The United Nations, Mussolini, Farewell to freedom, University Spirit, Languages
الأمم المتحدة، موسوليني، وداعا للحرية، الروح الجامعي، اللغات
مدرسة اللغات
يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به ، يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد أصبحت لها جريدة رسمية ، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وأن كانوا يستحقون وراء الألقاب والاوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية ، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسئ إلى وزارة المعارف من حيث تريد الاحسان اليها ، تثنى على وزارة المعارف بحق وبغير حق ، لا تكلف في ذلك صوابا ولا تتحرى فيه منفعة ، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف ، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف .
أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان فى مدارس المعلمين الاولية؟ زعمت أن الفضل فى هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفى وزارة المعارف واثنت على فلان بما يستحق ومالا يستحق . ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى ان فلانا هذا قد نقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولى ، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرا حسنا أو سيئا . أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعا حسنا فأصاب من ليس لهم فى التعليم حظ قليل ولا كثير . أصاب رؤساء الامتحان وموظفى الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك . بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقا أو مغصوبا ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جداً أو هزلا ، وإنما يعنيها أن تثنى عليها الصحف السيارة ، شأنها في ذلك وأن بعض العمد الاميين فى عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهى تشترى الثناء ولو كلفها ذلك ان تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك . فكيف تريد ان تشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم أشرافا جديا منتجا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والانتاج لوزارة المعارف اذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثنى عليها . ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها وخائلها وما تفعل به على الصحف الاخرى والكتاب الآخرين ذلك لأن الصحف الاخرى قد تؤثر الحق . والكتاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. واذن فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم ، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يسمع لهم طلب ولا يجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس ، والمشرفون على الامر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير .
تفضى وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون ، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين . فقد قرأنا فى المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتخذ من قرار فى هذا الاجتماع وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحى ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأى وزارة المعارف . لا رأى كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذى عرفه القراء . نعتقد ذلك . نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف اننا مخطئون ، وان الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تدرس الهيروغليفية فى مصر على هذا النحو السخيف . فاذا أكدت لنا وزارة المعارف اننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بان مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى فى مسألة واحدة رأيين متناقضين : أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الاخير .
على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد . فهى لا تكتفى بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف اليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره . وهى فى هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها . فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصرى وأوجدوا علم الآثار المصرية بالوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألا نعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما فى مثل هذه الأيام . وهي لا تكتفى بالنيل من «مریت» و «مسبيرو» وأمثال «مريت» و «مسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقا سخيفا . تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر . ويحكم ! فمن الذى أنكر أن كمالا قد نفع وأفاد؟ ولكنها ، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال مالا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم . يزعمون لتلاميذ كمال تأليفا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدى كمال ، وإنما تعلموا على غير كمال . ويزعمون ان هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارا غير آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء ، فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين فى المتحف يتعلمون على غير كمال ويقنون آثارا غير أثار كمال ، واننا إذا طالبنا بأنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصرى حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تدرس الآثار . وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوربا ليتمموا درسهم فيها .
نعم ! نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج . نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسا لهذه المدرسة . تريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين .
نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئا آخر . وقد تمضى وزارة المعارف فيما تريد ، ولكن مضيها هذا لن يغير فى الأمر شيئا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة . وما زلنا نلح في ان وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل . وما زلنا نلح فى ان وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئا آخر اهمالا عظيما . عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين . وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص في ١٥٦ئ ؟ ئ . نريد أن تجيبنا وزارة المعارف : ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الاسلامية ؟ سيقولون : آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة . كلا ! أن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار . وحسبك أن هذه الآثار معروضة فى المتحف وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما ، وإنما زارها المارشال اللنبى وقرينته ! وهناك آثار اسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد احدثت حركة فى أوروبا وفى مصر ولكن الذي اظهرها ليس انجليزيا وإنما هو مصرى مثلك ومثلى هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون هناك الفسطاط ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب وعنى بها الأوروبيون ، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأى جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلف وزارة المعارف عشر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تعنى بشيء وتهمل شيئا آخر؟ لا نشك فى أن هذا الاهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى . ضيق التصور ، فوزارة المعارف أضيق رأسا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها أنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها ، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تعنى حكومتهم بالآثار المصرية ، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس : انها نازلة عند ارادة الأمة محققة لمنفعة الأمة . ولكن الناس يعلمون ان النزول عند ارادة الامة يجب أن يكون صحيحاً غير ممسوخ وان الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة . وأذن فاذا اردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصرى فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب . فليكن ذلك في انشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار . ليكن ذلك فى إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف اليها الطلبة ليتخصصوا فى فنونها المتنوعة والتى يختلف اليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسن رأيه فى مصر . ليكن ذلك فى انشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصرى بعد الظهر . فان ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم .
ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى انك تريد أن تبنى بناء فضع أساسه وابدأ بأسفله لا باعلاه . انشئ ادارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة . اذن تنفع حقا . واذن توفق حقا إلى صواب .
طه حسین
السياسة ١٦ يولية ١٩٢٣ .
الروح الجامعى
إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذى حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافى. والهلال فى هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا فى الوقوف على رأى من يشرف على أحياء الروح الجامعى في مصر. لم اختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به فى وفحة به على، وما اكثر ما تتحكم «الهلال» فى اصدقائها من الكتاب، وما اكثر ما تتجنى به علهم! وما أشد إذعان هؤلاء الاصدقاء لهذا التحكم والتجنى، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فـيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم.
وما اظن اننا نستطيع بعد ان قدمنا الاذعان «للهلال» ان نثور بها ونتمرد عليها، خالف عما تصدر الينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب او لا يستحب. فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بان تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث. وأول ما أقول فى ذلك انى لا أكاد اتبين معنى واضحا دقيقا محدود الاطراف والنواحى لهذا الذى تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد ان نشيعه فى نفوس الطلاب. فهذا اللفظ فى لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن انه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن انه لم يشع فى مصر الا بعد أن انشئت الجامعة المصرية الحكومية واخذ صاحب المعالى الأستاذ أحمد لطفى السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والاساتذة، والنواب والشيوخ أيضا، من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الاساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الاوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
وقد يكون من المفيد ان نبحث لو اتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربى حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعى هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا ين. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوى التاريخى الثقيل. فالشع الذى لا شك فيه هو ان اللفظ العربى الفصيح فى نفسه أجنبى المعنى، قد جل معناه من أوربا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربى صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة فى صراحته. فهو فى ذلك كالسيارة والدراجة والحاكى والمذياع، الفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ واشباهه لفظ الروح الجامعى هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى مته إلى شع، الا أن نبين له ما نريد وما نقصد اليه حين نستعمل هذا اللفظ العربى القديم فى هذا المعنى الاجنبى الحديث.
ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين فى ملاحظتهما انصاف وتحقيق. الأول: أن معنى الروح الجامعى إذا كان مستحدثا طريفا فى لغتنا فلعله الا يكون مستحدثا من جميع الوجوه، ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث، فى القرون الوسطى فى مصر وفى غير مصر من اقطار الارض الاسلامية التى نظم فيها التعليم على نحو ما والتى أطردت فيه سنن وعادات لجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد، بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول ان نشخصه او نسميه كما يفعل الاوروبيون والامريكيون وكما نفعل نحن فى هذا العصر الحديث. فليس من شك عندى فى أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضى الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمانها اصل من أصول الأدي الازهرى الذى لا تليق المخالفة عنه أو الخروج عليه.
وقل مثل هذا فى الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الازهريين فى معاهد العلم الاسلامى وفى غير القاهرة من مراكز الثقافة الاسلامية.
وليس التاريخ الصحيح للأزهر واشباهه من معاهد العلم الا تحقيق هذا الروح الازهرى الذى يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألا حياتهم. وهذا الروح الجامعى قد وجد كذلك فى أوروبا أثناء القرون الوسطى فى البيئات التى نشأن فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعى فى القين الرابع عشر، كما كان لجامعة اوكسفورد وكمبردج روحها الجامعى الخاص الذى تطور مم الزمن.
ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه وتشخصه على اختلاف العصور والظروف. ومعس هذا كله أن الروح الجامع ليس حديثا ولا هو من الاشياء التى ابتكرها هذا العصر الذى نعيش فيه. ليس حديثا فى أوروبا وليس حديثا فى الشرق. وإنما التكلم عنه والاشادة به والعناية بإشاعته فى نفوس الشباب هو الجديد.
ومعنى هذا أيضا ان الروح الجامعى شع حر قالم يتطور ويتغير، ويساير فى تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الانسانية من الوان التطور والتغير. وما ارتاب فى أن الاكاديمية التى كان يشرف عليها افلاطون، واللوكايون التى كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الاسكندرية قد كان لكل منها روحه الجا الخاص الذى يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذى تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة فى حمايته أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير فى حمايته والذود عنه.
فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن الاحظهما قبل كل شى.
والأمر الثانى: أن الذين يذكرون الروح الجامعى الان من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعى يختلف باختلاف الجامعات، وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التى نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
ومن المحقق ان الروح الجامعى الفرنسى ليس هو بالضبط الروح الجامعى الانجليزى، بل من المحقق ان الروح الجامعى الانجليزى نفسه يختلف فى انجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الانجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذى تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذياد.
وهناك الجامعان الحديثة التى انشئت فى القرن الماضى مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها.
وما من ريب فى أن الروح الجامعى فى أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعى فى كمبردج. ثم ما من ريب فى أن الروح الجامعى فى لندرة بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعى فى هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال فى فرنا بالقياس إلى السوربون والى الجامعات الفرنسية فى الأقاليم والى بعض المعاهد العلمية الحديثة فى باريس نفسها، ومثل هذا يقال فى المانيا وفى ايطاليا. فاذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والاوروبى يبتسم عادة إدا ذكر له كثير من الجامعات الامريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الاوروبية.
فالروح الجامعى اذن شيء مختلف اشد الاختلاف متابين اشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والامزجة فى الامم التى تنشأ فيها الجامعات.
فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح فى انجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فاذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعى يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية فى تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسى ان يكون جامعيا بأدق معانى الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الالعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
فادا ذهبت إلى امريكا فالألعاب الرياضية هى العنصر الاول الذى يقوم الروح الجامعى وكون الحياة الجامعية.
وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إدا ذكروا الروح الجامعى لا يكادون يتفقون على ما ينبغى أن يفهم من هذا اللفظ. يفهم مته السوربونى معنى، ويفهم منه خريج اوكسفورد معنى، ويفهم منه خريج لندرة وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لـيبزج معنى، ويفهم منه خريج الجامعات الامريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعانى أشد الاختلاف.
وقد تغيرت نظم الحياة الانسانية فى هذا العصر الحديث الذى نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة الغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية فى كثير من انحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا. ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم فى بعض، هذا إلى انواع من المواصلات القهرية التى لا يستطيع الانسان أن يخلص منها، بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد، كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الاسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى.
وقد شهدن أثناء الصيف الماضى فى باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها فى نفسى أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد ف باريس مؤتمر للتعليم العالى مثلت فيه جامعا الشرق والغرب، وسمعنا فيه ممثلى الجامعات الاوروبية والامريكية والاسيوية والافريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعى. وكانت احاد. ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة اشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
وهذا هو الذى أريد أن انتهى اليه بعد هذه الاطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب فى ايجاز عن السؤال الذى ألقته على الهلال: ما الروح الجامعى؟ وكيف نشيعه فى نفوس الطلاب؟
الروح الجامعى الذى يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من الوان الخلاف، هو الذى ميز الانسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه، هو الرغبة فى المعرفة والحرص عليها، هو الاقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قـد ينتج من الخـير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذى مكن ممثلى الجامعات المختلفة فيما بينها اشد الاختلاف من ان يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات.
هذا الروح من طبعه أن يرفع الانسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التى تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب. الروح الجامعى هو الذى يجعل الناس اخوانا فى العلم، ويقيم اخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة فى الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعى. فأما السبيل الى إشاعته فى نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة، ن كون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الواكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم، وإنما يصطنع منهم روح المودة التى تنشأ من حب لأعلم والتعاون على تحصيله فى غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
الروح الجامعى هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال واصدقها فى حب الحق والسعى اليه. ثم يختلف الروح لجامعى بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذى لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
بقلم
الدكتور طه حسين
الهلال، ديسمبر ١٩٦٧.

أمثلة
لم أكن اذا مخطئا ولا مسرفا حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم ايطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الاستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها استاذه قبل أن يفارق أرض ايطاليا الجميلة .
