Category: Uncategorized

  • مصر طه حسين \ Taha Hussein’s Egypt

    مصر
    للدكتور طه حسين
    مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق. هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون. إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال. إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان. وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع. مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز. لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق. «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان. «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون. كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.

  • خطاب من طه حسين لإبنه مؤنس | A letter from Taha Hussein to his son

    ٢٨ يوليو ١٩٣٣
    يا صغيري بالاغوست،
    لم يكن صحوي عصر اليوم صحوًا رفيقًا بي. فقد دوّى في البيت صراخٌ حادٌّ مفزع، أعقبته سقطةٌ عنيفة، فهببتُ من فراشي أقول في نفسي: لقد ألقى فريد بنفسه من أعلى السطح! وما كان هذا الظنُّ بعيدًا، فإن فريدًا منذ حادثة الملوخية ذات التراب يُنذرني كل يومٍ بكارثة.
    وثبتُ إلى الباب في لمح البصر، فإذا بي أجد فريدي ممدَّدًا على البسطة، لا حراك به. قلتُ: لا بأس، دوارٌ أو إغماءة، فهذا جزاء من يأكل الديدان والتراب. ولكن الذي كاد يُغمى عليَّ أنا، لا فريد، ما رأيتُه حول جسده الساكن: دبُّك جاثمًا عليه، ومعه ثلاثة دببة لا أدري من أين انحدروا.
    وكان دبُّك يصيح بصوته الأجش:
    — لا تفزع يا سيدي، فالأمر من صنيعنا!
    وقال الآخرون في صوتٍ أرادوا له اللين فلم يُفلحوا:
    — يا سيدي… يا سيدي…
    فصحتُ بهم:
    — دعوني الآن! لننظر في أمر المريض أولًا، ثم نحاسب المذنبين بعد ذلك.
    فقال مارتان — وهو فيما يظهر خطيبهم:
    — أما المريض، يا سيدي، فليس من اليسير إفاقته. والأحسن أن تنصرف قليلًا حتى يعود إليه وعيه. وبعد عشر دقائق نكون في غرفتك. أعدك بذلك — شرف الدببة! — ولك عندئذٍ أن تستجوبنا كما تشاء.
    ثم اختفوا جميعًا.
    أخذتُ أهزُّ فريدًا، وأرشُّ عليه ماء الكولونيا وماء هليوبوليس، بل والكحول. فتحرّك أخيرًا، فلما سألته عما حدث تمتم:
    — يا دكتور… خُيِّل إليَّ أن دببةً من قطن — مثل دبِّ مؤنس — تريد أن تلتهمني… لعلها هلوسة!
    فقلتُ له في وقار الطبيب:
    — لا بأس يا صديقي. اذهب فاطلب لنفسك فنجان قهوة.
    والحقُّ أنني كنتُ أشدَّ شوقًا إلى لقاء الدببة من الاطمئنان على فريد. وقد زال خوفي عليه، فهو لم يمت، ولن تُطالبني أسرته بفديته.
    دخلتُ غرفتي، فإذا الدببة الأربعة جالسون في أدبٍ حول مقعدي، ينتظرونني. جلستُ، ولم أكد أستقر حتى سمعتُ صوت مارتان الأجش يقول:
    — ها نحن يا سيدي. قصتنا يسيرة. منذ أن قسا السيد مؤنس وارتحل وتركني وحيدًا، جاءني رفاقي الثلاثة — بيدي بيش، وشيري بيد، وديريشيبه — وهم من دببة الحوت، يؤنسون وحدتي ليلًا ونهارًا. يرسلهم إلينا دبُّ الحوت كلما طال بي الشوق.
    إذا خلونا بأنفسنا لعبنا كما نشاء: نتحدث، ونغني، ونصرخ، بل نرقص أحيانًا. أما إذا حضرتَ، فنحن نُؤثر السكون لئلا نزعجك. ويتحوّل رفاقي — اتقاءً لريبة فريد — إلى ثلاث نملات صغيرات.
    غير أن السيد فريد نزل منذ قليل، فرأى النمل وأراد أن يبطش بهن. ومن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه، أليس كذلك يا سيدي؟ فعاد رفاقي إلى صورتهم الأولى، وصحنا جميعًا: قِف! ثم سمعنا صرخةً وسقوطًا، فإذا فريد مطروحٌ على الأرض. فأسرعنا إلى إسعافه، ثم حضرتَ أنت.
    هذه هي القصة. فهل نحن المخطئون؟ إن المسؤول الأول عن ذلك كله هو السيد مؤنس؛ لماذا يتركني وحيدًا؟ لقد طفتُ معه فرنسا، وما كنتُ لأُثقله في الإسكندرية.
    فقلتُ:
    — معك حق. ولكن في المرة المقبلة اختاروا صورًا أقلَّ إزعاجًا؛ فإن السيد فريد يخاف كل شيء — حتى النملة! وأما أنت يا مارتان فأعدك بأن مؤنس لن يتركك بعد اليوم فريسةً للوحدة.
    ولا حاجة إلى أن أقول لك إن حديثنا كله كان بالباليِّنية المشفَّعة بالهاء. ولو سمعنا فريد نتخاطب، لعاد إليه الإغماء مرةً أخرى.
    إلى اللقاء يا بالاغوست. إن من أحبَّ أصدقاءه لا يتركهم للوحدة: إما أن يصحبهم معه، وإما أن يكتب إليهم بين حينٍ وحين. فاكتب إلى دبِّك رسالةً، تُدخل بها السرور على قلبه.
