تحقيقًا علميًّا لأدب شكسبير مع الرغبة في تجديده وإشاعة الحياة العصرية فيه؟

    ثم تساءل الأستاذ: ما عسى أن تصور هذه الترجمة الجديدة؟ أتصور شكسبير نفسه وتصور أدبه كما صدر عنه؟ وإذن فليس بد من التزام المناهج العلمية الدقيقة التي تنتج ترجمة صحيحة مطابقة، أم تصور الشعراء الذين يترجمون عن شكسبير؟ وإذن فليست هي بالترجمة الدقيقة للشاعر الإنجليزي العظيم، وإنما هي صورة لأثر هذه الروائع الإنجليزية في نفوس المترجمين وأذواقهم فيها، قليل من روح الشاعر الإنجليزي، وكثير من روح الشعراء الفرنسيين الذين يترجمون أو ينشئون ويزعمون أنهم يترجمون.

    وتشعبت الخصومة، ويظهر أنها ستتشعب إلى فنون من الجدل لا يتسع لها هذا الحديث الذي إنما أمليه لأصور الفرق بين قوم لم يترجم لهم هذا الشاعر العظيم ترجمة مقاربة إلى الآن، وهم مع ذلك زاهدون في ترجمته، راغبون عنها، يثور ثائرهم لأن فريقًا منهم همُّوا بترجمته إلى اللغة العربية، وقومًا آخرين ترجم لهم شكسبير مرات كثيرة جدًّا في صور مختلفة، منها النثر، ومنها الشعر، ومنها النثر الشعري، أو الشعر المنثور، ومثل في ملاعبهم على اختلاف الأجيال وتتابعها، وما يزال يمثل في لغته الأولى أحيانًا، ومترجمًا إلى اللغة الفرنسية على اختلاف التراجم أحيانًا أخرى.

    ثم هم لا يقنعون بما عندهم، وإنما يضيفون التراجم إلى التراجم، بحيث نستطيع أن نقول: إن الفرنسيين لم يعرفوا منذ وصل إليهم أدب شكسبير عصرًا لم تظهر فيه ترجمة أو تراجم لهذا الأدب، وهم مع ذلك لا يكتفون بما أتيح لهم، وإنما يجددون ويضيفون ويختصمون في التجديد والإضافة اختصامًا متصلًا.

    وهم لا يفعلون ذلك بأدب شكسبير وحده، وإنما يفعلونه بروائع الأدب العالمي كله قديمه وحديثه، ثم لا يشغلهم ذلك على كثرته وشقته، وكثرة ما يتكلف من نفقات الترجمة والنشر عن العناية بالعلوم والفنون كأحسن ما تكون العناية، بل لا يشغلهم ذلك عن ترجمة الآثار الأدبية اليسيرة التي ترضي حاجة أوساط الناس إلى القراءة، وتمنعهم من أن يعكفوا على أنفسهم يُجهِّلون العالم الذي يعيشون فيه، بل لا يمنعهم ذلك من أن يترجموا أكثر ما يصل إليهم من هذا القصص المثير الذي يسمونه القصص البوليسي، بل لا يمنعهم كل هذا من أن يكونوا منتجين في فنون الأدب على اختلافها، كما ينتجون في ضروب العلم على اختلافها، وفي الفنون الجميلة على اختلافها أيضًا.

    بل ليس من شك في أن الترجمة نفسها وسيلة من أخصب الوسائل إلى الإنتاج، فهي تغري به، وتدفع إليه، وتيسر النُّجْح فيه، والشعوب العاكفة على نفسها، المعتزلة لغيرها، الجاهلة لما حولها، مضطرة آخر الأمر إلى العقم والجدب، وإلى أن تعيد نفسها وتقول اليوم ما كانت تقول أمس، وتعيش غدًا على ما تعيش عليه اليوم، ويوشك أدبها أن يكون أشبه بهذيان المحموم، يؤذي صاحبه ويؤذي الناس من حوله حين يسمعون له، وإذا قلت: إن الفرنسيين لا يصنعون هذا بشكسبير وحده، لكنهم يصنعونه كذلك بالأدب العالمي كله قديمه وحديثه، فلست أقصر هذا الجهد على الفرنسيين، فالشعوب الحية كلها تصنع صنيع الفرنسيين بالقياس إلى شكسبير وإلى غيره من أعلام الأدب على اختلاف العصور.

    ولقد قرأت في أيام قليلة جدًّا أحاديث أنبأتني بأن شكسبير وكورني وراسين كانوا موضع العناية أخيرًا في يوجسلافيا، حين مُثِّلت بعض آثارهم في مدينة زغرب، وأنا أقرأ اليوم أن الروس أرادوا أن يحتفلوا بزيارة رئيس الوزراء لألمانيا الغربية لبلادهم، فدعوه إلى ملعب من ملاعبهم مُثِّلت فيه قصة من قصص شكسبير تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وهي قصة روميو وجوليت.

    وكانت نفس هذه القصة تمثل أخيرًا في باريس تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وتمثيلًا مسرحيًّا خالصًا أيضًا، ولو قد عُني باحث باستقصاء ما يمثل من آثار شكسبير في أقطار أوروبا أثناء هذا الفصل من فصول العام لأظهرنا على العجب العجاب، ولبين للذين يريدون العلم أن شكسبير وأشباهه من فحول الشعراء الممثلين ما زالوا وسيظلون قوام الحياة الأدبية للشعوب الحية التي تذوق الفن وتقدر الثقافة، ولا يشغلها شأن من شئون الحياة العقلية عن شأن آخر.

    فما أجدر كُتَّابنا الذين يوجهون الشباب أن يقرءوا أكثر مما يقرءون، ويستقصوا أكثر مما يستقصون، وأن يوسعوا آفاقهم ليوسعوا آفاق قرائهم، وأن يأخذوا الحياة بالقوة والجد؛ ليأخذها قراؤها بالقوة والجد أيضًا، ولتعلم الأجيال الناشئة من الشباب أن الحياة العقلية الراقية لا تتاح باللعب، ولا بقراءة الأدب الرخيص الذي يقطع الوقت ويدعو إلى النوم.

    التجديد في الشعر
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٩ أبريل ١٩٥٦

    لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.

    وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.

    لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.

    ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.

    والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.

    ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.

    عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.

    وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.

    جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.

    حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.

    لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.

    فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.

    فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!

    في الذوق الأدبي
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٣ أبريل ١٩٥٧

    كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …

    وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.

    ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.

    ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.

    ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.

    الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.

    المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.

    التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.

    التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!

    الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.

    الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.

    نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.

    المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله.

  • مشاهدة نهاية حرب | Watching a War End

    آمال وأعمال
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٤ يناير ١٩٤٥

    يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.

    وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.

    ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.

    وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.

    فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.

    وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.

    وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.

    وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.

    فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟

    ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.

    هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟

    ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.

    فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.

    ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!

    ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟

    الخطوة الأخيرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١١ يناير ١٩٤٥

    لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.

    وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.

    والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.

    وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.

    وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.

    وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.

    ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.

    وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.

    وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.

    وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.

    والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.

    وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.

    وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.

    كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.

    ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.

    والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.

    وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.

    ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.

    ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.

    وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى.

    العاقبة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٨ يناير ١٩٤٥

    كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

    وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

    أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

    وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

    ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

    فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

    ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

    وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

    والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

    فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

    وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

    وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

    وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

    فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.

    بين الشرق والغرب
    (١)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ فبراير ١٩٤٥

    من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.

    ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.

    ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.

    وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.

    وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.

    وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.

    وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.

    فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

    وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

    وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.

    وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.

    فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.

    وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.

    لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.

    وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.

    كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.

    ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.

    هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.

    فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.

    وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.

    طبيعة الأشياء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ فبراير ١٩٤٥

    وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

    وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

    وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

    أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

    وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

    ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

    وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

    وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

    وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

    وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

    فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

    وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

    ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

    وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

    وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

    ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

    وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

    وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

    وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

    وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

    وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

    متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ

    ماذا؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ فبراير ١٩٤٥

    يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

    ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

    وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

    أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

    فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

    وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

    ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

    وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

    أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

    وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

    هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

    وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

    وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

    وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

    وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

    هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

    ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.

    الغد
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.

    كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟

    وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.

    وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.

    وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.

    وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.

    وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.

    فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.

    فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.

    وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.

    وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.

    أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.

    فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.

    وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.

    ماذا نريد؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ مارس ١٩٤٥

    يُقال: إن شئون السياسة الخارجية قد أصبحت في هذه الأيام من الأمور ذات الخطر التي لا ينبغي لقادة الرأي أن يهملوا تنبيه الشعوب إليها، وتبصيرها بما قد يكون فيها، مما يؤثر في مستقبلها القريب أو البعيد تأثيرًا لا يمكن استدراكه إلا بعد الجهد والعناء، وكثير من التضحيات التي يمكن أن تتقى إذا استقبلت الشعوب أمرها عن بصيرة وروية، إذا تحدث إليها قادتها، وساستها في صراحة وصدق وإخلاص.

    والذين يقولون هذا يستدلون عليه بهذه الأحاديث الكثيرة المتصلة التي تجرى في شعوب الدول الكبيرة والصغيرة على السواء. فالأحاديث عن مؤتمر سان فرانسيسكو لا تنقطع في إنجلترا وأمريكا، وفي البلاد الأوروبية المحررة التي تصل إلينا أنباؤها في شيء من النظام. وليس أدل على ذلك من بعض الأنباء التي نشرت صباح اليوم عن عناية الخطباء الأمريكيين بالترويج لمؤتمر سان فرانسيسكو في المدن والقرى، وفي بيئات الطلاب والتلاميذ، ومما يذيعه الراديو الفرنسي في كل يوم من الأحاديث التي يراد بها تبصير الشعب الفرنسي بما سيدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو من المشكلات، وإقناعه، وإقناع الشعوب الأخرى بما اتخذته الحكومة الفرنسية من موقف حين قررت أنها لا تريد أن تتقيد بشيء من التعهدات إلا عن بصيرة ودرس واقتناع. وقد بالغ الفرنسيون في ذلك حتى ظنت بهم الظنون، وحتى اضطر سفيرهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ينفي ما تلهج به بعض البيئات السياسية من أن فرنسا تريد أن تقود البلاد المحررة في معارضتها للدول الثلاث الكبرى.

    وليس أدل على ذلك أيضًا مما نشر في أمريكا أول أمس، ونقل بعضه إلينا أمس من أن الرأي العام البلجيكي لا يؤمن بمؤتمر سان فرانسيسكو، ولا ينتظر منه خيرًا، وإنما ينظر إليه على أنه اجتماع سيلقي فيه ممثلو الدول الكبرى الثلاث دروسًا في الآداب الاجتماعية والسياسية على جماعة من الأطفال القاصرين. والذي دفع البلجيكيين إلى هذا التشاؤم الشديد أمران: أحدهما موقف الدول الثلاث الكبرى من المشكلة البولندية، والثاني ما وقع في نفوس الشعوب المحررة من خيبة الأمل بعد تحريرها، فقد كانت تنتظر واثقة أن ترد إليها حريتها كاملة، وأن يرد إليها رخاؤها موفورًا متى طرد الألمان من بلادها. وهي تنظر فترى حريتها مقيدة بظروف الحرب، وترى أن بينها وبين الرخاء، بل إن بينها وبين ما يقيم أودها أمدًا لا يزال بعيدًا.

    وإذا كانت هذه هي حال البلاد الأوروبية المحررة التي لا تزال الحرب تدور في أرضها أو قريبًا من حدودها، وإذا كان موقفها من ميادين القتال لا يمنعها من أن تتحدث في هذه الشئون بهذه الحرية وبهذه الصراحة، فقد يخيل إليَّ أننا نحن نستطيع أن نتحدث بمثل ما تتحدث به تلك الشعوب من الحرية والصراحة أيضًا. وقد أظهر الساسة الأمريكيون — وهم يميلون دائمًا إلى الحرية — حرصهم على أن يكون المشروع الذي سيُدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو موضوعًا للدرس الحر الذي تظهر فيه إرادة الشعوب واضحة جلية، أو تظهر فيه على أقل تقدير آراء القادة الذين يرشدون الشعوب، ويبصرونها بما تقدم عليه، أو تحجم عنه من الأمور. ومن أجل هذا قلت، وما زلت أقول: إن مصائر الأمم لا ينبغي أن تقرر في ظل الأحكام العرفية، ولا ينبغي أن يقضى فيها دون أن يتاح للناس أن يقول بعضهم لبعض، ويسمع بعضهم من بعض، وأن يقولوا لحكوماتهم، ويسمعوا منها، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه، أو يحجموا عمَّا يحجمون عنه، وقد رضيت نفوسهم، واقتنعت عقولهم، واطمأنت قلوبهم إلى الإقدام أو الإحجام.

    ولا بد من أن تقرر حقيقة واقعة، وهي أن من الخطأ أن يظن أن مؤتمر سان فرانسيسكو يلقى من البلاد المحررة، ومن الشعوب التي تُسمى الشعوب الصغيرة الاستقبالَ الحار الذي كان ينتظر أن يلقاه، ويشيع في نفوسها الابتهاج العظيم الذي كان ينتظر أن يشيعه فيها.

    وذلك لأن الدول الثلاث الكبرى لم تستطع أن تكون سمحة، ولا أن تلائم بين ما كانت تبذل من الوعود أيام الشدة، وما اتخذت من القرارات أيام الرخاء. فقد كانت الدول الثلاث الكبرى سخية بالوعود أيام الشدة حتى استوثقت الشعوب المغلوبة، والشعوب الضعيفة بأن الأرض ستمتلئ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وأن نظام العالم الجديد لن يفرق بين شعب قوي وشعب ضعيف، ولن يتيح للدول الكبرى أن تستأثر بالأمر من دون الدول الصغيرة.

    ولست أدري كيف استطاعت الشعوب في هذا العصر الحديث أن تستجيب لمثل هذه الأماني دون أن تستفيد من التجارب الكثيرة التي مرت بالإنسانية، ولكنها على كل حال قد استجابت لها، ووثقت بها كما استجابت لها في أعقاب الحرب الماضية، ووثقت بها أيضًا. مع ملاحظة هذا الفرق، وهو أن أحاديث السلم وتنظيم العالم قد ظلت أسرارًا مكتومة في الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. أمَّا في هذه الحرب، فقد اقتضت ظروف السياسة الأمريكية أن يكثر الكلام عن العالم الجديد، وعن الحريات الأربع، وعن ميثاق الأطلنطي، والحرب في أشد أطوارها عنفًا، وأعظمها خطرًا. والغريب أن التشاؤم وسوء الظن ليسا مقصورين على الأمم المحررة والشعوب الضعيفة، ولكنهما يجدان من يصورهما في بلاد الدول الكبرى الثلاث.

    ولست أضرب لذلك إلا مثلًا واحدًا هو هذا الكتاب الذي أرسله الأستاذ بيفردج إلى جريدة التيمس، ونشر في أواخر الأسبوع الماضي، والذي ينقد فيه الأستاذ طريقة التصويت في مجلس الأمن، ويرى أن هذه الطريقة إذا لم تغير، فستنتهي إلى نتيجة محتومة خطرة، وهي أن الدول الصغيرة ستضطر إلى أن تلجأ إلى المحالفات تعقدها مع الدول الكبيرة، وسيكون من الآثار المحتومة لهذا أن يقسم العالم إلى مناطق النفوذ، وأن تعود المنافسة بين الدول الكبرى حول مناطق النفوذ هذه إلى شر مما كانت عليه قبل الحرب، وهذا سيسرع بهذه الدول الكبرى إلى الحرب الثالثة. كذلك قال الأستاذ بيفردج، وقد أسرع الدعاة الفرنسيون إلى هذا الكتاب، فأذاعوه في الراديو يؤيدون به مذهبهم في الاعتراض على نظام التصويت في مجلس الأمن.

    على أن من الخطأ أيضًا أن يظن أن ما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاث في مؤتمر القرم يمكن أن يكون حلًّا نهائيًّا لما عرضوا له من المشكلات، فالرؤساء الثلاثة مهما يعظم حظهم من نفاذ البصيرة، وحصافة الرأي، والقوة المادية المنتصرة في الشرق والغرب ليسوا أقوى من طبائع الأشياء، ولا من الحقائق الواقعة. ويكفي أن ننظر إلى المشكلة البولندية؛ لنرى أنها ما زالت قائمة كما كانت يوم أصدر الثلاثة قرارهم في مؤتمر القرم. فحكومة بولندا المقيمة في لندرة لم تغير من موقفها قليلًا ولا كثيرًا، وهو موقف الإنكار والاحتجاج، وحكومة بولندا المقيمة في فارسوفيا، والتي تُعرف بحكومة لوبلين لا تزال كما هي، ولم يتقدم تأليف الحكومة الجديدة خطوة واحدة، حتى أصبح الحلفاء يخشون في كثير من القلق أن ينعقد مؤتمر سان فرانسيسكو دون أن تشهده بولندا مع أنها أولى ضحايا الحرب، وأشد البلاد المغلوبة تأثرًا بأهوالها. والأمر الواقع هو أن بولندا لم تُدع بعد إلى المؤتمر؛ لأن الحلفاء لا يعرفون إلى من يوجهون الدعوة، وقد يعرفون ذلك في يوم من الأيام.

    وقد كان يُظن أن مسائل البلقان قد فُرغ من تنظيمها بين الدول الكبرى الثلاث في مؤتمر القرم، ولكن الظاهر أن مشكلات البلقان لا تنتهي. وقد كان من أحاديث مجلس العموم أمس ما وقع من تغير الحكومة في رومانيا، فقد يظهر أن الحكومة الرومانية التي كان يرأسها الجنرال رادسكو لم تخلص للديمقراطية، وأشفق الروس منها على مواصلاتهم فأسقطوها، وخاف رئيسها على حياته فالتجأ إلى المفوضية البريطانية. وكره الروس من حلفائهم حمايتهم لهذا اللاجئ فاحتجوا، وقد صرح المستر أيدن أمس بأن هذه المسألة موضوع بحث ومشاورة بين الحكومة البريطانية، والحكومة الأمريكية، والحكومة الروسية بالطبع.

    وما تزال الأنباء تأتينا بأن الأمور في اليونان بعيدة عن الهدوء والاستقرار، بل بأن بعض اليونان لم يضعوا السلاح، وما يزالون يقاومون في بعض الأقاليم، ومعنى هذا كله أن اتفاق الدول الثلاث الكبرى له خطره العظيم من غير شك، ولكنه ليس هو الذي سيحل المشكلات العالمية، أو المشكلات الداخلية في البلاد المحررة، أو البلاد المغلوبة. وإذا كان التطور الحديث قد حقق للإنسانية شيئًا من الرقي، فهو أن مصائر الأمم لا يمكن أن يقضي فيها الأفراد، وإنما تقضي فيها الأمم نفسها، وأن مصير العالم لا يمكن أن تقضي فيه الأمم الكبرى، وإنما يجب أن يقضي فيه العالم نفسه، وأن يكون قضاؤه فيه على أساس من الحق، والعدل، والمساواة بين القوي والضعيف، وبين الصغير والكبير، وبين الدول ذات الجيوش الضخمة والدول التي لا جيش لها.

    ومن المحقق أن هذا الأصل شيء قد اقتنعت به الشعوب، ولكن تنفيذه قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر، وقد تعترضه المصاعب، وتقوم في سبيله العقبات، ولكن الطبيعة منتهية إلى غايتها، ومحققة الحرية والمساواة بين الدول، كما حققت الحرية والمساواة بين الأفراد في كثير من البلاد الديمقراطية المتحضرة.

    ويكفي أن نلاحظ أن الفرد القوي الغني ذا القوة والبأس، وذا السلطان والجاه لا يستطيع أن يعتدي في بلد متحضر على الفرد الضعيف الفقير الذي لا حظ له من قوة أو جاه، دون أن يجد من السلطان رادعًا له عن هذا الاعتداء قبل وقوعه، ومعاقبًا له على هذا الاعتداء بعد وقوعه.

    فعلى هذا النحو، وعلى هذا النحو وحده، تفهم الشعوب ما ينبغي أن يقوم من العلاقات بينها في النظام الدولي. ولن تستطيع الشعوب أن تفهم أن تمتاز الدول الأربع، أو الدول الخمس بهذه العصمة التي تمنع الدول الصغيرة من أن تنتصف منها إن مستها بما لا تحب.

    فإذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذه الدول الكبرى ذات الجيوش، وذات الأساطيل في البحر والجو، والدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تثبت لها في ميدان الصراع المادي — أقول: إذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذين النوعين من الدول، فلن يصنع مؤتمر سان فرانسيسكو شيئًا، ولكنه سيقوي هذه الظاهرة التي أفسدت حياة الشعوب الداخلية، وجعلت تفسد الحياة الدولية نفسها، وهي ظاهرة الصراع بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات في الشعب الواحد، وصراعًا دوليًّا بين طبقات الدول القوية والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وليس من أجل هذا كان ما كان من الحرب، وما احتملت الشعوب من أهوالها.

    وإذن، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هذا كله؟ لست أدري ماذا سيتخذ الوفد الذي أُلف أمس أو أول أمس، ولكن الذي أعلمه، وأعتقد أنه وحده يلائم المصلحة، هو أن مصر الضعيفة الطامحة إلى الاستقلال الكامل لا ينبغي أن تتقيد بشيء مهما تكن الظروف إلا أن يكون استقلالها الكامل حقيقة واقعة بمأمن من كل اعتداء. والذي أعلمه وأعتقد أنه يلائم كرامة الوطن الكريم هو أن كلمة لا إذا قيلت في إبانها؛ تحمي الشعوب والأفراد والأجيال المقبلة من أخطار جسام.

    حادثان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.

    ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.

    فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.

    ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.

    كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.

    وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.

    فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.

    وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.

    فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.

    ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.

    وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.

    ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.

    وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.

    ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.

    جو الحب والبغض
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ مارس ١٩٤٥

    ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!

    سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.

    وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.

    فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.

    وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.

    فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.

    وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!

    لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.

    وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.

    ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.

    ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.

    وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.

    وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.

    ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.

    وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.

    ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.

    فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.

    والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.

    وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.

    هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟

    وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!

    أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.

    وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.

    ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.

    ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.

    ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.

    وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.

    ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.

    وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!

    أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.

    وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.

    وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.

    وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.

    أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!

    بين الجد والمزاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٥ أبريل ١٩٤٥

    ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.

    وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.

    وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.

    وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.

    وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.

    وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.

    وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.

    فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.

    والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.

    على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.

    ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.

    وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.

    وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.

    ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.

    أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟

    ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟

    ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.

    وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.

    بين الشرق والغرب
    (٢)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٢ أبريل ١٩٤٥

    لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.

    وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.

    ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.

    والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.

    ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.

    وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.

    فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.

    وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.

    وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.

    وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.

    كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟

    ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.

    والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.

    وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.

    وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.

    فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.

    بين الحقيقة والخيال
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٩ أبريل ١٩٤٥

    كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.

    والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.

    فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.

    والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.

    فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.

    ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.

    ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.

    وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.

    ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!

    وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.

    ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.

    وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟

    وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.

    ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.

    لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.

    ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.

    وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.

    وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.

    أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.

    وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.

    وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.

    وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.

    ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.

    ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.

    وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.

    الدروس
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٩ أبريل ١٩٤٥

    لعل أظهر ما تمتاز به حياة الناس — منذ أعلنت الحرب — أن هذه الحياة قد جاوزت قدرة العقل الإنساني على الفهم والإدراك، وقدرته على الاستقصاء والاستنتاج. فقد كثرت الأحداث وتتابعت، واشتد بينها الاختلاف والائتلاف كما اشتد بينها الاتفاق والافتراق، حتى أصبح العقل العادي عاجزًا عن أن يلم إلَّا بأطراف يسيرة منها. ثم هو لا يكاد يلم بهذه الأطراف ويأخذ في وضعها موضع التأمل والتفكير حتى تحدث حوادث أخرى مختلفة مؤتلفة ومفترقة متفقة؛ فيشغل بها عن الحوادث الأولى. وما يزال كذلك يلم بالأحداث العظام ليشغل عنها بأحداث عظام أخرى، حتى يصبح من أعسر الأشياء عليه أن يكوِّن لنفسه رأيًا شاملًا فيما يحيط به من الظروف، أو يصدر حكمًا عامًّا صحيحًا على ما يكتنفه من الخطوب.

    والواقع أن كثرة الحوادث وتنوعها وتتابعها واختلاف حظها من الخطورة، كل ذلك قد اضطر الإنسان إلى أن يحيا حياة خاطفة ويفكر تفكيرًا خاطفًا، ويصبح أمره كله خطفًا بأدق ما لهذه الكلمة من المعاني. ومن أشق الأشياء على أي إنسان في هذه الأيام أن يصوِّر لك أو لنفسه تصويرًا صحيحًا محيطًا ما كان من الحوادث في شهر واحد فضلًا عن أن يصور ما كان من الحوادث منذ شبت هذه الحرب.

    وأقل ما ينتهي إليه هذا كله من النتائج هو أن بعض هذه الحوادث يمر دون أن يستطيع الناس أن يفكروا فيه كما ينبغي أن يفكروا فيه، وأن يستخرجوا منه ما يمكن من العبر والعظات. فالحوادث تفقد قيمتها من هذه الناحية، ويصبح وقوعها ومرورها أشبه شيء بهذه الحقائق المألوفة التي يضربها الناس مثلًا لما لا يجدي التفكير فيه أو الحديث عنه. فهم يتحدثون عن انهيار الدفاع الألماني في إيطاليا، والتقاء الجيوش المتحالفة في ألمانيا كما يتحدثون عن الجو والمطر، لا يكادون ينتفعون بهذا الحديث ولا يفيدون منه عبرة أو موعظة؛ لأنهم لا يكادون يأخذون في هذا الحديث حتى تأتي أنباء أخرى تصرفهم عنه صرفًا عنيفًا.

    ولست أتخيل ولا أفلسف، وإنما هذه حقيقة واقعة، فقد كنَّا نتحدث أمس عن هذه الأحداث العظام، ولكننا لم نبلغ من الحديث أيسره حتى جاءت الأنباء بأن القيادة الألمانية تعرض التسليم بلا قيد ولا شرط على الإنجليز والأمريكيين دون الروس، وبأن الحلفاء لا يقبلون تسليمًا إلَّا أن يكون هذا التسليم لهم جميعًا لا لبعضهم دون بعض.

    وواضح جدًّا أننا شغلنا بهذه الأنباء الأخيرة عن الأنباء التي سبقتها، وشغلنا بها عن أنباء سان فرانسيسكو وما يحدث فيها من الخلاف والوفاق، وشغلنا بها عن أنباء أخرى لعلها كانت خليقة أن تضطرنا إلى كثير من الروية والتفكير.

    والواقع أن هذا النبأ الأخير خليق أن يشغلنا عن كل نبأ آخر، فقد انتهت الحرب أو قررت أن تنتهي. ويكفي أن نفكر في هذا لنستحضر من أعماق أنفسنا صورًا مروعة لتلك الأيام المروعة التي عشناها حين كانت الحرب تريد أن تبتدئ سنة ١٩٣٨، وحين قررت أن تبتدئ في الصيف من سنة ١٩٣٩.

    في تلك الأيام كان الناس ينظرون إلى المستقبل نظرات ملؤها الخوف والهول، ويستحضرون في أنفسهم كوارث الحرب الماضية، ويتصورون أن الحرب الجديدة ستجر عليهم كوارث أخرى لن تكون أقل منها هولًا، بل ستكون أدعى منها إلى الجزع والهلع. ثم لم تكد الحرب تعلن حتى أخذت تسعى سعيًا بطيئًا متلكئًا، وجعل الناس لا ينتظرون خيرًا من هذا البطء ولا من هذا التلكؤ، وإنما ينتظرون منهما الشر كل الشر والنكر كل النكر. وقد صدقوا فلم يأتِ شهر أبريل من سنة ١٩٤٠ حتى استحالت الحرب البطيئة المتلكئة إلى أهوال خاطفة متتابعة تلم بالنرويج والدنمرك. ثم لا يكاد العام يتقدم شهرًا حتى تلم بهولندا وبلجيكا وفرنسا، وإذا العالم يشهد شيئًا لم يكن يتصوره ولا يحسب له حسابًا؛ لأنه كان أضخم من أن يقدر وأعظم من أن يحسب له حساب، فقد انهارت هذه الدول الثلاث وانهارت فرنسا، تلك التي كان العالم يرى أنها أقوى دول الأرض، وأقدرها على مواجهة الألمانيين والثبات لهم في هذه الحرب، كما واجهتهم وثبتت لهم في الحرب الماضية حتى استطاع حلفاؤها أن يرسلوا إليها النجدات، وأن يعينوها على قهر العدو وإدراك الفوز. ولكنها في هذه المرة لم تستطع أن تثبت، وإنما انهارت في سرعة مدهشة سيكشف التاريخ عن تعليلها وتأويلها، وسيتبين أكان مصدرها الضعف أم كان مصدرها الخيانة أم كان مصدرها الضعف والخيانة معًا.

    ثم تتابع الحوادث سودًا حالكة حتى تملأ العالم ظلمة قاتمة، وحتى يوشك الأمل أن يكون شعاعًا ضئيلًا لا يكاد يضيء في نفوس الناس إلَّا قليلًا. فقد أعلن هتلر حربه على روسيا بعد أن اضطرت بريطانيا العظمى إلى موقف مروع. وقد جعلت جنوده تمعن في اكتساح الأرض الروسية حتى بلغت أبواب موسكو وهزَّ الناس رءوسهم ذات يوم حين قال متحدث من راديو موسكو: إن الألمان لن يدخلوا مدينتهم المقدسة.

    ثم تشب نار الحرب في الشرق الأقصى، وإذا اليابان تصب الكوارث على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمبراطورية البريطانية، وتلغي الإمبراطورية الهولندية إلغاءً، وتهدد الهند تهديدًا خطيرًا. وينظر الشرق فإذا هو مهدد بأن يؤخذ من جانبيه، فقد جعل رومل يدنو من مصر، وجعل الألمان يبلغون القوقاز، وظهر جليًّا أن الخطة المرسومة هي الإطباق على الشرق والاستيلاء على قناة السويس، وخنق الإمبراطورية البريطانية بقطع الطريق بين بريطانيا العظمى وبين الشرق من جهة، وإفساد المواصلات بينها وبين أمريكا بحرب الغواصات من جهة أخرى.

    هنالك زلزل الناس زلزالًا شديدًا، وهنالك زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بأنفسهم وباللَّه الظنون، ولم يثبت منهم إلَّا الذين أوتوا من الإيمان حظًّا أعظم من كل هول وأعمق من كل روع وأضخم من كل كارثة وأبقى من كل حادثة. هنالك كان هتلر يتحدث بأنه يغير العالم تغييرًا خطيرًا، ويرسم له حياته الجديدة لألف عام مقبلة. وهنالك كان هتلر حائرًا في اختيار المدينة التي سيملي فيها الصلح أيمليه في لندرة، أيمليه في موسكو، أيمليه في باريس!

    وهنالك كان موسوليني يتهيأ لدخول القاهرة ظافرًا منتصرًا، وليعلن فيها أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد بُعِثت بعثًا جديدًا. وهنالك كان الحلفاء يثبتون للخطب كرامًا، ويلقون الكوارث أباة، ويحتالون في الخروج من المآزق، يلطفون لأصدقائهم ويرفقون بأوليائهم، يبذلون الوعد عن سخاء، ويظهرون الود في غير تكلف، ويدعون إلى الحرية التي لا حد لها؛ حرية الأفراد في أمن من الخوف والجوع، وحرية الشعوب في أمن من الجور والعدوان.

    ثم مضت الحوادث متتابعة متلاحقة مشتبهة، لا يكاد يشرق فيها الأمل حتى تخفيه ظلمات متكاثفة من اليأس. وقد وفَى للحلفاء من وفَى، وانحرف عنهم من انحرف، وتردد من تردد بين الوفاء والانحراف. وكنَّا نحن من الأوفياء الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يرتابوا، وإنما ثبتوا للهول منذ اللحظة الأولى. حتى إذا جد الجِد وعظم الخطب وبلغ الألمان أبواب الإسكندرية، وجعل الناس من الأجانب ينفرون من مصر خفافًا وثقالًا، يريدون أن يضعوا أنفسهم بمأمن من هذه الأهوال المظلمة والخطوب المدلهمة والموت الذي كان مستأنيًا يسعى على عجل — كما يقول الشاعر القديم — لبثنا نحن هادئين ثابتين لا يظهر علينا رَوع ولا جزع ولا انحراف، وإنما هو الجد والثبات كل الثبات والوفاء كل الوفاء والحزم كل الحزم. هنالك عرف النحاس باشا وزملاؤه كيف يظهرون للصديق والعدو أن مصر إذا عاهدت وفَت، وإذا قالت صدقت، وإذا جد الجِد ثبتت للحوادث وانتظرت الخطوب كما ينتظرها العزيز الكريم، لا يرضى الدنية ولا يلتمس الأمن في الغدر ونكث العهد والتنكر للصديق.

    ثم مضت الحوادث في طريقها مترددة شيئًا، ثم مقدمة لا تلوي على شيء وإذا العدو ينهزم عن مصر، ثم عن أفريقيا، ثم عن إيطاليا نفسها، وإذا موسوليني يقبض عليه مرة، ثم يفر ليقبض عليه منذ أيام، وإذا الحرب تعبر البحر إلى هتلر فتخرجه من فرنسا ومن بلجيكا كما أخرجه الروسيون من أرضهم ومن بولندا. وإذا ألمانيا تغزى من الشرق والغرب جميعًا. وإذا الروسيون يحررون شرق أوروبا ووسطها كما يحرر الإنجليز والأمريكيون غرب أوروبا وجنوبها. وإذا الروسيون يدخلون برلين على حين لم يستطع الألمانيون أن يدخلوا موسكو. وإذا البرق يحمل إلينا مساء أمس أن ألمانيا تعرض التسليم على بعض الحلفاء دون بعض، وأن الحلفاء يأبون إلَّا أن يعرض التسليم عليهم جميعًا.

    وإذن، فقد أرادت الحرب أن تنتهي في أوروبا، ومن الممكن أن تنتهي بعد ساعة وأخرى، وقد أخذت تلك الكواكب التي نشرت في العالم ذلك الضوء المنكر المخيف تتهاوى صراعًا، وأمَّا موسوليني فقد أخذ وأمَّا هتلر فيحتضر فيما يقال، وأمَّا الآخرون فسيؤخذون حتى يتم التسليم، وأمَّا الماريشال بيتان فينتظر المحاكمة في قلعة من قلاع باريس.

    وكذلك عاشت الإنسانية أعوامًا منكرة لم تعشِ قط ما يشبهها فيما امتلأت به من الشر والمنكر، وهي توشك أن تخرج من هذه الأعوام، ولكن إلى ماذا؟ أإلى حياة ملؤها الحق والعدل والخير والوفاء للذين وفوا، والانتصاف للذين أنصفوا، والاعتراف بالجميل للذين قدموا الجميل؟ أم إلى حياة كتلك التي ألفتها الإنسانية، قوامها تسلط القوي وظلم القادر وجور المنتصر واضطرار الضعيف إلى الاستسلام الذليل أو إلى المقاومة الثائرة؟ أو إلى انتظار الفرص وتربص الدوائر؟

    هذا هو السؤال الذي يلقى في كل ضمير حي، وفي كل قلب شاعر ذكي، وفي كل عقل مفكر متبصر.

    ومن المحقق أن الإنسان يحسن الانتفاع بالدروس أحيانًا، ولكن من المحقق أيضًا أن الإنسان طاغية، يسرع إلى البطر حين يستغني، ويسرع إليه البطر لينفذ من المشكلات وينتصر على الخطوب.

    ومن المحقق أيضًا أن في نفوس الناس ظمأً شديدًا إلى هذا العدل الذي طمعوا فيه حتى أعياهم الطمع، وطمحوا إليه حتى أجهدهم الطموح، ووُعِدوا به حتى أملتهم الوعود. وهم ينتظرون العدل واثقين بأنهم سيبلغونه، وإن كانت نذر السياسة تتحدث إليهم غير باسمة ولا مشرقة الوجوه. فقد حدثت في الشرق والغرب خطوب تشير إلى أن الإنسانية ما زالت غافلة ذاهلة تترك أمرها للأثرة، وتقيمه على المنافع العاجلة، وتَعِد حين تحتاج إلى المعونة، فإذا استغنت نسيت ما قدمت من الوعود، وجحدت ما قدم إليها من العون، وظنَّت أنها قد انتهت إلى الفوز الذي لا خوف بعده ولا قلق.

    نعم، وقعت خطوب في الشرق والغرب تشير إلى أن الإنسانية لم تتغير ولم تنتفع من هذه الدروس القاسية العنيفة، كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية، والنتائج معروفة من غير شك. فكما أن السياسة التي بنيت في أعقاب الحرب الماضية على الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود قد أثارت الاضطراب في العالم كله، وانتهت إلى الحرب العالمية الثانية؛ فالسياسة التي ستقوم في أعقاب هذه الحرب ستنتج نفس هذه النتائج إلَّا أن تتخذ لنفسها أساسًا غير الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود.

    وإني لأنكر ما أسمع وأنكر ما أرى، وأريد أن أكذب الحوادث وأصدق الأمل، وأعتقد أن العالم الحديث أذكى وأبقى من أن يلدغ من جحر مرتين. ومن يدري؟ لعل الآمال تصدق مرة، ولعل الحوادث تكذب مرة، ولعل المنتصرين أن ينتفعوا بالدروس التي لم يدفع بها المنتصرون في أعقاب الحرب الماضية!

    كل هذا ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تجري الأمور بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية. فالرجل الحازم هو الذي لا يستسلم إلى اليأس، ولكنه لا ينخدع بالأمل. وإنما يظل فطنًا حذرًا مترتبًا مالكًا لأمره ضابطًا لنفسه، لا يقبل ولا يرفض إلَّا عن روية وبصيرة وعن رضًا ويقين.

    وكم كنت أتمنى أن تأتي أخبار سان فرانسيسكو راضية مرضية، مؤذنة بأن آمالنا لا تخدعنا، وأن أمانينا لا تكذبنا، ولكني أرى بولندا ما تزال بعيدًا عن المؤتمر لم تدعَ إليه بعد، وأرى العالم العربي قد عمل في تأليف اللجنة التي توجه أعمال المؤتمر. ومع ذلك فهولندا هي الشهيدة الأولى من شهداء هذه الحرب، ومصر هي أصدق من وفَى للحلفاء حين امتحنوا بأهوال هذه الحرب وحين قل الأصدقاء الأوفياء.

    آخر الحروب وأول السلم
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٣ مايو ١٩٤٥

    أصبح العالم كله في هذه الأيام دارًا هائلة للسينما تعرض فيها الحوادث الجسام عرضًا سريعًا خاطفًا، لا يتيح للنظارة تفكيرًا ولا تروية، فضلًا عن أن يتيح لهم شرحًا أو تعليقًا؛ ففي مساء السبت الماضي أُعلِن أن هملر يعرض على البريطانيين والأمريكيين تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط، وأن هؤلاء لا يقبلون هذا العرض إلَّا إذا قُدِّم إلى روسيا، وأنهم يمهلون ألمانيا إلى مساء الثلاثاء لتقبل هذا الإنذار.

    وفي صباح الأحد، أُعلِن أن موسوليني وزملاءه قد أُخِذوا حين كانوا يسلكون طريق الفرار إلى سويسرا، وفي صباح الاثنين، أُعلِن أن موسوليني قد قُتِل، وأعلن تفصيل مقتله، وتفصيل المثلة الشنيعة التي مثَّلها الشعب بجثته في ميدان من ميادين ميلانو. وفي صباح الثلاثاء، أُعلِنت أسطورة موت هتلر، ثم كان الاختلاف في موته، فقال هملر وبعض أصحابه أن هتلر مات بنزيف في المخ، وقال خليفة هتلر للشعب الألماني وللعالم: إن هتلر مات مقتولًا وهو يحارب دفاعًا عن الشعب.

    وبينما كان العالم يفكر في هذه الأحداث الخاطفة تفكيرًا خاطفًا، فيريد أن يَعتبِر بهذه الخاتمة الشائنة البشعة التي انتهت بها حياة موسوليني، ويريد أن يتحقق من موت هتلر أولًا، ومن العلة التي مات بها ثانيًا، ويريد أن يعرف متى يُعلن انتهاء الحرب، أو متى يتم تسليم ألمانيا. بينما كانت هذه الخواطر كلها تشغل العالم؛ أقبل المساء أمس وإذا نبأ آخر ليس أقل من كل هذه الأنباء خطرًا ولا أهون منها شأنًا يذاع، فيصرف الناس عن التفكير إلا فيه، وعن التأمل إلا في نتائجه الخطيرة القريبة والبعيدة.

    فقد أُعلِن أمس أن الجيوش الألمانية المحاربة في شمال إيطاليا، وفي جزء من أرض النمسا قد استسلمت بلا قيد ولا شرط للماريشال ألكسندر، القائد العام لجيوش الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعلم الناس أن المفاوضات في هذا التسليم كانت تجري من وراء ستار منذ أيام، وأنها انتهت ظهر يوم الأحد الماضي، في الوقت الذي كان قتل موسوليني وعرض هملر للتسليم يشغلان الناس.

    وعلم الناس كذلك أن القتال قد وقف في هذا الميدان ظهر أمس الأربعاء، وسمع الناس أو قرءوا تهنئة الماريشال ألكسندر لجنوده الذين حرروا إيطاليا بعد جهاد شاق طويل، والذين تلقوا الاستسلام من أضخم جيش ألماني استسلم إلى الآن بلا قيد ولا شرط، فقد بلغ عدد هذا الجيش المستسلم مليونًا من الجند، وهو قد ألقى سلاحه، وأسلم رجاله وأدواته، وأصبح خاضعًا خضوعًا تامًّا لأمر القيادة العليا المنتصرة في هذا الميدان.

    ولست أدري أيذكر الناس أم قد أنستهم الحوادث أن يذكروا أن الحلفاء قد بدءوا تحرير إيطاليا في أوائل سبتمبر سنة ١٩٤٣، وأنهم لقوا في هذا التحرير أهوالًا هائلة، وخسروا فيه خسائر فادحة، وتعرضوا فيه لكثيرٍ من المصاعب التي كانت تأتي من الطبيعة، ومن السياسة، ومن ضرورات الحرب، وهم قد انتهوا الآن إلى تحرير إيطاليا كلها، أو بعبارة أصح إلى تحرير البحر الأبيض المتوسط كله. فهذا التسليم الذي تم أمس إنما هو الخاتمة الطبيعية لهذه المواقع الطويلة الشاقة التي بدأت في العلمين.

    والشيء المحقق هو أن التسليم خطوة حاسمة في تاريخ هذه الحرب، بل خطوة حاسمة في تاريخ العالم الجديد؛ فقد أصبح من اليسير أن تمضي الجيوش المنتصرة في إيطاليا أمامها لا تلقى عائقًا حتى تشارك مع الجيوش المحاربة في ألمانيا نفسها، ومن يدري لعلها لا تبلغ ألمانيا حتى يكون التسليم النهائي حقيقة واقعة.

    وأهم ما يثيره هذا الانتصار الهائل في النفوس من العبرة أمران؛ أولهما: أن الثبات ومضاء العزم والثقة بالنفس خصال مهما تتعقد أمامها المشكلات، فهي قاهرة لها، وظافرة بها، ومتغلبة عليها. فما أكثر المشكلات والمصاعب التي ثارت وتعقدت أمام قوَّاد الحلفاء في أفريقيا وصقلية وإيطاليا واليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط. لقد بلغت هذه المشكلات والمصاعب في بعض الأوقات حدًّا كان خليقًا أن يبعث اليأس في القلوب، وكان يضطر المستر تشرشل إلى أن يتجنب القول فيه حين يُسأل عنه في مجلس العموم البريطاني. ومع ذلك فقد قهر ساسة الحلفاء وقوَّادهم هذه المشكلات، ونفذوا من هذه الخطوب، وظفروا أمس بهذا الفوز العظيم؛ لأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ولأنهم لم يضطربوا ولم يترددوا، ولأنهم وثقوا بأنفسهم وبالغاية التي يحاربون من أجلها.

    والأمر الثاني: هو أن هذا الفوز العظيم قد أبعد الحرب إبعادًا نهائيًّا عن منطقة البحر الأبيض المتوسط، فأصبح من حق هذه المنطقة أن تتنفس، وأن تتنفس في جوٍّ له حظ من حرية بعد أن اطمأن في هذا الميدان كل شيء، ولم يبق أمام الشعوب التي خرجت من غمرات الحرب إلَّا أن تستأنف حياتها؛ لتصلح ما فسد، وتُقوِّم ما اعوجَّ، وتأسو ما أصابها من الجراح. وهذا الفوز العظيم قد صُوِّر تصويرًا رائعًا في الأمر الذي أصدره الماريشال ألكسندر لجيوشه أمس. وهو خليق أن يملأ نفوس المنتصرين تيهًا وإعجابًا، وأن يغمرها بهذه النشوة التي تخرج المنتصر عن طوره وقتًا ما.

    والواقع أن المنتصرين قد ابتهجوا بما أحرزوا من الفوز، وحقَّ لهم أن يبتهجوا، ولكن من الحق على المنتصرين المبتهجين — وقد تم لهم سحق العدو — أن ينتصروا في حرب أخرى لا ترى مظاهرها، ولا تصطنع فيها أسلحة البر والبحر والجو، وإنما هي حرب بين النفوس وبين نزعاتها. فالابتهاج بالنصر حق، والابتهاج بالنصر خير، ولكن يجب ألا يُشغل المنتصر بهذا الابتهاج عن المستقبل وما يخفي من الحوادث، وألَّا يندفع المنتصر مع الابتهاج حتى ينتهي إلى البطر. وخير الأمور أوساطها كما يقول المثل الإنساني القديم، والاعتدال ملاك الفضيلة، فلعل انتصار أمس وما سيتبعه من انتصارات تحدث اليوم وغدًا وبعد غد. لعل هذه الانتصارات التي ستُكره الحرب على أن تضع أوزارها أن تكون مقدمة لانتصار الظافرين على أنفسهم بعد أن انتصروا على عدوِّهم، وأن تكون مقدِّمة لعالم جديد يقوم على الاعتدال لا على الإسراف، وعلى القصد لا على الغلو والجموح، وعلى الإنصاف لا على الجور والاستعلاء.

    وبينما كانت هذه الحوادث تحدث في العالم القديم فتملأ الدنيا وتشغل الناس؛ كانت حوادث أخرى تحدث في العالم الجديد، وتريد أن تملأ الدنيا وتشغل الناس، ولكنها لا تبلغ من ذلك ما تريد، وهي هذه الحوادث التي شغلت المؤتمرين في سان فرانسيسكو في الأيام القليلة الماضية. فأي غرابة في أن تعجز حوادث سان فرانسيسكو عن أن تظفر من عناية الناس بمثل ما ظفرت به حوادث أوروبا؟ فالحرب في سان فرانسيسكو حرب كلام لا أكثر ولا أقل، والاصطدام في سان فرانسيسكو اصطدام في الرأي لا ينقص عن ذلك ولا يزيد، ولكنه مع ذلك خليق أن يصور الاتجاهات التي ستسيطر على إنشاء العالم الجديد.

    والعالم الجديد فيما يظهر أمنية ستتحقق بمقدار ما تتحقق الأماني في هذه الدنيا، ومعنى ذلك أنها ستتحقق شيئًا فشيئًا، وستتم قليلًا قليلًا، ومعنى ذلك أيضًا أن نظم العالم القديم لن تنهار فجأة، ولكنها ستضطرب — وقد أخذت تضطرب — ثم يصيبها الضعف والانحلال، ثم ينهار منها جزءٌ هنا وجزءٌ هناك، وما يزال العالم في هدمٍ وبناءٍ حتى ينظر الناس ذات يوم وإذا كل شيء من حولهم قد تغير، وإذا هم في عالم جديد قد دُفعوا إليه في رفق، وبلغوه وهم لا يشعرون أو لا يكادون يشعرون.

    وآية ذلك أن الحوادث التي شُغل بها المؤتمرون في سان فرانسيسكو قد كانت صراعًا بين جديد لا يريده أكثر المؤتمرين، وقديم يحرصون عليه. وقد ظفر القديم، ولا ينبغي أن يُقال: إن الجديد انهزم، فهو لم ينهزم، ولكنه لم يفُز، وإنما فرض نفسه على التفكير العالمي. وهذا أول الفوز. اختلف المؤتمرون في رياسة المؤتمر: أتكون لوزير الخارجية في البلاد التي يجتمع فيها المؤتمر كما جرت بذلك التقاليد، أم تكون دولة بين رؤساء الوفود الكبرى؟ وقد انهزمت التقاليد نصف هزيمة، وانتصر الجديد نصف انتصار؛ فصارت رياسة المؤتمر نفسه دُولةً بين رؤساء الوفود، واحتُفظ لوزير الخارجية الأمريكية برياسة لجنتين خطيرتين.

    ثم اختلف المؤتمرون في دعوة الأرجنتين إلى المؤتمر، فأمَّا أصحاب التجديد — وهم الروسيون وحلفاؤهم الأدنون — فكانوا يرفضون هذه الدعوة؛ لأن الأرجنتين أعانت العدو واضطرت الحلفاء إلى أن يقطعوا العلاقات الدبلوماسية بينهم وبينها، ولم تغير موقفها إلَّا حين أصبح انتصار الحلفاء من البديهيات، وحين أخذ الحلفاء في الاستعداد لعقد هذا المؤتمر، ولكن أنصار القديم آثروا العافية، وأرضوا العصبية الأمريكية، وانتظروا الخير من التعاون مع الأرجنتين؛ فدعوها إلى المؤتمر، وتمَّ لهم ما أرادوا.

    واختلف المؤتمرون في تمثيل العمَّال في هذا المؤتمر، فدعا إليه مولوتوف وعارض فيه غيره، وكان ممثلنا نحن لسان المعارضين فيما يظهر. وهذه قضية خطيرة حقًّا، فلم يكن مولوتوف يستطيع أن يهملها، ولم يكن معارضوه يستطيعون أن يقبلوها، فالعمَّال قوام النظام الروسي الرسمي، وهم من غير شك قوام الحرب، ولو قد نجح مولوتوف فيما أراد لكان نجاحه تسجيلًا لوجود دويلة من هذه الدويلات التي يشفق منها رأس المال كل الإشفاق، وتشفق منها الديمقراطيات المعتدلة كل الإشفاق أيضًا، فلم يكن بد من أن ينهزم مولوتوف. ومن المحقق أنه عرض القضية وهو واثق بأنه سيخسرها، ولكنه عرضها لأن عرضها نفسه نوع من أنواع الربح.

    واختلف المؤتمرون في مشكلة بولندا التي لا تريد أن تُحَل، والتي تزداد على الأيام صعوبةً وتعقيدًا، أتُدعى حكومة لوبلين أم لا تُدعى؟! فأمَّا روسيا فقالت: نعم، وبالغت في إلحاح، وأمَّا الآخرون فقالوا: لا، وبالغوا في الإباء، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، وليس أحد يدري متى ولا كيف ينتهي.

    ويزيد أمر بولونيا تعقيدًا ما يقال من أن حكومة لوبلين تضطهد خصومها في الوطن البولوني نفسه اضطهادًا يوصف في مجلس العموم البريطاني بالشناعة والعنف، ففريق يقتلون، وفريق يستخفون، والحكومة البريطانية لا تستطيع أن تعلم ذلك؛ لأنها لا تستطيع أن تسأل حكومة لوبلين؛ فهي لم تعترف بهذه الحكومة، ولأنها تسأل الحكومة الروسية فلا تتلقى منها جوابًا.

    وكذلك ننظر فنرى منظرين رائعين، ولكنهما يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف. فأمَّا أولهما فمنظر الحرب كليلة متخاذلة تقلم أظفارها، ويسرع إليها الفناء، وتوشك أن تسقط من الإعياء، ويوشك الحلفاء أن يجهزوا عليها، والعالم ينظر إلى ذلك سعيدًا راضيًا مغتبطًا؛ لأن الآباء سيعودون إلى أبنائهم، ولأن الأبناء سيعودون إلى أمهاتهم، ولأن الأزواج سيعودون إلى زوجاتهم، ولأن الأرض قد غصَّت بهذا الدم الغزير الذي ما زالت تشربه منذ ستة أعوام.

    وأمَّا المنظر الثاني فمنظر السلم ترى مقبلة من بعيد وهي تسعى مبطئة ثقيلة، وتمشي على استحياء، وفي تردد واضطراب، والناس ينظرون إليها ولا يكادون يرونها، ولا يكادون يتبينون من ملامحها ما يؤذنهم بأنها ستحمل إليهم سعادةً وأمنًا، أو ستحمل إليهم شقاءً وخوفًا.

    وقد تعلَّم الناس منذ أقدم العصور أنهم يستطيعون أن يطمئنوا وأن يقلقوا، وأن يأمنوا وأن يجزعوا، فذلك لا يغني عنهم شيئًا، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والخير كل الخير أن يصبروا ويثبتوا، أو يستقبلوا الأيام بالأمل والرجاء، والرغبة في الخير والحرص عليه؛ فمن يدري؟ لعل الأيام أن تحقق لهم بعض ما يأملون.

    هل ذهب الخوف؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٣ مايو ١٩٤٥

    أمَّا أن العالم قد تلقَّى أيام النصر بالرضا والابتهاج، فذلك شيء لا شك فيه ولا غرابة فيه أيضًا. فقد حقن استسلام ألمانيا دماء غزيرة كانت تُراق، لا نقول في كل يوم، ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وأمن الآباء والأمهات على من بقي من أبنائهم بعض غوائل الحرب، وإن لم يأمنوا غوائل الحرب كلها؛ لأنها ما زالت قائمة مستعرة في الشرق الأقصى، فمن الطبيعي أن يبتهج الناس بانهيار ذلك الصرح الآثم الذي كان الموت يخرج منه ويأوي إليه، والذي كان مصدرًا للهول، وموردًا للهول في قلب أوروبا.

    ولكن هناك أشياء محققة لا معنى لإنكارها ولا للجدال فيها؛ فلم يكن ابتهاج الناس بالانتصار في أوروبا خالصًا من كل شائبة، ولا مطلقًا من كل قيد، ولا مُبرَّءًا مما يكدره وينغصه. فالخوف لم يذهب كله، وإنما بقي منه شيء غير قليل، مصدره هذه الحرب المتصلة في الشرق الأقصى، والتي اضطرت المستر تشرشل إلى أن يقول في بعض أحاديثه لمواطنيه إنهم سيستمتعون بوقت قصير من أوقات الراحة والابتهاج، ثم يستأنفون الجد والجهد والعمل؛ حتى يضطروا اليابان إلى مثل ما اضطرت إليه ألمانيا من الاستسلام.

    وقد سمعنا المذيعين يتحدثون في الراديو أمس من بريطانيا العظمى وأمريكا أن العالم سيشهد منذ الآن حركة نقل هائلة لا نظير لها في التاريخ، وذلك حين يُنقَل الجنود وأداة الحرب من أوروبا إلى الشرق الأقصى؛ فالأمريكيون وحدهم ثلاثة ملايين من الجند يُراد تحويلهم من الميدان الغربي إلى الميدان الشرقي، ومعهم عتادهم وأدواتهم المختلفة.

    فإذا أُضيف إلى ذلك ما سينقله البريطانيون ومن سينقلهم البريطانيون من أداة الحرب ورجالها إلى هذا الميدان، وما لا تزال أمريكا ترسله مباشرة من الوطن الأمريكي إلى الشرق الأقصى؛ عرفنا أن الإنسانية لم يُتَحْ لها بعد أن تطمئن وتستقر، وأن الناس لم يُتَحْ لهم بعد أن يثوبوا إلى أوطانهم، ويئوبوا إلى ديارهم، ويطمئنوا إلى أهلهم، ويستأنفوا العمل الذي يثمر وينتج في ظل الأمن والسلام.

    فهذا مصدر من مصادر الخوف، ولكن للخوف مصادر أخرى قد لا تكون أقل من هذا المصدر هولًا، فقد ألقت ألمانيا السلاح ولكن آثار الحرب لم تُلْقِ السلاح، ولن تلقيه قبل وقت طويل.

    وأظهر هذه الآثار هذا البؤس الشائع الذي يغمر المنتصرين والمنهزمين جميعًا، والذي يُعرِّض بعضهم للحرمان المؤلم، ويُعرِّض بعضهم الآخر للحرمان المميت.

    وقد تحدث إلينا الراديو أمس من بريطانيا العظمى بأن الإنجليز سيجدون مشقة غير قليلة في التموين، وستُخفَّض حظوظهم من بعض المواد الغذائية، وقيل مثل ذلك بالقياس إلى أمريكا. فأما البلاد المحررة، فالبؤس فيها أظهر من أن يحتاج إلى الوصف، وأما الشعب المغلوب فهو يعيش بين أنقاضه كما تعيش الجرذان. فقد بدأ الأمريكيون يشعرون بشيء من الرثاء له والعطف عليه، ويتصدقون عليه ببعض الغذاء. ولم تكد أنباء ذلك تذاع حتى سخطت الأمم المحررة، وقال قائلوها إن الأمريكيين يسرعون إلى نجدة العدو المغلوب أكثر مما أسرعوا إلى نجدة الصديق المنتصر.

    وإذن؛ فالخوف لم يذهب كله من هذه الجهة أيضًا، وما زال كل إنسان في أوروبا مشفقًا على نفسه وعلى ذويه من أعقاب الحرب، حتى حين يُتاح له أن يستقر في وطنه ويطمئن في داره وبين أهليه.

