Back to homepage

مزيد من المقالات عن التعليم | More articles on education

توسل . . .
أما المتسولون فهم الجامعيون ، وأما الذى تبتغى إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد ! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة ! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملا ، أم هو مجلس الجامعة مختصرا . ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقا من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد ، ليرفع عنهم ثقلا يجدون ألمه في نفوسهم ، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه ، وهم في أكبر الظن مضطرون إلي احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير .
زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات ، ومن مجلس الجامعة أيضا ، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات ، إلا أن ينهضوا بتعليم ماده لا أستاذ لها ، فهم حينئذ يقومون مقام الأساتذة ذوى الكراسي ، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية ، حتى إذا عين لمادة من هذه المواد أستاذ ، أخذ مكانه في المجلس ، واخرج الأستاذ المساعد منه مشكورا أو غير مشكورا قالوا وأريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات ، فإذا كثرة المجلس مصرية ، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين ، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوى الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم ، وزهدوا في تجديد عقودهم ، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة ، أحدهم مصري ، والآخران أجنبيان ، قالوا : ففكرت الجامعة وقدرت ، وأرادت أن تفسر القانون تفسيرا معقولا فيه شيء من السعة ، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها ، وإذا فهم يستطيعون أن يأخذوا ، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية ، وأن كان مجلس الجامعة محرما عليهم .
ولكن هذا التفسير الذى وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية ، ضاق باثنين ، وبأثنين ليس غير ، فرد هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد ، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون ، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية ، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما ، ففكر الإخوان أيضا وقدروا ، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني ، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم ، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلى بالتكافؤ في الحقوق والواجبات .
قالوا ، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة ، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأى مجلس الكلية ، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجا على التقاليد ، ولا شذوذا على النظام ، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين ، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذى أدخل على نظام الجامعة ، كان بعيدا كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة ، وعن أن يلائم كرامتها ، وعن أن يلائم الكرامة الطى تجب المصريين أنفسهم في بلادهم ، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية ، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأستاذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات ، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة ، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات وكان الذى دفعهم إلى ذلك أمرين : أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم ، واعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذى لا يقيم فيها إلا قليلا ثم يعود إلى جامعته الطى جاء منها ، فلابد إذا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية ، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات ، ومجلس الجامعة ، ليشرفوا بعض الشى على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة ، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذه عنه ، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم ، كانوا موفقين كل التوفيق ، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون ، لما استطاعت الجامعة أن تخطوا خطوة واحدة إلى الأمام .
وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر ، ولا علم لهم بشؤونها ، ولاحظ لهم من لغة أهلها ، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة ، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة ، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعا ، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية ، فضج مدير الجامعة ، وضج وزير المعارف ، واضطربت الأمور اضطرابا شديدا وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة ، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود ، وصرف بعض العمداء إلى آخر مالا حاجة إلى إعادة ذكره الآن .
والأمر الثاني الذى فكر فيه الشارعون للنظام القديم ، هو أن الجامعة مصرية ، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال ، وأن طبيعة الاستقلال تقتضى أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم ، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكا قويا في تدبير أمور الجامعة على اختلافها ، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيرا ، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقا في هذه الأعوام الأخيرة الماضية ، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية ، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي ، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات ، فكيف خطر لسادة اليوم ، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر .
نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جدا ، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها ، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور على باشا إبراهيم ، جد في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته ، ولكنه لم يوفق ، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلا ، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون يمثل هذا التعديل ، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم ، هو الذى أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين ، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى ، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب الطى أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات ، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث ، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية ، والعزة المصرية ، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهى ديمقراطية تنكره كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة ، وهى لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم ، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثرا في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات .
يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة ، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذى يكف اليد المصرية قليلا أو كثيرا عن شئون الجامعة ، والذى يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة ، وسلطان الأجانب من جهة أخرى ، والذى يلقى على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئا من الذلة ، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن. حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء ، والذى انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلي أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أخرجا منه . وهما من خير أعضائه ، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية ، فتتوسل . إلى الوزير في أن يبقى أعضائها المصريين ، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك ، أن تعديل القانون من هذه الناحية ، كان إسرافا في الخطأ ، وستضطر الجامعة إلي أن تلح في أن يرد القانون إلي ما كان عليه ، ولكن من الذى يضمن أن تتصل التجربة ، حتى يظهر فساد هذا التعديل ، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ . وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟ .
ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه .
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣ .


طغيان . . .

إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم .
والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه .
أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى .
ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها .
وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم .
نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص .
ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان
نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين .
أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه .
فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه .
فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة .
ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون .
يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول .
طه حسين
جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ .

جهد !!…
جهد ضائع هذا الذى تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء ، وفى اللجان الوزارية ، ثم في هيئات الفقهاء ، فمجلس الوزراء ، فالمجالس النيابية ، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به ، بل ليس مرغوبا فيه ، فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا ، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلي غاية ، فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع ، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء ، وكيف يتورطون فيه والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده ، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى ، خطيرة قبيحة ألا تر في حياة الناس ، شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة . فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها ، وتهزأ بمرافقها ، وتشرع القوانين ، ثم لا ترعى لها حرمة ، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم .
نحب أن نعلم فيم غير قانون الجامعة ، وفيم تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد ، وفيما اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون أنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه!؟ . لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم ، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة ، ومحوا لحقها في الحرية ، وقضاء على شخصيتها العلمية . . وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير ، ونشتد في اللوم ، وكنا نلوم البرلمان علي إقرار هذا التغيير وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم فقد ظهر الآن أنا كنا مخطئين أشد الخطأ ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضى حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة . فلابد من تغييره هو أيضا ، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة ، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي ، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير ، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير
وسلطانه ، ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطئون ، فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلي اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم ، وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة قصة اختيار العميد لكلية العلوم !! .
كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوى الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات ، وكان راي مجالس الكليات لا يقيد الوزير ، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا ، ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية ، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس ، لم يشذ منهم احد في ذلك.
فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة خيل إليه في أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوى الكراسي ، علي أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار، وانفذ القانون في الكليات الطب والحقوق والآداب ، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين .
فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون ، ولما يمض على صدوره شهر . . . اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته فكانت نتيجة الانتخاب السرى أن أقصى العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها ، ولكنهم لم يقدروا انه سيضعف عن احتمالها ، وسيتجاوز حدود القانون الذى وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان ، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة ، ويرعى حرمتها ، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن يحفظ للجامعات ، ولكن عمل الوزير اثبت أن الجامعيين كانوا واهمين اشد الوهم مخطئين كل الخطأ، فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا ، ولكن ثقا هذه النتيجة ناء به ، وناء بالجامعة معه أيضا ، زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن قنع هؤلاء المرشحين المصريين بان ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب وينفذ العميد السابق بين المرشحين ، وقبل مدير الجامعة
بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون ، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين ، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه . قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال ، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم ، وجادلهم ، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا ، هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا ، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال ، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد ، وذكر النقل والتشريد ولست ادرى كيف انتهى الحوار ولكن الشى الذى لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول الغى وأعيد مكانه انتخاب جديد نفذ فيه العميد الإنجليزي السابق ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني ترفع الى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمورا هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدا منذ أمس .
في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذى وضعه الوزير نفسه ودافع عنه وليس لهذا التجاوز مصدرا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز، وفى هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا .
أليس رئيسها هو الذى رد على مكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ امر الوزير، فطلب الى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي ، والح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة ، فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها وهى بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحصوا لها على الاستقلال!!
وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعوراً قويا رهيبا يضطرها الى أن تطلب الى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز …. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها ، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها ، من مدير الجامعة بالنيابة ، ومن وزير المعارف ، فقد قبلوا أن يخالف القانون ، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب ، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد إنجليزي.
ثم يتهم المصريون بعد ذلك بانهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون انفسهم بالخير من دونهم، وفيها عبرة أخرى وهى أن المصريين لن يفوزوا بشيء ، ولن يصلوا الى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم علي هذا النحو وما داموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون .
طه حسين
كوكب الشرق، ١ يونية ١٩٣٣  .

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading