Tag: Taha Hussein

  • قضايا عالمية | Global Issues

    World War II

    الحرب العالمية الثانية

    أزمة
    كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
    وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
    في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
    وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
    وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
    ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
    ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
    وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
    هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
    وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
    هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
    ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
    وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
    وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ .


    Independence

    الإستقلال

    فكرة الاستقلال
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر فى استحضارها أمام أنفسنا دائما ، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين ، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس .. وقد تتغير المعانى تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هى لا يصيبها تغيير ولا تبديل ، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب ، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التى أصورها الآن . وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن ، وليس من شك فى أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى .
    في ذلك الوقت ، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة ، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأى أمة من الأمم فى تقرير ما يعنيها من الأمور .. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين .. فبريطانيا العظمى مثلا ، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها ، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني ، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الامبراطورية البريطانية ، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى .. قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء ، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود ، فكان ذلك تضييقا لاستقلالها وحدا من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال . كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيها يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلا ، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر . وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء ، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية ، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربى ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها ، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان . فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب ، وإلى الاتفاق فى التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب .
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي ، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير . ولكن هذا النزول قد كان اختياريا – إن صح هذا التعبير – أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب ، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة ، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلا . ولكنها اشتركت فى الحرب عن إرادة حرة ، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضا ، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد ، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب ، فهى فى حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً .
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف ، ولكنها لم تسترده كله ، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب . وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولا ، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين ، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب ، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها ، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً ، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادى ثانياً . فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغنى بموارده عن البلاد الأخرى ، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة . ثم النزول عن بعض السيادة . ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلا أو كثيراً .
    وواضح جداً أن حياة أوربا ، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى ، كانت صراعا متصلا بين استرجاع الاستقلال كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا . فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع ، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن ، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك فى عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها .
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئا فشيئا ، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال . وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعا ، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع انها شاركت في تأسيسها . وليس شبوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملا موفورا ، والايثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعاية للسلم وتحقيقا للمصالح الانسانية العليا . وقد تغلبت الأثرة على الايثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم ، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب .
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين .
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف ، ولكنهم فى حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال .. أيسترده كل منتصر كاملا موفورا فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد ، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب !
    هذه هى المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندره ، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفى القرم وفى بوتسدام . والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة : أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو ، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده فى لندرة ، وهو اجتماع الأمم المتحدة . فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال ، وإنما هي المنافع تلتقى لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هى مكرهة على الاختلاف . فهل تطلق يد روسيا السوفييتية فى شرق أوروبا وجنوبها ، وهل تطلق يد بريطانيا العظمي في غرب أوروبا ، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أى حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى ، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين فى الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط ؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله ؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو فى صراحة ما نظن أنها ترضى الاخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقى والكمال . أما الاجتماع الكبير الآخر الذى يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي – كما يقال – لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة ، وعلى تأييد الحق والانصاف . وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهى تلتقى سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس ، وإلى المثل العليا ، وهي تريد أن تلتقى جهرة فى لندرة لتسمع العالم ألوانا من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس .
    وفي هذا شيء من الرقى من غير شك ، فليس الخير فى حاجة إلى الاستخفاء ، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرنسسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة ، وأما الشر فهو الذي يستخفى ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون . وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه ، فهو يستخفى الآن فى أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم
    ولا يظن القارئ أنى اعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول ، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو ، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة فى سان فرنسسكو ولندرة لأنه محاولة – قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة – لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب . والاجتماع الخاص فى موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ ، على أن يكون هذا كله شيئا يظهر أقله ويستخفى أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين فى اجتماع الأمم المتحدة ، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه ، أيستردها المنتصرون كاملة موفورة فيصبح بعضهم لبعض عدوا ، أم يمضى المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع !؟
    أما فكرة الاستقلال بالقياس الى الأمم الضعيفة ، أو الى الأمم المستضعفة ، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة . ولست أذكر الأمم المحررة ، فان قصتها مؤذية للنفوس حقا .. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر ، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملا موفوراً ، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة ، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين ، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم ، لا كما تريد هي .. فان لم تفعل ، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان .. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات ، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة ، يقول ممثلوها ما يشاءون ، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلى الدول الكبرى . ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك ، حسب موقعها من مناطق النفوذ ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً ، فاذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه .
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن ، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان ، ثم نسيته الانسانية حيناً من الدهر ، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن ، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوى والضعيف .. للقوى حقائق الأشياء ، وللضعيف مظاهرها وأشكالها . وقد عرف التاريخ القديم دولا في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسى كاملة ، وكانت حليفة لروما وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين . فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى ، ويظهر أن الانسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوروبا أيضاً ، فاليونان مستقلة الآن ، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون . فان لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي ، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون . ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً ، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا ، وإلا فان مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد . والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء ، وأن تنقبض حتى لا تدل شيء ، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت ، فان لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء ، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة .. انها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال ، وفى حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام ، وفى حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات ، وهى محتاجة إلى رضى حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك .
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها ، وكما تقتضى مصالحها لا مصالح غيرها .. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال . ولست أدرى ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول لللغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم .
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ۲۳ ديسمبر سنة ١٩٤٥ . 

    Democracy and Learning

    الديموقراطية والعلم

    الديموقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك

    سيدي صاحب المقام الرفيع ، أصحاب المعالى والسعادة ، سيداتي سادتي :
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والافراد بدونهما . أما أولهما فهو طموح الشعب إلى ان يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها ، ويستعين بها ، والى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه ، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل اليه من كمال .. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديموقراطية ، ولا أظن الديموقراطية نفسها تفهم تقسها إلا على هذا الوضع . فالديموقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه ، وهى الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا . والديموقراطية فى هذا ليست إلا العلم والمعرفة ، فاذا كان هذا حقا ، وأظن انه حق ، فالصلة بين الجامعة والديموقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر ، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها .
    وعلى هذا الاساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح ، وما أظن ان الشعب قادر على أن يستكشف شيئا من هذا ، إذا كان جاهلا
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت ان الديموقراطية لا تبغض شيئا كما تبغض الجهل ، ولا تحب شيئا كما تحب العلم ، وكما تحب المعرفة
    سيداتي سادتي :
    إن الله لم يختص مصر بخصب ارضها فحسب ، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية ، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل اليها من علم ومعرفة ، فيصبح نافعا لها ولغيرها ، وما أكثر النباتات والاشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت ، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر ، وأفادت بها غيرها من البلدان
    فقد انتقلت إلى مصر فى الازمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر فى العصور الوسطى الحضارة الاسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الاوربية الحديثة فتنمو وتزدهر وهى الآن مصدر نفع للإنسانية كلها . فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار ، فاذا كان هذا حقا فقد نقلت إلى مصر فى هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل اليها حتى نمت واثمرت وهى شجرة الديموقراطية .
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى اخذت تهدى ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب واظهار الشعب على انه فى حاجة شديدة جدا إلى ان يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع .
    فرقى التعليم فى مصر واتساعه وتعمقه انما هو مقترن بوصول الديموقراطية إلى مصر ، وكلما احست مصر حياة ديموقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم ، وأن تتعلم إلى غير حد .
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الاخيرين ، فلم تكد الديموقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية ، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب ، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم ، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدا … وكم اتمنى أن اقول بغير حساب ، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل اليه حتى نحيا حياة ديموقراطية صحيحة
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديموقراطية والحكومات الديموقراطية ، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل ، وهى لا تريد أن تتوسع بغير حساب ، ولكن الديموقراطية التي تختلط بدم الشعب ، وهذه الديموقراطية تطلب بغير حساب . وإذا كان العقل مضطرا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد ، فان طبيعة الاشياء اقوى وأبعد مدى من العقل … فاذا وصل اليه العقل اليوم إلى شيء ، فأن طبيعة الاشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل ، واذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع فى التعليم فستكرهنا غدا على التوسع جداً ، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع .
    وإذا كانوا ينظرون اليه نظرة امتعاض ، فإنى أوكد لكم غير متردد ، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية ، ولكنها خطوة بدائية ان كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان ، فأنها ستدفعنا حتما إلى تعميم التعليم الثانوى بالمجان ، والى تعميم التعليم العالي بالمجان ايضا ….
    ذلك أن الديموقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه ، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح ، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء ، وليحرص عليها غير متردد . ووسيلة الشعب إلى ان يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وانما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة ، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم ، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديموقراطية ، وحاجة الديموقراطية إلى العلم لا تنقضى .
    ليس المهم أن ديموقراطيتنا طموحة إلى العلم ، فهذا شيء مقرر ، وانما يهمنا أن نزيل بعض الاوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديموقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديموقراطية .
    فينا مثقفون ممتازون جداً ، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود ، وهم ، يذهبون إلى أن التعليم الجامعى ينبغى أن يكون محدوداً أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغى أن يدفع اليه الشعب دفعا عنيفا ، وانما يجب أن نقدم عليه محتاطين ، لأن الشعب إذا تعلم تعليما جامعيا ممتازا فقد يطمع فيما ينبغى إلا يطمع فيه ، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه ، وقد يأمل حياة لا ينبغى أن يكون له فيها أمل .
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي ، ويدعون دائما إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم . ولكن يخيل إلى ان هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به انها خطرة على الديموقراطية والنظام الديموقراطي ، فضلاً عن انها لا تستقيم مع طبيعة الاشياء . ذلك ان التعليم الجامعى اما ان يكون خيراً وأما أن يكون شراً ، فاذا كان خيرا فالديموقراطية تدعو إلى المساواة فيجب ان يتساوى الجميع في الخير واذا كان شرا فلا ينبغى أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه ، انما الواجب ان يتساوى في الشر الجميع .
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر ، وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد ان اجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين فى الخلق والدين ، ولكني أعنى الماديين فى الاعتبار المعتاد ، الذى يرمى إلى الكسب والخسارة .
    أريد أن اجيب كما يحب هؤلاء ولا اجيب كالذين يحبون العلم للعلم ، ولكني أحببت أن اجيب عنه على اساس الكسب والخسارة .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية ، أقصى ما يمكن أن تطمح اليه ؟ كلا .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن ان تطمح اليه ؟ كلا
    انها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئا ، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن ان تستثمر بها هذه الموارد
    وإذن فحياتنا المادية نفسها ، هذه الحياة التى تعنى الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى ان نفكر فيها ونعمل لها .. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي ، ولا شيء إلا التعليم العالي …
    قد يقال ان التعليم المتوسط ، أو الأولى أو الثانوى كاف ولكن صدقوني ان هذا كلام يقال ، وأبسط ما يدل عليه ان الذين يقولونه لا يفكرون فيه ، ذلك ان التعليم المتوسط والاولى والثانوى لا يمكن ان يوجد أو ينظم أو يؤتى ثمره القريب أو البعيد إلا إذا اشرف على ادارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظا كبيرا جدا من التعليم العالى . فليس بكاف أن يريد الانسان شيئا ، ولكن ينبغي ان يكون فاهما ما يريد
    فالذين يريدون ان يكتفى بالتعليم الأولى أو الثانوى أو المتوسط ، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل . وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض ، بل يوجه إلى الجامعة والى التعليم العالى انه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعنى بالحياة العملية ، وهذا ممكن ولكن فى غير البلاد الديموقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره ، ويقدر حاجاته ومطامحه
    ذلك ان الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص وانما الجامعة بيئة للتعليم الذى يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرا مستقيما جليا مرنا واسعا يشمل كل ما يمكن أن يتجه اليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الانسان النظرية والعملية في وقت واحد ، فاذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة ، وإذا رأينا جامعة تعنى بالعلم لأنه يرقى العقل والحياة نفسها ، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليا وعلميا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها .
    اذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديموقراطية من الجامعة انما يخطئون فهم الجامعة ، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته ، وأؤكد لكم انه لو وجدت مدرسة تعنى بالعلم من حيث هو علم ، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية ، لأعرض الشعب عنها إعراضاً تاماً ، ولبائت هذه المدرسة بالخذلان فلنطمئن إلى ان الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت :
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه والديمقراطية تقوم على العدل
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل ، هو هذه الفكرة التى ادخلها وزير المعارف في التعليم ، وهي فكرة ( تكافؤ الفرص
    «تكافؤ الفرص» يعطى كل ما يمكن أن يعطيه للفرد ، وهو لا ينبغي ان يكون مقصورا على لون دون لون من أنواع التعليم . بل لا ينبغى ان يكون مقصورا على لون دون لون من الحياة كلها . وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائى ، وسيصل إلى التعليم الثانوي ثم إلى التعليم العالي ، وغدا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياه كلها .
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتى كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمنه ، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفا لما اصطلح عليه الناس في هذه الايام وهو « العدالة الاجتماعية» .
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى ، وأؤكد لكم ان تحقيق التوازن بينهما ، بين ما يطمح اليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال إلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال . لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي .
    إن هناك قوما يرون قصر التعليم العالى على جماعة دون جماعة فان كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليما عاليا .. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالى .. ولكن كيف ومن هم اولا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟! .
    أتصل ذلك بالثروة ! .. لو أن الأمور عقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديموقراطية . أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضا للديموقراطية .. واذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعا أن يتعلموا تعليما عاليا ، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص .
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب ، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالى مصرى مهما تكن ظروفه ، وأما ينبغى أن ترد الحياة نفسها ، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضى في هذا التعلم .
    ليس هناك اذن سبيل إلى ان حال فى النظام الديموقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم .
    فإذا اتيحت المقدرة للشباب فينبغى أن تفتح في وجوهم ابواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعى والعالى عن اللون النظرى الخالص ، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد .
    ومن الخير أن الاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا ، فهى لا تنشئ مدارس إلا على اساس حاجات البلاد وقد اخذت تعرف للتعليم قدره ، وللجامعيين قدرهم ، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على انهم اعضاء كرام فى شعب كريم ، وهذا المثل الأعلى الذي اقدمت عليه اليوم ، وما أشك فى انها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الايام ، فأنا جميعا نتمنى ان تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب . بل أن يتعلم تعليماً جامعيًاً ممتازاً .
     الوفد المصرى ، ٩ يونية ١٩٤٤ .  

    Satire
    سُخْرِيَة

    ذات الرؤوس
     هي وزارتنا الرائعة البارعة ، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه فى محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاى ، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد .
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافى الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر ، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه . وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد . فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً ، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية . أو قل أنه يدان يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان .
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذى اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسى من كراسي محاكم العدل . فقد كان رأساً أى رأس كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو وفى أوربا حين كان يرأس وفدنا في لندرة . وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج . مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل ، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً ، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك فقد انتخب فى مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران . وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله ، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه ، وهو قاض متمكن فى القضاء ، وهو سياسي ممتاز في السياسة ، وهو من أجل ذلك يأتى البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها ، وقد أغلق باب مجلس الأمن فى وجه مصر وفى وجه البلاد العربية الأخرى . فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان فى مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء ، فينخفض الآخر في حزب الكتلة ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة والشعب المصرى واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض أحدهما الآخر . والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضى بتغليق الأبواب وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان ، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة فى مجلس الأمن وأن الأمور تجرى في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجرى عليه الأمور ..
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه وفى نفس الوقت الذى كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ .
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال فى لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل . شرف مصر بين الأمم فانتخبت فى مجلس الأمن وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب فى ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل .
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أى عجب هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة يصيح فى غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً يقدم ليحجم ، ويهجم لينهزم ويحتج ليستكين لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً ، هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح .
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة وهو قد تحدث باسم الوزارة . كان رأسها الأول كان متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين . ولست أدرى أرضى الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً . فأما الرأس الغائب فلم يرض ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً . فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم لأنه يؤثر الصمت ويهواه ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه ، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم . وهل كان يستطيع أن يقول أنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها . وهل كان يستطيع أن يقول أنه سيستفتي سكان السودان فى أمر السودان . ورأسه المكرمى يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف .
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزرا فى مجلس الشيوخ ، فقد أنكر الرأس النقراشى الأول وزير الخارجية كل الأنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز ، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف .
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أمانى السودانيين . فمن أين تستوحى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء وقد قال الرأس المكرمى غير الحق من غير السودانيين فهي لا تستوحى شيئاً وقد قال الرأس النقراشى للإنجليز غير الحق . وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق والجسم الذى ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب . ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور .
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة وهى الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها ، بل تمتاز بشيء آخر لست أدرى أين أضعه من جسمها العجيب أضعه موضع الذنب ، فتكون وزارة مذنبة ، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز . وقد قال شاعرنا القديم :
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو     –        ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان ، وإن لم يرض الدستور ، وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب ، وإن ضاقت بذلك كرامتها . ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور ، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجرى الريح رخاء .
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقى باشا غاضب . كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت فى شهر سبتمبر وفى شهر ديسمبر ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد لبريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقى باشا في الأهرام صباح اليوم . وغضب صدقى باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى ، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً ، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات والقارئ الذكى يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقى باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقى باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً وإذن فصدقى باشا غاضب والسؤال الخطير الآن هو : هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقى باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد : . يريح الناس جميعاً . فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة ، فأى بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً ؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها ، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية آنفاً ، وما أكثر الوزارات التى تعيش وأنوفها مجدوعة .
    كل شيء يمكن ، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين ، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب ، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف ، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب ، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً . وذلك يسير . يقال أن التعديل الوزارى قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء ، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين ، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام .!
    طه حسین
    البلاغ ، ٧ فبراير ١٩٤٦ .

  • مقالات من الخمسينيات | From the 50s

    من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ١٩٥٢/٨/٥ .

    حيرة
    وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم فى الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف . ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضى .. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث .
    كان إبطاء مصر فى الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء ..
    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة . وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضى ، ويناقض بعضها بعضا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التى لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعا . ولكن الرد المصرى يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى .
    فقد كان رد مصر محيرا حقا كان موجزا أشد الايجاز واضحا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا تحليلا ، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصرى لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث .
    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب فى تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وأثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أو وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الايجاز يخفى شروطا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفى مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسا لأسداس وأسداسا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات . وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أياما قصارا ويعدونها هم أعواما طوالا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء . وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة .
    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوربى . فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة ، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجرى هذه المفاوضة ، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله الزاما .. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدى هذه اللجنة جنودا وبنودا وسفنا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذى يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمي في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادا للطوارئ وتأهبا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر . أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادا لخطر أى خطر .
    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضاً . يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يملى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يملى عليها فتصب الحرب عليها صبا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمى معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره .
    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون فى الاعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارا أو شيئا يشبه الإنذار . هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون . ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون ، قد أسرفوا على أنفسهم فى الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الاسراف . فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد . بهم
    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم . الروسيون من إثارة الحرب ، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون فى شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون في اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربا أم سلما . هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها . وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع . وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف .
    ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون فى القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبا وفرقا . فهم يرسلون جنودهم تخويفا وإرهابا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل . كأنهم لم يروا شيئا ولم يسمعوا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث . لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك فى الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفى أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم ، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء فى شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد . وهم واثقون بأن المحافظين فى فرنسا وبريطانيا العظمي لن يغفروا لهم تقصيرا فى خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجا وعجيجا وتهويشا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم أن فرضوا عليها الحرب .
    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم . قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدى الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون فى أن يملأوا قلوب المصريين فرقا ورعبا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطانى الفرنسى وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة ، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار ..
    طه حسین
    الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦ .  

    مجنون
    لم يتحدث أحد عن خزى الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التى لا تكاد تحصى ، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض ، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها . ولا نعرف هيئة فرنسية برئت من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني . وقد أظهرت المحاكمات التى لم تنقض بعد إن هذا الخزى كان متغلغلا فى طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي . شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة فى الجيش وكان أحدهم يحاكم منذ أسبوعين اثنين ، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة فى نفس الحكم لسبب ما . وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير الجامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه ، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوى أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى ، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال ، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا وقد لقى كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أهدرت شخصيته فحرم حقوقه السياسية والمدنية جميعا ، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلا أو كثيراً وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة وقد صور هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية ايضاً . فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم فى فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صوراً مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة أقل ما توصف به إنى لا أستطيع أن اذكرها في هذا الحديث .
    وما أنس فلن أنسى ما قرأت فى بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دعى إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائداً ألمانياً عظيماً . وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئاً فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير . قالت : لا ننتظر الآن الا قاهرنا الجميل . وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس له وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقى إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثا .
    كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزياً ونكراً . وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزى . ولكن آخر من ينبغى أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأ هذا الخزى فى نفوسهم عقداً منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها وإلى هذه العقد التي أنشأها الخزى في نفوس الفرنسيون ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة .
    فحرب الهند الصينية ليست إلا أثراً من آثار هذه العقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصراً يحررهم من خزى نفوسهم . فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزياً جديداً أضيف إلى خزى قديم . وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثراً من آثار هذا الخزى . حاول الفرنسيون أن يجدوا في أثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزى الضمائر . ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارا . فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزياً وعاراً يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار . فهذه مراكش قد تحررت وهذه تونس قد تحررت أيضاً بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان . وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسى من الخزي والعار . وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثراً من آثار ذلك الخزى . حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب . فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجرى مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون فى حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم باساً وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال وهم لم يجنوا هذا كله فحسب وإنما جنوا من جريمتهم هذه انحراف العالم عنهم وازدراء الأمم المتحضرة لهم وحكم هيئة الأمم المتحدة عليهم .
    فأى غرابة بعد هذا كله فى أن يقوم رئيس وزرائهم مقامه ذاك في الحفل الذي دعاه إليه اتحاد الصحافة الإقليمية الفرنسية . فهذا بهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس ، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء . . .
    فر الضباط أولاً وفر الجنود ثانياً وأذعن شعب بورسعيد أخيرا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام .
    وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه فى الإثم وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتا يسخر منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن هم جيشه أن يتجاوز مكانه . وأطال المقام في هذا المكان . وما بال الشعب المصرى ، ما زال ثابتاً يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على رغم فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وسأل الصديق سامى داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق ولست أدرى فيما يسأل الصديق وفيم يبحث وليس فى اللغة العربية ولا فى غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهى إنه مجنون .
    طه حسین
    الجمهورية ١٢ نوفمبر ١٩٥٦ .

  • …مقالات شتى A potpourri of articles…

    مدرسة اللغات
    يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به ، يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد أصبحت لها جريدة رسمية ، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وأن كانوا يستحقون وراء الألقاب والاوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية ، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسئ إلى وزارة المعارف من حيث تريد الاحسان اليها ، تثنى على وزارة المعارف بحق وبغير حق ، لا تكلف في ذلك صوابا ولا تتحرى فيه منفعة ، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف ، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف .
    أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان فى مدارس المعلمين الاولية؟ زعمت أن الفضل فى هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفى وزارة المعارف واثنت على فلان بما يستحق ومالا يستحق . ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى ان فلانا هذا قد نقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولى ، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرا حسنا أو سيئا . أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعا حسنا فأصاب من ليس لهم فى التعليم حظ قليل ولا كثير . أصاب رؤساء الامتحان وموظفى الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك . بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقا أو مغصوبا ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جداً أو هزلا ، وإنما يعنيها أن تثنى عليها الصحف السيارة ، شأنها في ذلك وأن بعض العمد الاميين فى عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهى تشترى الثناء ولو كلفها ذلك ان تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك . فكيف تريد ان تشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم أشرافا جديا منتجا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والانتاج لوزارة المعارف اذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثنى عليها . ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها وخائلها وما تفعل به على الصحف الاخرى والكتاب الآخرين ذلك لأن الصحف الاخرى قد تؤثر الحق . والكتاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. واذن فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم ، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يسمع لهم طلب ولا يجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس ، والمشرفون على الامر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير .
    تفضى وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون ، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين . فقد قرأنا فى المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتخذ من قرار فى هذا الاجتماع وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحى ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأى وزارة المعارف . لا رأى كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذى عرفه القراء . نعتقد ذلك . نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف اننا مخطئون ، وان الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تدرس الهيروغليفية فى مصر على هذا النحو السخيف . فاذا أكدت لنا وزارة المعارف اننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بان مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى فى مسألة واحدة رأيين متناقضين : أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الاخير .
    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد . فهى لا تكتفى بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف اليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره . وهى فى هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها . فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصرى وأوجدوا علم الآثار المصرية بالوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألا نعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما فى مثل هذه الأيام . وهي لا تكتفى بالنيل من «مریت» و «مسبيرو» وأمثال «مريت» و «مسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقا سخيفا . تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر . ويحكم ! فمن الذى أنكر أن كمالا قد نفع وأفاد؟ ولكنها ، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال مالا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم . يزعمون لتلاميذ كمال تأليفا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدى كمال ، وإنما تعلموا على غير كمال . ويزعمون ان هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارا غير آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء ، فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين فى المتحف يتعلمون على غير كمال ويقنون آثارا غير أثار كمال ، واننا إذا طالبنا بأنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصرى حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تدرس الآثار . وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوربا ليتمموا درسهم فيها .
    نعم ! نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج . نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسا لهذه المدرسة . تريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين .
    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئا آخر . وقد تمضى وزارة المعارف فيما تريد ، ولكن مضيها هذا لن يغير فى الأمر شيئا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة . وما زلنا نلح في ان وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل . وما زلنا نلح فى ان وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئا آخر اهمالا عظيما . عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين . وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص في ١٥٦ئ ؟ ئ . نريد أن تجيبنا وزارة المعارف : ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الاسلامية ؟ سيقولون : آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة . كلا ! أن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار . وحسبك أن هذه الآثار معروضة فى المتحف وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما ، وإنما زارها المارشال اللنبى وقرينته ! وهناك آثار اسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد احدثت حركة فى أوروبا وفى مصر ولكن الذي اظهرها ليس انجليزيا وإنما هو مصرى مثلك ومثلى هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون هناك الفسطاط ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب وعنى بها الأوروبيون ، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأى جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلف وزارة المعارف عشر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تعنى بشيء وتهمل شيئا آخر؟ لا نشك فى أن هذا الاهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى . ضيق التصور ، فوزارة المعارف أضيق رأسا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها أنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها ، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تعنى حكومتهم بالآثار المصرية ، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس : انها نازلة عند ارادة الأمة محققة لمنفعة الأمة . ولكن الناس يعلمون ان النزول عند ارادة الامة يجب أن يكون صحيحاً غير ممسوخ وان الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة . وأذن فاذا اردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصرى فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب . فليكن ذلك في انشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار . ليكن ذلك فى إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف اليها الطلبة ليتخصصوا فى فنونها المتنوعة والتى يختلف اليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسن رأيه فى مصر . ليكن ذلك فى انشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصرى بعد الظهر . فان ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم .
    ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى انك تريد أن تبنى بناء فضع أساسه وابدأ بأسفله لا باعلاه . انشئ ادارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة . اذن تنفع حقا . واذن توفق حقا إلى صواب .
    طه حسین 
    السياسة ١٦ يولية ١٩٢٣ .


    الروح الجامعى
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذى حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافى. والهلال فى هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا فى الوقوف على رأى من يشرف على أحياء الروح الجامعى في مصر.  لم اختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به فى وفحة به على، وما اكثر ما تتحكم «الهلال» فى اصدقائها من الكتاب، وما اكثر ما  تتجنى به علهم! وما أشد إذعان هؤلاء الاصدقاء لهذا التحكم والتجنى، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فـيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم.
    وما اظن اننا نستطيع بعد ان قدمنا الاذعان «للهلال» ان نثور بها ونتمرد عليها، خالف عما تصدر الينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب او لا يستحب. فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بان تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث. وأول ما أقول فى ذلك انى لا أكاد اتبين معنى واضحا دقيقا محدود الاطراف والنواحى لهذا الذى تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد ان نشيعه فى نفوس الطلاب. فهذا اللفظ فى لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن انه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن انه لم يشع فى مصر الا بعد أن انشئت الجامعة المصرية الحكومية واخذ صاحب المعالى الأستاذ أحمد لطفى السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والاساتذة، والنواب والشيوخ أيضا، من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الاساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الاوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد ان نبحث لو اتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربى حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعى هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا ين. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوى التاريخى الثقيل. فالشع الذى لا شك فيه هو ان اللفظ العربى الفصيح فى نفسه أجنبى المعنى، قد جل معناه من أوربا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربى صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة فى صراحته. فهو فى ذلك كالسيارة والدراجة والحاكى والمذياع، الفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ واشباهه لفظ الروح الجامعى هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى مته إلى شع، الا أن نبين له ما نريد وما نقصد اليه حين نستعمل هذا اللفظ العربى القديم فى هذا المعنى الاجنبى الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين فى ملاحظتهما انصاف وتحقيق. الأول: أن معنى الروح الجامعى إذا كان مستحدثا طريفا فى لغتنا فلعله الا يكون مستحدثا من جميع الوجوه، ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث، فى القرون الوسطى فى مصر وفى غير مصر من اقطار الارض الاسلامية التى نظم فيها التعليم على نحو ما والتى أطردت فيه سنن وعادات لجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد، بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول ان نشخصه او نسميه كما يفعل الاوروبيون والامريكيون وكما نفعل نحن فى هذا العصر الحديث. فليس من شك عندى فى أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضى الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمانها اصل من أصول الأدي الازهرى الذى لا تليق المخالفة عنه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا فى الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الازهريين فى معاهد العلم الاسلامى وفى غير القاهرة من مراكز الثقافة الاسلامية.  
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر واشباهه من معاهد العلم الا تحقيق هذا الروح الازهرى الذى يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألا حياتهم. وهذا الروح الجامعى قد وجد كذلك فى أوروبا أثناء القرون الوسطى فى البيئات التى نشأن فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعى فى القين الرابع عشر، كما كان لجامعة اوكسفورد وكمبردج روحها الجامعى الخاص الذى تطور مم الزمن.
    ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه وتشخصه على اختلاف العصور والظروف. ومعس هذا كله أن الروح الجامع ليس حديثا ولا هو من الاشياء التى ابتكرها هذا العصر الذى نعيش فيه. ليس حديثا فى أوروبا وليس حديثا فى الشرق. وإنما التكلم عنه والاشادة به والعناية بإشاعته فى نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا ان الروح الجامعى شع حر قالم يتطور ويتغير، ويساير فى تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الانسانية من الوان التطور والتغير. وما ارتاب فى أن الاكاديمية التى كان يشرف عليها افلاطون، واللوكايون التى كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الاسكندرية قد كان لكل منها روحه الجا الخاص الذى يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذى تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة فى حمايته أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير فى حمايته والذود عنه.
    فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن الاحظهما قبل كل شى.
    والأمر الثانى: أن الذين يذكرون الروح الجامعى الان من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعى يختلف باختلاف الجامعات، وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التى نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق ان الروح الجامعى الفرنسى ليس هو بالضبط الروح الجامعى الانجليزى، بل من المحقق ان الروح الجامعى الانجليزى نفسه يختلف فى انجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الانجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذى تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذياد.
    وهناك الجامعان الحديثة التى انشئت فى القرن الماضى مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها.
    وما من ريب فى أن الروح الجامعى فى أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعى فى كمبردج. ثم ما من ريب فى أن الروح الجامعى فى لندرة بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعى فى هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال فى فرنا بالقياس إلى السوربون والى الجامعات الفرنسية فى الأقاليم والى بعض المعاهد العلمية الحديثة فى باريس نفسها، ومثل هذا يقال فى المانيا وفى ايطاليا. فاذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والاوروبى يبتسم عادة إدا ذكر له كثير من الجامعات الامريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الاوروبية.
    فالروح الجامعى اذن شيء مختلف اشد الاختلاف متابين اشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والامزجة فى الامم التى تنشأ فيها الجامعات.
    فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح فى انجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فاذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعى يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية فى تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسى ان يكون جامعيا بأدق معانى الكلمة وأشملها دون أن يشارك  في الالعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فادا ذهبت إلى امريكا فالألعاب الرياضية هى العنصر الاول الذى يقوم الروح الجامعى وكون الحياة الجامعية.
    وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إدا ذكروا الروح الجامعى لا يكادون يتفقون على ما ينبغى أن يفهم من هذا اللفظ. يفهم مته السوربونى معنى، ويفهم منه خريج اوكسفورد معنى، ويفهم منه خريج لندرة وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لـيبزج معنى، ويفهم منه خريج الجامعات الامريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعانى أشد الاختلاف.
    وقد تغيرت نظم الحياة الانسانية فى هذا العصر الحديث الذى نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة الغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية فى كثير من انحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا. ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم فى بعض، هذا إلى انواع من المواصلات القهرية التى لا يستطيع الانسان أن يخلص منها، بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد، كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الاسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى.
    وقد شهدن أثناء الصيف الماضى فى باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها فى نفسى أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد ف باريس مؤتمر للتعليم العالى مثلت فيه جامعا الشرق والغرب، وسمعنا فيه ممثلى الجامعات الاوروبية والامريكية والاسيوية والافريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعى. وكانت احاد. ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة اشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذى أريد أن انتهى اليه بعد هذه الاطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب فى ايجاز عن السؤال الذى ألقته على الهلال: ما الروح الجامعى؟ وكيف نشيعه فى نفوس الطلاب؟
    الروح الجامعى الذى يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من الوان الخلاف، هو الذى ميز الانسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه، هو الرغبة فى المعرفة والحرص عليها، هو الاقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قـد ينتج من الخـير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذى مكن ممثلى الجامعات المختلفة فيما بينها اشد الاختلاف من ان يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات.
    هذا الروح من طبعه أن يرفع الانسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التى تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب. الروح الجامعى هو الذى يجعل الناس اخوانا فى العلم، ويقيم اخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة فى الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعى. فأما السبيل الى إشاعته فى نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة، ن كون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الواكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم، وإنما يصطنع منهم روح المودة التى تنشأ من حب لأعلم والتعاون على تحصيله فى غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعى هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال واصدقها فى حب الحق والسعى اليه. ثم يختلف الروح لجامعى بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذى لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    بقلم
    الدكتور طه حسين

    الهلال، ديسمبر ١٩٦٧.

    أمثلة
    لم أكن اذا مخطئا ولا مسرفا حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم ايطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الاستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها استاذه قبل أن يفارق أرض ايطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن انه معجب أشد الإعجاب بما بلغته ايطاليا من الرقى المادي (والادبى) بهمة موسوليني وعبقريته ، وانه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو اذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الاعجاب ؛ وكل انسان حر فيما يحب ويكره ، وهو اذا يلتمس في أعمال العظيم الايطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل انسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدى بها ، والاسوة التي يريد أن يتأساها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعا ، وهو لا يسألنا عن رأينا فى هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعى من تمثيله ايانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك انى ان تهمته بانه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت انى أثق به وأطمئن اليه ؛ فأمر السياسة وأمرى الى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم فى غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقى باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا اذا تلميذ لعظيم ايطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والايام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرءون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغى أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الايام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون باى كلام آخر يفهمونه فهما يسيرا ناقصا ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدى المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ واذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الادلة على هذا ، فقف معى وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر الى عظيم ايطاليا ؛ فسترى ان فيه اسرارا خطيرة ؛ ونذرا مخيفة مزعجة . وان من الحق على المصريين لأنفسهم ان يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الايام ان مدت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الاعمال التي سيلتمس فيها صدقى باشا أمثلة صالحة؟ اما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن انه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذى يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة فى الديموقراطية . واما المعارضون فقد اخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم اليه . وأما الادارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالا ستتأثره الامم الراقية التي تطمع فى أن تكون لها ادارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدى الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . اذن فماذا يريد صدقى باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقى باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معى ان كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج الى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل الا لأضع أمامك بعض الامثلة التي سيلتمسها صدقى باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة على سبيلا . فانا لا أذكر الجند الأجنبى الانجليزى ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند الى حراب الانجليز . وانما أقول أن النظام الذى استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصرى ؛ وواضح ان الجيش والشرطة انما انشئا للدفاع عن الوطن واقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء اذن محتاج الى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصى الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحا ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخيا . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وانما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد اذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فنا جديدا من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالا وصبيانا وفتيانا ؛ يجندهم نوعا من التجنيد ؛ ويعلمهم فنونا من التعليم ، ويمرنهم ضروبا من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله الى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الايطالية . وقد أصبحت ايطاليا بفضل هذا النظام الجديد اشبه شيء باسبرتا في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الاجيال الناشئة بعد ان لم يستطع أن يكسب له الا اجسام الاجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج الى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعا بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الاخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائما له ؛ وخيرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فأختار منهم فريق بقى في مناصب الدولة ؛ وأمتنع منهم فريق فصلوا من مناصب الدولة فصلا . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الاولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضا . فهذا مثل آخر من الامثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به ايمانا صادقا قويا ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذا ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى اذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلا ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلا ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين الى حين ؛ لا سخطا عليهم ، ولكن تعليما لهم وتأديبا . فهذا مثل اخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريبا من الامر ان يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود الى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوما آخرين ، ويفصل منهم من يرى ان ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوى بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الاجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يلغ هذا من خصوم ايطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف فى السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيرا ، وأخذ يلقى خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقى باشا أن يقتدى بموسوليني في هذه الناحية . ولكن اذا لم نستطع أن نخيف الانجليز جهراً بالخطب والجيوش والاساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقا في رسالته إلى عظيم ايطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة الى روما ليتعلم على الاستاذ الاعظم فن الحكم واقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وانما ينبغى أن يحلل ويمحص ويقلب على جميع وجوهه ، فان في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادى النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسین
    (*) السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ . 

    وداع . . .
    لعل صدقى باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية الى حين بعد ان تفضل فأعلن اليهما ان مصر لم تعد لهما دار مقام ، وان عليهما ان يرتحلا عنها الي حيث يحبان حتى اذا تمت المفاوضات بيننا وبين الانجليز وانتهت الى ما نحب أو الى ما نكره وأذن الله لصدقى باشا ان يستريح كان من الممكن ان يحاولا العودة الى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضى به الظروف حينئذ ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقاما في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو فى سوريا أو فى لبنان . فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبا حارا وتستقبلهما فى كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح الى الاستقلال وان كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان واتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان .
    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا فى أى قطر من هذه الأقطار لان حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرا على الامن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعا من تحقيق الاستقلال
    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد ، لان لها في المفاوضات مذهبا غير مذهب الحكومة ورأيا يناقض رأى الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الانجليز وانما ستفاوضها حكومة صدقى باشا فلا أقل من ان تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره ونذعن لما لا تحب حتى يمضى الله أمراً كان مفعولا وليس من سبيل الى هذا الصبر ولا من امل فى هذا الاذعان الا اذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل واقاما حيث يحبان في الشرق أو فى الغرب حتى تنتهى المفاوضات . فى أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة ان تقول ما تشاء وان تعمل ما تشاء وان تظهر المصريين على ما تحب وان تخفى عليهم ما تحب وان تأمرهم بما تريد وان تنهاهم عما تريد دون ان تخشى منهم انكارا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون ان تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه . هذا شرط أساسى لتستقيم الامور ولتستطيع الوزارة ان تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التى لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وانما هي حرة كالنسيم الذي يجرى في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدا ان حرية المفاوضات تقتضى تقييد الشعب . فليس من الممكن ان يجمع السيفان فى عمد وان تكون الحكومة حرة في مفاوضة الانجليز ويكون الشعب حرا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الانجليز مفروضة لان الشعب ارادها وطالب بها فطبيعة الاشياء تقضى بان ينزل الشعب عن حريته لان الذين يطلبون النتائج يجب ان يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هى تقييد حرية الشعب .
    هذا كلام يضحك منه الناس فى أى بلد من بلاد الارض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلا ، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وانما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لان المصريين أعقل من أهل الأرض جميعا واعلم بحقائق الاشياء وفلسفة ارسطاطليس من أهل الأرض جميعاً وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب ان يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصرى من البحث والتحقيق أولا ومن الاحتجاج والانكار ثانيا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الانجليز من هذا كله أيضا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الانجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهما المصريون لتجنبوا كثيرا من هذا الخطأ الذي يدفعون اليه كل يوم ولتنكبوا كثيرا من هذا الشر الذى يتورطون فيه كل يوم ايضا . فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين ، ويفاوضون أمما أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئا وانما ينتهون بها او تنتهى بهم الى الاخفاق وليس لهذا سبب إلا ان الانجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي ان تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الاخفاق ولو انهم عرفوا ما عرفته مصر من ان المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن احداهما يطرد الأخرى ولو انهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون فى الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون . ولكن الانجليز قوم فطروا على غرابة الاطوار ، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء ، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها . يؤثرونها حتى انهم ليحاربون فى سبيلها ، ويتعرضون لأعظم الهول : يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس ، نستغفر الله ، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الاوطان الأخرى . ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية ان نائبا بريطانيا قدم الى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم .
    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة
    الانجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية أجازة يقضيانها فى فرنسا مثلا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التيمس ولا الديلي تلغراف ولا الديلى هيرالد ولا غيرها من الصحف .
    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقا ولا يطمسون حروفها طمساً ، وهم من أجل ذلك لا يصدرون اليها التعليمات بما ينبغى ان تنشر وبما لا ينبغى ان تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات . هم لا يصنعون شيئا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون فى مفاوضاتهم اخفاقا متصلا ولكنهم يحبون مصر اكثر مما يحبون انفسهم ويحرصون على مصلحة مصر اكثر مما يحرصون على مصلحة انفسهم يريدون ان تنجح مفاوضاتهم مع مصر وان اخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون فى ان يكون جو المفاوضات صفوا صحوا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق . وقد هموا بان يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئا فاكتفوا مضطرين بان يقيد صدقى باشا حرية الشعب المصرى ويصادر الوفد والمصرى والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التيمس والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء واذا لم يمكن اذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من ان يذل احدهما واعقل الشعبين هو الذى يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وان يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات ، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصرى الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق ارسطاطاليس ويعلم ان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقبلوا الوسيلة ويقروها .
    لهذا كله يرغب الانجليز الينا صادقين فى ان ننقى جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها . فى ربوع لبنان . ولهذا كله نرغب نحن الى انفسنا في ان نريح مصر من الحق والحرية حينا ونريح الحق والحرية من مصر حينا ونقضى اسابيع أو أشهرا مطمئنين الى الذلة مستنيمين الى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس ، يقال لهم ان الشمس تطلع من الغرب وتغرب فى الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئا . يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون الى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء الا لانهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق ارسطاطاليس ويؤمنون بان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقروا الوسيلة
    كل هذا حق وكل هذا واقع ، واذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة فى مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور .
    كان زعيم المعارضة لا يعلم ان الدستور وسيلة لا غاية وان المفاوضات أعظم خطرا من الدستور وان الحرية شر لا بد منه . يحتمل حين لا يكون فى احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين يخشى منه الضرر . ولو كنت عضوا فى مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقى باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجر ان اليه من الآثام .
    أنا إذن مؤيد لصدقى باشا كل التأييد يجب ان نصادر الصحف وان يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون الى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عاما لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الانجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادى النيل من منبع النيل الى مصبه . فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر ، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها اصحاب الصحف . ومن هذا الضغط اليومى الذى يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم انها قد صودرت . وما الذى يخسره المصريون اذا لم يجدوا الوفد والمصرى والبلاغ وانهم سيجدون صحفا اخرى تنشر لهم الاخبار كما تحبها الحكومة ، وكما ينبغي ان تنشر الاخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتنى صحف لان الناس سيشترونها راضين أو كارهين . وستفتقر صحف اخرى لان الناس سيصدون عنها صدا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون :
    غنى زيد يكون لفقر عمرو
    إنا إذن أؤيد صدقى باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابى الصحف التي تذعن لأمره ، وعلى ان يسير الشعب المصرى على هوى صدقى باشا لا على هوى نفسه
    ولو كنت وزيرا مع صدقى باشا او لو اتيح لى ان أشير على صدقى باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الانجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة الا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة الا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي ان يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور .
    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم ان يشتغل صدقى باشا بالاستعداد للمفاوضات أو ان يضيع وقته فى الاستعداد للرد على الاستجوابات .
    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع ، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات . الدستور قائم نائم كهذا المريض الذى ينهض اثناء الليل ويسعى لا يحس انه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس انه يقدم أو يحجم .
    فأى بأس على صدقى باشا وأى بأس على المصريين من ان ينام الدستور نوما عميقا متصلا حتى تنتهى المفاوضات إما الى جنة وإما إلى نار . واذا فرضت المصلحة على صدقى باشا ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه ان يمنح النواب والشيوخ أجازة يقضونها فى الأقاليم ، وان يمنح الدستور نفسه أجازة يقضيها في درج من الأدراج .
    لیصدقنى رئيس الوزراء ان وقته أنفس من أن يضيع فى هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر ، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور . فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء . ولست أطلب إليه إلا شيئا واحدا ، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين .
    شيء واحد هو الذى أطلبه لا أطلب معه شيئا آخر وهو يبتسم صدقى باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا فى أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين .
    طه حسین 
    البلاغ ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦ .

    المولد
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئا … والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام .
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضاً هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف . لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهذه الهيئة …
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرا ونكرا وهولا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع .
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضى حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أمانى تداعب النفوس فتملأها رضى وابتهاجا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه ، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة .
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضا . أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوى حتي يعطى النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم ، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد أنشاؤها يتم حتى شبت الحرب فى أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس فى غير اكتراث ، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبا مباحا للأقوياء . ويكفى أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا فى الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة ، غرباء فى غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء . وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقى إليه بالها .
    ***
    ويكفى أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعواما متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس فى حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار . وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغى الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئا ولا تستطيع أن تصنع شيئا ، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء .
    ***
    وهى على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويا . فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدا . فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه ، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف ، فالفرنسيون يشكون فى الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين . والأمريكيون يشكون فى أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير . وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس . فلم تصنع مما أنشئت له شيئا .
    وما أكثر ما أنفقت الأمم فى سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهى الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدا وتدبر غدا لتقبل بعد غد . ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة فى أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك .
    فأما العدل الشامل الكامل الذى لا يفرق بين قوى وضعيف فما زال أملا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب . وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبا حقا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير . واليوم يحتفل المسلمون فى أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيما ، قد مات أبوه قبل مولده ، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر ، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره .
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئا لأنه فعل أو قال . ولا لأنه غدا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق . ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها . وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلا جلدا قادرا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء .
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أى قوة ومضاء أى مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كراما تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم فى الأمل . ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنا ورضى وإيمانا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار فى أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير .
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة فى بعضها ولا تمضى عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوا فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وكانوا يعيشون فى جهالة جهلاء ، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها ، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونوراً … وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن فى التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضى الله عنهم إلا إذا أقاموها علي العدل الذى لا يمتاز فيه قوى من ضعيف ولا غنى من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوى بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف .
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور فى جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام .
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانا بعد أن ملئت نكراً وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلا بعد أن ملئت جورا .
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيما فأواه وضالا فهداه وعائلا فأغناه . ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقا جديدا .
    ما أعظم الفرق بين المولد الذى احتفل العالم به فى أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئاً والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائما ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحا وممسيا ويقظان ونائما ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه الأقوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا .
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها فى هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأى والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغى أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذى أو يشين .
    طه حسین
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥ . 

  • ٤ مقالات من ١٩٢٣ | Four articles from 1923

    أربع مقالات كتبها طه حسين في صيف عام ١٩٢٣
    Four articles written in the summer of 1923.

    من باريس
    العلم والثروة

    هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغى أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم اغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيرا ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل . ثروتهم مقصورة على اجسامهم فان وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه . تمس العجبة والخيلاء . لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الاعانة على الخير .
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين . لا ينتفعون بثروتهم أحياءاً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم . هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل . يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى ابنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر ابناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال .
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم فى الحق فقراء معوزون ! .
    وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر . وأدناهم إلى الغني حقا لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم . فهم يتمتعون بالثروة حقاً ، بجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل . بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت . ينفعون وينتفعون . ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة . وإنما هم ، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغى أن يستمتع بها الناس جميعا كل على القدر الذى يتاح له . هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب . وإنما يشترون بها أيضا الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت . ليسوا أنعاما ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون . ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الأنسان والترفيه عليه .
    أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلا أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم . وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمس عشر مليونا . وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وانها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه . وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه . وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنك في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب . وإن رجلا ترك لها نصف مليون . وأن أستاذا في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكا لإعانة طلبة التاريخ الحديث . وأن امرأة تركت مليونا لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي . وأقرأ فى الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءا من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء علي تأسيس المعامل العلمية المختلفة . بل اقرأ ما هو أغرب من هذا . اقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم فى جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها . واقرأ فى الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغى أن يمنحهم . هذا الجود وهذا البذل اللذان اشرت اليهما فى أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى . وآية ذلك ما وصلت اليه فرنسا من الرقى العلمى لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوربا بعد .
    كتبت في غير هذا المقال منذ اشهر أن العلم مهما اشتد غناه و عظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضى فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون . هذا في فرنسا . أما فى مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء . ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر . فليس لمصر علم وإنما هى فى علمها عالة على أوربا وأمريكا تستعير منهما كل شيء . وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ماهي في حاجة اليه أو جزءاً موفوراً مما هي فى حاجة اليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة اليه لتعيش . أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحلى و إلى اللباس وبديع الاداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل . هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر فى مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها . نعم . نحن أغنياء أجواد إذا احتجنا إلى متاع الدنيا . فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يعد له فقر . هناك علوم مزهرة في أوربا وأمريكا ونحن لا نسمع بها فى مصر إما لأننا لا نحاول ان نسمع بها واما لأننا نضع اصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى ان ننفق المال في جلبها إلى بلادنا . ولكنى واثق بان لونا من الوان البدع فى الحلى أو الملابس أو السيارات أو الازرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه . والنتيجة اننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخر لباسا وزينة من أغنياء باريس ونيويورك ولندرا فاذا رآنا الأوربى خيل اليه اننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيرا مما يلبس و نزدان كما يزدان بل خيرا مما يزدان ، ونتصرف فى فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بان وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئا يشبه الفناء . وماذا تريد من قوم يجلبون من اوربا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فاذا ذكر العلم والادب والفن هزوا الرؤوس والكتاف . بل هم يفعلون شرا من هذا . فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه . لا يرونه ولا يشعرون به ، ويحسه الأوربيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون اليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس وأشتاق إلى ما يشتاق اليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر فى باريس أو لندرا أو برلين يا للخزى ! بل قد يحتاج إلى ان يبحث عن مصر في أثينا !!! .
    لقد قلنا هذه الاشياء وقلنا وسنقولها ونقولها . فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد . اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون . فأما القادرون على أن ينفعوا . فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل . وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب فى هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلانا على أن يقول : لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها . رأيت ثوب فلان فراقنى ولاصطنعن مثله . فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالما مصريا أو أديبا مصريا أو فنيا مصريا يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لاغنيائنا على بال . ولقد أكتب هذه الكلمة وانا أثق الثقة كلها بأن كثير من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعى لأنه يحدثهم بما لا خير فيه
    لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت . ولقد أظهر اغنيائنا ميلا شديدا إلى تأييد هذه الجامعة واعانتها لأن ذلك كان بدعا يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا . لا تذكر الحرب فان الحرب لم تسئ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيما منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حبا للعلم وتشجيعا للعلم واعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيء فقد اتاح لها العلم أن تنتصر . أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم اضعافا مضاعفة فلم يزدهم ذلك إلا ضننا وحبسا للمال عن وجوه الخير وتهالكا على اللذات المادية . والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيميه الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات . أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بالفي جنيه قبل ان تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليونا ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الاعانة ! وكانت وزارة الاوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قبل النظام الجديد نقصت هذه الاعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه . ولست أدرى افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية ؟ ثم نحن نطلب الاستقلال تزعم ان ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به . وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحلى وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا اليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه . يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن بئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان . ويقيننا ان هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الاغلاط المنكرة . لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت اليه حال التعليم فى مصر من ضعف وفساد . ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب .
    طه حسین
    باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
    السياسة ، 22\5\1923 .

    مسألة التعليم
     ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين . وإنما المسألة هى أن نعلم لم ندرس العلم . ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه . على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى اليه هذه المسألة . فلو انك سألت وزارة المعارف لم تدرس العلم فى مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين . أحدهما يصدر عن الانجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة . أما الانجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه . تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون : وهو انا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالا صغاراً يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الانجليز . واذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة . القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلا وقليلا جداً من القلة بحيث لا يسمح لنا ان نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين .
    القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردى أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار .
    هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى اليها الإنجليز في وزارة المعارف : يجب أن نعلم قليلا وان نسئ علم هذا القليل . يجب إلا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئاً على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية . بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف فى الحياة . فاذا عنى بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الانجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل . هذا جواب الإنجليز . وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغى أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قوى خليق بالاستقلال قادر عليه . 
    أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الاحيان غير موجود . فكثير جدا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى انفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات . يعملون ليتقاضوا اجورهم . يعملون ليعيشوا . وهم معذورون فقد كان سلطان الانجليز قويا شديد الأثر فى نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا . خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلى طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الاصول التي ينبغى أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية . وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم واغراضه ولكن هناك شيئا لا أدرى ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بينه لهذا التفكير . ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين انجليزى مستعمر و مصرى خاضع أو متهالك على الخضوع . ثقيل جداً هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح . فهو مضطرب حائر ليس له رأى أو له رأى لا يكاد يتبينه . وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون فى الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الانجليز والاستئثار بمناصبهم . ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الانجليز . ذلك أن الانجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد أن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فاذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون فى اصلاح التعليم . 
    هذه فيما اعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف ، في إصلاح التعليم وهى أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قوما آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها . قد تسأل عن غاية التعليم قوما هم المعلمون . وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال . ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقساما كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون اقساما مختلفة . فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم فى أمته . فيفكر ويقرأ ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه . ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان . يريد. أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش . ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة . ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه فى الديوان . يستعمر أكثر مما يعلم . والأمر غير واقف عند هذا الحد . فان هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الانجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون . هم خاضعون لهذه النظم والقوانين . فهم أقل الناس حظا من حرية الرأى . يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا . يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم أن أعلنوا أراءهم أو نشروا شيئا من افكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون . واذن فاليأس أسرع اليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى الآن يعملون في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون . هم خاضعون لهذه النظم . وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويراً رديئا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها ، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون اليها حق السعى ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين . فاذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعا حينا وساخراً حينا آخر : غاية التعليم هى شيء شاق . شاق جداً . هي أن ينجح الطلبة في الامتحان . فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه . هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر . نستغفر الله ! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تلقى نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين . بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابا واحداً : غاية التعليم هى أن أنجح فى الامتحان . هى أن احصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانا من دواوين الحكومة والتي تكفل لى التفوق على غير المتعلمين . كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف . وكذلك يجيبك المعلمون . وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة . وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة . وكل هذه الاجوبة علي اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين : أحدهما ان الذين يعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم .
    والثاني ان الانجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم فى أنفسنا صورة ما . ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرا وجوا أن يحب كما يقول الفرنسيون وإنما هى ان لم يكن يسيراً كل اليسر فليس عسيرا كل العسر .) لم نتعلم ؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها . فهناك التعليم الأولى . وهناك التعليم الثانوى . وهناك التعليم العالى . وهناك التعليم الفنى . وقد تشترك كل هذه الأنواع في انها نافعة مكونة للعقل الانساني . منمية للملكات الانسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية . قد تشترك كل هذه الأنواع فى هذه الأغراض وما يشبهها . ولكن يخيل الينا ان لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضا يجتهد في الوصول اليه .
    ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمى ملكاته المختلفة . ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء . بل ان هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير فى شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه . الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الاخلاق وهذه الملكات . وهذه الصورة نفسها يجب أن ينظر اليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص : أحدهما انك تريد أن تكون رجلا وأن تمنحه من التعليم سلاحا يمكنه من النضال في الحياة . الثانية انك تريد أن تكون فرداً من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائما لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو اليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع . أنت اذن فى المدرسة الأولية مكلف أن تنظر الي هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالا شديداً . فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد . وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية . واذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفراداً قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة .
    ولقد نعلم ان هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل . ولقد نعلم ان هذا كله غامض
     يحتاج إلى التوضيح . وليس التفصيل علينا عسيراً . وليس التوضيح علينا شاقا . ولكننا نريد ان تجتنب الاطالة . فنكتفى بمثل واحد نعتقد انه يفصل هذا الرأى ويوضحه.
    علام تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على اننا أمة قد سلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود . فاذا استردت هذه الحقوق واثبتت هذا الوجود السياسى فهى تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا إلى الوجود وسيلة إلى الرقى السياسي وغير السياسي . وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو ان تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصا على استرداد هذه وأثبات هذا . فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصرى يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصرى بأن له وطنا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقا سياسية أو وجوداً سياسياً . ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد . فان لنا في الحياة آمالا ولنا فى الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال . فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه المال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ فى هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب . نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية . نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال . نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بينه قوية . فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة . نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبا تصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون . ومن هنا لا نجد سبيلا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه . ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية .
    هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه . فإذا انتقلت من التعليم الأولى إلى غيره من أنواع التعليم تعقد هذا الغرض وتنوع . ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال .
    طه حسین
     (*) السياسة ، ٢٢ يونية ١٩٢٣ .
     

    مدرسة اللغات القديمة ايضا
    بين يدى الآن التقرير النهائى للجنة الجامعة الحكومية . اقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة . وكانت وزارة المعارف قد الفت الدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان اعضاء هذه اللجنة الاستاذ المسيو لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والاستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثرى الفرنسى فى مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة على بك بهجت مدير دار الآثار العربية
    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار فى جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة علي أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد . وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الالسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار .
    الحق أنى لم اكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانا وتثبيتاً واغتباطا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فنى وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية . ازددت اذن ايمانا وتثبيتا واصراراً على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسما للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا . تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس القراءة الآثار ، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثار كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم . فلابد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصرى سواء من هذه الآثار ما كتب ومالم يكتب . والغريب في هذا الامر ان صاحب السعادة كمال باشا امضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار . وهو مع هذا الامضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذى نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير . وان كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط فى شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه . فهى تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية . وإذن فهى تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية . وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها . ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضى إلى الأمام غیر معنية بحق ولا منفعة وانما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده .
    نعم ان وزارة المعارف تخطئ الطريق وهى تعلم انها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف الى نتيجة . وهى الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت ، وتعيدها فى طريقة أوسع وأشد تعقيداً . فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل فى اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية فى تجربتها الأولى . وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين . وفى الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت اليه آنفا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاق ناقص ولكنه مضطر اليه لأن وجود الاساتذة ليس بالشيء اليسير . ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير .
    أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذى أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذى هو كمال باشا مرتب استاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبا لا يتجوز مائتي جنيه . أما استاذ الهيروغليفية ( كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون استاذا ومشرفا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف . وكنت أظن أم وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم اليه استاذا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة . كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته . وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الاستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الاستاذ فنه لمصلحة مصر . ولكننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر . واذا أراد الله شيئا فلا مرد له . غير أني أزعم شيئا آخر ، أزعم أن السياسة «الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة ، الدنلوبية امتازت وستمتاز دائما بشيئين : أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة . تتصور الأشياء منقوصة . تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها . وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعنى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة . الثانى أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف . تريد أن تحتكر كل شيء . تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد و لا تصلح . هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره . واليك البيان :
    لا التمس هذا البيان بعيداً وإنما أجده فى هذه المدرسة نفسها . فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة . فأنشأت ثوبا شديد القصر جدا . شديد الضيق جداً يلبسه من يلبسه فاذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية . واذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل . تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة أما أن تذعن لوزارة المعارف وأما أن تزول . تنافسها وهى منتصرة فى هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية . واذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية . واذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية فى مدرسة المعلمين طلابا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عند هؤلاء الطلاب فلا يجدهم . واذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها .
    لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير ، ويخيل إلى أنه لا يستحق الأعجاب ولا تصفيق الجمهور . ويخيل إلى أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة ، ويخيل إلى أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف . ففى الأمر شيء غريب ! في الأمر أن وزارة المعارف التى تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف فى أركانها وزواياها . فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر . بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد . فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها . ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لانهما يريدان الخير . ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وان تنافسها بأستاذ الجامعة . أليس في ذلك شيء من المهارة السياسة دنلوب» ؟ أليس في ذلك شيء من الخزى السياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجأون اليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت فى ضيق وشدة على سياسة دنلوب وانصار دنلوب
    الوزارة اذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة . ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة فى وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف احدى طريقين : فإما أنا تنشئ مدرسة للآثار ، مدرسة كاملة . مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقا ، واما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها . ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية . فهى لا تبحث عن نفع ولا عن خير . وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور .
    قلت لك إننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر واذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له » .
    طه حسین
    (*) السياسة ، ١٢ يولية ١٩٢٣ .    

    وجه الصواب فى درس الآثار
    يوفق الله قوما فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير فاذا هم يسعون إلى المنفعة سعيا سريعا منظما آمنا كل عثار . ويخذل الله قوما فتضطرب عقولهم وتؤخذ عليهم طرق المنفعة ويحال بينهم وبين الحق فاذا هم يتخبطون ، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات ، وإذا هم يميلون إلى اليمين مرة والى الشمال مرة أحرى ، وإذا هم يتحركون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة .
    يوفق الله قوما فيهتدون إلى الخير . ويخذل الله قوما فيتورطون فى الضلال . ولست أدرى أيوفق الله وزارة المعارف فى أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضى وزارة المعارف فى هذا الأمر الذى اعتزمته بعد أن قدم الـيها النصح وأشير عليها بالخير ودلت على وجه المنفعة ليس إلا ضربا من ضرو الخذلان . ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو ارشاد المرشد . فان وزارة المعارف لم تنس عصر الحكم الاوتوقراطى ، وعزيز عليها أن تنساه ، وعزيز عليها أن تطمئن إلى النظم الديمقراطية الجديدة . واذن فهى إذا رأت رايا مضت فـيه غير ملتفته إلى ما يقال خيرا كان أم شرا . وان كان العهد بوزارات المعارف الحرة فى البلاد الاخرى إلا تقدم على أمر ذى بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم وربما بالغت فى ذلك فاستشارت الجمهور والصحف . ولكن ذلك فى البلاد الديمقراطية لا فى مصر!
    نيأس اذن من وزارة المعارف ونعتقد انها قد تمضى فيما تريد . ولـكنا لا نيأس من البرلمان ، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيرد وزارة المعارف إلى طريق القصد وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق . وليس من المنفعة ولا من الحق فى شق أن يكون فى مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان ، وأغنى متحف لتاريخ مصر فى العصر الاسلامى ، وألا تكون فى مصر مدرسة نافعة منتجة حقا تدرس فيها هذه الآثار المخزونة فى المتاحف والمنبثة فى أقطار البلاد. ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملا مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار . فـاذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» فى باريس أو إلى المتحف البريطانى فى لندن أو إلى غيرهما من المعاهد فى فينا وبرلين .
    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة . فاذا أشتد الحا مصر فى أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تلقى فى مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تفيد ، ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة ، وإنما الحق والمنفعة أن تقدر وزارة المعارف حاجه مصر ومنفعة مصر وكرامة مصر ، وأن تنشئ هذه المدرسة التى تستخزى مصر بأنها غير قائمة فيها ، والتى أن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلفها من النفقات شيئا كثيرا .
    تعنى وزارة المعارف فى مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصرى ويقومون فـيه بشوع من التمرين وسيسيحون فى أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها . ولكنا نلفت وزارة المعارف ألى أن هذه الزيارات لن تنفع لأنها لن تكون من الاطراد والاستمرار بحيث تمكن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرا أثرا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التى تعلمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها . وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيها إ!! وهو مقدار لا يكفى لسياحة فرد واحد فى مصر العليا أثناء الشتاء فيكف بطلبه كثيرين واستاذ كثير الحاجات ! ولكن في الأمر ما هو شر من هذا . فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبا وهى العناية بالآثار العربية الإسلامية . العناية بما فى دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة فى أقطار مصر وغير مصر والتى يتقن الاوربيون العلم بها نختلف نحن اليها كثيرا دون أن نعرف من أمرها شيئا ، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التى تمثل تاريخ الاسلام وحظ دول الاسلام من الحضارة والرقى الفنى . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربى والآثار الاسلامية؟ وماذا أعدت وزارة الـمعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك فى انشاء مدرسة أو قـسم في مدرسة المعلمين تدرس فيه هذه الآثار ويخرج لنا طلابا يشعرون بان هناك نقوشا عربية عن الأوربيون بجمعها وتفسيرها وتجهلها نحن الجهل كله؟
    لم تفكر وزارة المعارف فى شيء من هذا وما كان لها أن تفكر فى شيء من هذا ، فهى كما قلت لك أمس ضيقة التصور ترى الشع من وجه لا من وجهين ولا من وجوه . ولو أن الله وفق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى انشاء مدرسة الآثار التى تدرس الأثار المصرية الفرعونية وآثار مصر ايام اليونان والرومان وأثار مصر فى العصر الاسلامى ، والتى لا تمضى عليها أعوام حتي تتجاوز الآثار المصرية إلى الأثار الاخرى السامية والى الآثار الاخرى عير السامية فتصبح معهدا من المعاهد الاثرية المعدودة فى العالم كما ينبغى أن يكون الأمر فى مصر التى التقت فيها الحضارات المختلفة والتى لا يعرف العالم القديم تاريخا إلا وله فيها اثر ما . ولكن وزارة المعارف أضيق تصورا من أن تدخل فى رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة . وليس في الأمر شع من الغرابة . فانت لا تجنى من الشوك العنب ، وليس ينبغى أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين . وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار . وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها . والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لمالا نتقن . ولو أن فى مصر ادارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك الف ” لا مره حسنت هذه الادارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذا نافعا مفيدا . لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد .
    حدثنى وزير المعارف حين زرته أخيرا أنه يفكر فى انشاء ادارة الفنون ، وأنه قد كتب فى ذلك تقريرا سيرفعه إلى الحكومة . فاذا كان هذا حقا ، وما نشك فى أنه حق ، فما بال المعارف يبنى أعلى البيت قبل أن يبنى أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجه همه وزير إلى انشاء هذه الادارة قبل كل شع؟ فاذا تم تكوينها واستقلت بأمورها عن المهندسين والمشرفـين على تنظيم المبانى وتوزيع الصدقات كلفت هذه الادارة أن تنشع ما تحتاج اليه من المدارس ومعاهد البحث . أليس هذا هو الخير؟ اليس هذا هو الصواب؟ بلى ! هو الخير وهو الصواب . ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعى إلى الخـير أو إلى الصواب
    صدقنى يا معالى الوزير أن الحق عليك لمصر أن تنشى أولا ادارة للفنون ومن الآداب تجمع للمتحف المصرى ودار الآثار العربية ودار الكتب المصرية والاوبرا الملكية ومدارس الفنون على اختلافها . فاذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين فى انشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية .
    هذا هو الحق وهذه هى المنفعة . فانصرف إلى الحق والى المنفعة ولا تخدعنك هذه المشروعات التى ليست فى حقيقة الأمر إلا الفاظا خلابة براقة دون أن يكون وراءها نفع ولا غناء .
    طه حسين
     ١ – السياسة ، ١٣ يولية ١٩٢٣ ٠


  • الحرية | Freedom

    حرية…
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذى أنزل فـيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتي بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حسا، تسمح فى الصباح وتجمح فى المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبنى إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملا النفوس فزعا والقلوي هلعا والضمائر فرقا وشفقا، وما أحب لنفسى ولا لأهلى ولا لأصدقائى أن يصيـبنا فى شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو اشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم فى وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملنى على الهدوء والاناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون فى شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فـرعون فى شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
     فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يحسى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعـدل إن الله نعما يعظكم به أن الله كان سميعا بصيرا.
     
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التى يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التى يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التى تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
     وللشعب المصرى فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له فى الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هى أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هى التى تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهى عن الشر فينتهى عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتى ما يشاء وينتهى عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت الـقوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهى وعلى الثواب والعقاب.
     والأمر والنهى لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثوا والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هى حريتهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا، لا ينبغى أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب فى المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها فى مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثـيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا فى الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها الينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيسى الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأنى أتحدث اليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر فى التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا فى رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها فى الدين من جهة أخرى فقد حملت الينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التى أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فـما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتى ويدع يلحظ الإسلام فـيما نأمر وينهى ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فيمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى الينا منها وماذا احتجز عنا.
     ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد الينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونبحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد فى أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق فى هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق فى هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق فى هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبـيننا دائما إلى القضاء الذى ينبغى أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه فى كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة فى الحرية فى قليل ولا كثير.
     كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى فى نشرها خطرا لا يرجع فى ذلك إلى القضاء ولا يعتمد فى ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضى ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم فى أن يكتبوا أو يقرأهم الناس وتضيع على الشعب حقه فى أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة فى أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس فى قليل ولا كثير.
     ثم حاءتنا الأنباء فى باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلي التعطيل وتجاوز. المضايقة إلى الحرمان وعطل فى يوم واحد صحفا عدة لم يرجع فى أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم وضى ثم أنقذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال أن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال أن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى فى انفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادى فى الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب فى شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والاناة، وقـد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابة وأن يبلغ ذلك بالتى هى أحسن فبين لرئيسى الوزراء فى مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء فى منتصف الطريق من أسس الحياة فى هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف فى إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعى إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين خرجا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فشاب إلى نصف الحق ولـم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه يهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغى أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطى على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر فى هذا اليسر وتضيع فى غير مشقة ولا عناء على أن التبعة فى ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغى أن يغضبوا لها.
     أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى اليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبـيح للناس أن يطيعوا المخلوق فى معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام فى مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذاءهم فى حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
     إنى أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هى قول الله عز وجل: إن الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
     وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأوكد للكتاب والمثقفين جميعا إنى – وأنا لا أملك إلا نفسى – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فـلا أقبل فى حرية الرأى هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط فى الحرية.
     طه حسين
     صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.