    وما نظن أن في أوروبا أسرة لم تفجعها الحرب في واحد أو غير واحد من أبنائها، وما نظن أن في أوروبا أسرة لا تجد شيئًا من القلق على واحد أو غير واحد من أبنائها قد أفلت من الموت، ولكنه لم يفلت من الجراحات أو من الأمراض التي اقتضتها الحرب.

    فابتهاج هؤلاء الناس بالانتصار لا يمكن أن يكون صفوًا ولا خالصًا من كل شائبة، وإنما هو ابتهاج إضافي هو أشبه شيء بتنفس المكروب الذي كان ينتظر أهوالًا تُصَبُّ عليه إلى غير حد، فرفعت عنه الأهوال بعد أن أخذ منها بحظ ثقيل بغيض.

    وليس هذا كل شيء فهذا الانتصار الذي يدعو الناس إلى الرضا والابتهاج لا يُقْبِل عليهم بوجه مشرق مضيء، وإنما يُقْبِل عليهم بوجه لا يخلو من بعض العبوس. فقد استقبل العالم الانتصار في أعقاب الحرب الماضية مع شيء من الأمن لا يعرفه في أعقاب هذه الحرب.

    لم يكن بين المنتصرين في الحرب الماضية ما نشهده الآن من هذه المظاهر العنيفة المخيفة للخلاف، وإنما أنفق العالم شهرًا أو شهرين مستمتعًا بالأمن والفوز، ولم تظهر الاختلافات السياسية بين المنتصرين إلا حين تقدمت المفاوضات شيئًا في مؤتمر الصلح، ثم لم تكن هذه الاختلافات مزعجة ولا مخيفة.

    أمَّا في هذه الحرب فقد ظهرت الاختلافات قبل أن يستسلم العدو، وظهرت مباعدة بين المختفين ومتخذة ألوانًا من العنف، كانت تشغل الناس أحيانًا عن شئون الحرب نفسها. فلما تم استسلام العدو خلا الميدان للجدل والخلاف، وأي شيء أظهر من أن النصر لم يُعْلَن في يوم واحد عند الحلفاء جميعًا، وإنما أُعلِن في الغرب يوم الثلاثاء، وأُعلِن في شرق أوروبا يوم الأربعاء.

    ولم يَرَ العالم في أعقاب الحرب الماضية ضحية خطيرة للاختلاف كهذه الضحية التي تُرى الآن. فالدولة البولندية التي أُعلِنَت الحرب من أجلها، والتي فقدت ثلث شعبها، والتي خسرت أكثر ثروتها الاقتصادية، والتي شاركت جيوشها في الانتصار الفعلي شرقًا وغربًا. هذه الدولة ضائعة بين الروسيين والسكسونيين، كلٌّ يؤكد أنه يريد بها الخير ويؤثرها بالعافية، ونتيجة هذا أنها غائبة عن مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين لا يقبلون حكومة لندن، ولأن السكسونيين لا يقبلون حكومة لوبلين.

    فأما البولنديون أنفسهم فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؛ لأنهم خاضعون سواء رضوا أو كرهوا لسلطان أولئك أو لسلطان هؤلاء.

    ثم لا يقف الأمر عند المشكلة البولندية، وإنما المشكلات تنبت في كل مكان، وتظهر في كل يوم. فمشكلة النمسا، ومشكلة تريستا، ومشكلة الوصاية، ومشكلة مجلس الأمن، ومشكلة الترك والروس، وما شئت من المشكلات التي لا تدري متى تنقضي، ولا كيف تنقضي.

    والشيء الذي نرجو ألا يشك فيه القارئ، هو أن هذه المشكلات كلها على شدتها وحِدَّتها لن تصل من العنف إلى غايته، ولا بد من أن تجد لنفسها أو يجد المنتصرون لها حلولًا دائمة أو مؤقتة، ولكنها قائمة على كل حال. وقيامها واشتدادها واختلاف الناس في فهمها وفي حلها، كل ذلك يمنع الابتهاج بالنصر من أن يكون صفوًا خالصًا من كل شائبة، فهو ابتهاج حزين إن صح هذا التعبير، وهو ابتهاج قلق من غير شك.

    على أن هناك شعوبًا أخرى لا تشارك في هذه المشكلات من قرب أو بعد، وإنما تشهدها كما يشهد المحايد من الأمر ما يسوءه حينًا ويرضيه حينًا آخر. وهذه الشعوب قد شاركت في الحرب مشاركة قوية أو ضعيفة، وأعانت المنتصرين معونة إيجابية أو سلبية، وذاقت مرارة الحرب، واصطلت نارها على كل حال، وكان من حقها أن تستقبل النصر مبتهجة له مغتبطة به لا يشوب ابتهاجها حزن، ولا يشوب اغتباطها قلق أو خوف.

    ولكنها مع ذلك لم تظفر بهذا الابتهاج الصفو، ولم تنعم بهذه الغبطة الخالصة، وإنما تلقَّتْ أنباء الفوز، فابتسمت لها ابتسامة سريعة مرت على الثغور مر السحاب، ثم مضت هذه الشعوب في حياتها جادة محزونة قلقة، أقل ما تُوصَف به أنها ليست راضية عن يومها، ولا مطمئنة لغدها، وأنها لا تحفظ من أمسها إلا ذكريات مؤلمة تبعث في النفوس شيئًا غير قليل من الأسى والشك وخيبة الأمل.

    وهذه الشعوب هي التي سمعت الوعود فصدقتها، ووثقت بها وعاشت معها، على أنها حقائق واقعة تخفيها الحرب العنيفة المخيفة، ولا تلبث أن تظهر حين تنجلي غمرات الحرب.

    وقد نظرت هذه الشعوب ذات يوم فإذا الوعود التي كانت ناطقة في الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، تؤثر الصمت ثم تستخفي شيئًا، ثم تغيب عن القلوب، وتحتجب عن العيون، وتقوم مقامها مظاهر السياسة القديمة التي ألفها الناس قبل هذه الحرب، وضاقوا بها وظنوا أنهم لن يعودوا إليها، أو أنها لن تعود إليهم، ثم أصبحوا فإذا هم غارقون فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان. فيكف تريد من هذه الشعوب أن تفرغ للفرح والابتهاج، وتذود عن نفسها القلق والخوف، والأمور من حولهما تجري كأن الحرب لم تَثُرْ، وكأن الحرب لم تنتهِ إلى هذا الفوز العظيم؟!

    هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا كاملًا شاملًا لا يشوبه قلق، ولا يكدره خوف؟! أم هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا رسميًّا نظر إليه الشعب باسمًا، ثم مضى في عمله كما يمضي في كل يوم يملأ قلبه الجد، ويملأ قلبه القلق، ويملأ قلبه أمل لا يدري متى يتحقق، وإن كان واثقًا بأنه سيتحقق في يوم من الأيام.

    وأما استسلام ألمانيا فقد كانوا ينتظرون منه لأنفسهم خيرًا كثيرًا عاجلًا، ولكنهم نظروا فإذا ألمانيا تنهار، وهتلر ينتحر، والديمقراطية تنتصر. وهم في أثناء ذلك كما كانوا قبل ذلك، وكما كانوا قبل إعلان الحرب يتمنون أشياء يرونها حقًّا لهم، فلا يُجابون إليها، ولا يُرَدُّون عنها، وإنما يعلَّقون بين كلمات نعم ولا.

    ولم يأتِ الوقت بعد. وقد يأتي الوقت بعد انتظار يقصر أو يطول، وهم يرون أن الانتصار لم يكد يُعلَن حتى رُدَّت الحرية إلى الناس في بلاد الإنجليز، وأُلْغِيَت القيود وزالت رقابة الصحف، واستطاع الناس أن يعيشوا أحرارًا كما كانوا يعيشون قبل الحرب مع أن الحرب لم تنتهِ بَعْدُ بالقياس إليهم، وما زالت تكلفهم جهودًا هائلة، وتُعرِّضهم لأخطار هائلة، وتصب عليهم أهوالًا مُروِّعة.

    فرءوا هذا كله وفكروا فيه ورضوا عنه، ثم نظروا إلى أنفسهم، فإذا هم بعد إعلان الفوز كما كانوا قبل إعلان الفوز لم تُرَدَّ إليهم حرية، ولم يُرفَع عنهم قيد، ولم يخلصوا حتى من رقابة الصحف، وهم مع ذلك لا يحاربون إلا حربًا نظرية.

    كانوا يأملون أن يُقال لهم يوم النصر: ابتهجوا معنا؛ فستخلص لكم حريتكم كاملة، ستجلو عن وطنكم جيوش الحلفاء، وسيستمتع وادي النيل باستقلاله شاملًا كاملًا موفورًا. ابتهجوا معنا؛ فأنتم منذ اليوم أحرار قد رُفِعَتْ عنكم القيود التي فرضتها طوارئ الحرب كلها أو أكثرها، وستستأنفون حياتكم كما كنتم تحيونها قبل الحرب، لا يحد من حريتكم في القول والعمل إلا القانون العام.

    كانوا ينتظرون أن يُقال لهم ذلك، فلم يُقَل لهم منه شيء، وإنما سمعوا المدافع تُطلَق، وسمعوا الراديو يذيع أنباء النصر فابتسموا ومضوا لشأنهم ينظرون إلى الأعلام المرفوعة يعبث بها النسيم عبث المداعب، ولكنهم لا يكادون يلقون إلى شيء من ذلك بالًا.

    أَتُراهم يُلامون؟!

  • طه حسين والمرأة | Women’s rights and education

    الاصلاح والعمران
    طه حسين
    مجلة الهداية
    ~١٩١٠
    الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.

    سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

    وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.

    كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!

    تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.

    أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.

    بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.

    ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.

    على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.

    حرية المرأة
    ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:

    الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.

    هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.

    هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.

    لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.

    ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟

    فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!

    ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.

    لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!

    أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.

    عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:

    خدعوها بقولهم حسناءوالغواني يضرهن الثناء
    عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!

    وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!

    من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.

    ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:

    لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.

    هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.

    المروق
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢٨ يونيو ١٩١٠

    أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

    كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

    كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

    ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

    لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).

    الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

    بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

    ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

    كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

    أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

    وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

    قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

    أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

    أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

    أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

    اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.

    في وزارة المعارف
    حول مدارس البنات
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ ديسمبر ١٩٢٣

    لا أعرض اليوم لتعليم البنات في نفسه، وإنما أعرض لمسألة ليست منه ولكن تمسه في جوهره؛ فقد يُقال إن وزارة المعارف اعتزمت أن تُقيل الأجنبيات اللاتي يُدِرْنَ بعض مدارس البنات، وتقيم مكانهن لإدارة هذه المدارس سيدات مصريات، ويظهر أن هذا الأمر قد تجاوز العزم وأوشك أن يُنفَّذ ويصبح أمرًا واقعًا. فمن الحق أن نفكر فيه قليلًا وأن نتحدث فيه إلى وزير المعارف بما نرى قبل أن تتورط الوزارة في تنفيذه فتسيء إلى هذه المدارس وتسيء إلى التعليم فيها.

    ولقد نعلم أنَّا سنغضب قومًا، ولكننا نعتذر إليهم، ونعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فلن يغضبوا، بل نعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فسيشاركوننا في الرأي وسيشجعوننا عليه؛ فالمنفعة فوق العاطفة ولا سيما في أمور التعليم.

    حسن أن يترك الأجنبي مكانه للمصري في جميع مناصب الحكومة على اختلافها، ولكن على شرط أن يكون المصري الذي يخلف الأجنبي أشد منه كفايةً أو مساويًا له في الكفاية على أقل تقدير؛ فإن المنصب من حيث هو ليس غاية وطنية، ولا ينبغي أن يكون غاية وطنية، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة الوطنية العامة. وإذا كان وسيلة إلى تحقيق المنفعة فينبغي ألَّا يُوضَع فيه إلَّا من هو أهل لتحقيق هذه المنفعة، قادرٌ على احتمال أعبائها. وواضح أنه إذا تساوى المصري والأجنبي في الكفاية، فالحق والإنصاف والمنفعة أيضًا كل ذلك يقضي بأن يكون المنصب للمصري دون الأجنبي، لا نزاع في ذلك ولا معنى للمناقشة فيه. ولكن ما تقول في أجنبي كيف يُقال من منصبه؛ لأنه أراد أن يُقال أو لأن الحكومة أرادت أن تقيله ثم يوضع مكانه مصري أقل منه كفاية وأضعف منه قدرة على احتمال أعباء المنصب؟ قد يكون في وضع المصري مكان الأجنبي إرضاءٌ لهذه العاطفة العامة التي نريد أن تكون أمورنا إلينا، والتي هي في نفسها حق، والتي شغف بها الجمهور شغفًا شديدًا. ولكن إرضاء هذه العاطفة لا ينبغي أن يكون في نفسه غاية، وإنما يجب أن يُحتاط فيه الاحتياط كله، وأن يُنظر إليه من حيث هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة كما قلنا، فالحكومة ومناصبها لم تنشأ ليختص بها المصري دون الأجنبي أو الأجنبي دون المصري قبل كل شيء، وإنما أُنشِئَت لتدبير أمور الدولة ومنافعها. فإذا كان المصريون قادرين على هذا التدبير فهم أحق الناس بالحكم ومناصبه، وإلَّا فهم مكلَّفون أن يستعينوا بالأكْفاء من الأجانب مهما يكونوا. وليست الغضاضة على العاطفة الوطنية أن يقوم الأجنبي مقام المصري، وإنما الغضاضة حقًّا أن تفسد الأمور العامة وأن تفسد بنوع خاص تحت إشراف بعض المصريين الذين ليس لهم من الكفاية حظٌّ موفور. هذه هي الغضاضة حقًّا، بل هي شرٌّ من الغضاضة؛ لأن فيها ضياع المنفعة من جهة، وإقامة الدليل للخصم على سوء تصوُّرنا للأمور من جهة أخرى. فالوطني المخلص لا يُطالب بأن يقوم كل مصري مقام كل أجنبي في تدبير الأمور العامة ومنها التعليم، وإنما يُطالب بأن يقوم المصري مقام الأجنبي كلما كان لهذا المقام أهلًا، فإذا لم يكن المصري أهلًا لهذا المقام، فالوطني المخلص يستعين بالأجنبي ويُلِحُّ في الاستعانة بالأجنبي حتى يبلغ المصريون حظهم من الكفاية. نظن أن هذه القضايا واضحة بَيِّنَة، ونظن أن المصريين جميعًا يقدِّرونها ويريدون أن تُتَّخَذَ أساسًا في إسناد المناصب إلى المصريين وغير المصريين.

    وإذن فلنرجع إلى أنفسنا ولنتساءل عن مدارس البنات وعن حظ المصريات من الكفاية لإدارتها والإشراف عليها، ولنطالب وزارة المعارف بألا تتعجل في وضع السيدة المصرية في هذه المدارس مكان السيدة الأجنبية لترضي هذه العاطفة العامة التي أشرنا إليها، دون أن تفكر في المنفعة تفكيرًا دقيقًا صحيحًا، ودون أن تتبين بعد البحث الطويل والأناة الشديدة أن لهؤلاء السيدات المصريات اللاتي يرشحن للقيام مقام الأجنبيات من حسن الخلق ومن الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية، ما يجعلهن أهلًا لهذه المناصب التي ستسند إليهن. نعم! نطالب وزارة المعارف بأن تفكر وتمعن التفكير في هذا كله. فوزارة المعارف تعلم أن تعليم البنات والإشراف على مدارسهن في مصر من أدق المسائل وأشدها حاجة إلى الروية والأناة وحسن الاختيار، وإذا كان حسن الخلق شرطًا أساسيًّا للعمل في أي منصب من المناصب، فهو أهم الشروط الأساسية للعمل في مناصب التعليم، وفي تعليم البنات بنوع خاص، وفي الإشراف على مدارسهن بنوع أخص. وقل مثل هذا في الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية. فهل من اليسير حقًّا على وزارة المعارف أن تجد سيدات مستوفِيَات لهذه الشروط استيفاءً يمكِّنهن من الإشراف على مدارس البنات؟ نرجو أن يكون ذلك يسيرًا، ولكننا نخشى ألَّا يكون من اليسر بحيث تظن وزارة المعارف. ولسنا مسرفين في هذه الخشية؛ فنحن نعلم أن تعليم البنات في مصر ليس من الجودة والإتقان، بل لم يكن في يوم من الأيام من الجودة والإتقان بحيث يستطيع أن يُخرِج سيدات قادرات حقًّا على الإشراف على مدارس البنات، وحل ما يعرض فيها من المسائل الدقيقة في التربية والتعليم.

    لم يكُن تعليم البنات في مصر جيدًا ولا متقَنًا في يوم من الأيام، ونحن نريد أن يكون جيدًا وأن يكون متقنًا في المستقبل القريب. فليس مما يسهُل الوصول إلى هذا الغرض أن ننصب لإدارة مدارس البنات سيدات تنقصهن الخبرة أو تعوزهن الكفاية. وعندنا أن مصر تستطيع أن تحتمل راضية إشراف الأكفاء من الأجنبيات على مدارس البنات؛ حتى يتم لها إصلاح هذا النوع من التعليم، والوصول بمدارسه إلى تخريج سيدات يضارعن الأجنبيات التي أخرجتهن جامعات أوروبا.

    نعم، تستطيع مصر أن تحتمل هذا راضية، بل هو أهون عليها من هذا الانخداع بالمظاهر الذي يُخيِّل إلينا أن أمورنا في أيدينا، ثم لا يلبث أن يثبت لنا وللناس أننا طمِعنا فيما لا نستطيع أن نحسنه، وتكلفنا الاستقلال بأمورنا فلم نوفَّق إلى إحسان تدبيرها.

    وإذن فقد يصح أن نطلب إلى وزير المعارف ألَّا يتعجل في مثل هذا الأمر، فإذا لم يكُن له بُدٌّ من أن يرى المصريات مستأثرات بأمور التعليم، فليهيئ لذلك أسبابه، وليسارع إلى تهيئة هذه الأسباب، وليبدأ منذ الآن في إصلاح ما لدينا من تعليم البنات، ولا سيما في مدارس المعلِّمات، وإيجاد ما ينقصنا من هذا التعليم؛ فهو إن يفعل يمهِّد السبيل حقًّا لإشراف المصريات على أمور التعليم، يمهِّد هذه السبيل بما يُصلِح من الأخلاق وبما يوسِّع من الاطلاع وبما يقوِّي من الكفاية الفنية. وكل هذه كما قدمنا شروط لازمة لإدارة مدارس البنات، وهي — فيما نعتقد — لا تزال تنقصنا إلى الآن.

    فوز
    كوكب الشرق
    ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣
    الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
    ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
    لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
    ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
    فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
    رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
    هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
    وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.

    عوجاء
    كوكب الشرق
    ٨-٨-١٩٣٣
    نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.

    نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.

    وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.

    هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.

    وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.

    وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.

    لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.

    زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟

    هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.

    والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.

    إلحاح
    كوكب الشرق
    ٩\٨\١٩٣٣
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.

    استعداء
    كوكب الشرق
    ١٠\٨\١٩٣٣
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.

    نجدة
    كوكب الشرق
    ٢٩-٨-١٩٣٣
    إذا قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.

    محاضرة الآنسة مي
    الرسالة
    ١٩\٣\١٩٣٤
    لا أعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، وإلى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم أشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة اثنين، وكنت أسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكاً عظيماً في أن للمرأة فضلاً على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بأن للمرأة فضلاً على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديباً من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
    وإذن أنا مقتنع بأن الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاءً، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملاً في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وأنهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بأن ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بأن المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاءً وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاءً فشيء فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لأن كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا أنهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراهاً، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لأن الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن أنهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجني، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما، إنما هي أثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة.
    وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى.
    ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة أطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعداً عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحساناً؟
    ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة، ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها وإثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بأن أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال أكرم مما تظن الآنسة مي، وأحب للرحمة وأحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الإثم، وإنما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد أخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا أكرم مما تظنين، وأحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيراً، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما احتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا أعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم أعرف هذا، ولن أستطيع أن أعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فإن تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وإن تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الأرض، فنحن خير منهما حالاً، وأجمل منهما شكلاً من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وأن نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة امرأة هي إيزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون إيزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع إيزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش.
    أحسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارعاً إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، وأعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
    طه حسين

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    الوادي
    ٢٣\٩\١٩٣٤
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين

    كلية الآداب
    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب
    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:
    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟
    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:
    ١-
    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    في الجامعة المصرية
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٣ مارس ١٩٣٧

    الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!

    قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.

    وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.

    وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.

    قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:

    أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.

    فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.

    وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!

    أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.

    لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.

    والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.

    وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.

    وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!

    والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!

    وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.

    فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.

    وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!

    أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.

    والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.

    فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.

    يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.

    ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.

    وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!

    أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!

    الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!

    إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.

    فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.

    وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون!

  • طه حسين في شبابه | A youthful Taha Hussein

    من أيِّهم أنا؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٨ أكتوبر ١٩٠٩

    في البلد أفراد من الكُتَّاب إذا أعلن أحدهم إلى الناس أن مقالًا له سينشر في إحدى الصحف يوم كذا صادف منهم نفوسًا كلفة بما يكتب وقلوبًا مشغوفة بقراءته، ثم ألسِنةً بعد ذلك منطلقة بالثناء وأقلامًا جارية بالإطراء منها ما يثني على الكاتب لأنه الكاتب، ومنها ما لا يصدر في إطرائه إلا عن اعتقاد صحيح بأنه في مقاله محسن مجيد، وبعد هذا وذاك تكثر الألسنة والأقلام التي تتناول بالنقد مقال الكاتب فتذهب منه مذهب النصح، وتقصد فيه إلى الحق أو تميل به مع الهوى وتنحو فيه مناحيَ التغرير والتضليل، ولئن كان تألم الكاتب من النقد وتبرمه بالناقد قد يعدوان طوريهما أحيانًا؛ فإن ارتياحه إلى الثناء والإطراء اللذين يسدَيَان إليه كثيرًا ما يخفف من غيظه ويذهب بموجدته فهو حسن الحظ صاعد الجد على كل تقرير.

    أما سيئ الحظ من الكُتَّاب فأحد اثنين؛ رجل لم يلقَ من الناس إلا انتقادًا مُرًّا وتشهيرًا مخجلًا؛ لأنه لم يقصد إلى الجادة ولم يوفَّق إلى الصواب. ومثل هذا الرجل خليق بعثور الجد؛ لأنه زعيم بأن يوقفه من الغرور وحب الذكر عند حد محدود، ورجل لم يلقَ من الناس خيرًا ولا شرًّا، ولم يبلُ منهم حلوًا ولا مُرًّا؛ لأنه لم يكتب ما يستحقُّ المدح والقدح أو لأن مقاله صادف من القُرَّاء أوقات الخمول والسآمة، أستغفر الله. بل هناك رجل آخر يبلو المر ويسمع الهجر في نصرة الحق والذود عنه، وما أحسبني أنسيته إلا لأنه بين ظهرانينا نادر قليل.

    فمن أي هؤلاء يمكن أن أكون أنا؟ خطر لنفسي هذا الخاطر فألقت عليَّ هذا السؤال بعد أن قرأت مقال يوم الجمعة في مصر الفتاة؛ فإذا هو سابع ما نشر بهذا العنوان، وقد يكون الرابع عشر لما نشر بهذا الإمضاء، وإذا أنا كأول يوم كتبت لا أقول لأني لم أسمع كلمة ثناء فقد علم الله ما ابتغيتها اليوم ولا تمنيتها. ولئن كنت مشغوفًا بها كل شغف فهي الآن أزهد عندي من عفطة عنز، يقول علي بن أبي طالب لأني أعلم أن آنَها لم يؤن بعدُ وأدخرها لذلك اليوم الذي تطلبني فيه ولا أطلبها، ولكن لأني لم أسمع كلمة ناقد ولم أَرَ مقالًا لعائب بعد أن دعوت القراء إلى أن ينازعوني أطراف القول فيما أكتب وأقول. ولقد كنت أحسب أن بؤسي مطبق في كل شيء حتى في الكتابة، وأن موقفي زلق في كل مكان حتى بين الكُتَّاب … نظرت فإذا أنا لست من كُتَّاب المنزلة الأولى فلم يرعني ذلك لأن هذه المنزلة غاية يبلغها كل كاتب مثلي لم يقف من حب الإجادة والإحسان عند حد، ثم نظرت فإذا أنا أحد الرجلين في المنزلة الثالثة؛ فحمدت الله على أن مررت بمنزل أبي فصادة ولم أعرج، وجعلت أتردد بين أن أضع نفسي موضع أول الرجلين فأريح وأرتاح، أو أضعها موضع ثانيهما فأرضيها بالأعاليل ثم أعمد إلى القُرَّاء فأدافع عنهم الخمول، حتى يستفيقوا منه، وإذ ذاك أجد من النقد نصيبًا موفورًا. ولقد خشيت أن يستحيل غلوي في حب النقد إلى تمادٍ في بغضه لولا أن جمعتني ليالي الصوم بفريق من الناس كلهم ينقمون مني ألفاظًا كثرت فيما أكتب يقولون إنها غريبة نابية، وبعضهم يأخذ عليَّ تنويهي بالمنطق وميلي إليه في مقال يوم الجمعة، يقولون كيف يحسن من أديب يكتب في العشق إلى أحد العاشقين أن يعرض بالمنطق أو يميل إليه؟ إن هذا لهو الجور المبين، لم تصادف هذه الكلمات مني إلا نفسًا ظمئة وقلبًا مشغوفًا بهن، فكنَّ أشبه شيء بقطرات الماء يترشفها الصدى فيبللن صداه ويخففن من ظمئه، كذلك الإنسان إذا صادف الأمنية بعد الأمل وطول الرجاء، ولو أن الناقدين على حق لوقفت عنده وسكنت إليه، ولكنهم مع الأسف مخطئون. أما في الأول فلأن اللغة العربية التي نمتدح بغناها ونتحدث بكثرة مادتها لم يقف مألوفها عند هذه الألفاظ التي نفعم بها الصحف كل يوم، وليس الغريب كل لفظ ثقل على ألسنة الظرفاء من أبناء القاهرة أو نَبَا عن طباعهم؛ فإن هؤلاء قد لا يروقهم اللسان العربي إذا لم تُصَغْ ألفاظه من خطرات النسيم ولحظات العيون وغمزات الحواجب، يأبون إلا أن يستعار لهم الكلم من تنفس الأزهار وتناغي الأطيار، يريدون أن يُهملوا آذانهم وألسنة الناس فلا هم يسمعون ولا الناس ينطقون، وإنما تتخاطب النفوس وتتناجى الأفئدة يحسبون أن تشبيه الكلام بالدر يجعله درًّا، وأن قياسه بالخمر يجعله خمرًا، يغلون في الخيال حتى يسمج في أعينهم منظر الحقيقة ويخلق أمامهم معرضها هؤلاء مهما حمدنا منهم الظرف؛ فلن نرضى لهم أن يبلغ بهم الرقة حد الاستماتة وتُخرِجهم عن طور الرجال في النطق، إنما الظرف كرم الأخلاق وسلامة الذوق، وإنما الغريب ما استعصى على العربي فهمه ونبا عن سمعه لفظه، ونحن الآن بإزاء لغة نريد أن نرجع لها مجدها، ولن يكون ذلك إلا باستخراج دررها واستنباط أساليبها الرائعة من بطون المعاجم وأثناء الكتب، وأنا بهذا مشغوف كلف، وأرجو أن أوفَّق إليه إن شاء الله. وأما في الثاني فلا أعرف علمًا يهتدى به في طريق البحث عن مزايا النفوس وصفاتها الخاصة إلا المنطق، ولا أعلم أن اتِّباع سبيل المنطق في الكلام عيب على الكاتب، إنما العيب أن يخرج من موضع بحثه إلى فصل من فصول المنطق فيخوض لجته كما يقول أبو هلال. وإنما المنطق في المعاني كالنحو في الألفاظ، وكل ذنب جنيته هو أني قومت بالمنطق فكرة كما أقوِّم بالنحو ألفاظي. وبعد فكأن هؤلاء الناقدين نسوا أني أكتب إلى صاحبي صارفًا له عن العشق ومبغضًا له فيه، وسواء عليَّ بعد ذلك حمدوا مني حب المنطق واستعماله أم ذموه، ولكني على نقدهم لي من الشاكرين.

    أيهما الأثيم؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٩ أكتوبر ١٩٠٩

    فصل (١): بين العبرات والزَّفرات
    يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …

    على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.

    وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخهإذا رام تطيارًا يقال له: قع
    رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.

    رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.

    ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.

    فصل (٢): الفجور بعد العفة
    نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.

    ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.

    لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.

    وكان ما كان مما سوف أذكرهفظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر
    في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.

    وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.

    وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.

    أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.

    أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.

    قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.

    وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.

    وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.

    في القاهرة بين الإعجاب والأسف
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١١ نوفمبر ١٩٠٩

    قام في مسينا الداثرة بيتٌ زيَّنَتْه يَدُ الصانع بما أبدعَتْ فيه من زخرف وتصوير، وزاده
    زينةً حُسْنُ موضعه وجودةُ مكانه وما كان يحفه من جمال المنظر وجلال الطبيعة، فقد كانت تُقِلُّه
    ربوةٌ مُشْرِفة على البحر وتُحِيط به حديقةٌ جَمَعَتْ من الأشجار صنوفًا تضاعف سرور الجذل وتسلي
    هَمَّ المحزون.

    غابت ذكاء، فأشفقت السماء جزعًا عليها أو فزعًا من الليل، ولبس الإنسان عن ذلك ثوبًا من
    الغفلة والذهول كما هو شأنه لا يُعْنَى إلا بأمره ولا يأبه إلا لنفسه ولا يحفظ إلا بأمره عهدًا
    إلا ريثما يصدر عنه بحاجته. أجل؛ أبصر الإنسان الشمس وقد جنحت إلى الغروب فلم يلحظها لحظة
    وداع.

    رآها مُصْفَرَّة قد ظهر عليها الأسف لفراقه فلم يُجْزِها عن ذلك بشيء.

    رآها تُوَدِّعه، وإنه ليراها كذلك في كل يوم فلا يقع وداعها من نفسه موقعًا، على أنه لو صدق
    فيها نظره اليوم لعلم أن أسفها لفراقه مضاعف، وأنها لم تحزن قط كحزنها اليوم.

    فيمَ وعلامَ؟ ألأنها ستذهب فلا تعود أم لأنها سترجع فلا تجد منا أحدًا؟

    هل خافت صديقتنا من الليل علينا نكرًا أم هل عرفت في وجوه الكواكب الطالعة شرًّا؟ هل استبانت
    من أنباء الغيب ما سيدور به بَعْدُ الفلك بَعْدَ حين؟ هل علمت أن ثورة الغضب على الإنسان قد
    بلغت من الطبيعة مبلغها فعوَّلَتِ الليلة على الانتقام مسائل ما جوابها إلا الحقائق المُرَّة
    المؤلمة؟

    وارحمتاه للإنسان! يجاري هواه ويتمادى في غروره، يحسب إذا استعبد ضعاف الحيوان وصغار الأشياء
    أن له حولًا وطولًا، يظن إذا استخدم لأغراضه الهواء والماء والبخار والكهرباء، أنه أصبح السيد
    المُسلَّط على الطبيعة وما فيها، فما له إذن لا يمنع الأرض أن تميد ولا يزع البركان أن يهيج ولا
    يصد طغيان البحر، ولا يرد صواعق السماء؟! هيهات هيهات! كَلَّ الطالب وجَلَّ المطلوب.

    قِفْ أيها الإنسان الضعيف خاشعًا أمام هذه القوة القاهرة التي لا تستطيع لها مردًّا، هبها
    طوعًا أو كرهًا بقية حولك وطولك.

    تزود من الدنيا فإنك نازل غداة غدٍ في حيث لا تحمد
    المثوى

    ما أرقَّ العاشقَ! وما أصفى نَفْسَه! لقد وقفت من دهري موقف المعتبرة بتنقل الكواكب المتعظة
    بتحول الحال، فما أثار لي هذا الموقف إلا حزنًا وما زادني هذا الاعتبار إلا همًّا، أراني أتنبأ
    بنوى عاجلة وخطوب نازلة.

    وَيْحِي عليك أيها الحبيب! بل وَيْحِي علينا معًا! لقد وَرَدْنا إلى هذا الحُبَّ مع أمل واسع،
    وسنصدر عنه ولم نُشْفِ منه علة أو ننقع له غلة.

    تريَّثِي أيتها النازلة، ارأفي بي وبحبيبي، أمهليني وإياه ريثما نَجْتَني ثمرة هذا الحب
    الناضر؛ فقد أمسينا منها قاب قوسين.

    حِكَم غالية يمازجها شيء من عطف النساء وحنوهن تَجُول بصَدْر مَلِكة الحُسْن وربَّة الجَمال،
    وقد جلستْ في طنف من ذلك البيت على كرسي من الحرير مُطْرِقةً، وقد تلحظ بعينها النجلاء تلألأ
    القمر في السماء، وقد أدلى من أشعته الفضية بأسباب إلى غصون الحديقة وأزهارها؛ فأخذت شكلًا
    بديعًا يملأ العين رواء والقلب ارتياحًا، وربما مدَّتْ بصرها إلى أبعد من ذلك فرأت البحر هادئًا
    إلا من مداعبة النسيم، وكادت تقرأ عليه آثار العبوس لولا ما يلقيه عليه ضوء القمر وتلألأ
    الكواكب، وقد ترفع بصرها قليلًا فترى جبال كلبريا، وقد اتخذ فمها من الثلج أديمًا فضيًا يسقط
    عليه ضوء القمر، وتألق الكواكب وكأنها مصابيح شُدَّت إلى السماء بأمراس من الذهب. ترى كل هذه
    الزينة، فلا ترجع إلا بِهَمٍّ طريف وحُزْنٍ جديد.

    هي على هذه الحال، وإلى جانبها فتى معتدل القوام حَسَن الهندام، تراه فتعلم أنه من ضباط
    المشاة في الجيش قد جلس إلى جانبها يُشْعِل لفافة التبغ ويلحظها بعينين كبيرتين في ظل حاجبين
    مقوسين. يلحظها في طهارة وخشوع كما يلحظ في المحراب دمية العذراء يسألها بصوت هادئ: ما هذا
    الصمت أيتها الحبيبة؟! ما لك لا تكلميني؟! انظري إليَّ، أسمعيني صوتك الرخيم، تكلَّمي، فيمَ
    تفكرين؟

    أفاقت الحسناء من ذهولها الطويل وأجابت بصوت يرن رنة الحزن: لا أدري أيها الحبيب، بل ما كنت
    أفكر في شيء ما … حتى ولا في عرسنا القريب. لا، ما فكرت فيه الآن، لماذا وهل يوجد ما يَحُول
    بيننا وبينه؟! كلا؛ ليس في العالم من يستطيع ذلك، لا شيء أيها الحبيب، لا شيء إلا الموت على أن
    قراننا في ذمة الله وهو خير الحافظين، أراني حزينة جدًّا، أرى صدري ضيقًا حرجًا أشعر بآلام
    كثيرة.

    لماذا أيتها الحبيبة؟ مِمَ يحزن العاشق وكيف يكون حزنه؟ أليس الحب هو كل السعادة؟ بلى، فهل
    تخافين على حُبِّنا شيئًا؟ كلا؛ إن الله قد ضمن أن يكلأه. إذن فمِمَّ تحزنين؟! ثم مال إليها
    قليلًا، فمس بشفتيه جبينها الوضاح، وتناولت عودًا كان إلى جانبها، فاندفعت تُغنِّي.

    ليت الليالي والأيام إذ حفظت حبي وحبك لا تغري بنا
    النوبا

    من لي ومن لك بالصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    تُرَدِّد هذا الغناء بصوت لا تكاد تسمعه الآذان، ولكن له في العقول والألباب فِعْل الصهباء؛
    فلا بدع أن ينسى الفتى نفسه حتى ابتدأت نار اللفافة تلذع شفتيه، فألقى بها وأسلم نفسه إلى
    الغناء، ولما فرغت الحسناء تناول العود واندفع يُغنِّي ويضرب بأصابع ما كانت لِتُحْسِن إلا
    تحريك السيف في ميدان القتال:

    إن الليالي والأيام قد حلفت أن لا تخون ولا تغري بنا
    النوبا

    أنَّى لنا ولك الصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    هذا ما نتمناه. وما فرغ الفتى من غنائه حتى أعلنت نواقيسُ البِيَع أن قُضِيَ من المساء عشر
    ساعات، وأخذ كل شيء في المدينة يقتضي نصيبه من الهدوء.

    استودعتُكِ اللهَ أيتها الحبيبة، استودعتُكِ الله يا زنتا. بعدًا للرقباء! ولكن لا تحزني
    فعمَّا قليل يجمعنا الليل بعد أن كان يُفَرِّقنا.

    أناتَكَ يا جنار، تمهَّلْ ريثما أملأ عيني منك. تقول ذلك وقد مدَّتْ إليه ذراعيها وعانقته
    طويلًا، وتلألأ في عينها دمعتان كاللؤلؤ الرطب، وهي تقول: لقد أخشى أن لا أراك بعد الآن. وبعد
    حين انفصل المتعانقان، وقالت بصوت هادئ: الآن تستطيع أن تمضي في ذمة الله؛ فقد حلَّ قلبي شخصك،
    امضِ يا جنار نَمْ ملء جفنيك، احلم إذا أردتَ بما تشاء، أنت أنا.

    مضى وأمانيه إليه لذيذة وأسلمها للهم
    والحسراتِ

    تعاني جوى الحب القديم وتصطلي لظى جمرات منه
    مشتعلاتِ

    فنام وما ذاقت من النوم والكرى سوى عبرات تقتضي
    زفراتِ

    أفاق من نومه مذعورًا وقد مضى من المساء ساعات أربع، ما الذي أيقظني الآن ولم أنل نصيبي من
    الراحة؟! لقد كنت مستغرقًا في نوم لذيذ تتخلله أحلام جميلة، لقد كنت سعيدًا في جوار
    حبيبتي.

    تنفَّسَ فإذا الهواء مليء برائحة الكبريت، أطَلَّ من النافذة فإذا النجوم متغورة وإذا الجو
    مكفهر، تبيَّنَ البحر فإذا بوادر الثورة قد بدرت منه وكأنه يتحفز للوثبة؛ فوقف حائرًا يعبث
    بقلبه الخوف، ثم استرجع حوادث أمسه فذكر حزن حبيبته، وعلم أنها كانت تنبأ بحق وما هي إلا أن سمع
    كأن انفجارًا عظيمًا في جوف الأرض.

    إنه الزلزال، يَجِب أن أنقذ حبيبتي، يجب أن أخلص زنتا. فأسرع في لبس ثيابه، وإذا بهزة عظيمة
    عَرَتْه وعملت حتى أطراف أصابعه، اختطف رداءً خفيفًا اشتمل به، وخرج عَدْوًا إلى بيت حبيبته،
    وكان على مسافة من بيته، فلما توسَّطَ الطريق أخذته رجَّة عظيمة ألقته على ظهره وأخذه
    الدوار.

    فتح عينيه، فإذا أبنية المدينة ترقص رقصًا محزنًا وسمع أمواج البحر تلتطم كأنها موسيقى
    الجنائز، إلا أن هذه تشيع ميتًا واحدًا، وتلك كانت تندب مدينة بأسرها.

    يا للطبيعة تجني وتتألم في وقت واحد! هَمَّ الفتى بالقيام فأعاقته صخرة ضخمة سقطت على صدره،
    فرضَّتْه وكسرت له ضلعين وأسلمته إلى الإغماء، ثم رنَّ في أذنيه صوت حبيبته تستغيث، فأفاق والدم
    يتدفق من فِيه وعالج الصخرة حتى زحزحها عن صدره، ثم عدا فاقد الشعور إلى بيت حبيبته، وبعد جهد
    ما وصل إليه فتسوَّرَ الحديقة، وإذا البيت قد تهدَّم نِصْفُه والنصف الآخر يتداعى، ولولا غشاء
    الدوار على عينيه لدلَّتْه على مكان حبيبته ذوائبُ ذهبية تعبث بها نسمات الصباح، ولكنه جاهد حتى
    دخل حجرة نومها؛ فإذا السرير منكس، وإذا أجزاء السراج متناثرة في أنحاء الغرفة، فكر إلى الطنف
    وفيه رأى الحسناء قد سقطت مثنية إلى جانب الإفريز، وأسلمت ذوائبها الصفر للنسيم، فخلع رداءه
    وألقاه عليها، ثم ابتدأ يتسمع خفقان القلب، فإذا قد وقفت دقاته، وإذ ذاك علقت بقلبه سهام اليأس؛
    فأخرج من فمه صيحة يحملها الدم المتدفق وخرَّ إلى جانبها صريعًا ثلاثة أيام على هذه
    الحال.

    وفي صباح اليوم الرابع، أَلْقَتِ السفن مراسيها على شاطئ المدينة الدائرة ودوَّتْ في الفضاء
    مدافعُ الحزن على الإنسانية؛ فأفاق الفتى على أصوات القنابل ودوي المدافع: مكانَك يا جنار، ليست
    هذه مدافع العدو إنما هي مدافع أبناء الإنسان جاءوا لنصرة إخوانهم. نظر فلم يَرَ إلا سباع الطير
    تنهش لحم الإنسان، تنفَّسَ فكاد يخنقه نتن الجِيَف.

    وبعد حين، سمع أصوات الناس فصاح بصَوْتٍ خافت: الغوث الغوث، الإعانة الإعانة! فما هي إلا أن
    نُصِبَ سُلَّم رَقَتْ عليه الحسناءُ تخاطر بحياتها ولا تبالي بما ستلقاه، رَقَتْ مُسْرِعة
    نَشِطة، فلم تَكَدْ ترى مصرع الحبيبين حتى انكسر قلبها حزنًا على ابن الشعب وحامي حماه، أمَّا
    هو فلم يكد يرى حسناء تحمل حقيبة صغيرة لها قفل من الذهب حتى عرفها.

    أجل؛ عرف ولية نعمته، عرف ربَّة التاج، عرف مَلِكة إيطاليا التي طالما شاهَدَها مع مولاه
    الملك في أعياد رومية؛ فأهدى إليها كلمة الشكر ودَنَتْ منه بشيء من الأدوية المسعفة، ولكن ماذا
    ينفع الدواء إن الفتى قد عاد إلى غشيته؟!

    جَفَتْ وبها من داخل القلب لوعة وللعين دمع وَاكِف
    العَبَراتِ

    تصلي بنسك للإله ولم يكن ليرجع نسك ميتًا
    لحياةِ

    جَثَتْ ربَّة التاج إلى جانبه حزينة منتحبة تقول الصوت تقطعه العَبْرة: يا لله! حبيبان
    يحملهما الموت على جناح واحد!

    انظري أيتها الملكة الشفيقة، إن الفتى قد ذهبت بعقله غمرات الموت؛ فهو ينظر متلهفًا يظنك
    حبيبته، اسمعي إنه يدعوك بصوت خافت: عانقيني أيتها الحبيبة عانقيني بازنتا، إنني سأموت الآن!
    مالتْ إليه ربةُ التاج، فأغمضت عينيه بقُبْلَتَيْن طاهرتين وعانقته طويلًا، وإن على شفتيه
    لابتسامة خفيفة، وهو يقول: لقد كنت أوقن بأنك حية.

    في ذمة الله أيها الحبيبان، ولك الثناء الطيب أيتها المَلِكة.

    شكاة الأديب
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٢٧ نوفمبر ١٩٠٩

    ضَنيتُ لا من هوَى الغَواني واشتقتُ لا للمَها
    الحِسان

    وشفَّني لا صدود ريم إذا ثنَى عِطْفه
    سَبَاني

    وافتداني لا هوَى فلان فقد تولَّى هوَى فلان

    ما أنا والحب يَزدَهيني حسبي من الحب ما
    ازدهاني

    لقد بلوتُ الغَرام غِرًّا فكم بآلامه
    ابتلاني!

    كم حمد الغِيد من بلائي مُذْ كان لي بالهوى
    يدان!

    تحكَّم الغِيدُ فيَّ دهرًا ثم انثنى عنهم
    عناني

    لا أكذب الله أن عامًا مضى حثيثًا بلا تواني

    إذا تذكرته استهلَّتْ دموعُ عيني كالجُمَان

    إذ أنا في لذة وأمن أباكر اللهو غير واني

    أستقبل الدهر في صفاء وما درَى كاشِحٌ مكاني

    لا يصحو لي عاذلي وإن لم يُثنِ اعتزامي إذا
    لَحَاني

    إني لذو رحمة وعطف على عدوي وإن قلاني

    أرْضَيتُ بالطَّيِّبات نفسي في غير إثم ولا
    افتتان

    ما أخذ الكاتبان سوءًا يذودني عن رُبَى
    الجنان

    إن كان في قُبلة جناح فإنني منه في أمان

    لم أستبح نَيْلها فجورًا بل قال بالحِلِّ
    «مُفتيان»

    قد نِلتُها واستزدتُ منها لو بعض ما نلته
    كفاني

    ثم طوى الدهر ذاك عنا ليتَ الرَّدَى قبلها
    طواني

    لا يشمتُ الحاسدون إني سَلوتُ حبي وما
    سَلاني

    رأيت أن الهوَى سيُلقي نفسي في هُوَّة
    الهَوان

    فقلتُ للقلبِ: عدِّ عنه ودَعْه للمُترَف
    الجبان

    إن نعيم الحياة يَفنى وطيب الحمد غير فاني

    هن الأماني ملَكن قلبي يا وَيحَ قلبي من
    الأماني!

    ذُدْنَ كَرَى النوم عن جفوني وقلن للصَّفْو لا
    يراني

    أدْنَينَ أسبابَهن مني ونائل الدهر غير داني

    بيني وبين الزمان حربٌ لا صنع الله للزمان

    لن يبلغ الثأر من زمان من صال بالسيف
    والسنان

    إن كان يُغني البيان عني فإنني صاحبُ البيان

    من حارب الدهر لم يَسَعه إلا رضاه بكل شان

    لم أمضِ عشرين غير أني بلوتُ دهري كما
    بَلاني

    ما أنا والحادثات إلا كالريح والأغصن اللدان

    أميل بالنفس حيث مالت مثبت الجأش والجنان

    إذا شكى البؤس كل ندب فقد نجا منه شاعران

    بينا نعانيه كان شوقي يقصف في كرمة ابن هاني

    وحافظ في القطار يلهو مُشرَّد الهمِّ غير
    عاني

    أذاك أم مسَّه شقاء فانتجع الواصل المداني؟

    ثم انثنى وهو بالصفايا من صلف الدهر في ضمان

    فليَطبِ الشاعران نَفْسًا إنَّا رَضينا بما
    نعاني

    ما سرَّني ساعة كبؤسي والأدب الغض صاحبان

    لقد سَئِمْتُ الصِّحَاب حتى وَددتُ لو كلُّهم
    جفاني

    تهاني العيد
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٢٥ ديسمبر ١٩٠٩

    أعلم أنَّ عهد القُرَّاء برسائلي بعيد، وأن قليلًا منهم الذين يقرءون بشَغَف ما أكتب، ويحبون أن يكون كثيرًا؛ أعلم ذلك وإلى هؤلاء أعتذر من انقطاع رسائلي عنهم هذه المُدَّة التي يرونها طويلة، وقد أراها قصيرةً جدًّا، وما إخالهم إلا عاذرين. هل يُصدق القُرَّاء إن قلت لم يصرفني عنهم إلا ما يُنْسِي الشاعرَ نفسَه، ويصرفه عن كل شيء؟

    أيسمعون لي إن قلت: لم يكفَّني عن الكتابة إلا شيء لو استرسلت معه لملَّت الفتاةُ رسائلي، ولسئموا هم قراءاتها؟

    أَيُصغُون إليَّ إنْ قُلت لم أنقطع عن الكتابة إلا مُختارًا، ولقد لذَّ لي عيشي في هذه الفترة أضعافَ ما يَلَذُّ لي اليوم وما بعده؟

    آهٍ! ما ألذَّ الذكرى وأشدَّ آلامها في آن واحد!

    كم أنا سعيدٌ أمس! وكم أنا شقيٌّ اليوم! كم كنتُ راضيًا عن الناس مُحبًّا لهم! وكم أنا ساخط عليهم مُتبرِّم بهم! إن قلبي ليريد أن يتكلم، ولكن لا يجد من يفهم عنه.

    إنَّ للقلوب كلامًا لا تؤدِّيه الألسنة ولا تَعِيه الأسماع، كلام لا تفهمه إلا القلوب. أريد الآن أن أشكو، ولكني لا أجد مُشْكِيًا. أريد الآن أن أنصح، ولكني لا أجد مصغيًا.

    وا حرَّ قلباه؛ تضيع النصيحة والشكوى بين جفاء الطباع ونبو الأسماع! ولكن ما أنا وهذه اللهجة المُحزنة يوم كل الناس فَرِح مسرور.

    معذرة إلى القُرَّاء؛ فقد أكون حيًّا في الطبع قليلًا أو كثيرًا. والحق أقول: إنَّ من يستهين بالحزن والفرح ليس له أن يعيش هنا أو على أقلِّ تقديرٍ ليس له أن يكتب إلى من يرونهما كلَّ الحياة، غير أن بين القُرَّاء فريقًا هم شُركائي في المذهب، ونظرائي في العقيدة؛ فلا عليَّ أنْ أُقَدِّم بعد ذلك إلى القُرَّاء كافةً أجملَ تحية، وأزكى تهنئة بهذا العيد السعيد.

    أقدِّم لهم هذه التهنئة والتحية؛ لأنَّ هذه عادة قومية لا أجد لي منها بُدًّا.

    لقد أصبحتُ أمسِ وإن بين يديَّ من رسائل التهنئة لشيئًا كثيرًا جلست إليه أستقصيه؛ فاستقصيتُ معه الضحكَ والبكاء. جعلتُ أقرأ تلك الرسائل فكنتُ أنبذ واحدة وأحتفظ بأخرى، وأنا على ذلك نَشِطٌ مسرور، حتى وقعت لي رسالة لم أكد أقرؤها حتى انتقلت فجأة من السرور إلى الحزن، ومن الضحك إلى البكاء، وخفتُ أن يلحظ جُلسائي عليَّ ذلك فتركتُهم مُعتذرًا، ودخلتُ إلى حيث أستطيع أن أدع للدموع مجراها وللَّوْعة سبيلها.

    فيا لكَ من يوم توالت همومُه على النفس حتى خلتُ أنيَ هالكُ

    أرى الناس كلٌّ آخذٌ بنصيبه من البؤس والنُّعمى فباكٍ وضاحكُ

    لم تستخفَّني هذه الرسالة لبلاغة في معناها، أو رقة في أسلوبها، أو جمال في معرضها، وإنما استخفتني لأنها رسالة فلان.

    قرأت هذه الرسالة؛ فإذا فيها:

    صديقي العزيز اجتمعنا في مثل هذا اليوم ومعنا أصدقاؤنا الأعزاء، فسُقْيًا لذلك اليوم! ثم افترقنا بعد أيام، ولم يبقَ إلا أنا وأنت؛ فما أجمل هذه الذكرى! ثم فرَّق بيننا أولُ الصيف؛ فبعدًا له! أهنئك بهذا العيد، ولا أكذبك أني لا أجدُ لنفسي عنك صبرًا. أَعِرْني سمعَك وأبلغ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: كذب كل ما قيل. صديقك

    لماذا تحزنني هذه الرسالة؛ لأنها رسالة شخص ما كان أعزه عليَّ وأحبَّه إلى قلبي، توثَّقت بيني وبينه العُرَى واتصلت الوسائل، ثم انقطعت فجأة في اليوم الذي كنت أؤمِّل فيه أن لا تزيد إلا توثُّقًا واتصالًا.

    أيها الشخص الكريم عليَّ، الحبيب إليَّ، المُستأثر بقلبي، العابث بلُبِّي، المالك لسعادتي وشقائي، العارف بآلامي وطبي (كل ذلك قد كان)، سلام على عهدك القديم وأيامك الخالية وودِّك قبل أن يستحيل، وقلبك قبل أن يملكه غيري. تالله ما ابتسام هذا العيد لي في هذا العام كابتسامك لي العام الماضي، ولا صفاؤه لي في هذه السنة كصفاء قلبك لي في السنة الماضية، ولا سروري به العام كسروري بلقائك عام أول.

    تالله ما أفسدَ بيني وبينك إلا أنت، ولا صدع قلبي وقلبك إلا أنت، ولا أشقى صديقينا إلا أنت؛ فأنت أصل سعادتنا عامين، ومصدر شقائنا آخرَ الدهر. نشكو منك إليك؛ فأنت المنتصف. اجتمعنا في مثل هذا اليوم — كما تقول — فلا سُقْيًا لذلك اليوم؛ لأنه أصل شقائي، ثم افترقنا بعد أيام فلم يبقَ إلا أنا وأنت — كما تقول — فما أسوأ هذه الذكرى! لأنها مصدر مِحنتي، ثم فَرَّقَ بيننا أول الصيف، فسُقْيًا لهذا اليوم؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.

    أهنِّئك بهذا العيد ولا أكذبك أني صابر عنك صبرًا جميلًا. أَعِرْني سمعك وأبلغْ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: لقد كذَّبتُ كلَّ ما قيل، ولكن لم أستطع تكذيبَ ما أشاهد، والسلام.

    منصب الرسالة
    طه حسين
    مجلة الهداية
    يناير ١٩١٠

    نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.

    هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!

    مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.

    فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.

    قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.

    هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.

    بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.

    فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.

    بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.

    فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ )، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.

    هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ).

    وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»

    وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).

    كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل( : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.

    والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.

    حتى في الحفلات العامة
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٥ يناير ١٩١٠

    أكثَرَ النَّاسُ مِنْ نُصْحِ الأزْهَريِّينَ وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وتنفيرهم مما هم فيه
    من لغو القول وسخف الحديث؛ فلم يلتفتوا إلى ما دُعُوا إليه، ولم يُصغُوا إلى أصوات المُخلصين أو
    تهكُّم الساخرين.

    ولقد كنتُ بعيدًا عن هذا البَحث؛ لأنِّي أخذْتُ على نفسي أنْ لا أكتُبَ الآن فيما يُغضب
    أحدًا، وأن تكون أبحاثي مقصورة على الأدبيات والغَراميات مُذْ كان ارتياح الناس إلى هذا كثيرًا،
    وتطلبهم له جمًّا، لولا أن دُعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الزَّيات
    مساء الخميس الماضي؛ لعقد قرانه بكريمة المِفضال سيد أفندي النجار، فلمَّا أجبتُ الدَّعوة راقني
    ما كان في الحفل من جمال وظُرف، ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقتُ إلى
    سَمَاعه. ولستُ الآن بقائل كلمتي في هذا النوع من الغناء، ولا في هذا المغني المطرب الأستاذ
    الشيخ الحمزاوي، ولكني أقول كلمةً هي في الحقيقة حزن وأسى، لا سرور وفرح.

    بينما كان المُغني يطرب الناس بغنائه الجميل مال إلى طريقة لم أفهمها، كما أني لم ألُمْهُ
    فيها. هذه الطريقة هي التهكم بالأزهريين والسخر منهم: أوله «رُبَّ»، فما هي إلا أن أسترسل في
    البيت قليلًا ثم عاد فانتقل منه إلى قطعة من «الآجرومية»، فجعل يقول: رُبَّ ولعل ومتى واللام
    والواو والباء والتاء، فضحك له النَّاسُ كثيرًا، ومنهم أنا، إلا أنَّ ضحكي لم يكن إلا عنوانًا
    لما يُكِنُّه فؤادي من الأسف والأسى على ما وصل إليه أمر الأزهريين من الضِّعة والامتهان، ثم
    انتقل إلى بيت آخر هو قول القائل:

    إن كان في جلنارِ الخدَّ مِن عجبٍ فالصدرُ يَطرحُ رُمانًا لمَنْ يردِ

    فجعل يُرَدِّد هذا البيت بأنْغَام مُستحسنة، ثم عمد بطريقة من التهكم إلى كلمة في البيت هي
    الجلنار، فقسمها قسمين، وأخذ لفظة النار فجعل يرددها هكذا: نار على نور، نور على نار، نار على
    نار.

    ثم شرح هذا الترديد بقوله: النور في وجه الحبيب، والنار في كبدي أنا. ولو أنَّ بالكتابة يتمثل
    للناس المعاني تمثلًا ظاهرًا لمثلث للقُرَّاء تَهكُّم المعنى فيما كان يقوله بطريقة الترح
    والحواشي، ولا سيما التفاته بذلك إلى العمائم؛ فقد كان كثيرًا مُضحكًا.

    أنا لا ألوم المغني في ذلك؛ فقد يكون عمله وتبكية الأزهريين طريقة من طرق النصح والإرشاد، كما
    أنه قد يكون مَحض التفنن لإرضاء السامعين وإطرابهم، وعلى كلتا الحالين فنحن الأزهريين أهل
    اللوم؛ لأنَّنا جعَلْنا أنفسنا أغراضًا لمِثْل هذه المخجلات، وأبينا مع مرور الزَّمن إلا أنْ
    نظل على ما نحن فيه من جمود وخمول؛ فعسى أن نتعظ بمثل هذا التهكم وتلك السخرية اللذين يترددان
    كثيرًا في كل يوم، حتى أصبحت لفظة الأزهري أو المجاور سُبَّة على الناس وعارًا.

    لعلنا نتعظ بكل هذا فنصلح من أمرنا، ونقصر عن جمودنا، ونجاري غيرنا في الرُّقي والتقدم؛ فقد
    بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطبين، وإن في ذلك لبلاغًا.

    يوم القران قصيدة قالها صاحب الإمضاء يهنئ بها صديقه صاحب الحفل، ويحمد من حفله أن جمعه بصديق له
    طالت بينهما الجفوة، فأصلح بينهما: يا خليليَّ سلامي حبذا يوم القران حبذا أمس فَفَدَّا ني نوالًا غير دان حبذا ليلة أمس راق لي فيها زمان ليلة قد نلت فيها من حظوظي ما شفاني ليلة قصر في تقـ ـريظها أمس لساني أنا لا أحمد منها حسن توقيع الأغاني إنما أحمد منها حسن أنسي بفلان وسروري بصديق وهو في أحسن شان ناعم البال قرير الـ ـعين في غير افتتان لم أزل أقصف حتى خلت أني في الجنان بينما نحن على ذ لك زفَّ القمران آه يا زياتُ ما أجـ ـمل ساعات الأماني! هُنَّ قد هجْنَ لنفسي ذِكْر سَحْرٍ وعنان أنا لولا سوء حظي لم أكن إلا ابن هاني يا شقيق النفس ضاق الشـْ ـشِعر عن نظم التهاني لا تلُمني إن دعوتُ الشـْ ـشِعر والشعر عصاني جلَّ حبي لك يا زيـْ ـيَات عن وصف البيان لك من صِدْق ودادي أي أسباب متان يا صديقي ولعمر الله لو صدقتماني! آه كم أضمر حبًّا لكما لو تعلمان! إن محمودًا لمن قلـ ـبيَ في خير مكان لكما نفسي فداء من عوادي الحدثان فلتعيشا ليَ حتى يقضيَ الله زماني قد أطلت القول يا زيـْ ـيَات فاهنأ بالقران

    المروق
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢٨ يونيو ١٩١٠

    أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

    كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

    كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

    ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

    لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).

    الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

    بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

    ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

    كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

    أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

    وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

    قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

    أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

    أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

    أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

    اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.

    حقيقة الدين
    طه حسين
    مجلة الهداية
    يناير ١٩١٢
    زعموا والزعم في هذه الأيام كثير أن الرجل لا يكون خيراً صالحاً ولا مسلماً متورعاً ولا تقياً رشيداً إلا إذا اصطنع أموراً خاصة وانتحل نحلاً معينة وذهب مذاهب معروفة، فليس له أن يلبس إلا لبوساً خاصاً فيكبر العمامة ويرسل أردان الثوب ويطيل الأكمام ويمشي مشية المتخشع الذي يتكلف الوقار ويظهر الحرص عليه. وينبغي أن يأخذ في يده مسبحة طويلة كبيرة الحبات ويغرس في عمامته سواكاً طويل القامة ويملأ أنفه من حين إلى حين بألوان من السعوط ويطلق لسانه من آن إلى آن بأنواع من الكلام تكثر فيها القاف وغيرها من الحروف الضخمة الفخمة. فكل هذه أمور لازمة وصفات ضرورية هي مقومات العلم والدين فليس لمسلم صالح أن يحيد عنها أو يتكلف غيرها إلا إذا أراد أن يحيد عن السنة ويميل عن العقيدة الطاهرة ويذهب مذهب الملحدين.

    قالوا: ولا بد من التردد على مقابر الأولياء ومشاهد الصالحين والطواف بها والوقوف عليها وإظهار الخشية والرهبة لها والتقرب إلى الله عز وجل ببركة سكانها، ومن حاد عن ذلك فقد اختار الأولى على الآخرة وآثر الباطل على الحق ورغب إلى الدنيا عن الدين.

    قالوا: ولا بد مع ذلك من الاحتفاظ بعقائد السلف وعادات الأولين والابتعاد عن استحداث الأمر الصالح والسنة النافعة وعن الجهر بالرأي والتصريح بذات النفس وعن القول في العلم والدين بما لم يقله قائل ولم يذهب إليه ذاهب، فإن ذلك أدنى إلى حسن العاقبة وأخلق بمن يريد أن يلقى الله بنفس بريئة وقلب سليم.

    ذلك هو القانون الذي رسموه وأوجبوا على المسلم الصالح أن يتبعه ويحرص عليه ليسلم له دينه وتصح له عقيدته ويأمن من حر النار وعذاب الجحيم، وقد رأوا أن العدول عنه والتبديل فيه نوع من الشرك وضرب من الزندقة وطائف من المروق.

    بذلك انطلقت ألسنتهم وفاضت فتياهم وعليه دلت أعمالهم وبرهنت أطوارهم، فلنبحث الآن عن نصيبه من الحق وحظه من الصواب وليكن بحثنا في هذا الفصل مجملاً موجزاً لنتبعه فيما بعد بفصول ضافية متصلة نشرح فيها حقيقة العقائد الدينية لتهتدي إليها الأمة ويظهر عليها الجمهور.

    لا نفهم للدين معنى يقصد إليه أكثر من هداية النفوس إلى ما يصلح أمرها في الآخرة والأولى، فإن الإنسان اجتماعي بطبعه مدني بفطرته نزاع إلى إيثار نفسه بالصالحات واختصاصها بالطيبات، وذلك مؤدٍ لا محالة إلى اختلاف الأهواء وافتراق الآراء وتباين المذاهب والأغراض، فقد تتعارض المصالح وتتنافى المنافع فيدعو ذلك إلى اضطغان الصدور وامتلاء القلوب بالموجدة والبغض، وذلك مصدر فساد في الأرض يعقبه سفك للدماء المحرمة وإهدار للنفوس المعصومة وقطع لأواصر المودة والألفة بين الناس وهدم لصروح الحضارة والعمران، فلا بد من حاكم حازم وسلطان رشيد يحكم بين الناس بالقسط ويرد عادية القوي الظالم عن الضعيف المظلوم ويصرف الأفناء والجماعات إلى العمل الصالح والرغبة في الخير والمنفعة العامة.

    ثم إن مما لا شك فيه أن لكل عمل من أعمال الإنسان أثراً حسناً أو سيئاً ونتيجة محمودة أو مرذولة كما أن له مقدمة وعلة، وأقصى ما لأعمال الإنسان من النتائج والآثار هو ما يلقاه بعد الموت من خير أو شر ومن نعيم أو جحيم، وذلك كله يقتضي أن هناك مصرفاً للأمور ومسيراً للعالم ومثيباً بالحسنات ومعاقباً على السيئات ومسيطراً على النفوس ومستأثراً بالقلوب، فلا بد للإنسان من مرشد إلى هذا كله ودال عليه لأن عقله لا يستقل بالوصول إلى حقيقته، ولئن استطاع أن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعلم قليلاً من أمر الآخرة لانقطاع الأسباب بينها وبين العقل. وقد امتن الله على الإنسان فأرشده إلى كل ذلك بمن أرسل إليه من رسل وما أنزل عليهم من كتب وما شرع لهم من دين.

    فليس لأحد أن يذهب في فهم الدين غير هذا المذهب أو ينحو غير هذا النحو أو يسلك غير هذه السبيل، لا لأنا نحجر على الرأي أو نستبد في النظر بل لأن ذلك هو الحق الواضح الذي ينطق به الدين وينادي عليه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.

    هذه آيات الكتاب ناطقة بأن الله لم ينزل كتبه ولم يشرع دينه إلا لهداية القلوب وإرشاد الناس إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، وقد أحل لهم فيه الحلال وحرم عليهم الحرام وماز لهم الحق من الباطل والرشد من الغي والحسن من القبيح، فمن بدّل فيه أو زاد عليه فهو حريّ بالإثم خليق بسوء الجزاء.

    فلنبحث الآن عن هذه الأوضاع المحدثة والأطوار المبتدعة ولننظر أين مصدرها من الدين وهل جاء بها نص ظاهر أو مؤول من سنة أو كتاب.

    نعرف أن ليس في القرآن الكريم آية أو سورة أنزلت لبيان ما ينبغي أن يتخذ الناس من لبوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذنا بنوع خاص من الثياب أو شكل معين من الأزياء، وإنما ترك لنا ذلك لأنه لم يبعث ليعلمنا كيف نلبس أثوابنا أو نصور أشكالنا، وإنما بعث ليعلمنا كيف نعبد الله عز وجل وماذا ينبغي أن نتخذ إلى السعادة في الدنيا والآخرة من سبيل.

    لذلك لم يقيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهم بزي خاص بل اتخذوا العمائم قبل الفتح ولبسوا القلانس بعده واستبدلوا المخيط من الثياب بالأزر والأردية واتخذوا القصور الشامخة في العراق والشام بل وفي المدينة نفسها، وقد تحلى معاوية بالذهب والفضة ولبس الديباج والحرير، ولعمري إنا لأسمح ديناً من أن نضيق بما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نعرف أن الإسلام إنما شُرع حرباً على الوثنية وماحياً لها وعدواً للباطل وقاضياً عليه، فهو أطهر وأنقى وأكرم عنصراً من أن يأمر بتعظيم القبور والأنصاب وتقديس الأحجار والأشخاص. وإنما الذي ينبغي تعظيمه ويجب تقديسه والإذعان لسلطانه هو الله الذي لا إله إلا هو قد استأثر بالعزة والسطوة وانفرد بالعظمة والجلال.

    قالوا: لا نعبد هذه القبور والأشخاص ولا نقدسها وإنما نتقرب بها إلى الله ونتشفع بها لديه. ولعمري ما قالوا إلا شراً وما ذهبوا إلا إلى بدع من الأمر ومنكر من الباطل. فليس بين الناس وبين الله من سبب ولا وسيلة إلا الطاعة الخالصة والإنابة البريئة من الشرك والرياء والله عز وجل يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ويقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وإنما التوسل بالأشخاص والتماثيل سبيل المشركين به الخارجين عليه الذين أنكرت عليهم عبادة الأصنام والتماثيل فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ومن ذا الذي يتقرب إلى الله بشخص لا حول له ولا طول أو تمثال لا حس به ولا حياة ثم يعتقد بعد ذلك أنه صادق في دينه مخلص في إيمانه قد خلصت عقيدته من الشك وتمحضت لليقين.

    نعرف أن الإسلام إنما شرع محرراً للعقول والآراء مستنقذاً للأفراد والجماعات من الرق الأدبي والمادي، وبهذه المزية أحيا الأمم ورقى الشعوب، فمن أين لهؤلاء المبتدعة القول بأن الاجتهاد في الدين غي والتصريح بالرأي إثم وإيثار المنفعة للمسلمين مروق؟ ومن قبلنا قد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وجهروا بآرائهم واختاروا المصالح للناس، لم يتقيدوا إلا بالكتاب والسنة وعلى سنتهم مضى التابعون.

    أفكان سلفنا الصالح مبتدعاً مارقاً؟ كلا، وإنما هو الحرص على القديم السيئ والتمادي في الباطل المهلك قد انتهى بهم إلى ما يقولون، ويا ليتهم ذهبوا في هذا الأمر إلى شيء مجمل أو قالوا فيه مقالة موجزة قابلة للتأويل، ولكنهم قد أكثروا القول وبسطوه وفصلوا الأمر ولجوا فيه، فزعموا أن دين المرء لا يصح إلا إذا قرأ عقيدة السنوسي التي يعلمها الخليل أطفال الجنة إلى غير ذلك مما لا مصدر له إلا الأوهام والأباطيل.

    الآن قد أشرنا إشارة مجملة إلى حقيقة الدين وبينا أنه لا يتناول أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن زاد على ذلك فيه فقد ضل وأضل. ولنا فيما بعد فصول مبسوطة نفصل فيها القول ونبسط فيها الكلام.

    نحن والتقريظ: مختارات المنفلوطي
    طه حسين
    ٢ أبريل ١٩١٢

    أما وقد كتب الكاتبون عن هذا الكتاب وفيهم ولي الدين وبعضهم وحافظ، فسنلقي دلونا في الدِّلَاء
    — كما يقول المثل العربي — وسندع شيئًا من أعمالنا للنظر في قيمة هذا الكتاب ومنزلته من كتب
    الآداب إيثارًا للحق واختيارًا لنصح الأمة وإرشادها.

    ونحن نعتقد أن صاحب المختارات لن يَضِيق لما سنكتبه من النقد بعد أن بلا حلاوة التقريظ الذي
    أهداه إليه جماعة الكُتَّاب والشعراء، وإنما نكتب عن هذا الكتاب من وجوه:

    الأول: منزلته من الاختيار وحُسْنه. ونريد بهذا الوجه أن نعرف نصيب صاحب الكتاب من تحقيق
    الغرض المقصود أو الذي ينبغي أن يكون مقصودًا من الاختيار في الآداب، وهو تمثيل الحياة الفكرية
    للأمة التي يختار من آدابها في عصر من العصور، حتى يتأتى لتاريخ الآداب أن يستمد هذه الصورة
    التي يمثلها الاختيار حكمه على هذه الأمة أولها بالتبريز في الآداب أو القصور.

    وإذا أردنا أن نتكلم عن كتاب المنفلوطي من هذا النحو وجب علينا أن نقتصد كل الاقتصاد في المدح
    والثناء؛ لأنه مع الأسف الشديد لم يستطع أن يُمثِّل لنا صورة ما من الصور الأدبية للأمة العربية
    في أي عصر من العصور، وإنما الكتاب عبارة عن مقطعات صغيرة من الشعر والنثر في موضوعات مختلفة
    وعصور متباينة، وقلَّما تستطيع القطعة منها أن تبين حالًا خلقية أو فكرية للعصر الذي قِيلَتْ
    فيه؛ لأنها صغيرة ولأنها منفردة في كثير من الأحيان.

    اختار المفضل الضبي فمثَّل العصرَ الجاهلي أحْسَن تمثيل، وأهدى إلى أئمة اللغة مقدارًا كبيرًا
    من الشواهد العربية التي تقوم بكثير مما كتبوه، ومثله صنع أبو تمام والبحتري إلا أنهما تناولا
    العصرين الأموي والعباسي.

    أما المنفلوطي فقد اختار في جميع العصور على التقريب إلا أنني أستطيع أن أباهل أي كاتب من
    الكُتَّاب على أنه لم يُحْسِن تمثيل أي عصر من العصور. وكيف يبلغ هذه المنزلة من يكتفي بإيراد
    بيتين اثنين لعدي بن الرقاع في تهذيب الشعر؟! فالكتاب من هذا النحو لم يُهْدِ إلى تاريخ الآداب
    شيئًا ما، وإنما هو على مثال تلك الكتب التي تُؤلَّف للظرفاء يستظهرون ما فيها من المقطعات
    لتنطلق بها ألسنتهم في الأسمار والمحاضرات من غير إطالة ولا إملال، وإن عندنا منها شيئًا
    كثيرًا.

    الوجه الثاني من وجوه النقد: تَحرِّي صاحبنا لأسماء الرجال وأيام حياتهم وتراجمهم؛ فإن مما لا
    يحتمل النزاع أن صاحب المختارات راوٍ يجب أن يكون صادق الرواية حَسَن الضبط — كما يقول علماء
    الحديث — فإذا زل في اسم رجل أو تاريخه كان ذلك سبيلًا إلى ضعف الثقة به وتبدُّل الرأي فيه. كيف
    لا، وذلك تغرير للشبان الذين سيعتمدون عليه في حفظهم واستظهارهم؟!

    ولصاحب المختارات من هذا كثير نذكر منه الآن خطأه في اسم كاتب كبير ومؤلف مشهور شاع ذكره بين
    الأدباء منذ القرن الرابع للهجرة، وهو أبو هلال العسكري الذي سمَّاه المنفلوطيُّ ابنَ هلال،
    وإنما نعرف ابن هلال أحد الخطاطين في مدينة بغداد، فأما الذي روى عنه المنفلوطي فأشهر مِنْ أن
    يناله الخفاء وكتبه بيننا منشورة وأحاديثه معروفة!

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول إن صاحب المختارات قد جعل على الثقة به سبيلًا للشك
    والريب.

    الثالث من وجوه النقد: إصابة المؤلف في رواية النصوص الشعرية والنثرية وفَهْم ما يرمي إليه
    أصحابها من المعاني والأغراض، ولصاحبنا المنفلوطي من الخطأ في هذا شيء كثير، نذكر منه الآن خطأه
    في أول بيت رواه في كتابه، وهو قول الأعرابي:

    وداهية داهى بها القوم مُفلقٍ شديد بعوران الكلام
    أذومها

    روى صاحبُنا البيتَ مُصَحَّفًا فضَبَطَ «القوم» بالنصب على أنها مفعول والصواب رفعها على أنها
    فاعل، وإنما «مفلق» بالجر على أنها صفة للداهية. وروى «بعوران» محرفة؛ فزعم أنها العوراء وليس
    بشيء، وإنما هي كما روينا لك، وتحقيق ذلك مبسوط في كتاب الكامل لأبي العباس المبرد.

    وزعم أن الشاعر يشكو ويستغيث من سفاهة خصمه، واستشهد بهذا على سوء حظ الأدب في هذا العصر،
    ولكنه مع الأسف قد أخطأ؛ فإن الشاعر يفتخر بذرابة لسانه ويتمدح بقوة حجته وشدة شكيمته! والدليل
    على ذلك قوله بَعْدُ:

    أصختُ لها حتى إذا ما وعيتُها رميتُ بأخرى يستديم
    أميمها

    ترى القوم منها مُطْرِقين كأنما تساقوا عقارًا لا يبل
    سليمها

    وقد وهم المنفلوطي فروى الشطر الثاني من هذا البيت: تساقوا بكأس! والصواب ما رويناه لك كما هو
    في الكتب الصحاح، وأخصها كتاب الكامل.

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول: إن صاحب المختارات لم يُوفَّق إلى المنزلة الوسطى في حُسْن
    الضبط، وإتقان الرواية، وإصابة الفهم.

    الوجه الرابع: أن صاحب المختارات قد تعرَّضَ في كتابه لترجمة الشعراء والكُتَّاب الذين اختار
    لهم فلم يجد في ذلك؛ لأنه توهم أن ترجمة الشاعر هي عبارة عن ذكر السَّنَة التي وُلِد أو مات
    فيها مع شيء من المدح والإطراء الذي لا ينبغي أن يسرف الناقد فيه، بل يجب أن يتوخى فيه القصد
    والأناة.

    وليت شعري! إذا كان كل الشعراء والكُتَّاب فحولًا مجيدين وأفذاذًا نابغين، فماذا عسى أن يكون
    نصيب النقد الصحيح مما كتبوه أو نظموه. تلك طريقة قد سلكها المتقدمون وشقي بها المتأخرون، فحسن
    رأيهم في كل كاتب وظنهم بكل أديب، وذهب التفاوت بين طبقاتهم في الحقيقة.

    ومن الغريب أن المنفلوطي مع ذلك لم يترك أن يقول إن هذا الشاعر من الطبقة الأولى، وذاك من
    الطبقة الثانية! وما أدري أي شيء هو الحد الذي جعله فاصلًا بين الطبقات ومميزًا بين أقدار
    الشعراء، ومن هذا النحو نستطيع أيضًا أن نقول إن صاحب المختارات قد أفعم كتابه بالغلو
    والإسراف.

    وهناك وجوه أخرى لا أُطِيل بذكرها الآن؛ لأني سأعود إن شاء الله إلى النقد المفصَّل، وإنما
    أكتفي في هذا اليوم بما تقدم مع إظهار الأسف الشديد لهذه الحال التي نحاول أن نفارقها فلا
    نستطيع، وهي حال الغلو في التقريظ والإفراط في تقارض الثناء.

    قصد ولي الدين فيما كتب، ولم يُصِب «بعضهم» الإنصاف فيما نشر.

    أما حافظ فأكبر الكُتَّاب على التلاميذ، وزعم أنه كفاية الأديب الفذ والكاتب النابغة، ولعمري
    إن بعض ما ذهب إليه حافظ ليكفي لإرضاء المنفلوطي، ولَعَمْرُ حافظ لو أن هذه الأمة امتلأت بأدباء
    لا يعرفون إلا ما في مختارات المنفلوطي لكانت أقل من أن تغني غناء أو أن تبلي بلاءً. وإنها
    منزلة لا يحبها لأُمَّتِه إلا مغرورًا وسيئ القصد، وإني أُجِلُّ حافظًا عن هاتين الصفتين وأنصح
    له آخرة الأمر أن يقصد في إظهار ذات نفسه، وأن يتحرى إصابة الحق في أناة؛ فإن من العيب أن أنكر
    عليه قوله: «أخذ عليك ولي الدين.» فإن العرب لا تعدي «أخذ» ﺑ «على» في هذا الموضع، وإنما تعديها
    بالباء. كذلك من العيب أن أنكر عليه قوله: «أخصب ما بينه وبين البلاغة، ويبس ما بينه وبين
    الركاكة.» فإن الذوق لا يقابل الإخصاب باليبس وإنما يقابله بالإجداب، وإن في هذا الآن لكفاية
    وغناءً، ولعل موعدنا بنقد المقدمة في ألفاظها ومعانيها قريب.

    الألقاب والثياب
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢١ أغسطس ١٩١٢

    ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!

    أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.

    أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!

    ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …

    يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!

    ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.

    اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.

    إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟

    بعد الأوبة
    طه حسين
    مجلة السفور
    ٥ نوفمبر ١٩١٥

    الحمد لله على أنني قد صرت من دهري إلى شر حال

    مشتت النفس بعيد الهوى في عثرة من زمني ما تُقال

    جهدتُ في الخير لنفسي فما أدركت منه غير طيف الخيال

    مني وآمال تقسمنني ثم انجلى زخرفها عن محال

    نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.

    أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.

    والذنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمه

    ولو استقامت كانت الأ حوال فيها مُستقيمه

    تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.

    وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.

    واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.

    ويا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

    أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.

    وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.

    زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.

    وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.

    شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.

    فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.

    يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.

    حياة الخنساء (١): إلى الآنسة صبح
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٢ نوفمبر ١٩١٥

    سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.

    أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.

    هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.

    فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.

    ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.

    يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.

    يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.

    يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.

    المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.

    غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.

    أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.

    البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.

    طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.

    لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.

    أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.

    على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.

    الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.

    فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.

    لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.

    وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.

    على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.

    ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.

    الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire .

    وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.

    ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.

    ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.

    سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.

    حياة الخنساء (٢): إلى الآنسة صبح
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٩ نوفمبر ١٩١٥

    مع السرور والابتهاج، أيتها الآنسة العزيزة، أجحد أن تكون للخنساء وغيرها من شعراء الجاهلية
    شخصية تاريخية، وإن كُنتِ ترين في ذلك غير ما أرى، وتَمِيلين إلى غير ما أميل إليه.

    الخنساء شخص لا يعرفه التاريخ؛ لأنها عاشت قبله أو لأنه لم يظهر عليها.

    لم تكن الكتابة أيام الخنساء شائعة عند العرب؛ فمن اليسير أن نعد عصرها من عصور ما قبل
    التاريخ. وهبيها كانت شائعة معروفة
    ومنتشرة في جميع طبقات الأمة، ومُتناوِلةً للدقيق والجليل من حياتها الأدبية والسياسية، فإنها
    لم تتناول حياة الخنساء، أو تناولتها ولم تصل إلينا لأمر ما، فكل ذلك يكفي كفاية تامة لإلزامنا
    جحد الشخصية التاريخية للخنساء الآن.

    ذاك لأن التاريخ كما يُعرِّفه أصحابه وواضعو مناهجه من المحدثين هو ما استنبط من مصدر مكتوب،
    فإذا لم يوجد هذا المصدر لم يوجد التاريخ، فلو أن شاعرًا أو كاتبًا يعيش بيننا الآن، ثم لم
    تتناول الكتابة حياته، أو شيئًا من نظمه أو نثره؛ لكان من الحق عليك وعليَّ أن نجحد شخصيته
    التاريخية وإن كان قد عاش في عصر التاريخ.

    هوميروس اليوناني شخص يجهله التاريخ؛ لأنه عاش قبل أن تشيع الكتابة في الأمة اليونانية، ومع
    ذلك فنحن نقرأ قصيدتيه كاملتين، ونستفيد منهما الفائدة كلها في تحقيق الحياة الاجتماعية
    والمدنية لليونان أيام جاهليتهم. وبالإلياذة خاصة استعان المؤرخون والأثريون على استكشاف
    طروادة، وظفر التاريخ من هذا الاستكشاف بالشيء الكثير، ولكن بندار اليوناني شخص تاريخي لأنه عاش
    في عصر ظهر التاريخ فيه على كثير من دقائق الحياة اليونانية، ومع ذلك فإن شعره الغنائي الكثير
    لم يؤدِّ إلى التاريخ من الفائدة مثل ما أدى شعر هوميروس.

    من هنا يظهر الفرق بين من نسميه شاعرًا تاريخيًّا وشاعرًا غير تاريخي، ومن هنا يظهر أيضًا أن
    جهل الشخصية التاريخية لشاعر ما لا يمنع أن يكون هذا الشاعر مفيدًا كل الفائدة للأدب والتاريخ
    إذا استطاع الباحثون أن يدرسوا حياته وشعره، وما روي عنهما من الأساطير درسًا منظمًا
    منتجًا.

    من المعقول ألا يستفيد التاريخ كثيرًا من الشاعر التاريخي؛ فإن ما يتناوله شعره من الحوادث
    ونظم الحياة قد يتناوله تاريخ عصره أيضًا، فليس هناك ما يكلف المؤرخ أن يلجأ إلى الشعر؛ ولذلك
    اعتمد الناس على ما كتب الشعراء التاريخيون من اليونان والرومان في درس ما رووا من الأقاصيص
    والأساطير أكثر مما اعتمدوا عليه فيما تناولوا من حوادث عصرهم التي ظفر بها التاريخ، وإنا إذا
    أحببت أن أدرس مقتل المتوكل من الوجهة التاريخية، كان من الحق عليَّ أن أعتمد في هذا الدرس على
    مؤرخي هذا العصر أكثر مما أعتمد على رثاء البحتري للمتوكل، كل ذلك أمر ظاهر يحسن ألا نطيل القول
    فيه منذ الآن.

    إذا لم تكن الخنساء شخصًا يعرفه التاريخ، فهي شخص تعرفه الرواية من غير شك، ومعرفة الرواية
    للخنساء أمر تاريخي؛ لأن الكتابة تناولته، وظل التاريخ قد انبسط عليه، فبين أيدينا كتاب الشعر
    والشعراء لابن قتيبة، وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وهما يثبتان أن العلماء قد رووا من
    حياة الخنساء وشعرها شيئًا ما. ومن الفضول والغلو في البحث أن نُعنى الآن بإثبات ما كان يجب أن
    يثبته غيرنا من صحة نسب هذين الكتابين إلى صاحبيهما، ولكن الذي لا نجد من أن نعرض له بُدًّا هو:
    أن ما بأيدينا من النسخ لهذين الكتابين يجب ألا ينال ثقتنا المطلقة؛ فقد فقدنا نسختي المؤلفين،
    وفقدنا خطيهما، فمن الجائز أن يكون قد لحق كتابيهما شيء من التغيير والتبديل. ومن الجائز، بل من
    المحقق أن يكونا قد أصابتهما الزيادة والنقص، فقد رأينا صاحب الأغاني ينص على أنه سيتناول مسائل
    الأدب في كتابه، ثم لا يفعل، ورأينا اختلافًا بين النسختين المطبوعتين من هذا الكتاب، ورأينا
    فروقًا غير قليلة بين ما طبع من الشعر والشعراء في مصر وفي أوروبا.

    ومن الواضح أن مثل هذه الفروق أو أكثر منها يوجد بين النسخ المخطوطة من هذين الكتابين، وليس
    منا من يجهل عبث النساخين والمصححين بما ينسخون وما يصححون من الكتب؛ فإن لهم من الجهل والجرأة
    ما يحملهم على ألوان من العبث قلَّ أن يسلم منها كتاب.

    فكيف نستطيع بعد ذلك أن نثق الثقة كلها بأن ما بين يدينا من كتاب الشعر والشعراء وكتاب
    الأغاني هو نفس ما ترك لنا ابن قتيبة وأبو الفرج.

    الشعر والشعراء أقدم مصدر مكتوب وصل إلى أيدينا لحياة الخنساء، وقد كان من الممكن أن تصل
    إلينا مصادر تاريخية عاصرت الخنساء، فقد كان أبناؤها من الجند، ولعل أسماءهم كانت في الديوان
    أيام عمر، ولكن ضياع الدواوين وقلة عناية العرب بحفظ أوراقهم الرسمية قد ذهبا بهذا
    المصدر.

    ابن قتيبة رجل معروف من أدباء القرن الثالث وعلمائه، ولكن شهادة النقَّاد فيه لا تجعل حظه من
    الصدق والتثبت في الرواية موفورًا. والحق أن في كتاب المعارف وكتاب الإمامة والسياسة ما لو صح
    عن ابن قتيبة لذهب بأكثر قيمته التاريخية.

    أبو الفرج الأصبهاني أحفظ علماء القرن الرابع وأجمعهم للرواية، ولكنه كان خليعًا ماجنًا،
    ومتهتكًا مستهترًا، فلا تحسن فيه شهادة النقَّاد كما أنها لم تحسن في ابن قتيبة.

    نحن لا نأخذ أنفسنا في جرح رواة الأدب وتعديلهم بما يأخذ به المحدثون أنفسهم في جرح رجال
    الحديث وتعديلهم من اشتراط العدالة الدينية، فليس من الحق على الأديب في رأي مؤرخي الآداب أن
    يكون ورعًا صالحًا، ولا أن يكون عدلًا ديانًا.

    وإنما نكتفي بالعدالة العلمية، وهي أن يكون الرجل صحيح العقل، منظمه، غير مزور، ولا مأخوذ
    بتعمد الكذب في العلم.

    هذا الشرط ليس موفورًا على ابن قتيبة؛ لأنه في الإمامة والسياسة لا يخلو من أن يكون حبُّه لآل
    علي قد ذهب بعقله أو بصدقه العلمي.

    فأما صاحب الأغاني فله من هذا الشرط حظه الذي كانت تسمح به الحياة العلمية في عصره؛ فلنتحدث
    في الأسبوع المقبل عن قيمة الذين اعتمد عليهم صاحب الأغاني من الرواة.

    لست أخشى عليك، أيتها الآنسة العزيزة، السأم من هذه المباحث الجافة التي لا يُلطِّف جفاءها
    شعر رائع أو نثر أنيق؛ فإني أعلم أن لك من الميل إلى الحياة العلمية الخالصة التي لا يقلقها
    خداع الحس والشعور بما يجعلها سهلة مقبولة ما يفي بمشاركتي في هذا الحديث الغض أوله، الحلو
    آخره، فيما أرجو. فإلى اللقاء.

    يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٠ ديسمبر ١٩١٥

    في مثل هذا اليوم من السنة الماضية سمعت لأول مرة درس الآداب في جامعة «مونبلييه»، وكان الأستاذ يدرس قصة وضعها ألفريد دي فيني Alfred de Vigny على المثال الذي اخترعه الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت Walter Scott من القصص يلمُّ فيه الكاتب بحادثة من حوادث التاريخ. لخَّص الأستاذ القصة وحلَّل موضوعها ونقد لفظها ومعناها، وما تمثل من صور أشخاصها وأبطالها، وبيَّن ما أثَّرت فيه وتأثَّرت به من كتب القدماء والمحدثين.

    فلما خرجنا من الدرس سألت صاحبي ضيفًا: كيف ترى هذه المحاضرة؟ قال: لا بأس بها، ولكنها شديدة الاختصار.

    إنك لمسرف شديد الطمع يا ضيف، فلو سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية ورأيت الأستاذ وقد مرَّ في محاضرة واحدة بثمانية من الشعراء في عصر المأمون لعرفت أن صاحبنا في مونبلييه قد بلغ الغاية القصوى من الإطالة والإسهاب.

    رجعنا بعد ذلك إلى مصر، وفي هذا اليوم نفسه من هذه السنة سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية وأبى ضيف أن يحضره معي؛ لأنه كان عنه في شغل، ولو قد سمع الدرس الذي سمعته لذكر القصة التي أذكرها الآن، ولشهد بنفسه البرهان على أن الأستاذ فيني قد كان مطيلًا مكثرًا، بل كان مملًّا مسئمًا.

    كان درس الأستاذ المهدي في تاريخ الأدب العربي في الأندلس أيام الحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر أشبه بمعرض الصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء، ولما يتبين منها الطلاب أكثر من أسمائهم. وما عسى أن يكون درس ذهب نصفه في وصف مكتبة المستنصر ودهاء المنصور، وألمَّ النصف الباقي بما يتجاوز عشرة من الشعراء؟

    مكتبة المستنصر! إن أمرها لغريب هذه المكتبة، كان فيها أربعمائة ألف مجلد، ولها فهرس يزيد على ثمانمائة ورقة وليس فيها كتاب إلا قرأه الحكم! وعلَّق عليه! ووضع له مقدمة! وهو لم يملك إلا بضعة عشر عامًا قد ملئت بالفتوح وألوان الجهاد!

    كل ذلك قاله الرواة، وكل ذلك قبله الأستاذ، إلا أن أوراق الفهرس في رأيه أقل جدًّا مما كان يجب أن تكون! شيء لطيف.

    مررنا بطائفة كبيرة من الشعراء يذكر الأستاذ اسم الشاعر وشيئًا من شعره، ولكنه لا يكاد يفرغ من إنشاد البيت حتى ننتقل من الجامعة إلى إحدى الحانات فنسمع دوي الشرب وقد أطربتهم نغمة المغني وتوقيع العواد، فقالوا بصوت واحد: الله أَعِدْ! فيعيد الأستاذ، والظاهر أنه يحب الاستعادة؛ فقد أنشد بيتًا لم يستعده الطلبة، فقال: لِمَ لا تستعيدون هذا البيت؟ إنه جميل: أَعِدْ يا أستاذ من فضلك، فيعيد! الله أكبر، جميل جدًّا صحيح! وكذلك مضى الدرس.

    إنك لسيئ الحظ يا ضيف، فلو سمعت معي درس الأمس لرأيت شعر ابن هانئ ينسب إلى ابن خفاجة، ثم يعتذر الأستاذ حين ينكر ذلك عليه بعض الطلبة.

    إنك لتعس فلو سمعت معي درس الأمس لأعجبك هذا البيت:

    فكأن الزجاج جامد ماء وكأن المدام ذائب نار

    لا بأس، وما عسى أن تكون هذه النار الذائبة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية: ذوب نضار؟ لا يبعد.

    ولكن ما لنا وللتحقيق؟ فقد رأينا ابن خفاجة يُعدُّ من معاصري المنصور المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، مع أن ابن خفاجة لم يولد إلا سنة خمسين وأربعمائة؛ أي بعد أن فرغ المنصور من الحياة وفرغت الحياة منه.

    وبعد أن اختلفت شئون وحالت أحوال، وبعد أن تنكَّر الدهر لقرطبة وذهب منها ريح بني أمية، وعبثت مطامع المتغلبين ببلاد الأندلس جملة، فالمؤثرات التي أثَّرت في ابن خفاجة وكوَّنت شاعريته غير المؤثرات التي كونت الشعراء في عصر المنصور، وحسبك ما يكون من الفرق بين شاعر نشأ أيام الوحدة وآخر نشأ أيام الافتراق، وما لنا وللتحقيق؟ فإن الأستاذ قد كان يعجله حب الاختصار عن كل شيء، حتى إنه إذا ذكر الشاعر نسي أن يذكر سنة ميلاده ووفاته، ولعله لو عني بذلك أو فكر فيه لوضع ابن هانئ موضع ابن خفاجة؛ فقد عاش ابن هانئ في أيام المستنصر وارتحل من الأندلس ومدح المعز.

    لم يكن في هذا الدرس شيء يدل على أنه درس في الجامعة، وإنما هو نوع من الحديث يستفزُّ سامعيه بما يعرض فيه من الغزل والوصف ومن آيات البديهة والارتجال.

    لا ألوم الجامعة؛ فإنها لم تألُ جهدًا في حُسن الاختيار، ولا ألوم الأستاذ؛ فإنه قد بذل ما يملك وجادَ بما يستطيع أن يجود به. ولكني أرثي لصاحبي ضيف؛ لأنه حرم نفسه لذة الاستماع لهذا الدرس الجميل.

    أرثي له لأنه حرم هذه اللذة، وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم في جامعات فرنسا ثم في جامعة مصر، وقارن بين الأساتذة والطلاب هنا وهناك.

    حرم هذا الألم، وكان من الحق عليه أن يشعر به ليعرف أن اختصار فرنسا إطالة، وأن إطالتنا اختصار، وأن هزل فرنسا جد، وأن جدنا لعب، وأن فرنسا حرية بالحب والإعجاب، وأن مصر خليقة بالرحمة والرثاء، زاد الله فرنسا رقيًّا ورفعة، ووفى لمصر حاجتها من الإصلاح.

  • المهادنة أم القناعة | Compromise or Conviction: How to Face an Uncertain Egypt

    الثعبان
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
    وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
    وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
    قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

    تأديب…

    ليس من شك في أن أظهر ما يمتاز به الإنسان من العيب والنقص، إن صح أن يمتاز بالعيب والنقص، هو أنه لا يحسن قراءة الغيب، ولا التنبؤ بما يستتر في ضمير الأيام والليالي من الحوادث والخطوب. فلو قد برئ الإنسان من هذا العيب، ولو قد ارتفع الإنسان عن هذا النقص، ولو قد أتيح له أن لا يتم يومًا إلا وهو عالم بما سيستقبله به الغد، لتجنب شرًا كثيرًا، ولتقى من الأهوال والكوارث أشكالًا وألوانًا.

    وأنا أملي هذه المقدمة الموجزة لهذا الفصل الموجز رثاء لإخواننا وأصدقائنا وأساتذتنا، فهم خليقون بالرثاء، وهم خليقون بالعطف، وهم خليقون بالرحمة تفيض بها عليهم قلوب الأخيار.

    وليس من الضروري أن يكون الناس جميعًا قضاة يلومون المسيء إذا أساء، ويعاقبون المسرف إذا أسرف على نفسه أو على الناس، بل من الخير أن يكون منهم القضاة الذين يحملون كتب الأخلاق، فيقيسون أعمال الناس بهذه المقاييس الخلقية، يحمدون منها ما يستحق الحمد، ويذمون منها ما يستحق الذم، وأن يكون منهم الرحماء الأخيار الذين يرحمون المسيء ويعطفون عليه، ويعزونه لا عن إساءته وحدها، بل عن آثارها أيضًا.

    وأنا أريد أن أكون من هؤلاء، وأن أعزي إخواننا وأصدقاءنا وأساتذتنا المحامين عن هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وعن هذه الآثار الخطيرة التي يتعرضون لها، فهم قد اقترفوا ذنبًا عظيمًا، وهم معرضون لعقاب عظيم. ولولا أنهم لم يمنحوا القدرة على التنبؤ بالغيب، والقراءة في ضمير الأيام، لما اقترفوا هذا الذنب، ولما تعرضوا لهذا العقاب.

    فأما الذنب فهو انتخابهم للأستاذ مكرم نقيبًا لهم، وأما العقاب فهو هذه الأهوال التي تصب عليهم صبًا منذ أشهر. ولو أن الله فتح عليهم، وألهمهم العلم بما سيكون، لثابوا إلى رشدهم، ولآثروا القصد والاعتدال، ولكرهوا أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الأسود. والأسود بالطبع هم الوزراء، الذين يريدون فيما يظهر أن يأكلوا هؤلاء المحامين المساكين أكلًا، ويهضموهم هضمًا، ويردوهم إلى ما ينبغي لهم من التواضع، ويصرفوهم عما أمعنوا فيه من الكبرياء.

    لو أن المحامين قرؤوا في ضمير الأيام، لأعرضوا عن مكرم، بل لو أن مكرمًا نفسه قرأ في ضمير الأيام، لأعرض عن نفسه، ولضن بها وبزملائه على هذه الأهوال الجسام التي لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على احتمالها.

    انظر إليهم، لم يكادوا يفكرون في انتخاب مكرم حتى جاءهم النذير، وأي نذير! وحتى انتهى إليهم التحذير، وأي تحذير! ولكنهم غرتهم أنفسهم، وظنوا بالوزارة الظنون، وقدروا أن تنديد الوزارة ليس إلا تخويفًا، وأن تحذير الوزارة ليس إلا إرهابًا، وأنهم يستطيعون أن ينهوا ما بدأوا فيه دون أن ينالهم مكروه.

    فمضوا إلى ما أرادوا، وأتموا ما بدأوا، ولكنهم لم يكادوا يفرغون من الانتخاب حتى زلزلت تحتهم الأرض، واضطربت فوقهم السماء، وعصفت من حولهم الريح، وإذا قانون يهيأ، ثم يقدم، ثم يدرس، ثم يصدر، كل ذلك في أقصر وقت وأسرعه.

    والغريب أن هؤلاء المحامين، الذين لا يقرؤون الغيب ولا يتنبؤون بما في ضمير الأيام، لم يخافوا من هذا الزلزال، ولم يراعوا من هذا الاضطراب، ولم يضطربوا من هذه العواصف، ولم يزيدوا على أن اعتقدوا أن الوزارة تداعبهم وتلاعبهم، وتصطنع معهم فنًا من هذه الفنون التي يستعان بها على إنفاق الوقت، وتسرية الهم، وتسلية النفوس.

    فاجتمعوا ـ ويا ليتهم ما اجتمعوا ـ وقرروا ـ ويا ليتهم ما قرروا ـ أن القانون الذي صدر لا يلزمهم، لأنه مخالف للدستور، وأنهم لذلك لا يذعنون له، ولا ينفذونه، لأنهم حماة العدل، والذادة عنه، فلا ينبغي لهم أن يذعنوا للجور.

    ثم اتفقوا ـ ويا ليتهم لم يتفقوا ـ على أن انتخابهم الأول صحيح، وعلى أنهم ليسوا في حاجة إلى انتخاب جديد، وعلى أن مكرمًا ما زال لهم نقيبًا، بعد صدور القانون، كما كان لهم نقيبًا قبل صدور القانون.

    هنالك زلزلت الأرض زلزالًا مضاعفًا، واضطربت السماء اضطرابًا مضاعفًا، وعصفت الريح عصفًا مضاعفًا.

    ولست في هذا مازحًا ولا مسرفًا، فإذا كان قانون واحد تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتعصف له الريح مرة، فإن قانونين اثنين تزلزل لهما الأرض، وتضطرب لهما السماء، وتعصف لهما الريح مرتين.
    وكانت وزارة الحقانية قد هيأت قانونين، أحدهما يحل النقابة فورًا، والآخر ينظم أمور المحامين إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا غرابة في أن تضاعف زلزلة الأرض، واضطراب السماء، وزعزعة الريح.

    وكانت هذه الحوادث الجسام خطيرة مروعة، حتى شغلت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر، وحتى خدعت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر أيضًا. فظنت الوزارة أنها حلت أزمة المحاكم المختلطة، مع أنها لم تحلها، وأنها زادتها تعقيدًا، وليس لهذا مصدر إلا هذه العواصف والزلازل التي أثيرت حول المحامين.

    ثم ينتهي القانونان إلى مجلس الوزراء، فتبارك الله الذي يستطيع أن يرد المغضب إلى الحلم، والقادر إلى العفو، والقاسي إلى الرحمة. وتبارك الله الذي ألهم مجلس الوزراء أن يهمل أحد القانونين، ويكتفي بقانون واحد يدرسه، ويقره، ويتهيأ لتقديمه إلى البرلمان. ومع ذلك، فلو عرف المحامون ما كانت تضمره لهم الأيام لما تعرضوا لهول هذا القانون الجديد.

    فالقانون الجديد هائل حقًا، مروع حقًا، لست أدري كيف ينام المحامون ليلهم أو بعض ليلهم، وكيف يفرغ المحامون لقضاياهم بعد أن عرفوا بعض ما جاء فيه.

    وما ظنك بقانون يريد أن يحظر على المحامين أن يشتغلوا بالصحافة؟ يريد أن يحظر عليهم أن يكونوا رؤساء تحرير، أو محررين مأجورين في الصحف السياسية. أتظن أن مثل هذا القانون يمكن الصبر عليه، أو يمكن أن تنام معه الجفون؟ المحامون يقصون عن الصحافة السياسية في القرن العشرين! أليس هذا من أطرف وأظرف ما عرف الناس؟ بلى. وظرفه وطرافته هما اللذان دفعا وزارتنا إليه.

    فوزارتنا لا تحب أن تكون كغيرها من الوزارات، ولا أن تكون مصر كغيرها من البلاد، وإنما هي وزارة ممتازة، لبلد ممتاز، وإذن فكل ما يصدر عنها يجب أن يمتاز.

    أما في البلاد الأخرى، فالناس يحرصون على أن يكون الصحفيون من المحامين، لأنهم يعرفون الفقه والقانون، ويستطيعون بهذه المعرفة أن يجنبوا الصحف مواطن الزلل فيما تأتي وما تقول. وأما في مصر، فيجب أن يبعد المحامون عن الصحافة، لأن الصحافة يجب أن تزل دائمًا، وهي إذا زلت تعرضت للعقاب، وما قيمة الصحافة إذا لم تتعرض للعقاب؟ والصحفيون قوم يريدون أن يمتازوا، وأي امتياز يشبه العقاب والتعرض له في الصباح والمساء؟

    وأمر هذا القانون أظرف من هذا كله وأطرف، فهو لا يحظر الصحافة وحدها على المحامين، وإنما يكاد يحظر معها السياسة نفسها، فليس ينبغي أن تعنى نقابة المحامين بالسياسة، فإن فعلت عوقبت بالحل. وأي حل؟ حل سيهبط عليها من مجلس الوزراء!

    ومعنى ذلك أن مجلس الوزراء، وهو هيئة سياسية قبل كل شيء، هو الذي يقضي في أن النقابة قد اشتغلت أو لم تشتغل بالسياسة. يقضي في ذلك لا مرد لقضائه، ويحكم في ذلك لا معقب لحكمه. ويكفي أن تأتي النقابة عملًا يخالف ميل مجلس الوزراء لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل، ويكفي أن تنتخب النقابة رجلًا لا يعجب مجلس الوزراء، كمكرم مثلًا، لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل.

    ويستتبع ذلك، في أغلب الظن، أن يخصص للمحامين ونقابتهم مكتب، أو قلم، أو مصلحة في وزارة الحقانية أو في مجلس الوزراء، لتتبين الوزارة دائمًا أن النقابة مشتغلة بالسياسة أو غير مشتغلة بالسياسة.

    أرأيت أن المحامين لم يكونوا يقدرون ما كان ينتظرهم من الشر حين خالفوا أمر الوزارة، وأبوا أن يقدموا لها الطاعة والإذعان؟ فليذوقوا الآن هذه الثمرات الحلوة لتلك الكرامة المرة التي آثروها وحرصوا عليها. كأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا كرامًا، وكأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا أعزاء!

    ما أشد حرص المحامين على القديم، وميلهم إلى المحافظة، وزهدهم في التجديد! الكرامة، والعزة، وإباء الضيم، وحرية الرأي، واستقلال الضمير، كل هذا كلام يكثر المحامون منه، ويسرف المحامون فيه، كأنهم لا يعلمون أنه أصبح من حق التاريخ، وأنه أصبح لا يلائم ظروف الزمان والمكان، كما يقول النحويون.

    فليستمتعوا الآن بكرامتهم، فسيصبحون، إن شاء الله، بعد صدور القانون، أشبه الناس بالطلاب والتلاميذ، يبعدون عن الصحافة، ويحمون من شر السياسة، وتشتد الرقابة عليهم فيما يقولون وما يعملون. ومن يدري، لعل الله يرزقهم بوزير تقاليد يغلق لهم ناديهم، ويختمه بالشمع الأحمر، كما فعل وزير التقاليد بطلاب الجامعة ونادي طلاب الجامعة.

    ليت المحامين استشاروني قبل أن يقدموا على ما أقدموا عليه، إذن لنصحت لهم بالإذعان المطلق، والطاعة التي لا حد لها. فنحن نعيش في أيام لا تستقيم فيها الحياة، ولا تطمئن فيها النفوس، ولا تستقر فيها القلوب بين الجنوب، إلا إذا اتخذنا الإذعان المطلق والطاعة التي لا حد لها قاعدة، لا أقول للقول والعمل وحدهما، بل للتفكير أيضًا.

    ولكن المحامين لم يستشيروني، فليس لهم مني إلا ما أملك، وهو أن أرحمهم، وأرثي لهم، وأعطف عليهم، وأتمنى أن يوفقوا منذ اليوم إلى ما لم يوفقوا إليه من قبل، إلى هذه النعمة التي لا تشبهها نعمة، وهي نعمة الطاعة والإذعان.

    طه حسين

    (*) كوكب الشرق، ١٩ إبريل سنة ١٩٣٤.

    خطأ
    يظهر أن بُعد الدار يؤثر في تصور الناس الأشياء وحكمهم عليها ، وإن كانوا من أعلم الناس بها ، وأفهمهم لدخائلها ، كما أن بُعد أدوات الحس عن المحسوسات يضعف أثر الحواس بالأشياء .
    فصديقنا محمود عزمي من أعلم الناس بمصر ، وبما يحدث فيها من الحوادث ، ومن يضطرب فيها من الناس . وهو كذلك عالم حق العلم بطبيعة الحياة والأحياء في هذا البلد ، ولكن عهده بوطنه بعيد ، وداره عن وطنه نازحة ، فهو يتصور الأشياء من بعد ، وينتظر من الناس أكثر مما كان ينتظر منهم لو أنه حديث العهد بهم ، مقيم فيهم ، يراهم كل يوم ويتحدث إليهم كل يوم ، ويرى وقع الحوادث في نفوسهم ، ويسمع تعبير ألسنتهم عن وقع هذه الحوادث ، واضطراب أصواتهم بما تجد نفوسهم من لذة وألم ، ومن نعيم وبؤس ، ومن سرور وحزن . ويحس في أثناء هذا كله ما تخفيه الضمائر الخفية من غيظ وسخط ، ومن رجاء ويأس . إذن لانتظر من الناس غير ما ينتظر منهم الآن ، ولطلب إلى طبيعة الأشياء غير ما يطلب إليها الآن .
    فقد ابتسمت — كما تبتسم اليوم ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق — حين رأيته ينتظر أن تكون الصحف الموالية للوزارة أشد من صحف المعارضة إلحاحًا على الحكومة في تغيير نظام السجون بالقياس إلى جرائم الرأي ، والإسراع إلى تحسين حال صديقنا توفيق دياب في سجنه .
    ابتسمت ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق؛ لأني عرفت أن عزمي بعيد عن مصر: لا يرى الناس فيها ، ولا يرى تأثر الناس بما حدث من الحوادث ، ولا فهمهم لهذه الحوادث ، ولا حكمهم عليها . وهو مع ذلك شديد التأثر ، كما كان دائمًا محبًّا للمثل الأعلى في التعاون والتضامن ، والطموح إلى الخير ، واحتمال التبعات في سبيله . فهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ما ينتظر الناس من الصحف الموالية للوزارات في أوربا: أن تذكر قبل كل شيء أنها صحف ، وأن الصحف إنما أنشئت لتدعو إلى الخير وتلح فيه ، فتسارع إلى الإلحاح على الحكومة في أن تقدر كرامة الرأي ، وتعامل توفيق دياب كما يعامل أمثاله في البلاد التي تقدر الحرية وكرامة العقل .
    وهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ألا تتردد في الاستفادة من موالاتها للوزارة لتستغل قربها من الحكومة ، فتوجهه في سبيل الخير ، وتتخذه وسيلة لتحقيق العدل والبر والإنصاف الذي لا يختلف الناس فيه ، سواء كانوا من أنصار الحكومة أو من خصومها ومعارضيها .
    هو ينتظر هذا كله ، ومن حقه أن ينتظر هذا كله ، لأن طبيعة الأشياء إذا استقامت وجرت على منهج معتدل من حب الحق والخير ، تقضي على الصحف الموالية للحكومة أن تقف من توفيق دياب ومن نظام السجون هذا الموقف الذي ينتظره منها صديقنا عزمي . ولكن طبيعة الأشياء قد التوت في مصر ، والمنهج الذي تجري عليه قد فسد واعوج . وصحف الوزارة لا تستطيع أن تكون أسرع من صحف المعارضة إلى المطالبة بتغيير نظام السجون ، والإصلاح من أمر توفيق دياب؛ لأنها قبل أن تفكر في الخير لنفسه مضطرة إلى أن تفكر فيما يمكن وما لا يمكن ، فيما يراد وما لا يراد ، ثم فيما يقال وما لا يقال .
    هي مضطرة إلى هذا ، فليس من اليسير عليها أن تصارح الحكومة بالحق ، أو تلح على الحكومة فيما لا تحب . ولو قد فعلت لما لقيت من الحكومة خيرًا ، ولأعرضت عنها وجوه تحب أن تقبل عليها ، ولنزرت عنها أشخاص تحب أن يلقوها بالبشاشة والإيناس .
    هي إذن مضطرة أن ترضي الحكومة قبل أن ترضي نفسها ، وقبل أن ترضي فكرة الصحافة . أتُلام في ذلك أم تُعذر عليه ؟ أما أصحاب الأخلاق الذين لا يريدون إلا الفضيلة والفضيلة وحدها فيلومون ، لأن الحق والخير يجب أن يتقدما على كل شيء ، حتى على رضى الحكومة عن صحف المعارضة . وأما العمليون ، والذين يريدون أن يلائموا بين المنفعة والخلق بهذه الأوضاع الاجتماعية التي نسميها مجاملة ، فهم يعذرون ، ويكتفون من صحف الحكومة بأن تختار لنفسها مكانًا وسطًا ، فتجامل صحف المعارضة ، وترفق بالحكومة فلا تسرف عليها بالإلحاح والإلحاف .
    ولعلك لم تنس أن وزيرًا قائمًا اليوم كان صحفيًا أمس ، فكره أن يشارك الصحفيين فيما كانوا يطالبون به ، ولم يتحرج من إعلان ذلك والجهر به ، لأنه يؤثر أهواء الأحزاب على الخير من حيث هو خير ، والحق من حيث هو حق ، وعلى هذا العدل الذي يرتفع فوق خصومة الأحزاب كما يرتفع فوق المنافع كلها .
    لو كان عزمي حاضرًا أمر القوم وهم يجتمعون ويتجادلون ، لعرف أنه يسرف حين يطلب إلى الناس أكثر مما يستطيعون . نعم ، إن المنفعة المحققة لصحف الحكومة تقضي عليها بأن تبذل ما تملك من قوة وجهد لإصلاح نظام السجن ، والترفيه عن توفيق دياب ، لأنها موالية اليوم للحكومة ، ظافرة بعطفها ، آمنة بطشها . ولكن من قصر النظر أن تؤمن لهذه الوزارة بالخلود ، فستزول هذه الوزارة من غير شك ، وستؤول أمور الحكم إلى المعارضة ، وستصبح صحف الوزارة القائمة صحفًا معارضة ، ومن يدري لعلها تحيد عن القانون ، ولعلها تضطر إلى السجن .
    أفليس من الكياسة أن تهيئ لنفسها منذ الآن سجنًا رفيقًا لا تشقى به إذا اضطرت إليه ؟ ولكنك تستطيع أن تقنع صحف الحكومة بكل شيء إلا بأن وزارتها ستزول ، وأنها قد تتعرض لما تتعرض له الآن الصحف المحاصِمة للحكومة .
    وليس يقف خطأ عزمي في تصور الأشياء والحكم عليها عند هذا الحد ، فهو يذكر أن إدارة السجون في إنجلترا تهتم لمرأى صحيفة للمجرمين ، وكأنه يتمنى أن تقرب حياة المجرمين السياسيين في سجون مصر من حياتهم في سجون البلاد الأخرى . ولو كان عزمي في مصر ، ورأى الوزراء وسيرتهم ، واستمع لأحاديثهم ولما يتحدث الناس به عنهم ، ورأى شجاعة النواب واستأسادهم على الصحف المعارضة حين تقع بعض الجرائم ، ثم فتورهم وتخاذلهم حين يطلب إليهم إصلاح نظام السجون ، لعرف أن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:
    ومكلفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
    متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
    كلا أيها الصديق ، لم تسرع صحف الوزارة ، ولن تسرع إلى ما أردت أن تسرع إليه من الخير ، ولم تظهر الحكومة والبرلمان ما تمنيت أن يظهرا من رغبة في نظام إصلاح السجون ، والترفيه عن المسجونين في سبيل الرأي . وأكبر الظن أن الأمر سيبقى كما هو الآن حتى يبدل اللّٰه من أحزاب أحزابًا ، وحتى يولّي القوم أمور هذه الأمة قومًا لا يتخذون الحكم وسيلة إلى التسلط والبطش ، ولا يرون السجن أسلوبًا من أساليب الانتقام ، ولا يفرقون في المعاملة بين الأولياء والخصوم ، ولا يعلنون في غير تورع ولا احتياط أن مصر قد بلغت من الرقي والحضارة ما بلغته غيرها من الدول الراقية المتحضرة ، ثم يرون في الوقت نفسه في معاملة المصريين ، والمصريين وحدهم ، أساليب هي أبعد ما تكون عن أساليب الحكم من الرقي والحضارة .
    نعم ، وأكبر الظن أن توفيق دياب سيلقى ما يلقى في سجنه صابرًا كما عرفته ، جلدًا كما عرفته ، باسمًا للخطوب كما عرفته ، حتى يغير اللّٰه حالًا بحال ، ويجعل اللّٰه قومًا مكان قوم . فإذا لم يكن لك بد من أن تأمل وترجو وتنتظر الخير ، فاجعل أملك ورجاءك في اللّٰه وفي الأمة ، فإليهما وحدهما يكون الأمل والرجاء ، ومنهما وحدهما ينتظر الخير .
    كوكب الشرق ١٨ – ٣ – ١٩٣٣

    يأس…

    لا بأس على المصريين من أن يجوعوا، فقد تعودوا الجوع، وإن كانت أرضهم خصبة، كثيرة الثمرات. ولا بأس على المصريين من أن يظمؤوا، فقد تعودوا الظمأ، وإن كان نيلهم غزيرًا عذب الماء. ولا بأس على المصريين من أن يشقوا، فقد تعودوا الشقاء، وإن كانت بلادهم خليقة أن تجعلهم أسعد الناس.

    لا بأس على المصريين من الجوع والظمأ والشقاء، فهم قد تعودوا هذا كله وألفوه، وهم قوم عقلاء، يحسنون الصبر، ويتقنون الاحتمال، ويعرفون كيف يلتمسون العذر لسادتهم ومواليهم، إن لم يهيئوا لهم حياة سعيدة ناعمة، أو حياة تكفل لهم شيئًا من راحة وسعة، وقليلًا من نعمة ورخاء.

    وليس الرجل العاقل من يضيق بالخطب إذا نزل، ويجزع للكارثة إذا ألمت، فإن الضيق بالخطوب لا يدفعها، والجزع للكوارث لا يردها، إنما الرجل العاقل من يصبر ويحتمل، وينحني أمام الكوارث والملمات. وله أن ينتظر الموت صامتًا حتى يدركه الموت، وله أن يبعث من صدره المحزون أنات أليمة، يحملها الهواء فيملأ بها الفضاء، أو تحملها أشعة الشمس والقمر والنجوم فتملأ بها أجواء الكون، فمن يدري لعل هذا الأنين، إن عجز عن أن يؤثر في نفوس الناس من سكان الأرض، أن يؤثر في قلوب غير الناس من سكان الكواكب والنجوم.

    ولقد تعود المصريون أن يشقوا، ولقد تعودوا أن يشكوا، ولقد تعود الزمان أن يروي عنهم شكواهم الأليمة المرة، فيحملها أمس إلى اليوم، ويحملها اليوم إلى غد، وتتناقلها الأجيال فيما بينها، ويتعلم منها الأبناء كيف يرثون للآباء، وكيف يشفقون على الأحفاد.

    هذه الصحف تتحدث إلينا صباح اليوم بأن مجلس الوزراء قد اجتمع ثم اجتمع، وطار ثم وقع، وانتهى به الأمر إلى اليأس المريح من أن يجد الحل الحاسم، الذي طالما تمناه وزير المالية، ومني به الناس. فستظل إذن مشكلة الدين العقاري قائمة، لا تنفرج أزمتها، ولا تنجلي غمتها، ولا يكشف ضرها عن المصريين.

    ومع هذا، فما أكثر ما وعد وزير المالية، وأسرف في الوعد، وما أكثر ما تحدث رئيس الوزراء فأطال الحديث، وما أكثر ما تشدق الأنصار والأولياء، وما أكثر ما جلا أولئك وهؤلاء أمام الشعب آمالًا عذابًا، ظهر الآن أنها كانت كذابًا.

    كان وزير المالية يقول إنه سيحدث ما لم يحدث أحد من قبل، وهو لا يرضى أرباع الحلول، ولا أنصافها، وإنما يريد الحلول الكاملة الشاملة، التي ترضي المصريين وتريحهم، وتجدد نشاطهم وابتسامهم للحياة.
    وكان رئيس الوزراء يتعالى، في شيء من التواضع الغريب عن السياسة وأحاديثها، ويفاخر، في شيء من الكبرياء الظريفة، بحرصه على الاقتصاد، ورغبته في حل مشكلاته. وكان يمزج التواضع بالكبرياء، فيعلن أنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، وأنه سيبذل ما يملك، ويفعل ما يستطيع لإصلاح ما ليس من إصلاحه بد.

    وكان رئيس الوزراء يرتفع حتى يبلغ النجم، ثم يلقي من هناك نظرة ملؤها الازدراء والاحتقار على تلك الحلول العوجاء العرجاء التي استكشفها صدقي باشا، أو تكلفها، لمشكلات الدين العقاري، ويعلن في أناة تليق بعظماء الرجال، وفي هدوء يليق بالذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يصدرون إلا عن يقين، يعلن أنه لا يريد الحلول المضطربة التي لا تحل شيئًا، وإنما يريد الحلول الحاسمة، التي لا تدع شكًا ولا لبسًا، ولا خلافًا ولا خوفًا.

    ثم يمضي شهر، يتبعه شهر، ويتبعهما شهر وأشهر، والحلول الحاسمة الحازمة تلتمس. يغوص لها وزير المالية في البحر، ويهبط لها وزير المالية في أعماق الأرض، ويطير لها وزير المالية في أجواء السماء، ورئيس الوزراء ينتظر، والمصريون ينتظرون، والدائنون يلحون، والمدينون يستغيثون، والأيام تمضي، والأسابيع تتعاقب، والشهور يتبع بعضها بعضًا، والهموم تلح على المصريين، والخطوب تأخذهم من كل مكان، وأنينهم يتصل، وشكواهم يردد أصداءها الزمان.

    حتى إذا حان الحين، وآن الأوان، تمخض الجبل فولد فأرًا، وانجلت هذه الجهود الجبارة عن تقرير يقدمه وزير المالية إلى مجلس الوزراء، فلا يكاد المجلس ينظر فيه حتى يختلف في أجزائه، وفي تفصيلاته. ثم يكثر الحوار، ويشتد الخلاف، وتمطر السماء اقتراحات متضاربة متناقضة، وتنبع من الأرض اقتراحات أخرى، ويحمل الهواء اقتراحات جاء بعضها من المريخ، وبعضها من زحل، وتختلط هذه الاقتراحات كلها، ويضطرب الأمر، ويشتد الجدال.

    وفي أثناء ذلك يسافر من يسافر من رجال المال، ويتهيأ من بقي منهم للسفر، ويقبل الصيف، وتتهيأ الوزارة للراحة في الإسكندرية، ويتهيأ أعضاء البرلمان الحاضر للتفرق في أقطار الأرض، يستريحون من التعب، ويبتغون من فضل الله.

    وتظهر الحقيقة منكرة بشعة، مخيفة كريهة المنظر، مرة المذاق، ثقيلة الاحتمال، تظهر في أقبح مظهر، وأسمج منظر، وتبعث هذا الصوت المخيف العنيف:

    لا أمل في الحل الحاسم هذا العام، فانتظروا أيها المصريون، فقد يفتح الله على وزرائكم به في العام المقبل!

    ثم تستقر الأمور على اليأس، وتطمئن القلوب إلى القنوط، ويتهيأ مجلس الوزراء في دعة، وأمن ورضى، ليدرس حلًا من هذه الحلول المؤقتة التي كان يحبها صدقي باشا، على قاعدة من هذه القواعد المضطربة التي كان يؤثرها صدقي باشا.

    وإذن فأين نحن، وأين كنا، وإلى أين انتهينا، وإلى أين ندفع؟

    هل يستطيع رئيس الوزراء أن يحدثنا: فيم سقطت وزارة، وقامت وزارة؟ هل يستطيع رئيس الوزراء أن ينبئنا: فيم هوى صدقي باشا، وقام عبد الفتاح يحيى باشا؟

    لم تحل المشكلة السياسية، ولم تحل مشكلة الدين العام، ولم تحل مشكلة الدين العقاري، ولم تتغير خطة الوزارة بإزاء واحدة من هذه المشكلات. ثم نشأت مشكلات أخرى عالجتها الوزارة بنفس الخطط التي كان يعالج بها صدقي باشا ما كان يعرض له من المشكلات: الانتظار، والوعد، ثم الإسراف في الانتظار، والإسراف في الوعد، ثم الاعتماد على النسيان، وفعل الزمان!

    تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن ينظر سادته ومواليه إلى أموره نظرة الجد والنصح؟ تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن يقدم إليه سادته ومواليه عملًا لا قولًا، وطحينًا لا جعجعة؟

    تبارك الله! لن تحل مشكلة من مشكلات هذا الشعب إلا أن يكون هذا الشعب سيد نفسه، يعالج مشكلاته عن علم بها، واحتمال لتبعاتها، لا يعتمد في ذلك على قوم معصومين، ولا يلتمس في ذلك معونة قوم مستعمرين، يريدون به الشر، ويدبرون له الكيد، ويتربصون به الدوائر.

    تبارك الله! متى تنكشف الأيام لهذا الشعب عن حريته، وعزته، واستقلاله؟ فإنه لم يخلق ليكون عبدًا ذليلًا مستغلًا، وإنما خلق ليكون حرًا عزيزًا، مستقلًا، يريد فينفذ ما يريد، ويقول فيتم ما يقول.

    طه حسين

    (حديث الوادي، ٤ يونيه ١٩٣٤)

  • الإيمان والضمير والقدوة | Faith, Conscience, and the Examples We Live By

    المولد
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا… والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام.
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف. لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهذه الهيئة…
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرًا ونكرًا وهولًا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادًا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع.
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضا حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أماني تداعب النفوس فتملأها رضا وابتهاجًا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابًا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة.
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوي حتى يعطي النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد إنشاؤها يتم حتى شبت الحرب في أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس في غير اكتراث، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبًا مباحًا للأقوياء. ويكفي أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا في الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة، غرباء في غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء. وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقي إليه بالها.
    ***
    ويكفي أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعوامًا متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس في حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغي الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئًا ولا تستطيع أن تصنع شيئًا، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء.
    ***
    وهي على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويًا. فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدًا. فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف، فالفرنسيون يشكون في الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين. والأمريكيون يشكون في أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير. وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس. فلم تصنع مما أنشئت له شيئًا.
    وما أكثر ما أنفقت الأمم في سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهي الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدًا وتدبر غدًا لتقبل بعد غد. ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة في أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك.
    فأما العدل الشامل الكامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف فما زال أملًا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب. وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبًا حقًا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير. واليوم يحتفل المسلمون في أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيمًا، قد مات أبوه قبل مولده، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره.
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئًا لأنه فعل أو قال. ولا لأنه غدًا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرًا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق. ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها. وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلًا جلدًا قادرًا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء.
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أي قوة ومضاء أي مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كرامًا تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم في الأمل. ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنًا ورضا وإيمانًا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارًا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار في أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير.
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة في بعضها ولا تمضي عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوًا فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا وكانوا يعيشون في جهالة جهلاء، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونورًا… وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن في التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضا الله عنهم إلا إذا أقاموها على العدل الذي لا يمتاز فيه قوي من ضعيف ولا غني من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف.
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور في جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام.
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانًا بعد أن ملئت نكرًا وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيمًا فأواه وضالًا فهداه وعائلًا فأغناه. ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقًا جديدًا.
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به في أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائمًا ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحًا ومُمسيًا ويقظان ونائمًا ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه القوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعًا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأي والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغي أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذي أو يشين.
    طه حسين
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥.

    إلى أخي الزيات: الخيال العاقل
    تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء
    للدكتور طه حسين بك
    أعرفتَ قط خيالاً عاقلاً أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته مشقة ولا جهداً، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتاً، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إليّ، أو قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء. ولكني لم أدعه لأعرفه؛ فإن عهدي به بعيد، بعيد جداً لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة. ما أكثر ما زيّن لي الأشياء حتى كلفتُ بها ورغبتُ فيها، وما أكثر ما بغّض إليّ الأشياء حتى نفرتُ منها وضقتُ بها، وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها، فإذا هي تملأ قلبي أملاً ورجاءً وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأساً وقنوطاً وتدفعني إلى الفتور والخمود والانزواء.
    لقد خلق لي عالماً كاملاً بعيد الآماد، متنائي الأرجاء، مختلف الألوان، قضيت فيه أيام الصبا وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه. ثم خلق لي عالماً آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة وتنوعاً واختلافاً، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت فيه أيام الشباب وما زلت أتمنى أن أعود إليه. ثم هو يرافقني الآن فيزين لي الحياة قليلاً، ويقبحها في نفسي كثيراً، ويحاول أن يخلق لي ما يسرّ، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه حيناً، وأعصيه أحياناً. ولكنه وفيّ لي دائماً كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء؛ وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصداً أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ لأني أعرفه جريئاً مسرفاً في الجراءة، نشيطاً غالياً في النشاط، يخترع من الصور وفنون المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي الخيال.
    عرفته وفياً نشيطاً متأهباً دائماً للمعونة كلما دعوته أو فزعتُ إليه، مقدماً من هذه المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جداً مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعاً غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزّق نشاطاً ومرحاً، ولقد كنت أتهيأ للكبح من جماحه والرد من نشاطه، وأخذه بكثير جداً من الأناة والقصد كما تعودت دائماً. ولكني لم أكد أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم ولا قصور موئس: (إليك عني فلست مما تريد في شيء).
    ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلاً من حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قروناً طوالاً من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي خرج فيه النبي وصديقه الصدّيق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال ستفنى الزمان قبل أن تفنى، وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها الأجيال التي لا تُحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تُحصى، وسيستمد المسلمون منها أبداً قوة على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ونعمة.
    نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إليّ من الصور، فأعرض في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع. فلما ألححت عليه تبينت منه الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن:
    “استعن بي فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن أوضحه مهما أكن نافذاً بعيد الهم، وأنصح من أن أزينه مهما أكن ماهراً في اختراع الزينة وابتكار الجمال”.

    ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل – أستغفر الله – فما يستطيع العقل أن يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أُتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد منه فلست محتاجاً مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافاً منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة وعظمة وجمالاً وحباً وإكباراً دون استعانة بعقل أو خيال، فلست إنساناً ولست من الإنسانية في شيء.
    انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً، إن كان للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه. ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه. ثم ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء.
    ثم امضِ معه خارجاً من الصبا داخلاً في الشباب متقدماً فيه، فإذا الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجدّ ويعمل، إنه يكدّ ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور.
    ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمّله أثقل أمانة حمّلها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلداً له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً ولا فتوراً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال والفتور.
    ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويُمتحن في نفسه وسمعته، ويُمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويُمتحن في بنيه، ثم يُمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها، ثم يُمتحن في دينه، ثم يُمتحن في كل شيء، ثم يُمتحن في كل إنسان. فإذا هو كما هو؛ باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.
    ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تُحتمل والمكروه الذي لا يُطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فُتحت له أبواب الأمل، وفرّج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاءً كلها، وإباءً كلها، وصبراً كلها، وثقة بالله كلها.
    ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبقَ له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشر ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بُشّر به. ويجد المسلمون أن عينه قد قرّت فتقرّ عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال. ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً، وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع. أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف، لم يتمّ إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.
    وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راضٍ بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتمّ مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا!
    قلت لهذا الخيال:
    “ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً، إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر”.
    قال:
    “وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح والجموح؟”.
    قلت:
    “لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع”.
    قال:
    “انقله راشداً إلى صديقك وإلى كل محزون جزع، فما أرى أن مسلماً يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلاً”.
    الرسالة ٣٠\٣\١٩٣٦

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    “لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه”.
    قال أصحابه:
    “وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟”.
    قال:
    “أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    “إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء”.
    قال قائل:
    “وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟”.
    قال نسطاس:
    “والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء”.
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    “لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار”.
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    “وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار”.
    قال رجل من أصحابه:
    “إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟”.
    قال قائل منهم:
    “ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً”.
    قال الآخرون:
    “ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟”.
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    “فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة”.
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

    الضمير الهارب
    لم يكن صاحبي ساذجاً ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي أظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من أرصفة باريس لقي رفيقاً من رفاقه في جيش الإمبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعاً حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الإمبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم ما زال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط أن صديقه لم يقم على عهد الإمبراطور، وإنما آثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه في شيء، ولم يزد أن أطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن، وفهم الرجل عن صديقه فانصرف عنه خزيان أسفاً.
    لم يكن صاحبي ساذجاً غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلاً مترفاً لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئاً أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شيء. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما، وإنما تخير منهما أنقاهما وأرقاهما وأشدهما ملاءمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قويّ الحس جداً، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما يُنتظر من الأداة التي لا يُراد منها إلا أن تؤدي العمل الذي هُيئت له. فهو لا يريد من حسه إلا أن ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذّى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
    وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقداً شديد التعقيد، متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضياً عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على أن يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه.
    ولكن هدوء الحياة ودعتها واطراد الأمن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أموراً محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهداً على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حيناً وتمتنع أحياناً؛ تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضاً، ويحب بعض الناس بعضاً، ويطمئن الناس إلى بعض؛ لأن ظروف الحياة لا تكرههم على أن يدقق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون أن يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرقة منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم الماضي، وإذا هم يتمنون لو ردّ الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
    وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شيء من كل شيء ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجيد والرديء. فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه باباً، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفساً فنفساً، وإذا أبوابها تغلق من دونه باباً فباباً. وإذا ما كان يجتمع له من الملاحظات يقلّ شيئاً فشيئاً، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئاً. وإذا ما بقي من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للأحداث، قد أخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جداً من الحياء، ثم من الغلو في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الإسراف في الإشفاق. ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتُضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطاً وحذراً، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير.
    وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوهاً، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غُلقت تغليقاً، وهذه الأستار التي قد أُسدلت إسدالاً. على أنه أيضاً لم يكن أقل من أصحابه وأحبائه تغليقاً لأبواب نفسه، وإلقاء للحجب والأستار بينه وبينهم؛ فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه. فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى أصبح إشفاقاً ثم شكّاً ثم احتياطاً وحذراً.
    ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه؛ كانوا يستحيون منه وكان يستحيي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم، كانوا يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب وإلقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن يعتزل بعضهم بعضاً، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء. ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتمعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم؛ لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين.
    هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد أصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجيء تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها، ولا أثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا أكثر ولا أقل، تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل.
    وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، وأثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناساً وحين كانت الحياة حياة؛ فأكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع أن يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها؛ قرّ في داره وعاش بين أهله، لم يسعَ إلى أحد ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وتردّ إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث أن استيقن أنه لم يصنع شيئاً؛ فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكفّ عنهم حياءه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم، أو يحسبون أنهم يخدعون أنفسهم عن أنفسهم.
    فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن أنه لا أمل له في أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهراً وضميره حياً إلا أن يترك البيئة كلها وهاجر من أرض إلى أرض، وارتحل عن وطن إلى وطن، أسرّ ذلك في نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولأنفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه.
    ثم سعيت إليه ذات يوم لأقضي معه ساعة من ساعات الفراغ – وما أكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين – فلم أجده، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أُدلل عليه. وسألت متى يمكن أن يعود فلم أُنبأ بشيء. فعدت محزوناً لا لأنني لم ألقه، بل لأني لم أُلقِ عليه ثقل ما كنت أحتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولأني لم أُلقِ في نفسه أني أوثره بالحب وأعتقد أنه يؤثرني به. لأني لم أُهدِ إليه شيئاً من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، ولم أتلقَ منه شيئاً من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم؛ رجعت محزوناً لأن الأداة لم تؤدِّ بعض ما كان يجب أن تؤديه من التمثيل.
    وعدت إلى صاحبي ألتمسه فلم أجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه، وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الأمل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به إليك الآن أيها القارئ العزيز.
    ثم انقضت الأسابيع والأشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الأسطر التي دفعتني إلى كتابة هذا الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه، فقد عرفت عنوانه الآن. كتب إليّ يقول:
    “كتابي إليك أيها الصديق من بلد ناءٍ فررتُ إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فرداً مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس. ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة، وسئمت حياتكم سأماً لا حد له، وكرهتها كرهاً لا أعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر أثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقاً، واستكشفت فيها نفسي فنعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري واستمتعت بهذا الأنس. ولكني لم ألبث في هذا البلد شهراً أو شهرين حتى أحسست أن نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حيناً، وإلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حيناً آخر. وما زلت أيها الصديق مطمئناً إلى هذا المعقل الذي آويت إليه واعتصمت به. ولكن انظر! ها أنا ذا أكتب إليك، وما كتبت إليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لأن نفسي نازعتني إلى حديثك. وإذن فقد أبت حياتي تلك إلا أن تتبعني في هجرتي وتقتحم عليّ هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما أتمناه ألا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فاكتب إليّ وأطل، فقد يظهر أن الحياة التي ترتفع ارتفاعاً خالصاً عن كل ما نكره من النقائص شيء لا سبيل إليه. وأما أنا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وأنا زعيم لكم أيها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود إليكم متى انقضى الصيف. ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شيء من الأمن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وتُرفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة، ثم لا يستحيي بعضنا من بعض، ولا يستحيي بعضنا لبعض.”
    الرسالة ٠٧\٠٥\١٩٣٤

  • وزير التقاليد، تتمة | The Minister of Traditions, Continued

    خطبة
    ليست لرئيس الوزراء، فقد كف المرض رئيس الوزراء عن الخطابة، واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه، ويتكلمون بلسانه، وليس شك في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أكره عليه رئيس الوزراء آيات لا تحصى، وفقد ما كان يمتاز به في هذا العهد السعيد من رونق وبهجة، ومن روعة وبراعة، وأصبح عاطلًا تزور عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وأحست المنابر في القاهرة والأقاليم أنها فقدت خطيبها البارع ومنطيقها الذي لا يُجارى، ولا يُشَقّ له غبار. وقد لاحظ الذين سمعوا وكيلي رئيس الوزراء في الخطابة في مجلس النواب مرة، وفي قاعة جروبي مرة أخرى أن هذين الوكيلين لم يُقِيما بيان رئيس الوزراء على وجهه، ولم يحتفظا له بجماله وسحره، وإنما عبثا به عبثًا غير قليل، وأصاباه من ضروب التشويه بما أثار الأسى في القلوب والحزن في النفوس.
    ولكن الله – عز وجل – خليق أن يعوض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطيقها الفذ منطيقًا فذًا، وقد فعل فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!!
    وأشهد لقد برع وزير التقاليد في الخطابة، فلن يساميه بعد اليوم خطيب، ولقد نبغ وزير التقاليد في البيان! فلن يدانيه بعد اليوم بليغ، وأخشى ألا يكون لبراعة وزير التقاليد في الخطابة، ونبوغه في البيان أثر يمحو آثار رئيس الوزراء ويعفيها، ويجعله لاحقًا، بعد أن كان سابقًا، ويرده إلى الطبقة الأولى بعد أن كان في الطبقة الأولى. ولو قد فسرت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الصحف التي يقرؤها الناس، لا في صحف الوزارة، لأجمع المصريون على أنهم قد استأثروا في هذا العصر الحديث بزعامة الخطابة بعد أن استأثروا بزعامة الشعر، وأن أمر الأدب كله قد أصبح إليهم، يقولون فيه فلا يُرَدّ عليهم قول،
    ويقضون فيه فلا يُرَدّ لهم قضاء، ولو قد ذاعت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الخطابة لأجمع المصريون أيضًا على أن هذه الآيات يجب أن تُفرَض في المدارس فرضًا، وتُحشَر في نفوس التلاميذ والطلاب حشرًا، وتتلى في كل مجمع، وتعلّق في كل مكان، وقد سطرت بماء الذهب على صحف الديباج، فلم يُقَدّر لمصر في يوم من الأيام أن تبلغ من البيان الرفيع والأدب البديع ما بلغته أول أمس بفضل وزير التقاليد حتى قام خطيبًا في حفلة من حفلات الانتخاب!!
    وليس الغريب أن يتفوق وزير التقاليد في الخطابة إلى هذا الحد، ويرتفع من روعة البيان إلى هذه المنزلة، فهو مؤلف كتاب «البيع» وهو صاحب الفصول البارعة المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رَفتي المبني على التشفي والانتقام»! وهو وزير التعليم وهو رئيس الجامعة الأعلى، فإذا لم تجتمع له بعد هذا كله أسباب البراعة الأدبية والمهارة البيانية، فلمن تجتمع؟ وإنما الغريب أن يظل هذا النبوغ سرًّا مكتومًا، وأمرًا مستورًا على كثرة ما تكلم وزير التقاليد في مجلس البرلمان، وفي غير مجلس البرلمان، وعلى كثرة ما تحدث وزير التقاليد في بهو الكونتننتال، وفي غير بهو الكونتننتال، ولكن الله جعل لكل شيء أجلًا، ورهن الحوادث بأوقاتها، فأراد فيما سبق من الغيب ألا تتكشف للعيان عن براعة وزير التقاليد في الخطابة والبيان إلا حين تضطر الأقدار رئيس الوزراء إلى الصمت والسكون ليكون في نبوغ هذا عزاء عن سكوت ذاك، وقد يكون من اللذيذ الممتع أن يُعْنَى مؤرخو الآداب بتحليل هذه الشخصية البيانية الفذة التي أظهرها وزير التقاليد أول أمس، لعلهم أن يتبينوا ويُبينوا للناس سر المهارة الرائعة في التحدث إلى الجمهور.
    وكم كنا نود لو نقف هذا الموقف من خطبة وزير التقاليد، لولا أن في هذه الخطبة من أمور السياسة ما يشغلنا عما يُعْنَى به الأدباء.
    ولعل أظهر خصلة تُلاحَظ في هذه الخطبة البارعة والآية الرائعة هي استقامة المنطق، وحسن الاحتجاج، ودقة الاستنتاج، وبراعة الانتقال من فكرة إلى
    فكرة! فقد أثبت وزير التقاليد أن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول وتمرينها على التفكير الصحيح لم تؤت ثمارها، ولم تنتهِ إلى نتائجها إلا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم! ولهذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة وتطمئن إلى منطقها حين تقرؤها لأول مرة؛ فلا بد إذن أن تقرأها مرات، ولا تخف من أن تقرأها عشرًا. ومن المحقق أنك بعد هذه القراءات العشر لن تذوقها، ولن تطمئن إلى منطقها، فثق حينئذ بأنك رجل عادي، وبأن وزير التقاليد رجل نادر، وبأن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين.
    انظر إلى وزير التقاليد كيف أراد أن يكون مجددًا، لا مقلدًا، فلم يقل أيها السادة، ولا أيها الأصدقاء، ولا أيها الإخوان كما يقول عامة الناس، ولم يقل
    يا حضرات السادة كما يقول رئيس الوزراء، وإنما قال: أبناء المنوفية. وقد استغنى عن حرف النداء، إما لأنه مُتعِب، والوزير في حاجة إلى الراحة، وإما لأنه يدل على التحدث إلى عدد ضخم من الناس والوزير لم يكن يتحدث إلا إلى عدد قليل. وإما (وهذا هو الصحيح) لأن حرف النداء يدل على بعد المخاطَبين، وهم كانوا أقرب إلى الوزير من ظله، وأدنى إليه من نفسه. وانظر إليه كيف علل تجديده فأحسن التعليل، وكم أوّله فأحسن التأويل، فهو يدعوهم (أبناء مديريته) لأنه فخور بهم، ومقدر لهم شعورهم ووطنيتهم. فماذا أحدث وزير التقاليد؟ فهذا كلام الرجال العاديين، فأما الأفذاذ الممتازون ففخرهم بأهل أقاليمهم فذ، وتقديرهم لشعورهم ووطنيتهم ممتاز، فلهم وحدهم
    أن يدعوهم أبناء المنوفية كما دعاهم وزير التقاليد، وأن يعللوا هذا النداء بأنهم فخورون بهم، مقدّرون لشعورهم ووطنيتهم.
    ثم انظر إلى هذا الإبداع الذي لا نظير له، والذي لا يبلغه إلا النابغون النابهون، حتى نَسِيَ وزير التقاليد أو تناسى، أو جهل أو تجاهل ما بين حزب الشعب والاتحاد من تنافس أدّى إلى الأزمات في البرلمان، وإلى الاستقالات خارج البرلمان. وأعلن أن ليس بين الحزبين من خلاف، ولا يمكن أن يكون بينهما خلاف، وإن كان هو وكيل حزب الاتحاد، لأن خلافًا حدث بين
    الحزبين أقصى وكيل الاتحاديين عن وكالته، وأقام وزير التقاليد مكانه بعد أن استكان الاتحاديون لغضبة رئيس حزب الشعب.
    ولكن الاعتراف بالحق، والنظر إلى الواقع، شأن الرجال العاديين، فأما الأفذاذ النابغون أمثال وزير التقاليد، فإنهم يخلقون الحق خلقًا، ويفرضون الواقع فرضًا، ويقررون الأشياء من عند أنفسهم وخلاص!!
    ثم انظر كيف أقام وزير التقاليد الدليل الساطع والحجة المفحمة على أن ليس على الوزارة بأس، فقال إن رئيس الوزراء قد أعلن أن أمر الوزارات إلى جلالة الملك. وإذن فقد أخذ وزير التقاليد عهدًا على الأنام، وعهدًا على الأقدار، وعهدًا على الحوادث والخطوب، وعهدًا على جلالة الملك ألا تستقيل الوزارة، ولا ينحل البرلمان حتى يتم أجله الدستوري!! فلن تكون الانتخابات قبل سنة 1936!!
    أما عند الرجال العاديين فهذا الكلام لا يصور رشدًا، ولا ذكاءً، ولا فهمًا، ولا تواضعًا، ولا اعترافًا بسلطان الأيام والحوادث، ولا تقديرًا لما يجب لجلالة الملك من الإكبار والارتفاع بحكمته السامية عن أهواء الوزراء، وميول السياسة. وأما عند الأفذاذ النابغين أمثال وزير التقاليد، فهذا الكلام هو الرشد كل الرشد، وهو الذكاء كل الذكاء، وهو الإكبار كل الإكبار لحق جلالة الملك في أن يغير الوزارات متى اقتضت حكمته السامية ومصلحة البلاد هذا التغيير وإن لم يبلغ البرلمان أجله، وإن لم تأتِ سنة 1936، وإن لم تنفض الدورة البرلمانية، وإن لم ينتهِ هذا الشهر الذي نحن فيه.
    ثم انظر بعد ذلك إلى آية الآيات في المنطق الصحيح، ومعجزة المعجزات في الاستنتاج المستقيم، وإلى البرهان الذي لا يقبل شكًا ولا نزاعًا ولا يحتمل بحثًا ولا جدالًا على أن أمورنا قد جُعِلت إلى خيارنا وأكثرنا بسطة في العلم والجسم، وأقومنا منطقًا، وأصدقنا فهمًا.
    أراد وزير التقاليد أن يشير إلى عناية الحكومة بمصالح الناس، وإلى نتائج هذه العناية فذكر تخفيف أعباء المزارعين الذين اقترضوا على الحاصلات، وذكر عناية الحكومة بالحماية الجمركية. فأما نتائج هذه العناية وهذا التخفيف فهي
    عند الرجال العاديين أن تحسن حال المزارعين والتجار. أما عند وزير التقاليد النابغة الفذ، فهي شيء آخر، تستطيع أن تبحث عنه شهرًا، وأن تبحث عنه دهرًا، ولن تظفر به، ولن تنتهي إليه، لأن منطق الرجال العاديين لا يستطيع أن يوصلك إليه أو يدلك عليه. أتعرف ماذا ينتج عن الرفق بالزراع الذين اقترضوا على الحاصلات، وعن تقرير الحماية الجمركية؟ هو أن الطلبة قد انصرفوا إلى دروسهم ولم يشتغلوا إلا بها.
    نعم هذه هي النتيجة التي انتهى إليها منطق وزير التقاليد ونبوغه في حسن الفهم واستقامة الاستنتاج.
    ألم أقل لك إن أمورنا قد جُعِلت إلى أشدنا ذكاءً وأصحنا عقلًا وأصدقنا فهمًا، وأقومنا منطقًا من أمثال وزير التقاليد! ثم يزعم المصريون بعد ذلك أن مصر لا تزال دون أوروبا فهمًا وعلمًا وبيانًا، وأن وزراء مصر لا يزالون دون وزراء أوروبا تفوقًا ونبوغًا.
    أما أنا فأتمنى لوزير المعارف الفرنسية الذي تغذى عنده وزير معارفنا في الصيف الماضي أن يزور مصر، ويعاشر وزير التقاليد أسبوعًا أو أسبوعين ليستقيم عقله، ويصح منطقه فيستقيم التعليم في فرنسا، وتصبح المدارس الفرنسية والجامعات الفرنسية راقية رُقي المدارس المصرية والجامعة المصرية في ظل هذا العقل الواسع الخصب المستقيم، عقل وزير التقاليد.
    كوكب الشرق ٦ — ٥ — ١٩٣٣

    حديث الوادي
    عيسويات…

    ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.

    وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.

    ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
    لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.

    ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.

    ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.

    وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.

    ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

    وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.

    ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.

    طه حسين
    الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.

    زيارتان

    من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.

    وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.

    ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.

    في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.

    ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.

    وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.

    فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.

    ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.

    أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.

    وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟

    ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.

    وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.

    ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.

    أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.

    لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.

    لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.

    فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.

    كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣

  • مصر: الذكرى والتضحية والأمل | Egypt’s Independence: Memory, Sacrifice, and Hope

    الشهداء
    كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
    وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
    وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
    وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
    ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
    ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
    كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
    ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
    مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
    وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
    رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
    رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
    في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
    شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
    هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
    هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .

    أمس
    كان يومًا مشهودًا من غير شك، ظهرت فيه عواطف الشعب قوية إلى أقصى غايات القوة، حزينة إلى أقصى غايات الحزن، جلية إلى أبعد حدود الجلاء.
    وكان يومًا مشهودًا من غير شك، لم تستطع الظروف السياسية المصطنعة، ولا الأوضاع السياسية المتكلفة أن تطبعه بهذا الطابع الفاتر الذي يخيل إلى الناس أن الشعب قد لهى عن نفسه وعن حقه وآثر الحياة التي تجري مطردة، يسيرة لا جهد فيها ولا عناء، ولا عناية فيها إلا بهذه الحاجات الزائلة التي تعرض للأفراد في كل يوم.
    نعم كان يومًا مشهودًا من غير شك، اندفعت فيه عواطف الشعب الحزينة المؤمنة عنيفة لا تلوي على شيء. فأظهرت نفس الشعب كما كانت دائمًا صافية أشد الصفاء، واضحة أشد الوضوح، مؤمنة أشد الإيمان بالحق، واثقة أشد الثقة بالفوز، مقدرة أحسن التقدير لصدق الصادقين، وإخلاص المخلصين، وتضحية المضحين في سبيل الحق والواجب والوطنية.
    وإني لأتحدث عن أمس فلا أتحدث ناقلًا، ولا راويًا، ولا مرددًا للأخبار والأنباء، إنما أتحدث حديث الشاهد الذي عاش مع الشعب هذه الساعات الخالدة، وأحس مع الشعب هذا الإحساس الرائع، وشارك الشعب في هذا الشعور العظيم. فلست إذا تحدثت واصفًا لما أحسسته أنا وتلقيته أنا من هذه النفس العظيمة، نفس الشعب، فليس إلى وصف هذا من سبيل الآن، إنما أريد أن أصور هذه الخواطر التي تبقى في النفس بعد هذه الاجتماعات الشعبية الرائعة التي تظهر فيها حياة الشعب قوية لا تغلب، عزيزة لا تذل، جريئة لا تخاف، مندفعة لا ترد، بريئة من كل تكلف أو تصنع أو رياء أو محاولة التكلف والتصنع والرياء.
    ولعل أول هذه الخواطر وأقواها وأبقاها وأشدها إلحاحًا على النفس واستئثارًا بالقلب إنما هو الإعجاب بالروح الشعبي الحر في قوته وصراحته وبراءته من التكلف والالتواء والإيمان بأن هذا الروح القوي العظيم واحد، تختلف الظروف من حوله ولا يختلف، وتتباين أسبابه ودواعيه ومظاهره ولا يتباين، فهو هو حين يظهر لأن الشعب محزون لفقد عزيز عليه أو ضياع حق من حقوقه. وهو هو حين يظهر لأن الشعب مبتهج بمقدم عزيز عليه أو بكسب حق من حقوقه، وهو هذه القوة التي تمثل إكبار الشعب لنفسه وإيمان الشعب بواجبه وإباء الشعب لكل ضيم، وإنكار الشعب لكل اعتداء.
    انظر في أي مظهر شئت من مظاهر الروح الشعبي حين يودع راحلًا عظيمًا، أو يستقبل قادمًا كبيرًا، أو يحتج لأن شرًا أريد به، أو يبتهج لأن خيرًا سيق إليه فستجد هذه المعاني كلها ممثلة في هذا الروح أصدق تمثيل وأقواه. ولعل الذين يدرسون الاجتماع ويحققون أسراره، ويحاولون أن يتبينوا خصائص الحياة الشعبية يجدون في هذا كله مذاهب للبحث والتحليل، ووجوهًا للدرس والتعليل، ولكني لا أريد إلى شيء من هذا الآن، ولا أنكر في شيء من هذا الآن، إنما أريد أن ألاحظ ولست أشك في أن كثيرًا من المفكرين الذين شهدوا أمس يلاحظون أن من العسير جدًا على الذين يتولون قيادة الشعب ويشرفون على تنظيم جهاده أن ييأسوا أو يقنطوا أو يجد الضعف إلى نفوسهم سبيلًا، وهم يرون هذا الروح ويحسونه ويحيون بهذه النار المحرقة التي يبعثها فيهم قوية مشرقة أشد قوة وإشراقًا من أن تؤثر فيها الأحداث والخطوب. وخاطر آخر حاولت أن أرده عن نفسي فلم أوفق إلى رده، ولم أستطع أن أخلص منه، وهو هذا الذي تثيره المقارنة اليسيرة بين ما أبرق به رئيس الوزراء إلى الديلي تلغراف منذ يومين، وما أعلنه الشعب إلى العالم كله أمس. فالتناقض بين هذين الأمرين واضح وضوحًا شنيعًا حقًا.
    رئيس الوزراء يعلن إلى الديلي تلغراف في هدوء واطمئنان، وفي جرأة وثقة أن الأمة مجمعة على الإنكار لحكم الوفد والنفور من العودة إليه، لأنه سبيل الفوضى. والشعب يعلن أمس إلى العالم كله في قوة وحزم، وفي شجاعة وثبات، وفي يقين وإيمان أنه لا يحب إلا الوفد، ولا يريد إلا الوفد، ولا يرضى إلا حكم الوفد.
    ومن المحقق أني لم أصدق الشعب أمس، وإنما صدقت رئيس الوزراء، وما زلت أصدقه وسأصدقه دائمًا حتى بعد أن يعود الوفد إلى الحكم: لأني واثق بأن رئيس الوزراء معصوم من الخطأ، مبرأ من أن يقول غير الحق أو ينطق بغير الصدق، أو يصور غير الواقع الذي لا شك فيه. فرئيس الوزراء إذًا كان مصيبًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه ولا تريد إلا الوفد وحكمه. وأكبر الظن أن الشرطة قد رفقت أمس بهذه الألوف المؤلفة ورقت لها وأشفقت عليها من إصرارها على الخطأ وإمعانها في الكذب فسلطت عليها مضخات الحريق لتطفئ هذه النار الكاذبة التي كانت تتأجج في القلوب، ولترد هذه الجماعات الجامحة المخطئة إلى الاعتدال والصواب. وأكبر الظن أن هذه الألوف المؤلفة قد انتفعت بهذا الدرس واستفادت من سبل هذا النصح البارد فآمنت كما أؤمن أنا بأن رئيس الوزراء كان مصيبًا موفقًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه وتصريفه للأمور.
    وخاطر ثالث لا شك في أنه ألح على نفوس الناس جميعًا أمس وهو أن تعاقب الليل والنهار ومضي الشهور إثر الشهور، والعام إثر العام، واختلاف الحوادث وتتابع الخطوب لم تغير من نفوس الناس شيئًا ولم تسلط على عزائم الناس وهنًا، ولم تحدث بين الناس وبين التردد في المطالبة بالحق، والشك في أن المستقبل للشعب سببًا من الأسباب. وكان ناس يظنون أن قرب العهد وحده هو الذي بعث الشعب إلى موقفه العظيم من موت ويصا رحمه الله.
    فقد مضى على موت ويصا عام وتبعه عام آخر، وامتلأ هذان العامان بألوان الفتن والمحن. فلما مات سينوت وقف الناس من موته موقفهم من موت صاحبه، وأظهر الناس في توديعه ما أظهروه في توديع صاحبه وأقام الناس أسطع الأدلة وأنصع البراهين على أن حب الشعب المصري للحرية وحرصه عليها وإكباره لحمايتها ليس تكلفًا ولا تصنعًا ولا فنًا من فنون البدع، وإنما هو طبيعة لم يبق إلى تغييرها من سبيل مهما تنفق فيه القوى، ومهما تسخر له الجهود، ومهما يطل عمر الوزارات.
    ولكن أعود فأؤكد أني مصدق لرئيس الوزراء، مقتنع بما قال من أن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه لأنه سبيل إلى الفوضى. وخاطر رابع قد خطر للناس جميعًا أمس من غير شك، ومن الحق على الناس جميعًا أن يقفوا عنده، وأن يطيلوا التفكير فيه، ومن الحق أن يقف عنده الأجانب عامة والإنجليز خاصة ويطيلوا التفكير فيه، فقد كان سينوت قبطيًا مسيحيًا، ومن الناس من يظن، ومن الناس من يقول إن فتنة المبشرين قد فرقت مصر أو همت بتفريقها، ومن الناس من يتخذ هذه الفرقة المتخيلة وسيلة إلى الكيد لمصر ولكن موت سينوت أظهر أنه قد وُفّق كل التوفيق فيما دعا إليه من إلغاء الفروق بين المصريين وإقامة الوحدة الوطنية هذا المقام العزيز.
    فقد كان المصريون أمس يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب. وقد كان المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون عليها من أعلى الدور، وهم لا يذكرون إلا أن مصر قد فقدت زعيمًا من زعمائها، وأنها محزونة لفقده، وأنها ترافقه إلى حيث أراد الله أن يستقر جثمانه، وأنها تمر معه بالكنيسة القبطية وتدخل معه هذه الكنيسة وتقف معه عند هذه الكنيسة، لأن شعائر دينه تريد أن يدخل الكنيسة وتستنزل عليه فيها رحمة الله.
    إذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزًا مبينًا، وكان راحل أمس مؤسس هذه الوحدة والداعي إليها والملح فيها. فهل يعتبر بهذا أولئك الذين يذكرون الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين؟ وهل يفكر في ذلك أولئك الذين يتمنون هذه الفرقة فيعلموا أنهم يتمنون ما لا سبيل إليه، ويرجون ما لا يبلغه الرجاء. إن بين الناس من يخلقهم الله للنفع أحياء وأمواتًا، وكان سينوت من هؤلاء الناس، نفع أمته حيًا، ونفع أمته وسينفعها ميتًا. والله وحده قادر على أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٧ – ١٩٣٣

    مصر
    مصر للدكتور طه حسين. مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق.
    هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون.
    إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال.
    إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان.
    وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع.
    مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز.
    لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق.
    «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان.
    «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة.
    «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون.
    كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.

    أجد أم مزاح
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
    كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
    وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
    فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
    إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

  • وفدان لا وفد واحد | Two Rival Wafds: The Politics of False Unity

    تنافس
    هما حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف، ولن يقع بينهما خلاف. لم تكن بينهما فرقة ولن تكون بينهما فرقة. أصدق تصوير لما بينهما من ألفة ومودة، ومن صلة لن تنقطع وحب لن يصيبه الصدأ هو قول الشاعر القديم:
    رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
    بأسحم داج عوض لا نتفرق ولا يتفرق الحزبان إن شاء الله فقد نهضا بالحكم معا، وأقاما في الحكم معا، وسينزلان عنه معا يوم تتحقق نبوءة «الديلى تلغراف» أو قبل ذلك بقليل، أو بعد ذلك بقليل. وسيذوقان معا لذة البعد عن الحكم كما ذاقا معا لذة القرب منه والبقاء فيه. ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن التنافس لا يكون بين الأشقاء فالتنافس ظاهرة من ظواهر الحياة، ودليل من أدلة القوة وأثر من آثار النشاط.
    وحزب الاتحاد قوي من غير شك، لأن بين أعضائه وزير التقاليد وحزب «الشعب» قوي جدا لأن زعيمه رئيس الوزراء. وحزب الاتحاد قوي جدا لأن زعيمه رئيس الشيوخ. وما دام الحزبان الشقيقان قويين إلى هذا الحد الذي يتجاوز كل حد فلا بد من أن يظهر بينهما التنافس ليتبين الناس أي الوزيرين أجدى على حزبه وأنفع له أوزير الزراعة على حزب الشعب أم وزير التقاليد على حزب الاتحاد؟ وليتبين الناس أي الرئيسين أكثر بركة وأوسع نعمة على حزبه: أرئيس الوزراء لحزب الشعب أم رئيس الشيوخ لحزب الاتحاد؟ وهذا التنافس ينفع ولا يضر، ويحسن ولا يسيء. فقد يكون التنافس في الخير، كما يكون التنافس في الشر. وقد يكون الاستباق إلى النفع، كما يكون الاستباق إلى الضر. تنافس في النفع كما يكون
    وحزب الشعب والاتحاد شقيقان لم يختلفا ولن يختلفا، صديقان لم يتباغضا ولن يتباغضا. وكلاهما جاد في خدمة مصر، حريص على نفعها، فإذا تنافسا فلن يكون
    تنافسهما إلا في الخير، وإذا استبقا فلن يكون استباقهما إلا إلى النفع والبر والمعروف. وإذن فلا بد من أن يتنافسا وقد تنافسا في هذين اليومين، فوزير التقاليد مسافر إلى أوربا ليستشفي ويستريح، وقد يبحث في أثناء ذلك عن أعضاء أجانب للمجمع اللغوي، فيجب أن يسافر وزير الزراعة إلى أوربا ليستشفي ويستريح، ولعله يبحث في أثناء ذلك عن نوع من أنواع القطن، ولون من الألوان الكتان أو فن من فنون تجفيف التمر، أو ضرب من ضروب تصفية العسل. فوزير التقاليد يغذي العقول، ويحمي الأخلاق. ووزير الزراعة يغذي الأجسام ويحمي الجلود من البرد والقيظ وكلاهما خليق أن يفكر في الناس إذا استشفى واستراح. وقد شعر حزب الاتحاد بخطر هذه الرحلة التي هم بها وزير التقاليد فاحتشد لتوديعه واحتفل لتشجيعه وألقى خطبا وشرب الشاي فشعر في الحال حزب الشعب بخطر الرحلة التي هم بها وزير الزراعة فاحتشد للتوديع واحتفل للتشييع، وقال كلاما وسمع كلاما ولكنه سبق حزب الاتحاد بعض السبق، فلم يشرب الشاي ولم يسقه للناس وإنما تعشى وعشى الناس.
    ومن هنا كان حزب الشعب أكرم من حزب الاتحاد أو أغنى من حزب الاتحاد، فطعام العشاء شيء، وتناول الشاي والحلوى شيء آخر. والعشاء أطول بقاء في البطون وأعسر هضما. والشاي قصير البقاء، يسير الهضم. فحزب الشعب متفوق من الناحية المادية على حزب الاتحاد. وهذا طبيعي لا غبار عليه. فقد قلنا إن حزب الشعب مستأثر بوزارة الزراعة، ووزارة الزراعة مسيطرة على ما تخرج الأرض من النبات وما تغذو الأرض من الضأن والمعز ودواجن الطير وما تثمر الأرض من الفاكهة والعنب.
    ولكن حزب الاتحاد تفوق على حزب الشعب من ناحية أخرى، هي الناحية العقلية، فقد كان خطباء الاتحاديين أكثر من خطباء الشعبيين. ولم يخطب في الحفل الشعبي إلا وزير واحد، هو زعيم حزب الشعب ووزير ما تخرج الأرض وما تغذو من النبات والحيوان والثمرات.
    وإذن فالحزبان متكافئان، يتفوق أحدهما في تغذية الأجسام، ويتفوق الآخر في تغذية العقول. ثم يتكافأ هذان النوعان من التغذية فإذا الحزبان ما يزالان كما كانا من قبل، وكما سيكونان دائما فرسي رهان، لا يسبق أحدهما إلا ريثا يلحقه صاحبه.
    وكان الموضوع الخفي الذي من أجله احتفل الحزبان هو تلك الرسالة المشئومة، رسالة الديلى تلغراف . فلم يكن بد من أن يتنافس الحزبان في الرد على هذه الرسالة وإقامة الأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة على أن هذه الرسالة سخف من السخف، وهذيان من الهذيان، لا تغير من موقف الوزارة شيئا، لأن موقف الوزارة ليس رهينا بما تقوله الصحف في مصر أو في بلاد الإنجليز، إنما هو رهين بشيء آخر يعرفه الناس جميعا. وقد أعلنه رئيس الوزراء ألف مرة ومرة، وهو رضا جلالة الملك وثقة البرلمان. ولم يكن بد من أن يستبق الحزبان إلى البراعة في الرد على هذه الرسالة، وقد استبقا والغريب أنهما تكافآ في هذا أيضا. فلم يتفوق أحدهما على صاحبه قليلا ولا كثيرا. ولم يسبق أحدهما صاحبه قيد إصبع أو جناح ذبابة كما يقولون. ولم يفتح الله على أحد الحزبين المتنافسين بأن يزيد على ما قاله رئيس الوزراء ألف مرة ومرة حرفا واحدا، وإنما أراد الحزبان المتنافسان أن يصطنعا فنونا من البيان في التعبير عن هذا الموضوع. والغريب أنهما تكافآ في هذه الفنون أيضا. فقد أراد وزير التقاليد أن يسخر من كتاب الإنجليز، ومن المعارضين المصريين، فاصطنع الأدب الذي لا يشبهه أدب، والظرف الذي لا يشبهه ظرف وارتفع عن لغة العامة إلى لغة الخاصة، وعن لهجة الشعب إلى لهجة الوزراء. فقال إن هؤلاء الكتاب الإنجليز يضحكون من ذقون الأغرار المعارضين. وأراد وزير الزراعة أن يذم هؤلاء المعارضين ذما سياسيا نزيها نظيفا بريئا عفيفا لا يصدر إلا عن أصحاب الثقافة العليا والألسنة الطاهرة والطباع السمحة والترفع عن الفحش، فقال إن غير الشعبيين والاتحاديين قد أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة، فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. فكلا الوزيرين كما رأيت فرسي رهان في كل شيء، لا يكاد أحدهما يبلغ الغاية حتى يكون الآخر قد بلغها. ولن يظفر الحزبان فيما يظهر بنتيجة حاسمة لهذا التنافس فيستبقان دائما دون أن يسبق أحدهما صاحبه. وسيتنافسان دائما في الخير والمعروف دون أن يتفوق أحدهما على صاحبه في الخير والمعروف. وستستفيد مصر من هذا التنافس المتصل والسباق الذي لا ينقطع وستجني من غير شك منه ثمارا عذبة في الذكاء والمهارة، وفي النبوغ والبراعة، وفي أدب اللفظ وعفة اللسان. وسنتعلم كيف نذكر الضحك من الذقون، وكيف نصف الخصوم السياسيين بأن الشهوات والمصالح قد أعمت بصائرهم فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. وإذا لم تقتد مصر بوزرائها فبمن تقتدي؟ وإذا لم تقلد مصر وزير التقاليد فمن تقلد؟
    والظريف من أمر هذا التنافس أنه لم يأت بشيء جديد، فقد عرف الناس رأي الوزارة في مكتب الديلى تلغراف وصدقوه وآمنوا به واستيقنوا أن الوزارة أثبت من المقطم، وأرسخ من الأهرام. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأنها قد قدمت لمصر ما لم تقدمه إليها وزارة أخرى من النعم والآلاء فأنقذتها من الجوع وبرأتها من المرض، ورفعت رأسها، وحفظت كرامتها، وردت عنها عدوان الأجانب وصدت عنها طغيان الإنجليز. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأن الأمة قد منحتها الثقة والتأبيد، واختصتها بالمودة والحب، وكانت الإسكندرية أسبق المدن المصرية إلى الثقة بالوزارة والإيمان لها وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت الإسكندرية أحرص المدن المصرية على حب الوزارة وتأييدها، وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت كل مدينة مصرية يخطب فيها وزير أسبق المدن المصرية إلى حب الوزارة وأحرصها على فدائها بالأنفس والأموال.
    ومصر كلها أسبق من مصر كلها إلى حب الوزارة وأحرص من مصر كلها على فدائها بالأنفس والأموال. ومن يدري؟ لعل الحزبين الشقيقين الذين لم يتفرقا ولن يتفرقا لا يتنافسان إلا في الكلام، وما أيسر التنافس في الكلام وما أنفعه وأجداه فإنه يضحك ويسلي الهم ويهون احتمال الآلام.
    كوكب الشرق ٢٩ — ٧ — ١٩٣٣

    ناد
    أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
    وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
    وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
    هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
    هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
    وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
    هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
    إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
    نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
    صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
    والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
    هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
    وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
    كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
    ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
    كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
    فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
    كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣

    ذات الرؤوس
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه في محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاي. يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد.
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد. فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون، أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية. أو قل إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأساً، أي رأس، كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث: في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسيسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج. مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة، له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتخب في مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاض متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى. فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة. والشعب المصري واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد أغلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضي بتغليق الأبواب. وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون، ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول، أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية، أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية، قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل. شرف مصر بين الأمم فانتخبت في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل.
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أي عجب! هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة. يصيح في غير أوان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً. كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً. يقدم ليحجم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين. لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح.
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة. وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة، فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين. ولست أدري أرضي الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً. فأما الرأس الغائب فلم يرضَ ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً. فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من ‘لا’ و’نعم’ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها؟ وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان؟ ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف.
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك. أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزراً في مجلس الشيوخ. فقد أنكر الرأس النقراشي الأول، وزير الخارجية، كل الإنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تستوحى هذه الأماني؟ من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق. من غير السودانيين؟ فهي لا تستوحى شيئاً، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق. وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة، وهي الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة، لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب. أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟ وقد قال شاعرنا القديم:
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو
    ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً، ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان، وإن لم يرض الدستور. وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها. ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز. مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت. وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجري الريح رخاء.
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد البريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب. وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات. والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً. أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقي باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً. وإذن فصدقي باشا غاضب. والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات، أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد: يريح الناس جميعاً. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها! ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفاً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
    كل شيء ممكن. قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً. وذلك يسير. يقال إن التعديل الوزاري قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!
    طه حسين
    البلاغ، ٧ فبراير ١٩٤٦.

    صراحة
    من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي في أمر من الأمور، مهما يكن عظيمًا.
    فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلاً، كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخالفة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكتّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها منذ الآن، فلن أخالفهم فيها… ولكنهم يوافقوني فيما أظن على أن الأخذ بالمخانق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء…
    رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أعنّة الحكم، لم يرسلها ولم يدعه أحد إلى إرسالها. ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه ويبالغ عليه، ويضحي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — استغفر اللّٰه — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه: أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمضي فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة، والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدة.
    أظن الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، يوافقوني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضر الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة.
    وإذن فقد كنت أود لو أقنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تقترف، والسيئات التي تجترح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع: موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يسرفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون… ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه، إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوى مريب…
    ومهما يكن من شيء فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض.
    وأنا أفهم من الوزارة القومية — كما قلت من قبل — هذه التي تصدر عن إرادة الأمة، لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذا تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة. وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية. وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة قومية حقًا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يهم المشرفون عليه هوى ولا ميل.
    وهذا فيما أظن واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تجري هي الانتخابات…
    وليس من الحق، ولا من المنطق أن يُحتج بما صنع الإنجليز، فقد يقال إن رئيس وزارة العمال ألّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيده الشعب وانحاز إليه. قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه ينسون أن رئيس وزارة العمال حين ألّف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال، وأبوا عليه، لجأ إلى استفتاء الشعب، فمنحه الشعب نصره وأيده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.
    فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة لا يمكن أن تؤلف داخل البرلمان القائم.
    وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يرون أن من الخير ألا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء للبرلمان القائم. وإذن فأين تؤلف؟ وكيف تؤلف؟
    ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثل القلة ليس غير… فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة — أو سمّها ما شئت — فتجري الانتخابات الحرة، ولتكن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات. فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلّفت كأقوى ما تؤلف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم. وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.
    هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها، لأنها واضحة مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقوني على أن سلوك طريق غير هذه الطريق غير مأمون العاقبة، ولا مبرأ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.
    وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم — والحمد لله — لا يمكن أن تعاب بالقصر. وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يؤلف وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطع أن يثبت على قوميته هذه، فاضطر إلى ما اضطر إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته — أو وزاراته — على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، وهو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة…
    أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا، فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير في مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثال رئيس وزرائنا النابغة الفذ… الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر، ليس له ضريب ولا نظير…
    كوكب الشرق ٧ — ٣ — ١٩٣٣