Tag: language accessibility

  • إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    Arabic calligraphy merging into birds flying over a vintage parchment background

    طريقة الإصلاح
    المقتبس ١-٢-١٩١٢
    لا أعرف في إصلاح اللغة إلا طرقًا ثلاثًا، قديمة غير جديدة، أي أني لست مبتدعًا لها، بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى: نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين: إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول، والثانية شعور القراء بفخامة ذلكم الجد الضائع والشرف المفقود شعورًا يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع. ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس. وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطريق شأوًا بعيدًا، فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب، فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود. وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قرارًا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا، وقد مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة، وإني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر.

    الثانية: تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها، تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أشرت إليها آنفًا، وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب، وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى، وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب. وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية، فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها. وقد وجدت منذ سنين شيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير، فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء، ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق، وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال.

    الثالثة: تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية، فلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي. ولست أرى أكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانه الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام. فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الأخلاق والعقول، فقد حق له عليّ الثناء الجميل، وقد حق علينا جميعًا أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله.

    وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلًا نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم.

    طه حسين
    المقتبس ١-٢-١٩١٢

    من أوراق الدكتور طه حسين
    تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
    بقلم: د. محمد حسن الزيات
    مجلة الهلال ١-٦-١٩٨٨
    بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ، وجهه إلى وزير التربية والتعليم، أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت، عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية، يقول فيه: «إن لهاتين المسألتين المشكلتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان». وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم، مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي، إلى التفكير في استعمال الحروف اللاتينية، فأنكر طه حسين ذلك عليه، وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام. على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية. فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل لهاتين المسألتين المشكلتين.
    يقول طه حسين في خطابه:
    حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العموميةتفضلتم فتحدثتم إليَّ في مسألتين لهما في حياتنا الفعلية أبعد الأثر وأبلغه. إحداهما تتصل بتيسير النحو العربي وجعله ملائمًا لطبيعة العصر الذي نعيش فيه، موافقًا لمزاج العقل الحديث. والأخرى تتصل بإصلاح الكتابة العربية بحيث تعصم القارئين عن الخطأ، وتمكنهم من أن يقرؤوا الكلام كما أراد صاحبه أن يكتبه، وكما يحب صاحبه أن يقرأه الناس.

    وما أشك في أن لهاتين المسألتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان، وحسبي أن أقول إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين. وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة، ونخادعها أشنع الخداع، حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية، وندققهم فيها، ونبصرهم بها، ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا عما يريدون، أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف، أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين، على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم، وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.

    فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا، وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا، ولا تتعرض لريب، أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة، فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها، العالم بها، المتقن لدقائقها وأسرارها. وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية، وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا، ويحتملون في ذلك، ويحتمل معهم أساتذتهم، جهدًا ثقيلًا. فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي، وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية، وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث، فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الأصيل.

    وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها بهذه الحقيقة، بعد أن أقنعتها التجربة بها، ودلتها الحوادث عليها، فساقت إلى الذين يعنون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر، وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب منه. وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر، فيمن تلقاه، وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة، وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات. ولكني آثرت الصمت، واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه، لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة، وواثقًا بأنها لن تغني شيئًا، مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة فيما يصل إليها من الإجابات، فتقرأ أولًا، ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين، أو تسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.

    وكنت محققًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء؛ لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها الهيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل، ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.

    وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم، وإلى الجرأة والإقدام، وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها. وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور، وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا، وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين، لولا أني وجدت من حديث معاليكم، ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية، ما رد إليَّ بعض الأمل، وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة، مغتبط أشد الاغتباط، حين ألاحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة لما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة. فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا، ومقدمة سعيدة لخطوات موفقة إن شاء الله.

    ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين أن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يعلم في البصرة والكوفة وغيرهما من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة؛ أي إننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يعلم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت، وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها، إلا علوم اللغة العربية، فإنها ظلت كما هي، لم تتطور ولم تتغير، إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا، ولعله يصعب السهل، ويدفع الواضح إلى الغموض.

    وليست العلوم وحدها هي التي تطورت، أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم، إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير، فأنتج علمًا مخالفًا لما كان نتيجة من قبل، وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يستسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير في أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي، أو بطليموس، أو أرسطاطاليس، أو جالينوس، ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.

    ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد، ثم استقر في نفوسهم، وامتزج بعقائدهم، وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة، وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفساد لها. ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل، وأن يبقى المساس بها، على أي وجه من الوجوه، يعرضها للتغير أو التطور.

    وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل، دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث، أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا أو كثيرًا، ولكن الناس لم يفطنوا لهذا، أو لم يحفلوا به، وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة، وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم.

    ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره. وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية، واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن، واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء، فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة، ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل.

    وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر؟ وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء، أو ترفع بضمة قبل الواو، وتنصب بفتحة قبل الألف، وتجر بكسرة قبل الياء، أو تعرب بالحركة والحرف جميعًا، أو تعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف؟ سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه، وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف، مهما تكن علامة إعرابها.

    وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة، ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو، فقلنا إن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا، لما كان لهذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي؛ لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان، فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه، هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين، وهو الابتداء، أو عناء الفهم لهذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر، والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.

    وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه، وتعقدت ألوان المعرفة، إلى أن نريحه من العناء الذي لا يغني، ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يستسيغه. ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا، وصرفناه عنه صرفًا. وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب، وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع؛ ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه، ولا تتحدث إلى عقله، ولا تلائم طبعه ومزاجه، وإنما هي ألغاز لا تفهم، أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليه نظرة الجد.

    وكيف تريد التلميذ أن يفهم أننا إذا قلنا: محمد أقبل، فلا بد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل، ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على محمد؟ وكيف تريد الطالب أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة، ويستتر وجوبًا مرة أخرى، وهو في كل حال مبني، ومحله دائمًا محل الرفع؟ كل هذا كلام لا يستسيغه العقل الحديث، ولا سيما في طور الطفولة والشباب. فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى، فإنما نفرضه على الذاكرة، ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم، وأن يردد ما لا يعقل.

    وأحسب أن إصلاح الكتابة العربية لا يقل حاجة عن إصلاح النحو، ولعلها أن تكون أشد منهما وأكثر شيوعًا؛ فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو، ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب، وهو في حاجة إلى أن يعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب. وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق حديثكم الذي أذعتموه منذ حين، وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة.

    فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة شيء مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير، كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير. وقد نسي الناس أن الكتابة غيرت، وطورت، ونالها العلماء بالإصلاح، فلم يصب اللغة من ذلك ضرر، ولم يلم بها فساد.

    وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية، كغيرها من الكتابات السامية، ناقصة؛ تصور حروفها الجامدة، وتهمل حروفها اللينة. ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني، وهي على كل حال شديدة العسر، ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرؤوا.

    وقد يمكن أن يقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها، وتتفرد بها، كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور. فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا، وأن يكتبوا، وأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار، فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرؤوا، وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتخصصين، وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم، لا غاية يشق عليهم الفهم منها.

    وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق، فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة، كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا منطلق كتبنا منطلق بالكاف والتاء والباء وحدها، وإنما ننطقها مع هذه الفتحات الثلاث التي تشيع النطق لهذه الكلمة. فما بالنا نصورها في النطق، ولا نصورها في الكتابة؟ وكيف السبيل للقراء الساذجين إذا رأوا هذه الأحرف الثلاثة الجامدة، أن ينطقوها على الصورة التي أرادها لها الكاتب؟ وإذا فبم السبيل إلى ذلك، وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس؟

    وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد تنبهوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه، فحاولوا تصوير هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة، وبالشكل المعروف مرة أخرى، فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون؟ أفلا يسعنا أن نحسن ما أحسن أئمة القرن الأول والثاني؟ وكيف ينكر علينا ما لم ينكر عليهم، وكيف نلام على ما لم يلاموا عليه؟ وأيهما خير: أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها، فنتم ما بدأوا، ونحقق ما أرادوا، أم أن نبقى حيث نحن، فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء؟

    ولا يخطر لي أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك، أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله، إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها، وتركها عرضة لتقلب الظروف. ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة؛ فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتصلون بالعلم بأوضاع الكتابة والخط، ويحسنون التصرف فيها، ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا، ثم يعرضوا ما ينتهي لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة في هذا الأمر، بعد أن يستقر رأي العلماء، ويتم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.

    وخلاصة القول أني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تضع تيسير النحو، وترفع ما تنتهي إليه من هذا التيسير إلى معاليكم لتروا رأيكم، ولتعرضوه، إن شئتم، على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة. وثانيًا، أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها؛ فيستشار الأزهر، وتستشار دار العلوم، وتستشار الجامعة، ويستشار المجمع اللغوي. فإذا أجمعت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي، وهو أن تصوير الحروف اللينة، أو الحركات، على أنها جزء من الكلمات، ضرورة لا بد منها، وخير لا شر فيه، عرض موضوع هذا الإصلاح لمسابقة عامة، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، بل في الشرق والغرب جميعًا.

    وأنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا، مع أجمل الشكر، وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.

    يسروا النحو والكتابة
    بقلم الدكتور طه حسين
    الآداب ١\١١\١٩٥٦
    سيداتي وسادتي،
    أريد أن أتحدث إليكم في موضوع عسى أن يكون ثقيلاً، وأعتذر إليكم من ثقله، فالحق ثقيل دائماً، لا يخف إلا على أولي العزم من الناس، والعهد بكم أنكم من أولي العزم؛ لأنكم من العرب الذين يؤثرون الجد على الهزل، ويفضلون الصراحة على المداراة والمراوغة. وبيني وبين الذين سينكرون ما أقول، ما قاله أبو العلاء:

    خذي رأيي وحسبك ذاك مني ٭ على ما فيَّ من عوجٍ وأمتِ
    وماذا يبتغي الجلساء مني ٭ أرادوا منطقي وأردت صمتي
    ويوجد بيننا أمد قصي ٭ فأموا سمتهم وأممت سمتي

    والموضوع ثقيل؛ لأنه يتصل باللغة العربية الفصحى، وبتعليم الشعب. فما أكثر ما نتحدث عن هذه اللغة العربية الفصحى، وما أكثر ما نعلن اعتزازنا بها، واعتدادنا بتراثها، وحرصنا عليها وعلى تراثها العظيم، ويقيننا أنها هي أساس وحدتنا، وهي العروة التي تجمع الشعوب العربية على اختلاف أوطانها وتباعدها، والعروة التي لا انفصام لها. نتحدث عن هذا فنكثر الحديث، ونقول في هذا فنطيل القول، ونملأ به أفواهنا، وتطمئن إليه قلوبنا، وتثور له نفوسنا. وإذا نحن نفيض حماسة وثقة وأملاً ويقيناً. فإذا فرغنا من هذا كله، وثبنا إلى نفوسنا، أو وثبت نفوسنا إلينا، وهدأت عنا الحماسة، اكتفينا بما قلنا، وبما سمعنا، وبما صفقنا، وبما صحنا، ثم لم نكد نصنع شيئاً.

    ولست أنكر أن علماء اللغة في البلاد العربية، على اختلافها، يبذلون جهوداً عنيفة، وينفقون من أوقاتهم ومن نشاطهم أكثر مما يطيقون لحماية اللغة وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها من كل عبث أو كل شر يمكن أن يصيبها. ولكن السؤال الخطير الذي ألقيه الآن، وأريد أن يلقيه كل واحد من حضراتكم عن ثقة، هو: لمن نحفظ هذه اللغة؟ ولمن نصونها؟ ولمن نريد أن نخلدها؟ ولمن ننفق كل ما ننفق من جهد ووقت ومال في سبيل هذا كله؟ أنفعل هذا كله لأنفسنا، لنستأثر بالعلم، وليقال إننا علماء، حفاظ، نتصرف في اللغة العربية بعد أن طوعناها بقدرتنا، ونستطيع أن نصرفها كما نحب ونهوى؟ أم نحن نفعل ذلك لتكون هذه اللغة ملكاً للشعوب كلها، لا لطبقة معينة منها، هي طبقة العلماء، الأئمة، الحفاظ، ولكن لجميع طبقات الشعوب العربية: الطبقات الممتازة أو الراقية، والطبقات الوسطى، والطبقات الفقيرة؟

    وهذا السؤال هو الذي أريد أن أدير الحديث حوله.

    أما أن فينا علماء، فهذا ليس فيه شك، ويكفي أن أكون في دمشق، وأن ألقى الأعلام من أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وأن ألقى هذه الطائفة الممتازة من المثقفين الشاميين، لأقتنع بأن اللغة العربية حية قوية، وأن لها حفاظاً، وأن لها أنصاراً يذودون عنها ويحرسونها، يذودون عنها الشر والعبث والفساد. وما أشك أن في البلاد العربية الأخرى شيئاً يشبه ما في الشام، كبيراً أو قليلاً. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن هذه اللغة العربية، التي يبذل في سبيلها كل هذا الوقت، لم تصل بعد إلى الشعوب، أو لا يكاد يصل منها إلى الشعوب إلا أصداء لا تغني عنها شيئاً.

    وليس أدل على هذا من أننا إذا استقصينا أمر اللغة العربية في الأقطار العربية الأخرى، فسنرى أن أكثر الذين يقرؤون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم على هذه اللغة الفصحى. وسنرى شراً من هذا؛ سنرى كثيراً من الشباب في غير قطر من الأقطار العربية يفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن ذات النفوس في هذا العصر الحديث، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة، ولغة الأدب في بعض البيئات. وما أكثر الذين أخذوا ينحرفون عن هذه اللغة إلى اللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع، وفي القرى، وفي أعماق الريف، يكتبون بهذه اللغة، ويرون الكتابة بها أيسر من الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأطوع لهم، وأقدر على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم، وما يجول في رؤوسهم من الخواطر والمعاني، من اللغة العربية الفصحى.
    وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأنها عسيرة، ولأنها مملة. ولأن التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة، واستمع إلى دروس الأستاذ في اللغة العربية، في النحو أو في الصرف أو في البيان، لم يستفد من أستاذه إلا شيئاً واحداً، وهو النفور من الأستاذ، والنفور من اللغة العربية، والانصراف إلى أي شيء آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل.

    ولا تظنوا أنني أبالغ أو أكثر، فهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا المكابرون. ولا تقولوا إن المدارس قد أخرجت طائفة من الكتاب والأدباء الممتازين، فهؤلاء هم الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أو الاستثناء الذي يحقق القاعدة كما يقال. ولكن التلاميذ في المدارس لا يبغضون شيئاً كما يبغضون دروس اللغة العربية. وهم مع ذلك إذا استمعوا إلى محاضرة عن اللغة العربية، ومجدها القديم، وتراثها الخالد العظيم، ثاروا حماسة، وامتلأوا نشاطاً وإيماناً وإعجاباً بهذه اللغة. ولكنهم حين تسقط عنهم الحماسة يعودون إلى تذكر الأستاذ، وكلامه الثقيل الذي كان يمليه عليهم، أو يلقيه عليهم في المدرسة، وهذه الأسئلة الشاقة التي كان يمتحنهم بها بين حين وحين.

    والأمر أشد من هذا كله خطورة. فنحن في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه قد آمنا بأن التعليم حق للشعب كله، منذ السن المبكرة إلى أن يبلغ الفتى أو تبلغ الفتاة الرشد. وإذن فنحن لا نبيح التعليم للقلة التي وفقت نفسها على أن تتعلم، وأتاحت لها الحياة أن تتفرغ للتعلم، وأن تنفق فيه شيئاً من الجهد والوقت والمال، وإنما نفرض هذا التعليم على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى القادرين والعاجزين. نفرض هذا التعليم على الشعب كله، ونعاقب الذين يقصرون في أداء هذا الواجب، وهو تعليم أنفسهم أولاً، وتعليم أبنائهم وبناتهم بعد ذلك.

    قوانيننا تعاقب الذين يقصرون في تعليم أبنائهم وبناتهم، ومعنى هذا أننا نفرض التعليم على هذه الملايين الكثيرة التي تتألف منها الأجيال في هذه البلاد العربية.

    وإذا فرضنا التعليم على كل هذه الملايين، فيجب أن نبتغي إلى هذا التعليم وسائله الصحيحة التي تنتهي به إلى النجاح حقاً، ويجب ألا نكلف الكثرة الضخمة التي نعلمها، هذه الكثرة الضخمة من البنات والبنين، ما نكلف به القلة التي يتاح لها الوقت والجهد والمال. وإذن فلا بد أن يكون التعليم يسيراً، وأن يكون قريباً، وأن يكون سائغاً، لا تجد فيه هذه الكثرة مشقة ولا عنتاً، ولا تحتاج فيه إلى هذا العناء الثقيل الذي يفرض على أبنائنا فرضاً.

    وأخرى ليست أقل من هذه خطورة، وهي أننا نعيش الآن في القرن العشرين، أي في العصر الذي تغير فيه التاريخ، وتغيرت فيه الحضارة المادية تغيراً تاماً، وتغيرت فيه الثقافة العقلية تغيراً يوشك أن يكون تاماً أيضاً، وتغير فيه العقل نفسه بحكم ما طرأ على الحضارة والثقافة من تغير. وما زلنا نعلم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا كما كان القدماء يعلمونها في معاهدهم ومدارسهم منذ أكثر من ألف عام.

    وقد نستطيع أن نطلب إلى القلة القليلة جداً أن تحتمل هذا العناء، وأن تتكلف هذا الجهد، وأن تخرج من القرن العشرين أو التاسع عشر للميلاد، لتتعلم النحو والصرف واللغة كما كان القدماء يتعلمونها. ولكنك لا تستطيع، بحال من الأحوال، أن تطلب إلى هذه الملايين الكثيرة أن تبذل هذا الجهد، وتحتمل هذا العناء، وتخرج من حياتها التي تحياها بالمشقة، والكد، والعناء، لتعود إلى حياة أخرى لعلها لا تعرف من أمرها شيئاً.

    فعندما تريدون أن تعلموا هؤلاء الأطفال في المدرسة الابتدائية، أو هؤلاء الشباب في المدارس الثانوية، عندما تريدون أن تعلموهم النحو، تعلمونهم النحو كما كان المبرد، وأستاذه المازني، وتلاميذهما المختلفون يعلمون في مساجد البصرة، وكما كان الكسائي والفراء يعلمان في مساجد الكوفة، أو في مساجد بغداد. والفرق بعيد بين المدرسة الابتدائية التي ننشئها في أعماق القرى وبين مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد بغداد، والفرق هائل جداً بين القرن العشرين وبين القرن الثامن أو التاسع حين كان يعيش هؤلاء العلماء.

    كان القدماء يعيشون عيشة خاصة، ويتأثرون من ناحية بالبادية العربية الأولى، ومن ناحية أخرى بالفلسفة اليونانية الطارئة، ومن ناحية ثالثة بالحضارة الفارسية المادية التي أحاطت بهم وشملتهم شمولاً. أما نحن فقد صرفنا عن البداوة العربية الأولى، وأغرقتنا الحضارة الحديثة إلى آذاننا، وقد أنستنا فلسفة أرسطاطاليس وغيره من قدماء اليونان، وأصبحت هذه الفلسفة لا يعرفها إلا الأقلون من أمثال الصديق الدكتور منصور فهمي، والدكتور جميل صليبا. وأصبحت الحضارة الفارسية شيئاً يعني الفرس حين يدرسون تاريخهم، أما حضارتنا الآن فهي الحضارة الحديثة، ونحن نعنى بحضارتنا القديمة لنستبقي منها ما يصلنا بالقديم، حتى لا تفنى شخصيتنا، وحتى لا نفقد عروبتنا، وحتى يظل الاتصال قوياً بيننا وبين ماضينا المجيد.

    فإذا أردتم أن تعلموا النحو لهؤلاء التلاميذ المساكين، فكيف تريدونهم أن يفهموا أن قولك: “قُرِئَ الكتابُ” فعل مبني للمجهول، والكتاب نائب عن الفاعل؛ لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني، وعلم النحو، وأنيب عنه المفعول به؟ فكيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي، الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة، أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ وما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟

    وعندما تريد أن تفهمه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، قلت له: إن “أحد” في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره “استجارك”، وإن تقدير الآية: “وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك”.

    فيسألك التلميذ: وأين توجد “استجارك” الأولى هذه؟ ومن أين نأتي بها؟ وما وجه وجود هذا الفعل مرتين؟ ولم لا نكتفي بهذا الفعل الذي اكتفى به القرآن الكريم؟ كيف تجيبون؟

    أما أنا فقد سألت أحد الشيوخ عن إعراب هذه الآية، فأعربها كما تسمعون، فقلت له: “يا سيدي، أتزيد في كتاب الله؟”.

    وعلة هذا أن النحاة القدماء قرروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا على فعل. ولما جاء في القرآن، وفي كلام العرب، (إن) وبعدها اسم، لم يخضعوا لما جاء في القرآن، ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرًا وشعرًا، وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها. وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف، واستطاعوا أن يحتملوه، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله؛ لأن عقولهم في تلك الأوقات، في تلك السنين، كانت عقولاً فلسفية متأثرة بالميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، كما يقولون، التي تركها أرسطاطاليس، وورثها العرب، فكانوا يستطيعون أن يفهموا مثل هذا الكلام. ولكن شبابنا في هذه الأيام يعيش في عصر لا يكاد يحفل بالميتافيزيقا وما بعد الطبيعة، ويعيش في عصر لا يكاد يعرف أرسطاطاليس منه إلا المختصون. فإذا حدثتهم بالفعل، وحدثتهم عن الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده، وذكرت لهم هذا الفعل، حاروا في أمره حيرة بعيدة.

    وإذا أردتم أن تعلموا التلميذ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فأفهمتموه أن “ثمود” ليست مفعولاً لـ “هديناهم”، وإنما هي مفعول لفعل محذوف تقديره “هدينا”، ثم قلتم إن معنى الآية، أو تقدير الآية: “فأما هدينا ثمود فهديناهم”، لم يستطع التلميذ إلا أن يضحك أولاً، ويسخر ثانياً، وأن ينصرف عن الأستاذ والدرس بعد ذلك. والحمد لله على أنه لا ينصرف عن الإسلام، ولا عن القرآن؛ لأن الإسلام أقوى، والقرآن أقوى من أن يؤثر فيهما مثل هذا العبث.

    أو إذا قلت للطالب أو للتلميذ: “نحن المصريين نفعل كذا”، أو “نحن السوريين نفعل كذا”، وطلبت إليه أن يفسر هذا أو يعربه، ألهمته أن هناك فعلاً محذوفاً تقديره: “أخص نحن المصريين”، أو “أخص السوريين”. فما موقع “أخص” هذه؟ لا معنى لها مطلقاً، إلا أننا وجدنا هذه الكلمة منصوبة، ووجدنا هذا التعبير يدل على الاختصاص، فقدرنا هذا الفعل، وقدرنا هذا العقل، ولنا أن نقدر ما نشاء، ولكن التلاميذ لهم أيضاً عقول صغيرة ساذجة، لا ينبغي أن نكلفها ما لا تطيق.

    وإذا قلت للتلميذ: “إياك والكسل”، وطلبت إليه أن يعرب هذه الكلمة، اخترعت له فعلاً مقدراً لا أدري، ولا يدري هو، أنى يكون ولا من أين جاء، وهو “أحذرك”. ونظراً لأنك حذفت الفعل فقد اضطررت إلى أن تستعمل الضمير المنفصل مكان الضمير المتصل، فلم تقل: “حذارك”، وإنما قلت: “إياك والكسل”.

    كل هذا الكلام أنا شخصياً أحبه أشد الحب، وأؤكد لكم أن النحو هو أحب علوم اللغة العربية إليَّ، وأؤكد لكم أنني أجد لذة لا تعدلها لذة حين أجلس إلى الصديق إبراهيم مصطفى، ونتذاكر باباً من أبواب النحو، ونحاول إعراب آية من آيات القرآن على قواعد النحويين، أو إعراب بيت من أبيات الشعر على قواعد النحويين.

    ولا أنسى أني تذاكرت معه غير مرة في إعراب الآية الكريمة:

    ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

    كيف يكون إعراب هذه الآية؟ لأن هناك: “إذا ما أتوك لتحملهم”، “قلت لا أجد”، ثم “تولوا”. فعلان، و”إذا” محتاجة إلى جواب. أين يكون الجواب؟ أهو “قلت لا أجد”، أم “تولوا”؟ ويكفي أن تنظروا إلى “إعراب القرآن” لأبي حيان لتروا ما يقال هناك. ولكن هل هذا العمل مما يعمل به التلاميذ في المدارس، صغاراً أو كباراً؟

    هذا فصل، وفصل آخر ليس أهون منه.

    الأصل أن الناس يكتبون ليقرأوا، ويقرؤون ليفهموا، ونحن نكتب لنقرأ، ولكننا لا نقرأ لنفهم، وإنما نفهم أولاً لنقرأ بعد ذلك. وإذا كان هذا جائزاً بالقياس إلى الممتازين النابهين الأذكياء، فهذه الملايين ما الذي تطلبونه إليها؟ كيف تطلبون من هذه الكثرة من الأطفال الصغار، في هذه السن المبكرة، أن يفهموا الكتب التي تعطى إليهم في المدارس ليقرؤوها كما ينبغي أن تقرأ؟ ويجب عليهم أن يفهموا قبل أن يقرؤوها، أو أن يقرؤوها خطأ، فيلقون من أساتذتهم ومعلميهم سخطاً.

    فلا بد إذن من أن نختار بين اثنتين: إما أن نريد المحافظة على اللغة العربية في مجامعنا العلمية، على اختلافها، فنذود عنها كل شر، ونحميها من كل بأس، ونحيي تراثها القديم، ونجتهد في أن نضيف إليه كل جديد ممكن، ينفع ولا يضر، وإما أن نكون نفعل هذا كله لأنفسنا، وأشباهنا من المتخصصين، ولا نحفل بالشعب، ولا بتعليم الشعب. وإذن فنحن لا نصنع أكثر مما يصنع المتخصصون في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغة اللاتينية القديمة، أي ما يصنعه المتخصصون في اللغات الميتة.

    أتريدون أن تكون اللغة العربية إحدى هذه اللغات الميتة التي يفرغ لها المتخصصون، ولا يحسنها غيرهم؟

    هذه واحدة.

    والثانية: أن نكون إنما نفعل هذا كله لتكون اللغة العربية لغة حية حقاً، كما تحيا اللغة الألمانية، والإيطالية، والفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، وغيرها من اللغات الحية التي يتكلمها الناس، ويكتبون بها، ويفهمونها حين يقرؤونها، أو يقرؤونها ليفهموها. فإذا قرؤوها فهموها في غير مشقة ولا عسر، وإذا تعلموها فلا يجدون فيها جهداً، ولا مشقة، ولا عناء، إلا ما يجده التلميذ في حياته العادية حين يتعلم أي شيء من هذه الأشياء التي يتعلمها في صباه.

    ولم أذهب بعيداً. انظروا إلى تلاميذنا في المدارس الثانوية! إننا نعلمهم اللغة العربية، ونعلمهم لغة أجنبية أو لغتين أجنبيتين. في أي اللغتين يتثقف هؤلاء التلاميذ؟ وبأي اللغتين يسرع هؤلاء التلاميذ إلى النطق والفهم والحديث؟ أتظنون أنهم يتثقفون باللغة العربية؟ أتظنون أنهم يسرعون إلى التحدث بالعربية الفصحى، ويسرعون إلى قراءتها أو فهمها؟ أم أن الواقع شيء آخر؟

    أما أنا فقد جربت كثيراً، والذي أعرفه من التجربة أن تلاميذنا يتعلمون اللغة الإنكليزية والفرنسية أسرع مما يتعلمون اللغة العربية، لولا أن عواطفهم تفرض عليهم شيئاً من التحفظ، وتفرض عليهم شيئاً من الجهد.

    أؤكد لكم، أيها السادة، أن كل هذا الذي عرضته عليكم حتى الآن إنما يصور خطراً حقيقياً أشرت إليه في افتتاح مؤتمر المجامع العلمية منذ يومين، وأضيف إليه أن هناك كتاباً كباراً يقرؤون في الشرق العربي كله، ويطالب بعضهم الآن بإلغاء الإعراب وإلغاء قواعد النحو. وأنا أطالب بتيسير قواعد النحو، وتيسير الكتابة العربية، لتشيع اللغة العربية، وتصبح لغة الشعوب حقاً، ولغة حية حقاً. ولكن من الناس من كتبوا في هذه الأيام القريبة يطلبون إلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، لا لشيء إلا لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية حين كانوا تلاميذ في المدارس، ولا لشيء إلا لأن النحو القديم، والكتابة الموروثة، والأساتذة الذين يعلمون النحو القديم والكتابة الموروثة، كل أولئك عجزوا عن أن يحببوا هذه اللغة إلى الكاتب الكبير، ويبغضوا إليه العربية الفصحى، وغرسوا في نفسه هذا البغض، وأصبح الآن لا يكاد يحب شيئاً كما يكره التكلم بهذه اللغة، ولا يتحرج أن يطالب بإلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، وجعل اللغة العربية الفصحى كأي لهجة من اللهجات العامية.

    إنكم كذلك بين اثنتين: إما أن تريدوا وحدة الشعوب العربية حقاً، وتكونوا مؤمنين بهذه الوحدة، حراصاً عليها، مستعدين للجهاد في سبيلها بالحياة، والنفوس، والأموال، والمنافع، مهما تكن، وإذن فلا بد أن تجعلوا لغتكم العربية لغة الشعوب، لا لغة الخاصة.

    وإما أن يكون حديثكم عن هذه الوحدة كلاماً لا أكثر، وأعوذ بالله وأعيذكم من ذلك. وإذن فدعوا اللغة العربية تموت، ودعوا اللغات العامية تصبح لغة الكتابة، وانظروا بعد ذلك إذا أراد السوري أن يقرأ الكتاب المصري، عليه أن يترجمه إلى لهجته السورية، ويضطر العراقي إذا اضطر أن يقرأ للسوري أن يترجمه إلى اللهجة العراقية.

    اختاروا، فليس لكم بد من الاختيار. إن نحن مضينا فيما نحن عليه، وأبينا أن ننصرف عن النحو والكتابة، وأن نتيح للشباب والصبية أن يقرؤوا ليفهموا، لا أن يفهموا ليقرؤوا، إن أبينا أن نمضي كما كان النحو، وكما كانت الكتابة، فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة، كما نشأت الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة.

    لقد ماتت اللاتينية، وخلفها أبناؤها وبناتها، فهل تريدون أن تموت اللغة العربية، وأن تخلفها بناتها التي نشأت بالفعل في الأقطار العربية المختلفة؟

    هذه هي المسألة: اختيار. وأنا أعلم أنه ليس أشق على الإنسان من الاختيار. فنحن نحب القديم، ولا نستطيع التفريط فيه إلا بعد مشقة، وجهد، وعناء، وبعد أن تتمزق قلوبنا حسرة، ولكن لا بد مما ليس منه بد.

    وبعد، فلا أدعو إلى هجر القديم مطلقاً، وعسى أن أكون أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لم لا يكون النحو القديم، والكتابة القديمة، والبلاغة القديمة، وكل هذه العلوم العربية التي أنشئت في عصر غير هذا العصر الذي نعيش فيه، متطوراً كما تطورت العلوم؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد، ونخصص للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلماً يسيراً سهلاً، عسى أن يتخرج من بينهم من يضيف إلى ثروة هذا القديم، ويحسنه أكثر مما نحسنه نحن، ويحيي هذا التراث القديم أكثر مما نحييه نحن.

    أنا أعرف أن هذا كله لا يرضي كثيراً من الناس، لا في دمشق وحدها، بل في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولكني لا أحب أن أكذب العرب، وقد قيل إن الرائد لا يكذب قومه، ولا أحب أن أكون كأولئك الذين يقولون إن أمة محمد بخير، ولا أريد أن أكون كأولئك الذين يطمئنون في المكان القلق، إنما أحب، وأحب للمواطنين من العرب، أن يكونوا أيقاظاً دائماً، وأن لا يؤخذوا على غرة، وأن لا ينظروا ذات يوم فإذا هم يدرسون، ويجهدون، ويجدون، ويكدون لأنفسهم لا للشعوب.

    لا بد إذن أن ننظر في هذا كله، وأن ننظر فيه نظرة الشجعان الذين يواجهون الحقائق ولا يستخفون منها، ونظرة الناصحين الذين لا يريدون أن يستأثروا بالعلم دون العامة ودون الشعب. وحسب الناس شقاء أن يكون المستأثرون بالمال هم المستأثرين بالحياة المادية، وشر الاستئثار هو الاستئثار بما خلقه الله ليكون شائعاً بين الناس جميعاً، وهو العلم والمعرفة والثقافة.

    لا ينبغي لعلماء اللغة العربية أن يستأثروا أنفسهم بالعلم العربي، بل يجب عليهم أن يشيعوه، ولا ينبغي عليهم أن يظنوا أنهم حين ينشرون كتاباً من كتب القدماء يشيعون حقاً. فالكتاب لا يشاع إلا بين الذين يستطيعون أن يفهموه، ويتصرفوا به.

    سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذا الكتاب أو ذاك من كتب الجاحظ؟ سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ كتاب “البخلاء”، أو كتاب “التربيع والتدوير”؟ وما أشبه من الكتب القديمة التي نقرؤها فنجد فيها المتعة، والتي يقرأها بعض المستشرقين فيجدون فيها المتعة. سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذه الكتب؟ قرأها العلماء، وأشباه العلماء، وطلاب العلوم العالية، فأما ملايين العرب فلا يعرفون عنها شيئاً. وأعرف قوماً إذا ذكرت لهم هذه الأشياء هزوا رؤوسهم، ورفعوا أكتافهم، واستهزؤوا بذاكرها.

    وقرأت ذات يوم في الصحف من ينكر على دار الكتب نشاطها في مصر، وقال إن هذه الدار لم تطبع إلا كتاباً واحداً، وهو كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد. ينشر هذا، أيها السادة، في صحيفة يومية! كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد! هذا الكاتب ينشر، والصحيفة التي نشرت له لا تعرف أن المبرد يسمى “أبا العباس محمد بن يزيد”، وإنما تجعله أبا يزيد المبرد، والكتاب لا يسمى “الكامل”، بل يسمى “الفاضل”، وعلى هذا النحو. وبالطبع “فوق كل ذي علم عليم”. وقد يكون للمبرد كتاب يسمى “الفاضل”، ولكني أعترف أنني لم أقرأه، ولم أسمع به قبل اليوم.

    ليس من شأني أن أتحدث في هذا كله، وإنما أتحدث إلى فريقين من الناس: أتحدث قبل كل شيء إلى العلماء الذين يستطيعون الخير ولكنهم لا يقدمون عليه، ثم أتحدث إلى الشباب المتعلمين الذين من حقهم أن يطالبوا العلماء أن ييسروا لهم لغتهم، وألا يباعدوا بينهم وبين عروبتهم.

    ولا شك، ولا يجد الشك إلى نفسي سبيلاً، بأن الحكومات العربية، إذا قال لها العلماء: هذا هو النحو الجديد الميسر الذي يلائم عقول الشباب في هذا العصر، ولا يمس جوهر اللغة العربية من قريب ولا من بعيد، ولا يغير من طبيعة اللغة العربية شيئاً، وهذا هو الذي يعين الشباب على أن يتقنوها، وأن يتكلموها، وأن يقرؤوها، وأن يفهموها، فلا شك مطلقاً بأن الحكومات، عندما يقدم إليها العلماء هذه الكتابة اليسيرة التي تتيح للشباب أن يقرؤوا قراءة صحيحة، ويفهموا فهماً صحيحاً، ويجعلوا اللغة جزءاً من قلوبهم، ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية، لا لغة متكلفة يتكلفونها إن استطاعوا أن يتكلفوها في أوقات الحاجة، إذا قدم العلماء هذا كله إلى الحكومات، فأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن جميع الحكومات العربية لن تتردد في إقرار هذا النحو، وفي إقرار هذه الكتابة، وفي إشاعة هذا النحو في المدارس، وفي إشاعة هذه الكتابة أيضاً.

    ولقد رأيت مرة كتاباً من كتب المطالعة في المدارس الابتدائية عندنا في مصر طغت عليه “البيداغوجية”، فويل لنا من البيداغوجية! زعمت أن اللغة العامية قد تكون أيسر لإفهام الصبية، فأدخلت بعض الجمل وبعض الألفاظ العامية في هذا الكتاب. فلما تحدثت في ذلك إلى وزير التربية والتعليم، لم يتردد في أن يعدني بالنظر في تلك الثورة.

    فتقدموا، أيها السادة العلماء، والحديث هنا موجه إلى مجامعنا الثلاثة التي تأتمر الآن في هذه العاصمة العربية، تقدموا أيها السادة العلماء إلى الحكومات بكتابة ميسرة، ونحو ميسر، وقربوا لغتكم من الشعوب، وثقوا بأنكم إن فعلتم فستبلون بلاءً خيراً من البلاء العظيم الخطير الذي أبلاه نحاة البصرة والكوفة وبغداد في العهد القديم.
    الآداب ١\١١\١٩٥٦