    قبِّل أمينة، وغيغيت، عني. وأقبِّلك أنا قبلةً شديدة.
    بابا

    صاحب السعادة،
    لم يشدَّ لي بابا «الباشِتَّه»، ولكنه شدَّ أذنيَّ!
    صباح الخير، ولهوًا سعيدًا.


  • خطب طه حسين في فلورنسا ١٩٥٣- ٥٦ | Taha Hussein’s Speeches in Florence, 1953 – 56

    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    وزير التربية والتعليم
    ٢٦ يونيو ١٩٥٣
    سعادة رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    إني أحملُ إليكم تأييد بلادي، وتأييد سائر البلاد الإسلامية، تأييداً لكل ما قيل في هذا المؤتمر منذ استهلاله وحتى ساعتنا هذه؛ وهو تأييدٌ أزفُّه إليكم بغير قيدٍ ولا شرط، ذلك أن نهج تفكيرنا هو عينُ نهجكم. فليس ثمَّة خلافٌ بيننا في سبلِ إدراكِ وقبولِ القيم الروحية التي يتعينُ إرساؤها في عالمنا المتمدن الحديث. وإني إذ أقولُ هذا، لا أقوله بصفتي رجلاً من رجال القرن العشرين فحسب، ممن شُغفوا بثقافتكم وحضارتكم وتأثروا بكل ما نهلوه من مَعين المدنية الأوروبية، بل أقوله بصفتي مسلماً؛ فأنا على يقينٍ تام من أن أي مسلمٍ، في أي بقعةٍ من بقاع الأرض، لَو وقف مكاني هذا لَقالَ بالضبط ما أقوله الآن.
    إن كلمة “إسلام” مشتقةٌ من مادة “السلام”، وهي كلمةٌ ذات دلالةٍ جليلة، ليس في اللغة الإسلامية فحسب، بل في العالم أجمع. فالإسلامُ هو الدخول في السلم؛ وكلُّ مسلمٍ يبتغي أن يكون في سلمٍ مع الله. بيدَ أن الله “عزيزٌ ذو انتقام” في طلبه، فهو لا يكتفي بمجرد الصلح الظاهري، بل يوجبُ أن يكون السلمُ معه استسلاماً مطلقاً له. فكونُك مسلماً يعني أن تستسلم لله، وأن تَهبَه قلبك ونفسك وعقلك؛ أن تَهبَ نفسك لله بغير تحفظ. هكذا يؤمن المسلمون. وهم أبناءُ إبراهيم الذي استسلم لله استسلاماً كلياً، لدرجة أنه حينما أمره بالتضحية المشهورة لم يجد ما ينطق به من قول، إذ لم يكن أمامه إلا الطاعة بغير ترددٍ للأمر الذي أصدره الله إليه. ولم يستسلم إبراهيم وحده، بل طلب من ابنه الاستسلام ذاته، فأطاع الأب والابن معاً: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}.
    إن الإسلام يعني أن تكون في سلمٍ مع الله، وبالتبعية في سلمٍ مع البشر. ويبدو لي أن الإسلام والمسيحية يلتقيان في هذه النقطة لقاءً سعيداً. فقد كان المسيحُ هو المبشر بالسلام على الأرض بين ذوي النوايا الطيبة، بين الذين استسلموا للأب السماوي ووهبوا أنفسهم لله كلياً. إن الاختلافات بين المسلمين والمسيحيين — فيما عدا القضايا العقدية التي لا ينبغي لغير علماء اللاهوت الانشغال بحلها — لا وجود لها. فنحن جميعاً نفكر بالأسلوب ذاته، ولنا الأهدافُ عينُها من إرساء السلام بين البشر وتحقيق التقدم للعالم.
    إن كتاب الإسلام المقدس، القرآن الكريم، يتحدث عن المسيحيين والمسيحية، ولن تجدوا في سائر نصنا المقدس كلمةً واحدةً ضدهم؛ أعني ضد المسيحيين الحقيقيين، الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً ويستسلمون لها بقلوبٍ طاهرة. أما ذلك المسيحي الذي لا يعرف من إيمانه إلا الجانب الشكلي فذاك أمرٌ آخر؛ وهذا النمط هو من ينتقده القرآن، لأنه بداهةً لا يعرف الله حق المعرفة، ويقول إن الله ثالثُ ثلاثة. وأنا لا أعتقد أن المسيحيين الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً يقولون إن الله واحدٌ من ثلاثة. والقرآن يتحدث عن صلب المسيح، لكنه يوجه لومه لليهود الذين تفاخروا بصلبه، فيقول لهم القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}.
    ويكفي أن نستشهد بآيات القرآن الموجهة للمسلمين، تلك التي تحارب الكبر وتؤكد أن أقرب الناس مودةً هم أولئك الذين استعدوا لمحبتكم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖيَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.
    وحينما يقرأ المسلمون هذه الكلمات في القرآن (وهم يفعلون ذلك غدواً وعشياً وخمس مراتٍ في اليوم خلال كدحهم) لا يمكنهم أن يتخيلوا وجود خلافٍ حقيقيٍ بينهم وبين المسيحي، فضلاً عن وجود سببٍ للبغضاء. لقد كان الأب “دانييلو” يقول إنه ينبغي قبول فكرة “الوطن” وقبول الاختلاف بين الأوطان، مع الاكتفاء بقبول هذا الاختلاف بمحبة. وإني لأوقعُ على هذه الكلمات الجميلة للأب دانييلو، وأؤكد أن سائر المسلمين يتعين عليهم التوقيع على هذا الإعلان. ففي بلاد الإسلام، يعيش المسلمون والمسيحيون وغيرهم جنباً إلى جنب. لا يقتصر الأمر على عيش المسيحيين في سلمٍ مع المسلمين، بل إن المسلمين يعيشون في سلمٍ حتى مع غير المسيحيين ومع الأجانب أيضاً. وفي بلدي، لا يعيش الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان واليسوعيون لمجرد العيش، بل يعيشون ليعلّموا؛ فلهم مدارسهم ومعاهدهم التي يعلمون فيها المسيحيين والمسلمين على السواء، حيث يرسل المسلمون أبناءهم لتلك المدارس.
    إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في وئامٍ تام مع أساتذتهم المسيحيين. كما أن المسيحيين يلتحقون بمدارسنا الوطنية وجامعاتنا، ومن بينهم فلورنسيون أيضاً. لا توجد أي صعوبةٍ في الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وليس هذا في مصر فحسب، بل في سائر البلاد الإسلامية؛ ففي كل مكانٍ نجد التعايش كاملاً. وحينما تتحدثون عن “السلام المسيحي”، فنحن نفهمه على أنه “السلامُ” بغير نعوت؛ لأنه لا يوجد سلامٌ مسيحيٌ فحسب، أو سلامٌ مسلمٌ فحسب، بل يوجد “سلامٌ عالميٌّ وشامل”. فالسلامُ بحد ذاته لا دين له؛ بل بالأحرى له دينُ اللهِ الواحد، وهو “دينُ السلام”.
    لقد اجتمعنا هنا لنتناقش ونرى إلى أي حدٍ يمكن للصلاة والشعر أن يساهما في إرساء السلام في العالم. وبناءً عليه، فإني لا أعرف ديناً يُعلي من شأن الصلاة، ويُلحُّ على الإنسان أن يصلي ويكون في صلةٍ مستمرةٍ بالله، كالإسلام. وليس هذا لمجرد أن الإسلام يفرض على المسلمين خمس صلواتٍ في اليوم، ولا لأن الصلاة من بين الشعائر الأساسية التي يجب على الإنسان المشاركة فيها، بل لأن الإسلام لا يكتفي بالصلوات الخمس الرسمية، بل يؤكد أن ثمة شكلاً آخر من الصلاة، أهم بكثير من الصلاة الشعائرية: وهي استحضار الله الذي يجب أن يكون حاضراً في رُوح الإنسان، في جميع لحظات الليل والنهار.
    فالقرآن يأمرُ بإقامة الصلاة الرسمية، لكنَّ الحضور المستمر لله في النفس أهم بكثيرٍ منها. فالقرآن لا يكتفي بالرسم، بل يريد أن يكون ذكرُ الله حاضراً في الرُّوح، ويقدم للمسلمين نماذج من الأدعية، منها على سبيل المثال:
    {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖوَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚأَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
    وأيضاً: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖبِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖوَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
    وهناك نماذج عديدة أخرى من هذه الأدعية التي قدمها القرآن للمسلمين ليكونوا على صلةٍ بالله خارج أوقات الصلاة الرسمية. وفي الليل، ندعو الله هكذا (كما ورد في المأثور النبوي):
    «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ».
    هكذا يملك المسلمون أدعيةً شتى يناجون بها الله في الصباح والمساء، عند اليقظة وعند المنام، بخلاف الصلاة الرسمية.
    أما حيال الشعر، فقد اتخذ القرآن موقفاً حاسماً بإدانة الشعراء الغاوين: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. وبناءً عليه، فالقرآن ضد الشعر العابث، لكنه مع الشعر الذي يعلّم الناس الخير ويصدرُ عمن يعملون الصالحات: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}. فالشاعرُ قد يكون مقبولاً في الإسلام شريطة أن يكون رجلَ خير، ينطق بما ينفع من يسمعه ويتعلمه. هكذا يدين الإسلام الشعر المبتذل، لكنه يقرُّ الشعرَ الجدير بهذا الاسم.
    وللمسلمين، بطبيعة الحال، شعراؤهم؛ فلهم شعراءُ المجون كما هو حال العالم أجمع، لكنَّ لهم أيضاً شعراءهم من أهل الخير، وهم شعراءُ من الطراز الأول.
    ويمكنكم أن تسألوا علماءكم من المستشرقين، وتستفسروا منهم إلى أي حدٍ يرتبط التصوفُ المسيحي بالتصوف الإسلامي، وكيف تغلغل هذا التصوف في إسبانيا خلال القرنين العاشر والحادي عشر. فالتصوفُ الإسلامي والتصوف المسيحي قريبان جداً من بعضهما، ولهما المناهل ذاتها، وهي “حبُّ الله” و”حبُّ الحق”. فإله المسلمين هو إله المسيحيين، وصلاةُ هؤلاء وصلاة هؤلاء واحدةٌ تقريباً، فيما عدا بعض الشكليات؛ ونحن نتقبل هذا الاختلاف بمحبة.
    لقد وجد شاعرٌ مسلمٌ تحرر من كل قيدٍ شكلي، ففحص الإسلام ودرس المسيحية واليهودية ودرس دياناتٍ أخرى، ولم تمنحه أيٌّ من هذه الأديان راحة النفس التي كان ينشدها. كان شاعراً عربياً عاش في القرن العاشر، وهو ضرير، وأعني به “أبا العلاء المعري”، الذي قرأ كل شيء، وعاشر المسلمين والمسيحيين واليهود والفرس وغيرهم، وخرج بروحٍ متحررةٍ تماماً من كل شكليةٍ دينية. لكنه لم يستطع أبداً التحرر من التفكير في الله؛ فقد كان يؤمن بالله، إلهاً حكيماً، إلهاً خلق العالم، لكنه لم يستطع فهم “الوحي”. هذا الشاعر، بعد أن طاف بالبلاد الإسلامية، عاد إلى داره واعتزل العالم ومكث في بيته خمسين عاماً (رهين المحبسين) لا يرى إلا تلاميذه، ولا يخرج أبداً. وحرم على نفسه كل لذة؛ فلم يكن يأكل إلا العدس والتين، وقضى خمسين عاماً في هذه الحياة الطاهرة المتصونة والمتسمة بالقداسة حقاً، قداسةٌ رغم إنكاره لكل وحي.
    لقد قرأتُ صلواتِ هذا الشاعر الضرير، وأعتقد أنها لم تُنشر بعد باللغات الأوروبية، لأنها رأت النور مؤخراً بالعربية، ولا أدري إن كان المستشرقون يعرفونها. لقد كان هذا الرجل يؤمن بالصلاة، بالصلاة الحقة؛ تلك التي لا تُؤدى لمجرد الأداء، أو للتظاهر بأن المصلي يتوجه لله. فالله لا يحب المرائين، ولا يحب الذين يوجهون صلاتهم لغيره. فالله يوجب أن يتوجه المصلي إليه بقلبٍ طاهرٍ تماماً، ويريد منه أن يفحص ضميره قبل الصلاة، ويطهره من كل ما هو سوى الله.
    وحينما نريد أن نرى إن كانت الصلاةُ والشعرُ وسيلتين فعاليتين لإرساء السلام بين الأمم، فيتعين علينا ابتداءً أن نفحص ضمائرنا لنتبين ما إذا كنا نرتكبُ مظالمَ في حق الآخرين.
    إن اليوم الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون مستعدين للقاء — ليس بوجوهٍ باسمةٍ فحسب، بل وقبل كل شيء بقلوبٍ وضمائر طاهرةٍ ونقية — ستكون الصلاةُ والشعرُ هما الوسيلةَ الأكثر فعاليةً لإرساء سلامٍ دائمٍ بين المسيحية والإسلام.


    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    ٢٥ يونيو ١٩٥٤
    سعادة رئيس البلدية، سيداتي، سادتي،
    لقد قال لي العمدة “لا بيرا” منذ أيامٍ قلائل، في جملة ما غمرني به من رقيق القول: «ما أجمل العودة إلى الدار بعد طول سفر!». وإني لأحبُّ أن أعتبر نفسي هنا في داري، وأن أتحدث إليكم كحديث المرء في أهله وعشيرته. فنحن جميعاً إنما جئنا هنا بحثاً عن الحق، وطلباً للعدل، وسعياً لأن يحلَّ سلام الله في كل القلوب وبين سائر البشر، ويملأ الأرض خيراً ورخاءً.
    فما عسانا أن نفعل لنكون أصدقاء، ونتحدث حديث القلوب؟ سأتحدث إليكم بأبسط ما يكون الحديث، وبالنهج الذي أوصى به الله المسلمين؛ إذ يقول سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ{. إني أحمل إليكم أولاً تحية بلادي ودعواتها بنجاح مؤتمركم هذا، بل مؤتمرنا؛ لأن هذا اللقاء الذي يُسمى “مؤتمر السلام والحضارة المسيحية” هو أيضاً مؤتمرٌ للحضارة والسلام الإسلامي. فليس ثمة خلافٌ جوهري بين الإسلام والمسيحية؛ فإلهنا واحد، وإيماننا واحد، وغاياتنا ومُثُلنا واحدة. ومرةً أخرى يوصينا الله بالوحدة فيقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{.
    إذن فإلهنا واحد، ونحن يدٌ واحدة ضد كل ما يتهددنا. سأتحدث إليكم بالنهج الذي أمرت به الكتب المقدسة، وأقول لكم ببساطة إن سائر المسلمين قد أجمعوا على تأييد مُثُلكم وغاياتكم وطريقتكم في التفكير فيما يخص العدل والسلام. إن أزمة “الوحي” التي تشغلكم اليوم قد شغلت المسلمين منذ زمنٍ بعيد، منذ القرن الثامن للميلاد، حينما واجه المسلمون هذه الأزمة فور ترجمتهم للفلسفة اليونانية واحتكاكهم بالحضارة الإيرانية. وحينئذٍ انفتحت الهوة بين الإنسان وخالقه؛ فالإنسان دائماً ما يداخله الغرور حين يفكر، وحين يتوهم أنه اكتشف جديداً، فيتخيل أنه قد سخر العالم لنفسه، ويظن أن الدنيا في غنىً عن الله، فيضع نفسه في موضع التضاد مع الخالق.
    إن حلَّ هذه الأزمة يكمن في التوفيق بين الحضارة والوحي. ومع أن الإنسان حاول دوماً إيجاد الحل كلما تطور وترقى، إلا أن غروره كان يزداد بازدياد توهمه للتقدم العقلي. وفي نهاية القرن العاشر وبداية الحادي عشر، برز مفكران مسلمان كبيران؛ أحدهما في سورية، وهو أعظم شعراء الإسلام: أبو العلاء المعري، الذي ثار على الوحي، وزعم أن الأنبياء سبب العداوة في العالم، وأن النبوات خديعة من “شيوخٍ” أرادوا السلطان والمال، وكان يقول: »أفيقوا؛ فما وحيكم إلا مكرٌ وخديعة« . أما الغزالي، فقد سلك مسلكاً عجيباً؛ إذ حاول هدم الفلسفة ليُفهم المسلمين أنهم في غنىً عنها، وأن كل شيء موجود في القرآن. ثم جاء ابن رشد محاولاً التوفيق بين الفلسفة والدين في كتابه «فصل المقال«.
    بيد أن الفلسفة ازدهرت في الأندلس ازدهاراً عظيماً بفضل الأساتذة وترجمة الكتب إلى اللاتينية. وفي المغرب، خاض المسلمون معركةً ضارية ضد الفلسفة وأحرقوا كتبها. ويروى عن فيلسوفٍ أندلسيٍ كبير (ابن رشد) أنه قال لمن أحرقوا كتبه: «إنكم قد تحرقون الورق، ولكنكم لا تحرقون العلم؛ لأن العلم في صدري، ولا يحرقه النار».
    ثم داهمتنا الأزمة في القرن التاسع عشر ووجدت المسلمين في حالة ضعفٍ وسبات. لكنهم استيقظوا رويداً رويداً، واستعادوا وعيهم بمجد الإسلام الغابر، وأرادوا استعادة كرامتهم القديمة. لقد عانى المسلمون في القرون الأخيرة من “عقدة المغلوب” أمام الأقوياء، فكانوا يرون الحضارة الغربية شيئاً خارقاً وأرادوا بأي ثمن جعل الإسلام جديراً بها. وحينئذٍ ظهر محمد عبده، الذي حاول إثبات أن الدين لا يتعارض مع الحضارة، ولكنه أسرف في التأويل حتى أراد أن يجد الميكروبات التي اكتشفها الأطباء في آيات القرآن! وهذا النهج أرضى المسلمين لثلاثين عاماً فحسب.
    أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت في مصر والشرق الأدنى دعوةٌ للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام، والتمسك بالنصوص القرآنية في نزاهتها بعيداً عن التأويلات المتكلفة. وأرادوا التأكيد على أن العلم والدين يمكنهما التعايش والوئام، شريطة أن يتسم العقل بالتواضع، ويقر بعجزه عن إدراك كل شيء من خلال كشوف العلم والتقنية؛ فالدين يظل هو السيد، وهو المعلم للقلب والوجدان، وهو الموجه لسمو البشر.
    بين الحربين العالميتين، شهد العالم العربي نهضةً حضاريةً استثنائية، وتبنى الثقافة المعاصرة والحضارة الغربية بصدق. ففي مصر مثلاً، تُدرس العلوم واللغات الأجنبية في كل المراحل التعليمية. وذهب المسلمون لأبعد من ذلك حين قالوا: «إن هذه الحضارة الغربية ليست مِلكاً للغرب وحده، بل هي حضارةٌ إنسانية، بدأت في اليونان وروما، ثم نَصَّرها المسيحيون وأسلمها المسلمون».
    لقد اضطلع المسلمون بدورٍ هائل في تطور هذه الحضارة، ولا يمكن للغربيين ادعاء ملكيتها الخالصة. والمسلمون اليوم يشعرون بأنهم شركاء في حضارتكم، وعليكم واجبٌ نحوهم بأن تنقلوا إليهم ما استحدثتموه من كشوف، لا كأسيادٍ بل كإخوةٍ وشركاء؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد. لقد نَصَّرتم الزمان في وقتٍ ما، وأَسلموه هم في وقتٍ آخر؛ أنتم تقدمتم في العصر الحديث وهم تقدموا في الماضي. أنتم إخوةٌ يجب أن تَرُدوا للشرق الإسلامي ما كان قد مَنَحكم إياه في القرون الوسطى.
    إن ما ينشده المسلمون اليوم هو العيش في سلامٍ مع العالم، ولكن في ظل سلامٍ حقيقي، لا سلامٍ ركيزته الرهبة والقهر. إنهم يطالبون بالعدل الذي يجب أن يكون واحداً للجميع؛ فلا يقبل المسلمون أبداً أن يكون هناك عدلٌ في أوروبا للأوروبيين، وعدلٌ في الشرق تفرضه قوة السلاح والاستعمار.
    إني لا أسعى للتفلسف أو الغرق في اليوتوبيا، بل أريد شيئاً واحداً: أن أُبين لكم أن علينا واجباً أسمى، وهو استعادة تلك الأخوة بين العالم الإسلامي والغرب، بل وبسطها بين بني الإنسان كافة. فليس عند الله شرقٌ وغرب، ولا شمالٌ وجنوب؛ بل هناك “العالم” وهناك “البشر”. والله حين يمنح العدل، لا يمنحه للمسيحيين وحدهم أو المسلمين وحدهم، بل يمنحه للعالم أجمع.
    أطلب منكم “مراجعة للضمير”. فالقرآن يقول: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{. وهذا يصدق على المسيحي كما يصدق على المسلم. إن الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك هي دماء الجميع. فالله لم يخلق العالم لأمةٍ واحدة، بل خلقه لتنعم فيه البشرية جمعاء، وتعبده وتخضع له في ظل العدل والسلام.
    وإني لعلى يقينٍ من أنكم، بمراجعة ضمائركم، ستدركون أن علينا جميعاً واجباً إلهياً؛ واجباً يهدف لأن يكون عدل الله شاملاً، وسلامه يرفرف في كل القلوب، ويملأ الأرض خيراً وبركة.
    وإني لا أختم حديثي دون أن أُعرب للبروفيسور “لا بيرا” عن إعجابي وامتناني، بل وعن محبتي؛ فبفضله أرى مرةً أخرى هذه المدينة التي أحبُّها: فلورنسا. وبفضله نلت سعادة لقائه، وإني لأجد في كل عامٍ الشرف في لقائكم جميعاً مرةً أخرى.


    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖوَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خلفية تاريخية: أُلقي هذا الخطاب في “مؤتمرات السلام والحضارة المسيحية” التي كان ينظمها عمدة فلورنسا الشهير جيورجيو لا پيرا في الخمسينيات، وكان طه حسين ضيفاً دائماً وممثلاً رسمياً لمصر فيها.

    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٦
    من أعماق قلبي، أتقدم بوافر الشكر للبروفيسور جورجيو لا بيرا على لفتته الكريمة بدعوتي للتحدث في عيد القديس “يوحنا المعمدان”. وهو رجلٌ نُجله جميعاً، مسلمين ومسيحيين. لذا، يسعدني أن أعرب عن كامل امتناني للعمدة “لا بيرا” ولمدينة فلورنسا لإتاحة الفرصة لي للتحدث في هذا العيد؛ لأنه يومٌ يُكرم فيه المسلمون والمسيحيون على السواء نبياً بَشّر بنور عيسى المسيح العظيم.
    لقد كانت “النبوة” هي المبدأ الذي انطلقت منه التاريخ الإسلامي. تعلمون جميعاً أن العرب، قبل مجيء النبي، كانوا شتاتاً من قبائل بدائية غارقة في البداوة، تشغلهم الحروب والغزوات، ويعيشون حياةً هي أشد ما يمكن للمرء أن يتخيله من بؤسٍ وضنك. حياةً ملأى بالخوف والقلق، حياةً كان الآباء فيها يئدون أبناءهم وبناتهم أحياء؛ لقد كانوا حقاً آباء فاقةٍ ومسغبة.
    ثم جاء يومٌ، ظهر فيه رجلٌ أكد أنه مبعوثٌ من الله ليخرج تلك القبائل من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الضلال ويرشدهم إلى الصراط المستقيم. وعد هذا الرجل العرب بحياة سعيدة، وأكد أنه لم يأتِ للعرب وحدهم، بل للناس أجمعين؛ لم يأتِ ليغير أو يبدل شرائع المسيحية أو اليهودية، بل جاء مصدقاً لها. وقد واجه هذا الرجل صراعات واضطهادات مريرة. كان يدعو الأغنياء للرفق بالفقراء، والعظماء للرفق بالصغار، ويأمر السادة بحسن معاملة العبيد. كان يقول إن العبيد والسادة سواءٌ أمام الله، وأنه لا تفاضل بين سيد وعبد، ولا فقير وغني، ولا قوي وضعيف، بل إن الناس يتفاوتون أمام الله بحسب أعمالهم.
    لقد كان يقول إن الله خلق الناس من أب وأم واحدين؛ وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتآزروا، ويتعاونوا فيما بينهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي نهاية المطاف، وجد هذا الرجل آذاناً صاغية وطاعةً مخلصة؛ وبفضله استحال الشعب العربي شعباً متمدناً.
    إذن، بالنبوة بدأ تاريخنا. كان نبي الإسلام يؤكد أن الله أوحى إليه بأن الإنسان لا يمكنه الفرار بعيداً عن ربه في أي لحظة من لحظات وجوده، ذلك أن الله هو ضمير الإنسان. والله يستجيب دائماً لمن يرجوه، ولهذا يوجب على الإنسان الإيمان به: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ولأن الله يصحب الإنسان من مستهل حياته إلى منتهاها، فهو يحصي عليه كل ما يفعل، وكل ما يضمر، وكل ما يشعر به؛ فلا يخفى على الله شيءٌ من شؤون حياة الإنسان.
    وعلينا أن ندرك ذلك جيداً؛ فعلى المرء أن يحيا حياته وفقاً لأوامر الله. وأمرُ الله يتلخص في ثلاثة مبادئ: العدل، والإحسان إلى القريب، والتضامن بين البشر. فالمسلم الحق يجب أن يسير في حياته وفق هذه المبادئ والفرائض: فعليه أن يكون عادلاً تجاه الآخرين، أياً كانوا، مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. عليه أن يكون عادلاً في حياته الخاصة كما في حياته العامة، وفي حياته الدولية كذلك. وعليه أن يكون رحيماً؛ فالله لا يمقت شيئاً كمقته للأثرة والقسوة. يجب على الإنسان أن يكون محسناً، وأن يتخذ من محبة القريب ركيزةً لحياته العامة والخاصة، ولحياته الباطنة وفكره على السواء.
    لقد بدأت حياة الإسلام بدعوة النبي، وبالتأكيد على أن الله يحصي كل ما نفعل ونظن. والله يقص علينا في الكتب المقدسة المختلفة — في العهدين القديم والجديد كما في القرآن — أخبار الأمم التي سبقتنا، ولا سيما تاريخ اليهود والنصارى الأوائل. يقص علينا كيف كانوا سعداء ما أطاعوا أوامر الله، وكيف كان الله يسبغ عليهم عونه ما حافظوا على العهد مع أبيهم السماوي.
    وحينما يتخلى الله عن الناس، يجعلهم محلاً لغضبه، كما حدث حين لم يتبع إسرائيل أوامره ونسي الميثاق، فاستحال ميثاقاً غليظاً ضدهم. يقص الله علينا كم من مرة نقض بنو إسرائيل ميثاق إبراهيم، وكم مرة عاقبهم الله وجازاهم على هذا الذنب. ولم يقص الله علينا هذا لمجرد عرض التاريخ، بل فعل ذلك ليكون لنا عبرةً ودرساً.
    إن المسلم ملزمٌ بتذكر كل ذلك؛ فهو مطالبٌ بالصلاة، ومن ثمَّ بقراءة القرآن خمس مرات في اليوم، وعليه أن يذكر كل ما وقع قبل أن تكون الأمة المسلمة، وقبل بزوغ فجر الإسلام. ولا ينبغي له أبداً أن ينسى ما قد يحل به إن عصى الله. إن النبوة التي تنظم حياتنا، والتي تصحبنا أفراداً وجماعات، تريد أن تُعلمنا أن الله قد وهبنا عقلاً لنتفكر، وحريةً لنعمل وفقاً لأوامره. فالإنسان لا يُمنع من عصيان الأوامر الإلهية؛ فبمقدوره أن يعصي، ولكن عليه أن يعلم ما ينتظره إن فعل: العقاب في الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الأخرى.
    وبما أننا نملك العقل، فعلينا أن نميز بين الخير والشر: بين ما هو عدل وما هو جور، بين ما هو إحسان وما هو قسوة. وعلينا أن نؤدي لله حساباً عن كل ما نعلم وكل ما نصنع في هذه الحياة وفي الظروف التي تكتنفها.
    وخلاصة القول، إن الإسلام لا يختلف عن أي دين من الأديان السماوية في هذا الشأن؛ لأن المسلمين والمسيحيين واليهود يدركون بالمنطق ذاته طبيعة العلاقات الجوهرية بين الله والبشر. فهناك ميثاقٌ بين الله والناس، ميثاقٌ مشروطٌ بالعدل، والإحسان للقريب، والتضامن الإنساني. واليوم الذي ينقض فيه الإنسان هذا الميثاق، لا يعد مستحقاً لرحمة الله ومحبته، بل يصبح غرضاً لغضبه وعقابه.
    وإذا كنا نتفق على أنه لا يوجد خلافٌ جوهري بين الإسلام والأديان السماوية الأخرى من هذا المنظور، فإني أتساءل: لماذا لا يمكننا التفاهم أيضاً في سائر الأمور الأخرى؟ تلك الأمور التي تشكل حياتنا وتصيغها، والتي يجب أن تمثل الركيزة لتحسين وجودنا، ولإعادة العدل إلى العالم وتنظيم حياةٍ تقوم على الإحسان والتضامن بين سائر البشر.
    إن القرآن يخبرنا بأن الإنسان قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فالإنسان هو ممثل الله في الأرض لتحقيق العدل، ولنيل هذا العدل لا غنى عن التعاون بين الإنسان والله، كما هي إرادة الله. فلماذا لا نسعى حقاً للتفاهم والتعاون؟ لماذا لا نبذل جهداً حقيقياً، كلنا، للوصول إلى انتصار العدل، ولنمنح الإنسان حياةً مستلهمةً من الإحسان والتضامن والتفاهم المتبادل؟
    إن لم نصل إلى ذلك، فبسبب وجود مغريات كثيرة تدفع الإنسان لمحبة نفسه أكثر من قريبه، وللإثراء على حساب جاره، وللعمل بأنانية ليكون دائماً الأكثر غنىً وجاهاً وقوة. ومن أجل نيل القوة والعظمة، لا يتردد الإنسان في دفع الآخرين نحو العنف، فرداً وجماعة.
    صدقوني: إن الشيء الوحيد الذي يفرقنا في عالمنا المعاصر، والسبب الجوهري الذي من أجله لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون، والغرب والشرق، بل ويكادون يتصادمون، والسبب الذي يبذر في الأرض الكراهية بدلاً من الحب، هو “أثرة” (أنانية) قلةٍ قليلة. هذه الأثرة تجعل الأقوياء يرغبون في اضطهاد من هم أقل قوة، وتجعل الأغنياء يرغبون في قهر الفقراء. وأحياناً يحدث أن يدرك الفقراء والضعفاء ضعفهم وبؤسهم، ويقدرون مدى الهوة التي تفصلهم عمن يضطهدونهم، فيثورون لنيل حقوقهم؛ أي لتحقيق ذلك العدل الذي أراد الله وجوده بين الناس، والذي ينكره المستبدون.
    إن ما نخشاه، وما يفرق اليوم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب، يكمن هنا: إن المسيحي الصالح والمسلم الحق، اللذين يؤمنان حقاً بالميثاق بين الله والناس، ويريدان طاعة أوامر الله، عليهما أن يفحصا ضميرهما ويسألا نفسيهما: أمن العدل أن تُقهر شعوبٌ لكي تزداد شعوبٌ أخرى قوةً وعظمة؟ أمن العدل أن تجوع شعوبٌ لكي تسرف شعوبٌ أخرى في الطعام؟ أمن العدل أن تُحرم شعوبٌ من ثمار أرضها وكدحها، لكي تنعم شعوبٌ أخرى بالرخاء والترف؟
    إن ضمير هذا المسيحي أو هذا المسلم سيقول حتماً إن هذا ليس عدلاً، وليس إحساناً، ولا يتفق مع أوامر الله؛ وعندها سيجد قوة الإرادة للتحرك، ووضع نفسه في خدمة الآخرين، ليكون جديراً بمحبة الله، وسيكون عادلاً مع الآخرين لكي يكون الآخرون عادلين معه.
    ليس ثمة في الجوهر ما يفرقنا حقاً. لماذا يتعين على الغرب أن يكون سيداً للشرق؟ لماذا؟ ألأن الشرق لا يزال يفتقر إلى مستوى ثقافي أرفع؟ إن كان الأمر كذلك، فواجب الغرب أن يخرج الشرق من جهله. إن الشرق ضعيف؛ لكن العدل والإحسان يأمران الغرب بإخراج الشرق من ضعفه. بيد أن الغرب يفعل في الشرق النقيض من ذلك تماماً. ينتابني انطباعٌ بأنه يبذل قصارى جهده ليزيد من إضعاف الشرق، وجعله أكثر بؤساً، ليبقى الشرق دائماً في حاجةٍ إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الحقيقة أقوى من كل شيء، كما أن العلم والمعرفة أقوى من الجهل، والنور أقوى من الظلام. إن الشرق الجاهل يتعلم ويتثقف تدريجياً؛ وبدأ يعي جهله، ويطالب بحقه في الحياة؛ حقه في تبوأ المكانة التي يستحقها في محفل الأمم. ويرى في الدين الذي وهبه الله إياه أنه لا تفاضل بين مسيحي ومسلم، ولا بين شرق وغرب، ولا قوي وضعيف. وحينها يتساءل الشرق: لماذا أبقى دائماً بائساً، ضعيفاً، مقهوراً من رجالٍ هم في نهاية المطاف بشرٌ مثلي تماماً؟ هل بيننا أي فرق جوهري أمام الله، والحقيقة، والعدل؟
    ما كل هذا العداء من الغرب نحو الشرق؟ ما كل هذا الريب؟ إن المسيحيين والمسلمين خُلقوا ليتفاهموا، ويتآزروا، ويتعاونوا، وينشروا عدل الله، ويدافعوا عن الدين والوحي والنبوة، ضد المادية وضد إنكار الله.
    لقد خُلق المسلمون والمسيحيون ليتفاهموا! يقول القرآن للمسيحيين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}. إن القرآن يدعو المسيحيين لهذا التفاهم، وكذلك المسيحية تدعو سائر البشر لتفاهمٍ كهذا. إن هذه المبادئ ذاتها توجد في الإنجيل كما توجد في القرآن. لقد نطق بها عيسى، وأكدها نبي الإسلام. فعلى المسلمين والمسيحيين التفاهم على المبدأ ذاته، وأن يعملوا جنباً إلى جنب لخدمة الله في الأرض وتحقيق ملكوته فيها.
    لماذا إذن لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون؟ ببساطة لأن القدر أراد في لحظةٍ من لحظات التاريخ أن يضعف الشرق ويقوى الغرب، ولأن سوء الحظ أراد أن ينسى الغرب أوامر الله، وينسى العدل والإحسان، ولا يفكر إلا في نفسه، ساعياً لاستعباد الشرق بدلاً من معونته ومساندته.
    أيها السادة، إني أتحدث إليكم بصفتي مصرياً، وبصفتي مسلماً. فبصفتي مصرياً، أؤكد أن بلادي لا تطلب إلا شيئاً واحداً: صداقة سائر شعوب الأرض. ولكن صداقةً تقوم على العدل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى الحق الذي وهبه الله لكل البشر؛ تطلب صداقة كل الشعوب شريطة ألا تستحيل وسيلةً للاستغلال والقهر، أو أداةً لسلطةٍ تنكر حقوق الإنسان في حياة كريمة. لا تطلب مصر غير ذلك؛ فهي تمد يدها للعالم أجمع، وللغرب المسيحي قبل أي أحد آخر؛ ولكن ما عساها أن تفعل إن هي مدت يدها للغرب ورفض الغرب مصافحتها؟ ما عساها أن تفعل إن نشدت صداقة الغرب المسيحي ووجدت من يرفضها، من لا يريد الصداقة بل يريد شيئاً آخر: العظمة، القوة، الاضطهاد، العبودية؟
    وبصفتي مسلماً، فقد قلتُ لكم مراراً — وهذه هي المرة الرابعة التي آخذ فيها الكلمة في هذه اللقاءات — تفكروا فيما تحتويه دياناتنا، لكي نقتنع بوجوب خدمة الله، وهو في الجوهر أمرٌ يسير. أؤكد لكم أن ما يفرق بين المسلمين والمسيحيين أشياءٌ قليلةٌ جداً. أنتم تتحدثون عن رُوح الله، وتقولون إن عيسى هو كلمة الله، ونحن نقول ذلك أيضاً؛ أنتم تُجلون العذراء ونحن نُجلها أيضاً. واليوم تحتفلون بعيد القديس يوحنا المعمدان، ونحن نحتفل معكم بهذا العيد. إن ما يجمع بين دينَينا أكثر مما يفرقنا. فلنتحد للدفاع عن حقوق الله؛ ولندافع عن عدله؛ ولنحب بعضنا بعضاً ونتآزر لتحقيق ملكوت الله في الأرض، متضامنين لمحاربة المادية التي تكتسح الأرض يوماً بعد يوم.
    فلنتعاون إذن لتحقيق هذا الرجاء الجميل الذي يأتي من الله، والذي نقرأه نحن المسلمين كل يومٍ تقريباً في كتابنا المقدس؛ لتحقيق ذلك الملكوت الإلهي الذي يحيا فيه المؤمنون، والمحسنون، والمتحابون في الله، حياةً ملأى بالسعادة، حيث تكون كلمة السر فيها ببساطة: «تبارك الرب الإله!»، ويكون تحيتهم فيها حين يلتقون: «سلام!»، وشعارهم الأخير: «الحمد لله رب العالمين!».
    {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚوَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.