عهد
كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/٩ ، عدد ٢٣٢٨
أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضى الناس عني ، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي . فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها ، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب ، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر ، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم ، والذين يتفضلون علي فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضى .
كذلك كنت منذ بدأت أكتب ، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة ، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا . فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم ، ويحسنوا بها الظن ، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال .
لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في « الكوكب » فأحبوا ذلك ، ورضوا عنه ، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له . نعم ، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في « الكوكب » ، وألحوا علي في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر ، والرغبة في الخير لي ، وللقراء مما سأكتبه .
نعم ، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء ، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء ، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون . ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين ، وقبلت مغتبطًا رضى الراضين ، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء ، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني . فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص ، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح ، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه ، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي ، ماضي العزم ، قوي الأمل ، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب ، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين .
وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة ، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب . فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب « الكوكب » وقراؤه ، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون ، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء .
وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة ، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب ، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار ، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا ، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور ؟ كل شيء ضيق من حولنا ، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي ، فضيقته وبالغت في تضييقه . ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق ، وتأخذنا بتصغير عقولنا ، وتقصير ألسنتنا ، والكبح من أقلامنا ، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد ، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي ، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة ، وبسلطانها الإداري مرة أخرى . وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة ، رقيقة مسرفة الرقة ، حساسة حادة الحس ، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل ، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله ، لا بما ينكر العرف ، ولا بما ينكر الدستور ، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق . وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر ، فيباح أو يحظر . وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا ، وعلى غير وجهه أحيانًا . وإذا تفكيرنا يتهم ، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه ، وكل شيء نأباه مرغوب فيه . وتمضي الأسابيع والأشهر ، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي ، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج ، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة . فلابد إذن من أن تضيق العقول ، وتضعف الإرادة ، وتنحل العزائم . وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته ، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه ؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم ، ولتجمعه كله إليها ، ولتحصره كله في يدها ، ولتضغطه ما وسعها الضغط ، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا .
هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان ، فيجب أن تظلها بجناحها ، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب ، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق . وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا ، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر . وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي ؟
هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي . فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية ، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر ، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر ، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا ، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه ، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله .
نعم ، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة ، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي ، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين ، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر ، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط ، ويقودونه إلى الرقي والخير .
لندع التفكير في هذا كله ، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا ، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء ، ويستأثر بكل شيء ، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو ، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة .
كل شيء ضيق من حولنا ، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان ، وإنما الغريب أننا لم نتأخر ، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة . وليس الغريب أن عقولنا لم تزد سعة ، وأن إرادتنا لم تزد قوة ، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة ، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة ، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية ، وأخذت علينا كل سبيل .
نعم ، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل ، والصدق في الرأي ، والمضاء في العزم ، والقوة على المقاومة ، والاستعداد لاحتمال المكروه . فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر ، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية ، والعزيمة الماضية ، والقوة على المقاومة .
وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون ، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي ، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد .
الشهداء
كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/١١ ، عدد ٢٣٣٠
كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي« .
ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم مخوف منه على الأمن ؟
هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .
درس
كوكب الشرق ، ٢٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٤٦
رئيسُ وزرائنا أستاذ ، تلاميذه الوزراء ، يعلّمهم كيف يحكمون ، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له ، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه ، ومن قصّر منهم أقصاه .
ووزير داخليتنا أستاذ ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم ، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع ، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم ، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا ، ووجّه إليهم أسئلة . فمن فهم الدروس وأحسن الجواب ، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها ، رقّاه . ومن لم يظهر منه سبق الفهم ، ولا مهارة في الجواب ، ولا نشاط في السيرة العملية ، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه .
ومن ظهر في فهمه التواء ، وفي أجوبته انحراف ، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة ، هبط به إلى إقليم دون إقليمه ، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم .
وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس ، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية ، فسمعوا منه ، وتحدّثوا إليه ، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها . وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان ، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك ، ولكن من المرجّح ، إن لم يكن من المحقّق ، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا ، وعلى وزراء العالم كله ، ورجال الإدارة فيه ، كان موضوع الحديث في درس أمس .
ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق ، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام ، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار ، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس ، وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد .
زعيمان يزوران شعبًا يحبهما ، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما ، والسخط على خصومهما . والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه ، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له ، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء ، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع ، وطبق آفاق الدنيا ، وتردّد في أجواء السماء ، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له ، ويفديه بالأمهات والآباء ، وبالبنات والأبناء ، وبما كان يملك أيام الرخاء ، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء ، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء . فكيف التخلّص من هذه المظاهرة ؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها ؟
فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة ، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها ، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه ، فهو بهم كَلِف ، ولهم مستجيب .
هذه هي المشكلة التي كانت موضوع التمرين يوم السبت ، وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية ، وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه . وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات ، يأباها الدستور ، وينكرها القانون ، ويتحرّج منها النظام؛ تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل ، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم ، وتبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق ، وتبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب ، وتبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب ، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء ، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون .
كانوا يعلمون هذا ، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة ، وربما تهالكوا إليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم ، وإكباره لكفاياتهم ، ما يريدون . وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة ، ولون من ألوان السلطان ، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم . والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب ، ويعيد ذكرى الماضي ، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي ، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم .
فالخطف مظهر من مظاهر الضعف ، والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر . وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق ، والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها . والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا ، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين ، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام . فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة « الغاية تبيح الوسيلة » تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات .
فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه ، اضطربت نفوس المديرين ، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم ؟ أنخطف أم لا نخطف ؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم ؟ حتى كان درس أمس . وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات ، ولكنه يُباح للحكومات ، والحكومات الدستورية خاصة .
ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت ، فمنهم من تكفيه الإشارة ، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل . والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل ، لا بالمسرفين في الذكاء ، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه .
فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء ، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد ، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا ، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها . فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم . وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور ، فساءت حالها ، واضطربت أمورها ، وأوشكت الفوضى أن تفسدها ، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون ، ويكلفون به ، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر .
أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها ، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء ، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا ، ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزع منها انتزاعًا .
فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف ، وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف .
هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء ؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها ، وما تزال نفوسهم مضطربة ، وآراؤهم مختلفة ؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين . ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان ، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة ، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص .
وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا ، وحيثما توجّهوا . ولكن الحاجة تفتق الحيلة ، كما قال القدماء . وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم ، فمن يدري ؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا ، وأن يُسار بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطيور ، ولا يؤمَن منها الضرر .
استقلال
كوكب الشرق ، ١٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٣٦
ولست أريد الاستقلال السياسي ، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي ، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل ، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقًا…
إنما أريد استقلال الجامعة ، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه ، إما لأن كثيرًا من الناس حديثو عهد بالجامعات ، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئًا ، وإما لأن فريقًا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله ، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح . وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعًا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم .
وهؤلاء الناس أكثر جدًا مما تظن ، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة ، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد . فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس .
وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئًا ، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئًا ، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئًا ذا بال . وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئًا ، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يخفي علمه ويصوره تصويرًا خاصًا لزملائه النواب .
فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية ، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو ، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام . وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلي ، لا لبس فيه ولا غموض .
فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب ، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء . وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان ، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم . فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه .
وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم ، يقص من أجنحتهم ، ويقلم من أظفارهم ، ويقبض سلطانهم قليلًا أو كثيرًا . فلا بد إذن من أن يُضيق حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل . وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم ، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير .
وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل ، ووضعت عنه تقريرًا رفعته إلى المجلس ، فخدعت نفسها ، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا . ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه . وأكبر الظن أن كثيرًا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير . ولم يقرأوه ؟ وهم يثقون باللجنة ، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها ، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يطلب ، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يقال ، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام ، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم .
زعمت اللجنة في تقريرها ، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف ، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا ، فذلك لأن هذه الجامعات غنية ، لا تنفق عليها الحكومات ، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول ، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل . وهذا — مع الأسف — غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز .
فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلًا تقوم على أموال الدولة ، وقد توهب لها الأموال ، ولكن هذه الهبات ليست شيئًا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام . وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد ، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال ، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية .
ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها . ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضًا ، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونًا يمكنها من السيطرة عليه . فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة ، لأن الحكومة لا تملك مالًا خاصًا ، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء .
ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدًا مكرًا عبقًا ثقيلًا ، لم يلتفت إليه مجلس النواب ، أو التفت إليه ولم يحفل به ، ولن نجد له شبيهًا في بلد من بلاد الأرض . ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة ، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية ، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي . وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد ، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان .
كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة ، حسب القانون الذي أصدره البرلمان ، تتألف من الجامعيين . فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابًا حرًا لا يتقيد بشرط . فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوًا ، يضاف إليهم المدير ، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًا على كل حال . فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس ، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها ، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء ، وللوزير حق الاعتراض في بعضها ، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة .
أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرًا ، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر . فقد أصبح وكيل العميد عضوًا في المجلس بحكم منصبه ، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل ، فأصبح خاضعًا للوزير خضوعًا مباشرًا ، وأصبح عضوًا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب . وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذًا ذا كرسٍ ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية ، فهو أيضًا عضو معين .
ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة ، أو ضُيق عليهم فيه ، كما ضُيق على كثرة الشعب في انتخاب النواب . فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر ، يجب ألا يوضع في أيدي المصريين إلا بحساب ، وفي ظل مراقبة شديدة ، لأن المصريين ، سواء منهم العلماء وعامة الشعب ، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد ، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي .
ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين ، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة ، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون .
ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيد ، والآخر حكومي مطلق . فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفًا ، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان ، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير . فإذا جد الجد ، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال ، جاء المجلس الثاني ، وهو يتألف من موظفين ، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة ، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة ، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير ، والذين يؤجرون على قيامهم بعمل العميد .
فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يؤجرون على وكالتهم ، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم ، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرض المسائل ذات الخطر . وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشتهي .
وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها ؟ هي ميزانية الجامعة ، وهي التصرف في أموال الجامعة ، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم . أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي ؟
فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة ، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تنقله أو ترقيه أو تؤدبه . فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة ، لا شيء يضمن له الحرية العلمية ، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها . فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرًا في الرأي أو في البحث العلمي ، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة .
على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة ، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة . ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان . وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب ، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة ، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء .
أفهمت الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم ؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعًا على مصر ، وقد ضُيق الدستور ، فليُضيق نظام الجامعة .
إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد ، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب ، يسير التفكير ، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة ، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبًا ، وأيسرهم تفكيرًا ، وأقلهم نفاذ بصيرة ، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب ، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره ، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد .
وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضيقه ، واستكثر الجامعة فضيق نظامها ، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد ، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئًا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة ، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات .
نعم ، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد ، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء ؟ ومن يعين رئيس الوزراء ؟
Leave a Reply