رئيس الوزراء يعلن انه معجب أشد الإعجاب بما بلغته ايطاليا من الرقى المادي (والادبى) بهمة موسوليني وعبقريته ، وانه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو اذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الاعجاب ؛ وكل انسان حر فيما يحب ويكره ، وهو اذا يلتمس في أعمال العظيم الايطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل انسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدى بها ، والاسوة التي يريد أن يتأساها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعا ، وهو لا يسألنا عن رأينا فى هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعى من تمثيله ايانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك انى ان تهمته بانه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت انى أثق به وأطمئن اليه ؛ فأمر السياسة وأمرى الى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم فى غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقى باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
رئيس وزرائنا اذا تلميذ لعظيم ايطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والايام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرءون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغى أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الايام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون باى كلام آخر يفهمونه فهما يسيرا ناقصا ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدى المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ واذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الادلة على هذا ، فقف معى وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر الى عظيم ايطاليا ؛ فسترى ان فيه اسرارا خطيرة ؛ ونذرا مخيفة مزعجة . وان من الحق على المصريين لأنفسهم ان يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الايام ان مدت للرئيس أسباب الحكم .
أي شيء هي هذه الاعمال التي سيلتمس فيها صدقى باشا أمثلة صالحة؟ اما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن انه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذى يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة فى الديموقراطية . واما المعارضون فقد اخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم اليه . وأما الادارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالا ستتأثره الامم الراقية التي تطمع فى أن تكون لها ادارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدى الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . اذن فماذا يريد صدقى باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقى باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معى ان كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج الى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل الا لأضع أمامك بعض الامثلة التي سيلتمسها صدقى باشا عند السنيور موسوليني .
النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة على سبيلا . فانا لا أذكر الجند الأجنبى الانجليزى ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند الى حراب الانجليز . وانما أقول أن النظام الذى استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصرى ؛ وواضح ان الجيش والشرطة انما انشئا للدفاع عن الوطن واقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء اذن محتاج الى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصى الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحا ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخيا . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وانما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد اذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فنا جديدا من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالا وصبيانا وفتيانا ؛ يجندهم نوعا من التجنيد ؛ ويعلمهم فنونا من التعليم ، ويمرنهم ضروبا من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله الى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الايطالية . وقد أصبحت ايطاليا بفضل هذا النظام الجديد اشبه شيء باسبرتا في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الاجيال الناشئة بعد ان لم يستطع أن يكسب له الا اجسام الاجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج الى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
فأخذهم جميعا بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الاخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائما له ؛ وخيرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فأختار منهم فريق بقى في مناصب الدولة ؛ وأمتنع منهم فريق فصلوا من مناصب الدولة فصلا . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الاولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضا . فهذا مثل آخر من الامثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به ايمانا صادقا قويا ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذا ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى اذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلا ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلا ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين الى حين ؛ لا سخطا عليهم ، ولكن تعليما لهم وتأديبا . فهذا مثل اخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريبا من الامر ان يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود الى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوما آخرين ، ويفصل منهم من يرى ان ليس فيه خير للنظام الجديد
ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوى بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الاجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يلغ هذا من خصوم ايطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف فى السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيرا ، وأخذ يلقى خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقى باشا أن يقتدى بموسوليني في هذه الناحية . ولكن اذا لم نستطع أن نخيف الانجليز جهراً بالخطب والجيوش والاساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقا في رسالته إلى عظيم ايطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة الى روما ليتعلم على الاستاذ الاعظم فن الحكم واقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وانما ينبغى أن يحلل ويمحص ويقلب على جميع وجوهه ، فان في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادى النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
طه حسین
(*) السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ .

وداع . . .
لعل صدقى باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية الى حين بعد ان تفضل فأعلن اليهما ان مصر لم تعد لهما دار مقام ، وان عليهما ان يرتحلا عنها الي حيث يحبان حتى اذا تمت المفاوضات بيننا وبين الانجليز وانتهت الى ما نحب أو الى ما نكره وأذن الله لصدقى باشا ان يستريح كان من الممكن ان يحاولا العودة الى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضى به الظروف حينئذ ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقاما في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو فى سوريا أو فى لبنان . فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبا حارا وتستقبلهما فى كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح الى الاستقلال وان كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان واتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان .
كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا فى أى قطر من هذه الأقطار لان حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرا على الامن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعا من تحقيق الاستقلال
فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد ، لان لها في المفاوضات مذهبا غير مذهب الحكومة ورأيا يناقض رأى الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الانجليز وانما ستفاوضها حكومة صدقى باشا فلا أقل من ان تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره ونذعن لما لا تحب حتى يمضى الله أمراً كان مفعولا وليس من سبيل الى هذا الصبر ولا من امل فى هذا الاذعان الا اذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل واقاما حيث يحبان في الشرق أو فى الغرب حتى تنتهى المفاوضات . فى أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة ان تقول ما تشاء وان تعمل ما تشاء وان تظهر المصريين على ما تحب وان تخفى عليهم ما تحب وان تأمرهم بما تريد وان تنهاهم عما تريد دون ان تخشى منهم انكارا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون ان تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه . هذا شرط أساسى لتستقيم الامور ولتستطيع الوزارة ان تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التى لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وانما هي حرة كالنسيم الذي يجرى في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدا ان حرية المفاوضات تقتضى تقييد الشعب . فليس من الممكن ان يجمع السيفان فى عمد وان تكون الحكومة حرة في مفاوضة الانجليز ويكون الشعب حرا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الانجليز مفروضة لان الشعب ارادها وطالب بها فطبيعة الاشياء تقضى بان ينزل الشعب عن حريته لان الذين يطلبون النتائج يجب ان يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هى تقييد حرية الشعب .
هذا كلام يضحك منه الناس فى أى بلد من بلاد الارض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلا ، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وانما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لان المصريين أعقل من أهل الأرض جميعا واعلم بحقائق الاشياء وفلسفة ارسطاطليس من أهل الأرض جميعاً وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب ان يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصرى من البحث والتحقيق أولا ومن الاحتجاج والانكار ثانيا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الانجليز من هذا كله أيضا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الانجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهما المصريون لتجنبوا كثيرا من هذا الخطأ الذي يدفعون اليه كل يوم ولتنكبوا كثيرا من هذا الشر الذى يتورطون فيه كل يوم ايضا . فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين ، ويفاوضون أمما أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئا وانما ينتهون بها او تنتهى بهم الى الاخفاق وليس لهذا سبب إلا ان الانجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي ان تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الاخفاق ولو انهم عرفوا ما عرفته مصر من ان المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن احداهما يطرد الأخرى ولو انهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون فى الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون . ولكن الانجليز قوم فطروا على غرابة الاطوار ، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء ، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها . يؤثرونها حتى انهم ليحاربون فى سبيلها ، ويتعرضون لأعظم الهول : يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس ، نستغفر الله ، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الاوطان الأخرى . ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية ان نائبا بريطانيا قدم الى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم .
قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة
الانجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية أجازة يقضيانها فى فرنسا مثلا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التيمس ولا الديلي تلغراف ولا الديلى هيرالد ولا غيرها من الصحف .
وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقا ولا يطمسون حروفها طمساً ، وهم من أجل ذلك لا يصدرون اليها التعليمات بما ينبغى ان تنشر وبما لا ينبغى ان تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات . هم لا يصنعون شيئا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون فى مفاوضاتهم اخفاقا متصلا ولكنهم يحبون مصر اكثر مما يحبون انفسهم ويحرصون على مصلحة مصر اكثر مما يحرصون على مصلحة انفسهم يريدون ان تنجح مفاوضاتهم مع مصر وان اخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون فى ان يكون جو المفاوضات صفوا صحوا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق . وقد هموا بان يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئا فاكتفوا مضطرين بان يقيد صدقى باشا حرية الشعب المصرى ويصادر الوفد والمصرى والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التيمس والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء واذا لم يمكن اذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من ان يذل احدهما واعقل الشعبين هو الذى يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وان يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات ، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصرى الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق ارسطاطاليس ويعلم ان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقبلوا الوسيلة ويقروها .
لهذا كله يرغب الانجليز الينا صادقين فى ان ننقى جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها . فى ربوع لبنان . ولهذا كله نرغب نحن الى انفسنا في ان نريح مصر من الحق والحرية حينا ونريح الحق والحرية من مصر حينا ونقضى اسابيع أو أشهرا مطمئنين الى الذلة مستنيمين الى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس ، يقال لهم ان الشمس تطلع من الغرب وتغرب فى الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئا . يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون الى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء الا لانهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق ارسطاطاليس ويؤمنون بان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقروا الوسيلة
كل هذا حق وكل هذا واقع ، واذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة فى مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور .
كان زعيم المعارضة لا يعلم ان الدستور وسيلة لا غاية وان المفاوضات أعظم خطرا من الدستور وان الحرية شر لا بد منه . يحتمل حين لا يكون فى احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين يخشى منه الضرر . ولو كنت عضوا فى مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقى باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجر ان اليه من الآثام .
أنا إذن مؤيد لصدقى باشا كل التأييد يجب ان نصادر الصحف وان يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون الى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عاما لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الانجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادى النيل من منبع النيل الى مصبه . فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر ، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها اصحاب الصحف . ومن هذا الضغط اليومى الذى يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم انها قد صودرت . وما الذى يخسره المصريون اذا لم يجدوا الوفد والمصرى والبلاغ وانهم سيجدون صحفا اخرى تنشر لهم الاخبار كما تحبها الحكومة ، وكما ينبغي ان تنشر الاخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتنى صحف لان الناس سيشترونها راضين أو كارهين . وستفتقر صحف اخرى لان الناس سيصدون عنها صدا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون :
غنى زيد يكون لفقر عمرو
إنا إذن أؤيد صدقى باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابى الصحف التي تذعن لأمره ، وعلى ان يسير الشعب المصرى على هوى صدقى باشا لا على هوى نفسه
ولو كنت وزيرا مع صدقى باشا او لو اتيح لى ان أشير على صدقى باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الانجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة الا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة الا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي ان يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور .
هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم ان يشتغل صدقى باشا بالاستعداد للمفاوضات أو ان يضيع وقته فى الاستعداد للرد على الاستجوابات .
والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع ، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات . الدستور قائم نائم كهذا المريض الذى ينهض اثناء الليل ويسعى لا يحس انه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس انه يقدم أو يحجم .
فأى بأس على صدقى باشا وأى بأس على المصريين من ان ينام الدستور نوما عميقا متصلا حتى تنتهى المفاوضات إما الى جنة وإما إلى نار . واذا فرضت المصلحة على صدقى باشا ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه ان يمنح النواب والشيوخ أجازة يقضونها فى الأقاليم ، وان يمنح الدستور نفسه أجازة يقضيها في درج من الأدراج .
لیصدقنى رئيس الوزراء ان وقته أنفس من أن يضيع فى هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر ، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور . فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء . ولست أطلب إليه إلا شيئا واحدا ، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين .
شيء واحد هو الذى أطلبه لا أطلب معه شيئا آخر وهو يبتسم صدقى باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا فى أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين .
طه حسین
البلاغ ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦ .

المولد
ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئا … والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم…
أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام .
وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضاً هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف . لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهذه الهيئة …
في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرا ونكرا وهولا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع .
ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضى حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أمانى تداعب النفوس فتملأها رضى وابتهاجا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه ، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة .
***
وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضا . أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوى حتي يعطى النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم ، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد أنشاؤها يتم حتى شبت الحرب فى أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس فى غير اكتراث ، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبا مباحا للأقوياء . ويكفى أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا فى الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة ، غرباء فى غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء . وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقى إليه بالها .
***
ويكفى أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعواما متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
وليس الناس فى حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار . وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغى الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئا ولا تستطيع أن تصنع شيئا ، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء .
***
وهى على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويا . فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدا . فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه ، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف ، فالفرنسيون يشكون فى الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين . والأمريكيون يشكون فى أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير . وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس . فلم تصنع مما أنشئت له شيئا .
وما أكثر ما أنفقت الأمم فى سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهى الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدا وتدبر غدا لتقبل بعد غد . ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة فى أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك .
فأما العدل الشامل الكامل الذى لا يفرق بين قوى وضعيف فما زال أملا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب . وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبا حقا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير . واليوم يحتفل المسلمون فى أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيما ، قد مات أبوه قبل مولده ، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر ، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره .
ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئا لأنه فعل أو قال . ولا لأنه غدا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق . ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها . وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلا جلدا قادرا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء .
***
وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أى قوة ومضاء أى مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كراما تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم فى الأمل . ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنا ورضى وإيمانا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار فى أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير .
ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة فى بعضها ولا تمضى عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوا فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وكانوا يعيشون فى جهالة جهلاء ، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها ، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونوراً … وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن فى التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضى الله عنهم إلا إذا أقاموها علي العدل الذى لا يمتاز فيه قوى من ضعيف ولا غنى من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوى بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف .
ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور فى جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام .
اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانا بعد أن ملئت نكراً وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلا بعد أن ملئت جورا .
والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيما فأواه وضالا فهداه وعائلا فأغناه . ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقا جديدا .
ما أعظم الفرق بين المولد الذى احتفل العالم به فى أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئاً والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائما ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحا وممسيا ويقظان ونائما ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه الأقوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا .
أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها فى هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأى والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغى أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذى أو يشين .
طه حسین
الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥ .
