عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.
Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.
عدلي . . .
يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف ، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير . ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم الى استبقائها ومد أسبابها . فهم كانوا اذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا ، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة ، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذى أصابهم ، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره ، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون الى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل ، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة .ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا الى الألم متنوعة ، ووسائل الى الحزن متباينة ، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت ، حتى اذا عملت الأيام عملها ، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى ، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا ، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد ، لتقاوم الظروف ، وتمانع النسيان وتستبقى شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي انفسها فيه .
كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما ، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت . وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت ، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها . فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين . وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها ، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما . كثرت عليهم الأحداث والخطوب ، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن . وعجزت أعصابهم عن المقاومة ، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها لحوادث ، وتتقاذفها الكوارث ، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة ، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة ، حتى تشب وتقفز مسرعة ، خفيفة ، عنيفة ، تبتغى حادثة أخرى وكارثة أخرى ، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى .
وهذا وحده هو الذى يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذى ألم بهم حين نعت اليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله ، فقد وقعت هذه الأناء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم ، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام . أفاقوا وجزعوا ، واشتد عليهم الجزع ، حتى كاد يشبه اليأس ، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه ، وإنما صرفوا عنه صرفا ، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها . وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار اذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه ، ولا يستقبلون الليل اذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده ، يصبحون وهم يجهلون الى أين يدفعهم النهار المضيء ، ويمسون وهم يجهلون الى أين يذهب بهم الليل المظلم .
كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم ؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل الى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها ، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج ، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها ، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها ، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب ، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب ، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس ، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع الى الحرج ، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم ، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه ، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه ، لم يعبر جثمانه البحر بعد الى وطنه ليواري في ترابه ، ويدفن في ثراه المقدس .
هم معذورون . وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا ، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه . ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون ، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال . والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له . أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان . وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل . ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس ؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية ، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب ، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم . كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله ، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم ، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم ، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة : سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا ، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم ، ولا يدنو منها شيء إلا التهب . والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة الى أبعد الأماكن منها فتذكى فيها نارا ، وتثير في جوها أوارا ، وتخرج أهلها عن أطوارهم ، وتدفعهم الى حب الحياة بعد الموت ، والعزة بعد الذل ، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان .
وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه ، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا ، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة .
وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور .
وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم ، الذي لا يقوم إلا على بصيرة ، ولا يقبل إلا على ثقة ، وبعد تفكير طويل ، وروية متصلة . ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء ٠ قلما تظفر بمثلها عند الزعماء . ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذى نعرفها به ، ولا طبعت بهذا الطابع الذى يميزها من غيرها من الثورات .
كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية . وقد اختلفوا واختصموا ، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا ٠ ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية الى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث ، ويبقى على رغم الخطوب . ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا الى ما كانوا عليه من ائتلاف ، ويثوبوا الى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق ، فصفا بعضهم لبعض ، وسعى بعضهم الى بعض ، ورضى بعضهم عن بعض ، ورضيت الأمة عنهم جميعا . ورضى الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم الى جواره ، يسعى بعضهم في إثر بعض الى دار الخلود وقد أدى واجه ، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق . وكان سعد أسبقهم الى الخلود ، وكان عدلي آخرهم انتقالا الى دار الخلود . ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث ، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح ، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد ، ومضت على وفاتهم الأيام . ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد ، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه ، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه .
وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا ، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها ، وحتى تدعوك كلها الى أن تحمده وتثني عليه . وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع ، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا . فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية ، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة . فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية : كان رضى الخلق ، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها ، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق الى الناس ولا تظهر نفسها لهم ، ولا تطمعهم في صاحبها ، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع ، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة ، ولونا من الكبرياء ، فيهابونه وينأون عنه . فإذا اتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه ، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء ، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال . ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية ، وقلبا طاهرا وفيا ، وضميرا كريما حيا . وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة ، وحديث عذب ولسان عفيف ، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو ، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه .
والناحية الثانية مذهبه السياسي . فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال ، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق ، لم يكن يتهم في ذلك من أحد . وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة
مع الإنجليز قد نؤدى الى الطفر بهذا الحق، وتنتهى بمصر الى ما تريد ٠ ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه الى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره ، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه ، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج . فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف ، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى . إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه ٠ كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين ، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف . وكان لا يحسن الحديث الى الشعب ، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ الى قلوب الشعب ، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من الهام الشعب
واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد ، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها ٠ فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين : الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة . الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها ، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز ، بل تتجاوز هذا الى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور ، وتنظيم سلطة الشعب ، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة ؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات ، وبأنها ما دامت كذلك فبي التي يجب أن تضع الدستور وان تعلنه لا أن تتلقاه . ومن يدرى ؟ لو أن الظروف وأتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي المت بها فجرت عليها شرا كثيرا .
ولست أدرى لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها . فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية ، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره . ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة ، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز ؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية ؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز ؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر ينها وبينهم خلاف : مهما يكن من شيء ، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا .
الناحية الثالثة : وفاء هذ الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب ، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية ، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل الى الاستقلال ، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة ، وهي العماد الشرعي الوحيد الذى يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية ؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضى نفسه وضميره في السياسة، فتقدم الى أمته في الانتخابات : فلما قضت عليه اذعن لقضائها ورضى به ، لا يحمل لأمته غلا ، ولا يضمر لها حقدا ، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه الى غيره . ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذى صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم. وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم . ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الاباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة ، أو يؤيد وزارة ، أو بشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور ؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه الى الائتلاف مع سعد حين دعى إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف . وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية ، وكان اعتماده على الدستور ، وكان بقاؤه رهينا يقاء الدستور ؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور ، وكيف أسرع الى قبول الوزارة حين عرضت عليه
ليرد الدستور . ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم ، وكيف أسرع الى الاحتجاج على هذا التغيير ، وكيف أسرع الى التعاون مع المؤتمر الوطني الذى أنكر ما حدث من تغيير ، وألح في أن ترد الأمور الى نصابها ، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني ، فأسرع عدلي الى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة . حياة الكرامة والنعيم . وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال . فاذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي الى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت ، وهى(البروفيدنس) ! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين ، فأرادت أن تلائم ينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
طه حسين
الرسالة – ١\١١\١٩٣٣
عبد الخالق ثروت باشا (١٨٧٣ – ١٩٢٨)، سياسي مصري، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول. تولى رئاسة الوزراء لفترتين في ١٩٢٢، وفي ١٩٢٧. كان له دور فعال في الضغط على بريطانيا حتى تصدر تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢ الذي بموجبه أنهت الحماية البريطانية على مصر واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة.
Abdel Khalek Sarwat Pasha (1873–1928) was an Egyptian political figure. He served as the Prime Minister of Egypt in 1922 and again in 1927-28. He was instrumental in bringing Great Britain to issue its Unilateral Declaration of Egyptian Independence in February 1922, which ended the British Protectorate and recognized Egypt as an Independent Sovereign State.
ثروت . . .
انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعوًد بعد الاطمئنان الى انه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه
وليس مصدر ذلك انه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقاً في السياسة . فقد اجتمعت له كل هذه الخلال وخلال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين الى حين وفي مختلف البيئات والأوطان ، ثم يمضى هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين
وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم . ولكن الناس تعودوا الاطمئنان الى انهم قد مضوا الى حيث لا يعودون ولكن قليلا من هؤلاء زكوا في نفوس أصدقائهم آثارا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارا لا تزيدها الأيام إلا اضطراما ذاك لانهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع ينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها . من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت
قاسم أمين وثروت باشا
وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسماً واحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله اقرب الى الذكرى القوية منه الى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة
نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لان قاسما كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبداً
أما ثروت فان أصدقائه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه داما هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبداً
ولئن كنت لم اعرف قاسماً إلا من طريق آثاره واحاديث اصدقاه فقد عرفت ثروت واتصلت به واستطيع أن اتحدت عنه لو أن الى هذا الحديث سيلا
***
يقولون أن ثروت ظلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما انه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه . أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضا ، ولكن أي تاريخ ؟
لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف ، وكيف السبيل الى ذلك وليس بين المصربين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل اثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرا عميقا بعيد المدى كثروت . نعم ليس بين المصربين في هذا العصر الحديث من اعطى امته الدستور ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من كسب لامته الاستقلال ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت . فهو الذي فعل هذا كله . وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهوداً وتجشم إليه أهوالا واتصل في سبياه بأصحاب السلطان هنا وهناك ، وكان ينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يعرف منها شيء ولن يعرف منها شي، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده
لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة ،فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء . ولم تنته تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة :فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولاً شطراً طويلاً من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن
رحم الله ثروت ورحم الله قاسما إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال : إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي انفق حياته السياسية عاملا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل ! لم يتكلم حياً ولن يستطع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتا ، فهو بهذا اصدق مثال وأقواه لهذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم
وهو كقاسم عمل حيا وأوذي في حياته
وهو كقاسم يعمل ميتا دون أن ينصفه الأحياء
ولكن قاسماً عمل ويعمل للمرأة . أما ثروت فعمل لمصر كلها . قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكلا لم يخطئ حين قدر إنه يحرر الشرق كله
ثروت باشا صديقاً
غير اني لم اكتب لأتحدث عن ثروت زعيماً إنما كتبت لأتحدث عنه صديقاً. ولعل خير حديث عن ثروت صديقاً إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملا نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس . ولعل اصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان . كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين ، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يفشون داره صباحا ومساء ما دام إليه الأمر حتى اذا اعتزل انكروه وجهلوا الطريق الى داره. وكان ممن حضر جماعة الحوا في الزراية على هؤلاء وتنقصهم واخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه الى أن يظهر رأيه ، فقال مبتسما : من اخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى
فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس لها أو حكهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت لها وحكمك أنت عليها . فانت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلاناً يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة ، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نقسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية
كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة . ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة . ولقد كان مزاجه رحمه الله صفواً كله . ولقد كان طبعه – رحمه الله نقاء كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها . فليس غريبا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلا الى تكديرها أو النيل منها . ذلك لان صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد ينه وبين بعض الناس حتى تنتهي الى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كرمة خالصة . ويكفي أن ترجع الى احاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها لهؤلاء الخصوم فسترى ا نه بذكرهم دائما – ولاسيما الذين كان يختصهم المودة قبل الفتنة- بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك اشد التأثير
ولقد اذكر اني كنت عنده ذات يوم فأنبأني إنه كتب الى سعد – رحمهما اللّٰه- كتابا يقترح فيه عليه الاحتكام الى جماعة من صفوة المصرين فيما شجر بينهما من خصومة . وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى اذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن اثني عليه بل قال : وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة الى لحظة . وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فاسرع إليه ثم عاد مبتسما وقال : تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف . ولبثت انتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد . فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب اسطراً حتى نهض واخذ يمشي في الحجرة ذاهباً جائياً لا يكاد بمسك عن الكلام إلا مضطراً . . . ولكني اشهد انه ما ظهر على ثروت – رحمه اللّٰه -غيظ ولا حفيظة ولا موجدة ، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفق الى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق … وتبينت يومئذٍ إنه كان لا يزال يحبه ويبر به
وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له . كما انه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق الى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وتروت
ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة . ومهما انس فلن انسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد رحمه اللّٰه – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله
يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت ومخايله ولحظاته وعن تصوير هذا كله لما يضطرب في نفسه من العواطف والميول . أما أنا فاستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت واشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة . ومهما انس. فلن انسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢ . في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي ابلغ هذا الإثم الى ثروت في الإسكندرية بالتلفون . فلما وقع في سمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين … فسمعت منه آهة فيها كل شيء : فيها الحزن العميق . وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني : هل قبض على الآثمين ؟ قلت .لا . قال يكفي . وانصرف
اني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلي لينقطع اسىً وان نفسي لتتفرق لوعة وان شطراً غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وان كثيرا من هذا الخير الذي أتمثله لمتصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت
***
سمعت صوت ثروت لأول سرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد اقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قراراً لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة الى الصحف . وكان صوته حازما وكان صوته عذبا ، فأحببته وملت إليه . ولكني لم اتصل به. ومضت الأعوام وانا لا اعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة ، وكنت قد عدت من اوربا ، وكنت أتأهب لاستئناف السفر ، وكنت قد كتبت مقالا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ محمد المهدي وشكاني الى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة . واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا الى الجامعة فرآني الأستاذ احمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمني الى معالي ثروت باشا وزير الحقانية .فاخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب اليًَ فيها الرفق حين اكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد . ففهمت اني لم افصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفاً زادني بالرجل حبا ، وعرفت يعد ذلك بساعات قصار اني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة الى اوربا
ومضت أيام البعثة كلها لم الق فيها ثروت ولم اسمع من أمره بشيء
ثم عدت الى مصر فلقيته وخرجت من عنده اشد الناس حبا له وإعجابا به وشكرا لحسن لقائه
وكان هو الذي قدمني الى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة . وما كان اشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني الى الجهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجد
واختلف رحمه ﷲ الى درسي أياما يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى اذا كان آخر الدرس اقبل الي فصافحني في ظرف ودعة وعرفني بنفسه
ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه اللّٰه اعطف أهل الجامعة علي وارفقهم بي وأشدهم إلحاحا علي في ألا اخلط ين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفاً لي عما أنا فيه من الدرس والجد
وكانت لثروت – رحمه الله قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان اذا جادلك لم يليث أن يتسلط عليك ولاسيما حين يجادلك في امر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحاً مخلصاً تحس منه في غير شك انه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه . كنت اعرف منه هذا فكنت احبه وكنت أخشاه وكنت اذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه . اذكر اني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة لخلاف كان بيني وينه رحمه اللّٰه في مادة من مواد لائحة الجامعة . واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن استرد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى اليّ وهمس في أذني : لا اطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما اطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت فانا : اخشى أن نتكلم قال: فانا آبى أن تستقيل. قلت : إن كان الأمر على هذا النحو فانا مذعن لما تريد. قال . أنا لا احب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن . افتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث ؟
ثروت « والشعر الجاهلي»
رحم اللّٰه ثروت …كانت الخصومة ينه وبيني في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل . وكان – رحمه اللّٰه – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة ( ولم يكن فيها ) بشيء من الحق ، وان يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة .وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر « الجاهلي » وارجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم . واقبل علي بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت انه كان يأسف اشد الأسف لأنه لم يكن يقدر اني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة
زرته بعد ذلك ، فلقيني ضاحكاً ثم وضع يده على كتفي وقال : إن حرية الرأي اكرم من إن يعبث بها العابثون مهما يكونون ، وثق بان أول اثر لما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا . ولكني اطلب إليك أن تثبت للعاصفة والا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف . فانت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات
ولولا نصيحة روت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر
رحم اللّٰه ثروت . لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدا وما لن استطيع أن أتحدث عنه الآن . ولكني اذكر يوم ظهر تقرير النيابة في امر هذا الكتاب فاستقلت . وطلب هو الى وزر المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت . فطلب الى مدير الجامعة أن يطلب الي أن ازوره . فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسما وما هي إلا دقائق حتى اقنعني بان استقالتي خطأ . ولكنه كان اظرف واكرم من أن يطلب الي استردادها فأمر بالإعراض عنها . طلبت إليه ذلك اليوم أن ادع الجامعة وأن انتقل الى عمل آخر اذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة . فقال : قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك علىَّ أن أجيبك إليه ، ولكن للجامعة علي حقا آخر
. كيف تتريد أن تقاوم رجلا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة ؟
ثم مضت اشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في اثرها أن ا نقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت . وكلفت أن ازور رئيس الوزراء ،وكنت مصراً، وكنت اعلم اني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت إن أجيب دعوته . وانكر عليَّ الناس جميعا هذا الإباء ولكني طلبت الى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء اني لن أراه ما دام إليه الأمر ، فاذا ترك الحكم فسيراني . فسكت وسكت . وانتهى كل شيء واستقالت وزارته . وذهبت إليه أزوره . وكنت اقدر اني سأجد منه عتبا ولوما . ولكني لم اجد منه إلا ظرفاً وعطفاً ، ولم الق منه إلا هذه البشاشة التي اعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعا وخصومه جميعا والذين لا يحفظون له ودا ولا يضمرون عليه حقداً . لقيته ذلك اليوم واطلت المجلس عنده ، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة . وانصرفت من عنده وانا اقدر اني سأراه بعد قليل … ولكني لم اره منذ ذلك اليوم ولن أراه
***
لم أتحدث إليك مما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء المكن في اكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة ، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لان الرجل كان وفيا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطوراً على المودة والوفاء فيها
وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف علي ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
ماذا كنت أكون من ثروت رجلا كغيري من الناس ؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من اخلص فلنفسه . وقد احسّ ثروت مني إخلاصا في حبه ، وما أرى إلا انه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف علي ورفق بي واخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى حملني على أن احبه فأحببته ولم اقف ولن اقف في حبه عند حد
وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكّرته اني حين عدت من اوربا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي . ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب الى الحب . واذكر انه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه اللّٰه فقال : لو عرفتهم لأحببتهم حبا لا يقل عن إعجابك بهم ٠ وقد عرفتهم فأحببتهم . ولكني عرفت ثروت معرفة لم اعرفها أحدا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبا لا حد له كما قلت :
رحم اللّٰه ثروت… كيف استطيع أن أنساه أو أن اقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يوما ما وانا لا أكاد اذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من اوربا إلا ذكرت ثروت واثره فيها . لقد كنت اركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء . ولقد كنت اجد منه في هذا كله عطفا لا يشبهه عطف . وودا لا يشبهه ود . ولقد كان يزيد من اثر هذا الود والعطف في نفسي ماكنت اشعر به من ا نه كان عطفا خالصاً وودا لا تشوبه شائبة . ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث ، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به
إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفاً . ولكني اعتقد أن ثروت كان اعظم هؤلاء الزعماء جيعا حظاً من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته واكثر ما تظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة
نعم . إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع الى التصفيق والصياح . ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية . واقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خير في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه لما تردد ، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه
رحم اللّٰه ثروت . لقد انقطعت يننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين ، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان الى انه قد مات وما أرى إنا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينالها ضعف أو خمود وان الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة ، وان ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء
رحم اللّٰه ثروت . لثن كان رهين قبر في الصحراء فان شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدا
هليوبوليس
طه حسين
المقتطف – ١ ديسمبر ١٩٢٨
Leave a Reply