Back to homepage

الأدب العربي: من الإصلاح إلى الإحياء | Arabic Literature: From Reform to Revival

حركة الإصلاح
طه حسين
جريدة السياسة
١٠ أكتوبر ١٩٢٣

أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.

اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.

ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.

بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.

وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.

اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.

على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟

حياتنا العقلية
طه حسين
جريدة الجديد
١٦ سبتمبر ١٩٢٩

تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.

ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.

يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:

إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.

ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟

أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.

كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.

ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.

لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.

ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.

على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.

كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.

النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
طه حسين
مجلة المقتطف
فبراير ١٩٣١

قسَّم الأدباءُ ومُؤرِّخو الأدبِ العربي الكلامَ إلى مَنْظُوم ومَنثور، فزعموا أنَّ المنظوم هو ما تقيَّد بالوزن والقافية، والمنثور ما كان طليقًا منهما. ونشأ عن هذا أن انقسموا إلى قسمين:

(١) الشعراء وأنصارهم.
(٢) الناثرين ومؤيديهم.
فذهب الأوَّلون إلى أنَّ الشعر يُكلِّف صاحبَهُ الوزنَ والقافيةَ، وأنهُ ديوان العرب، فيه قُيِّدت مفاخرهم، وإليه يُرجَع الفضل في تخليد ما لهم من فضائل قديمة، ثم مضوا إلى أكثر من هذا في أنهُ يلائم الموسيقى وموضوع الغناء، فهو مصدر اللذة الغنائية والموسيقية، وقالوا: إنَّ الشاعرَ يُنشِد واقفًا، بينما يتكلم الناثر واقفًا أو جالسًا على حد سواء؛ فهو أفضل من النثر.

وقال الآخرون: لا نُنْكِرُ ما للشعر من فضيلة ومَزِيَّة، ولكِنَّهُ لا يكونُ إلا فنًّا من فنون اللهو، بينما النثر يَفي بضَرُوريات الحَياة؛ فهو لغة السياسة، ولغة الدين، ولغة العلم. وإذن فقد يكون الشعر ذا مكانة، ولكنَّ النثر أشد مَساسًا بحاجات الإنسان، وأشد اتصالًا بما ينتجهُ؛ فالنثر أفضل من الشعر.

ولا يكاد يخلو كِتاب من كُتب الأدب الضخمة من خلاف بين الشعراء والكُتَّاب وأنصار كل منهما، ومصدر هذا أنَّ الذين يدرسون الأدب العربي لا يُقدِّرون مكانة الشعر ومكانة النثر من الحياة بقدر ما ينبغي؛ فالشِّعْرُ ضرورة من ضروريات الحياة في طور من أطوارها، فإن انْقَضَى هذا الطور أصبح الشِّعْرُ عَاجزًا عن أنْ يقوم بشيء من ذلك، وأصبحَ النثر خليفته، يُصور الأشياء الجديدة.

والشعر الذي كان ضرورة أولًا يُصبح في الطور الثاني ضربًا من الفُكاهة والتَّرف، والحياة لا تستطيع أن تستغني عن كليهما.

وكذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم التي كان لها حياة أدبية، وكان لها شعرٌ ونثرٌ، نُلاحظ أنَّ حياتها الأدبية قد بَدَأتْ شِعرًا، وأنَّ النثر قد وُجِد فيها قبل أن يُوجَد الشعر بزمنٍ طويل — وإذا قلتُ نثرًا فلا أعني لغةَ التخاطب، إنما أقصد النثرَ الذي يفهمهُ الأديب — فالأمم التي لها أدب قبل أن تُعبِّر عن عواطفها وميولها بالنثر عبَّرتْ عن لذتها وآلامها بالشعر، وكان الشعر هو لسانها الأدبي. فلما تطوَّرت هذه الأُمَمُ وارتقى عقلها وتغيرت نُظُمها السياسية والاجتماعية واتصلت بغيرها من الشعوب، ونشأ عن ذلك أن وُجِدت فيها أفكار وآراء لم تُوجَد عندها من قبل، واحتاجت إلى أن تُنَظِّم هذه الأفكار والآراء، وإلى أنْ تُصوِّرها وتُعلنها فعجز الشعر عن أن يُعبِّر عنها، واضطرت إلى النثر.

لذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم، كالأُمَّة اليُونانية مَثلًا، نراها أولًا شاعرة تنشئ الشعر قصصيًّا، ثم غنائيًّا، ثم تمثيليًّا. ولا ينشأ النثر عندها إلا في وقت الاضطراب السياسي، وتتغير فيها نُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، وتشتدُّ الصلة بين اليونان والأمم الشرقية والعربية. وتنشأ أفكار جديدة؛ منها: السياسي، ومنها الفلسفي، ومنها الديني. واضطرت أن تُعَبِّر عن هذا كله؛ فنشأ النثر، ومثل هذا نجده عند الأمة الرُّومانية، وهذا هو الذي نَجِدُه عند الأمة العربية في العصر الأول قبل الإسلام.

كان العرب أمة شعرٍ، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين منَ الحياة على العاطفة والشعور، أكثر من اعتمادها على الحِكْمَة والرَّوية، تندفع بحكم هذا الشعور إلى الحرب أو السلم أو الخُصُومة، أو إلى أية نَاحِيَةٍ من نواحي الحياة الجاهلية.

فإذا وصلت من ذلك إلى ما تُريد وتأثرت بهذه المؤثرات نطقت بهذا شعرًا، ولما لم تكن شديدة الاتصال بغيرها من الشعوب، ولا تعرف كثيرًا عما عند هذه الشعوب ظلت على حالتها هذه، فلمَّا جاء الإسلام تغيرت الحياة العربية تغيُّرًا تامًّا؛ تقوَّض النظام السياسي وحلَّ محل النظام القديم نظام جديد يعتمد على وحدة الأمة العربية، وإخضاع الأمم الأجنبية. ونشأ عن هذه الحياة نُظُم للحكم لم تكن معروفة من قبل: وُجِدت الخلافة، وتغيَّرت الحياة الاجتماعية، وتغيَّر نِظَامُ الزَّواج والطَّلاق، وعلاقة الجماعات.

ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالأمم الأخرى اتصالًا أخذ يشتدُّ ويقوى؛ حتى أصبح اختلاطًا ثم امتزاجًا، ونشأ عنهُ أن اطلع العرب على ما كان لهذه الأمم من: آراء، وأفكار، وديانات، وعلوم، وفلسفة. وأخذوا منهُ قليلًا قليلًا، ونشأ عن هذا أن تغيرت حياتهم العقلية، والشعرية، والعاطفية، والاجتماعية. فبَعْدَ أنْ كانوا مُتَأَثِّرين بالحسِّ والشُّعور أخذوا يُفَكِّرون ويتروون، وظهرتْ أَمَامَهُم مَسَائل ومُشكلات جَعَلَتْهُم يُفكرون ويلتمسون الحلول لتلك المسائل المُعقدة؛ فنشأ عن هذا كله أن تغيرت الحياة، وتغيرت الموضوعات فاستلزم أنْ تتغير العبارات التي يُعبِّرون بها عمَّا في أنفسهم، ونشأ لهم لسان جديد لم يكن لهم من قبل، وهو النثر الذي يُعبِّر عن المعاني بدون القيود الشعرية.

فتقسيم الكلام إلى نَظْم ونثر تقسيمٌ بسيط ساذَج يُمكن الاعتماد عليه إذا بسَّطنا الأشياء، ولكنَّ الأديب الذي يدرُس تاريخ العرب، إنما يعتني بالكلام عندما يتجاوز الحديث العادي، وأداء الحاجات العاجلة إلى التفكير من جهة والجمال من جهة أخرى. فالأحاديث العادية ولغة التخاطب لا تعنينا في درس الأدب العربي وتاريخه؛ إذ إنَّ ذلك لا يكون لدرْس الأدب إلَّا عِنْدَما يكونُ في هذه الأحاديث لذة فنية خاصة.

فالواقع أننا لا نستطيع — مهما نحرص على أنْ نكون مِنْ أنصار العصر الجاهلي — أنْ نطمئن إلى أنَّ هذا العصر كان له نثر فني، والذي لا شك فيه هو أنَّ أَقْدَم نص يمكن أن نطمئن إليه هو القرآن.

القرآن: ليس شعرًا؛ لأنَّه لم يتقيَّد بقيودهِ، وليس نثرًا لأنهُ مُقيد بقيود خاصة لا توجَد في غيره، قيود يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو إذن كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، وهو وحيد في بابهِ لم يكن قبله ولم يكن بعده مثله، ولم يُحاول أحد أن يأتي بمثلهِ، وتحدى النَّاس أن يُحاكوه وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فأراح الخطباء أنفسهم من هذه المُحاولة المستحيلة التي عدُّوها خروجًا على الدين.

ولما كانت «المحاكاة» من أهم الأسباب للإنتاج الأدبي؛ فإذا قال الشاعر البليغ قصيدة أُعجِب الناس بها، فمنهم من يرويها، ومنهم من يُحاول أن يُحاكيها ويأتي بمثلها، ولما كان القرآن مُستحيل المحاكاة؛ فمن الحق علينا أن نضعهُ في مقامهِ الخاص الذي لا يصحُّ أنْ يُقاس به شيء آخر، وأن نبحث عن «النثر العربي».

النثر الجاهلي: وليس هو بالنثر في المعنى الذي حددتهُ، ومع ذلك فقد كان للجاهلية نثر خاص، لم يصل إلينا لضَعفِ الذاكرة، وخلوه من الوزن، هذا النثر هو «الخطابة» وليس مِنْ شَكٍّ أنَّ ما كان يقع في حياة العرب الجاهلية من خُصُومات كان يحتاج إلى كلام غير منظوم، وكان الخُطباء النَّاطِقُون بلسان القبائل يَحْرِصُون على أنْ يُعجِبوا السامعين لا أنْ يقنعوهم فحسب، بل أنْ يُثيروا فيهم لذة فنية.

ومتى وُجدت هذه الفكرة فقد وُجِد الجمال الفني، ولكن هذه الخطابة لم يرد إلينا شيء منها نثق بهِ، ورُبَّما كان من السهل أنْ نتصور هذه الخطابة تصورًا مُقاربًا عندما نقرأ كتب السِّيَر وما فيها من خطابة وأحاديث.

النثر في صدر الإسلام: قَوِيَ فنُّ الخطابة لأسباب الحوار ومُحاولة الإقناع، سواء كان موضوعه الدين أو السياسة أو الخصومات المُختلفة. وبالطبع، احتاج المسلمون إلى أن يكتبوا، وكتب النبيُّ رسائلَ، وكتب الخُلَفَاءُ مِنْ بعده، ولكنها كانت تُكتَب مُختصرة لا يُقصَد منها إلا مُجرد الإقناع في غير تفنن أو إثارة لجمال فني خاص، فكانت الرَّسائل قصيرة ليس فيها التفصيل، ولا المحاولات الفنية التي نجدها عند الشعراء من حيث الألفاظ.

إنما في منتصف القرن الأول للهِجْرة كانت الفُتوح قد تَقَدَّمت كثيرًا، وكان العرب بدءوا يتصلون بغيرهم من الأُمَمِ، وكانت المَشَاكِلُ السياسية والاجتماعية قد كَثُرتْ حَتَّى هدمت نظام الخلافة، وأقامت نظام الملك. وكانَ هذا قد أنشأ الأحزاب السياسية … إلى جانب هذا التطور، نشأت أشياء أخرى منَ النَّاحية العَقْلية، فَأَسْلَم كثير منَ الأُمَمِ الأجنبية، وتَعَلَّمُوا العربية ودرسوا الدين الجديد، واختلط بهم العرب، وأخذوا نُظُمَهم السياسية والاجتماعية والأدبية. واتصل المسلمون بغيرهم في الجهة الدينية، ونشأت العلاقات بين أنصار الديانات الأخرى وبين المسلمين، وقامت بينهم محاجات.

وأخذ العرب يُقيمون حضارة جديدة على أسس الحضارة القديمة؛ أي إنَّ العقل العربي الساذج في الجاهلية، وجد أمامهُ مشاكل حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياةَ المادية والاجتماعية، ثم وجد أمامهُ مسائل فلسفية أثارها الفلاسفة مع من اتصل بهم عندما عرف العربُ بقايا فلاسفة الفرس واليونان.

لم يكن بُدٌّ للعربي أن يُفكر ويشترك في التعبير عنها بِلُغَتِهِ، ولا بدَّ لهُ أنْ يُناقش في المسائل السياسية والدينية. ومن أهم الصفات التي تتصف بها الأُمَمُ عندما تبدأ حياة حضرية بعد حياة بدوية أنْ تروي قديمها، وتُظهِر لنفسها ولغيرها من الأمم أنَّها ذات مجد ومكانة قديمة. وإذن؛ اضطرت العرب أن يكون لها تاريخ تُعَبِّر فيه عن تاريخها، كما يُعَبِّر الفُرْسُ واليونانُ عن تاريخهم.

ولا يستطيع الشِّعْرُ بحالٍ أنْ يُعَبِّر عن هذه المعاني الجديدة، ويبسط الرأي السياسي والديني والفلسفي، ويقص التاريخ قصصًا واسعًا مُفَصَّلًا؛ لذلك قام النثر للمُحاورة والمُناظرة، ووَصْفِ التاريخِ والعلوم. ففي هذا العصر، وجد النثر الأسباب التي مكنتهُ أنْ يقوى من جهة، وأن تنشأ له فنون جديرة من جهة أخرى. وما قوي فيه إنَّما هو الخطابة التي كانت موجودة في الجاهلية، وأما الذي نشأ فيه جديدًا فهو هذه الفنون التي تُعَبِّر عن هذه المعاني عن التاريخ والمناظرات العلمية وغيرها.

إذن؛ فالنثر العربي ليس لغة التخاطب أو الحديث العادي، والذي لا يُعبِّر عن عاطفة أو شعور من حيث هي عاطفة أو شعور، بل من حيث هي صورة عامة يظهر فيها نتيجة التفكير. هذا النثر أثر من آثار الحياة الإسلامية الجديدة ظهر في الإسلام ولم يكن موجودًا.

هذه الأسباب التي دعت لوجوده أسباب طبيعة لم تكن لأنَّ أمة أعارت العرب النثر، بل هو فنٌّ دعت إليهِ حاجة الحياة العربية؛ ولذلك يجبُ أن ننزع من نفوسنا أنَّ العرب استعارت النثر من غيرها من الأمم، ولكن ليس معنى هذا أن هذا النثر بعيد عن الفُرْس واليونان، بل كان عربيَّ النشأة إنما تأثر بهؤلاء وتطور بفضل اتصال العرب بتلك الأمم.

أسلمت هذه الأمم الأجنبية وتعلَّم كثيرون اللغةَ العربية؛ فكتبوا بها فلم تستطع هذه الطائفةُ أنْ تتجرد من وطنيتها، إنما عندما تعلم اليونانيُّ والفارسيُّ العَرَبيةَ أدخل ما ورثهُ عن قوميتهِ، كمَا أنهُ تأثر بما فيها من ثقافة عربية خالصة، فكان مزاجًا لا نقولُ إنهُ عربي خالص، أو يوناني، أو فارسي خالص.

وأي هذين العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر العربي، الفرس أم اليونان؟ إنَّ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى؛ بدليل أنَّ أكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام (في العصر الأموي والعباسي) كانوا من الموالي وهؤلاء من الفرس، وها هو «ابن المُقفع» الفارسي زعيم الكُتَّاب.

ولكن هنالك قوم آخرون — وأنا منهم — يرون أنَّ التأثير اليوناني كان أقوى رغم أنَّ كثرة الكُتَّاب من الفارسيين؛ وذلك لأنَّ الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر — أي: القرن الثالث قبل الميلاد — ولم ينتهِ القرنُ الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرَّسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المَسِيحِيُّ حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق، وقد انبثَّت فيها مدارس يونانية تعلِّم الفلسفة، والأدب، وعلوم اليونان.

وعندما جاء الإسلام وخرج العرب فاتحين صادفوا تلك البلاد، وقد انبثت فيها هذه المدارس اليونانية؛ فتركت في عقول المصريين، والشاميين، والعراقيين … آثارًا لا يُمكن أن تُمحى إلا مع الزمن …

هذه الثقافة اليونانية التي استمرت في الشرق تسعة قرون، ولم يقف أمرها على الشام والجزيرة والعراق ومصر، بل هجمت على البلاد الفارسية نفسها منذ عهد البطالسة في مصر والسلوقيين في آسيا.

وأخذت الثقافة اليُونانية تَنْبَعِثُ في الفرس حتى وصلت إلى أقصى الشرق، وفي عهد الإمبراطورية الرُّومانية اشتدتْ الصِّلَةُ بين اليونان والفرس، وتعمقت الثقافة اليونانية في فارس. وفي أواخر هذا العصر، عندما ظهرت المسيحية وأصبحتِ الدِّيانَةُ الرَّسمية وأُغلِقتِ المعابد الوثنية؛ هاجرت الثقافة اليُونانية إلى بلاد الفرس، فوجدت منها حماية ونصيرًا ولقيت من الأكاسرة تعضيدًا … فتأثر العقلُ الفارسيُّ بها إلى حد أنَّ ابنَ المقفع — زعيم كُتَّاب العرب والفرس — كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية؛ حتى قيل إنَّهُ ترجم آثار اليونان. ونحنُ نعلم أنَّ لليونان أدبًا كان يُدَرَّس في الإسكندرية، وغزة، والرها، وأنطاكية قبلَ أنْ تستقر الثقافة اليونانية بفارس.

والثقافة الفارسية محدودة، فإنْ كانَ للفُرس أدبٌ؛ فالوَاقِعُ أنَّ هذا الأدب هو في عصر اتصال العَرَبِ بالفرس لم يكن عظيمًا، والذي تُرْجِمَ إلى الآداب العَرَبية من الفارسية قليلٌ مع كثرة ما تُرْجِم من الآداب اليونانية. وتنحصر الآداب الفارسية في: كِتَابِ كليلة ودِمْنَة، وكتاب الأدب الكبير، وكتاب الأدب الصغير. والحِكَم التي يشتمل عليها شعر بعض الشعراء؛ كأبي العتاهية، وبعض الكتب السياسية.

هذا هو كل ما يُمكن أن يُقال: إنَّهُ أدب فارسي وصل إلى العرب في القرنين الثالث والثاني، بينما وصلَ إلى العرب عن اليونان الفلسفة، ونُظُم مختلفة في التفكير لها أثرها في النحو والبيان وغيرهما من الفنون.

والواقع أنَّ الفُرسَ أخذوا من العرب أكثر مما أعطوهم، وحسبنا أنْ نَعْلَم أنَّ الأدبَ الفَارِسِيَّ الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفُرسُ بالعرب، وبعد أنْ تعلموا العربية، ولم يُعطِ الفرس للنثر العربي في التأثير بمِقدار ما يتصوره المُستشرقون، وما كان يراهُ الشعوبية من الفرس الذين قالوا: إنَّ العرب مَدِينةٌ للفُرْسِ بكل شيءٍ! ولا شك أنَّ العرب مَدِينُون للفُرسِ بالكثير من المَادِّيات والنُّظُم السِّياسية وغيرها، وأمَّا في الأدب فأنا مُقتصِد جدًّا، وفي رأيي أنَّ العرب تدين في أدبها إلى الأمة اليونانية.

هذا إلى أن أكثر الكُتَّاب الذين بدءوا يكتبون النثر لم يكونوا من الفرس، بل كانوا من الشام والجزيرة ومصر؛ فهم إما يونان أو ساميون ثقافتهم يونانية.

ولنسأل: أليس يُوجَد نثر عربي غير الخطابة لم يتأثر بالفارسية أو اليونانية؟ فإذا استطعنا الظفر بهذا النثر كان من السهل علينا أن نرى الفرق. ووجود هذا النثر ليس صعبًا، بل يكفي أن نقرأ النقائض فنجد فيه إشارة إلى أيام العرب، ويضطر المُفسرون إلى أن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون: إنها وقعت بين «داحس والغبراء»، و«حرب البسوس»، و«يوم الكلاب»، وما كان بين «عامر وتميم»، و«أيام الفُجار» وغيرها.

كل هذه القصص كانت تُروى في مدينتَيِ البصرة والكوفة عندما استقرَّ العربُ في هذين المصرَيْن، وكانَ الذين يتحدثون بها هم الأعرابُ. والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية اليونانية ولا الفارسية، بل العقلية العربية التي تُريد أنْ تُثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة.

في هذه القصص التي كانت تُقَصُّ أيامَ العرب ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي والفتن الإسلامية أيام عثمان العربية الخالصة، ترى النثر العربي الخالص، فإذا استطعنا أنْ نُحَدِّد هذا النثر كانَ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُوازِنَ بينهُ وبين نثر الكُتَّاب الذين ظهروا في القرنين (الثاني والثالث)، وهم المتصلون بهذا المزاج من الثقافة اليونانية والفارسية.

وتُهدينا هذه الموازنة إلى التأثيرات المُختلفة التي أحدثتها الثقافات المختلفة في النثر العربي. فنحنُ عندما نُوازن بين كتابة الكُتَّاب من المَوالي الذين كانوا من أصل سرياني أو شامي أو مِصْرِي، والذين تأثروا بالثقافة اليونانية، وبين الموالي الذين كانوا من أصل فارسي نتبين الطابع اليوناني من الطابع الفارسي.

ألقى الأستاذ وليم مَارسيه William Marcais مُحاضرة في أصل النثر العربي ختمها بهذا السؤال: «إلى أي حد كان تأثير اللغة الفارسية فيما كتب ابن المُقفع وفيما ترجم؟ أكانت ترجمتُه حرفيةً يغلب عليها الطابع الفارسي أم كانت واسعة يغلب عليها الطابع العربي؟» وأظهر الأستاذُ أَسَفَهُ، وقال: «إنَّ الجواب عن هذا السؤال ليس ميسورًا الآن؛ إذ إنَّ الذين يستطيعون الرَّدَّ عنهُ هم الذين أتقنوا العربية والفهلوية، ومن سوء الحظ أن الأصول التي ترجم عنها ابنُ المقفع قد ضاعت.»

ومع هذا، فنستطيع أن نقول إن الجواب عن سؤال مارسيه ميسورٌ رغم ضياع الأصول؛ إذ نستطيع أن نجدهُ في الأدب الصغير والأدب الكبير.

عندما تقرءون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئًا من الالتواءِ والدوران، ونُحِسُّ ونحن نقرأ أنَّ الكَاتب يَجِدُ مشقة في التعبير عن المعاني التي يُحِسُّها، ونُحِسُّ هذا الضعف الذي يكلفه الكاتب للعربية. نُحِسُّهُ لا بعقولنا فحسب، بل بآذاننا، فنجدُ أنَّ المُقفع يُكلِّف النحو العربي تكاليفَ رُبَّما لم يكن النحو العربي مُستعدًّا لأنْ يحتملها.

وإنَّ ابن المقفع نفسَهُ رغم أنهُ زعيم الكُتَّاب وصاحب الآيات، وواضع المَثل الأعلى للكتابة، لم يكن عظيم الحظِّ من الفصاحة والنَّحو العَرَبي. وإذا وازنَّا بينهُ وبين ما كتب أصحاب النحو، وجدنا أنهُ مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، يبذل جهدًا فيُوفَّق كثيرًا ويخطئ أحيانًا.

إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
طه حسين
مجلة الهلال
فبراير ١٩٣٤

في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.

ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.

كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»

فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.

وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.

ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.

فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.

وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.

ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.

وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.

والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.

فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.

وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.

هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟!

تنظيم النهضة
طه حسين
مجلة مجلتي
١ يونيو ١٩٣٦

ولست أريد إلَّا النهضة العقلية، فهي التي أستطيع أن أتحدث عنها مع بعض العلم بشيءٍ من شئونها، وهي فيما أظن قوام غيرها من أنواع النهضات مهما تختلف. فالحضارة الإنسانية الآن أثرٌ من آثار العقل، ومظهر من مظاهر النشاط في الإحساس والشعور والتفكير. ومعنى ذلك أنها تقوم على الثقافة أكثر مما تقوم على شيءٍ آخر، فإذا استقامت الثقافة استقامت الحضارة، وإذا انحرفت الثقافة عن طريقها المعقول انحرفت معها الحضارة أيضًا، وإذا ضعفت الثقافة شاركتها الحضارة في هذا الضعف. وعلى هذا النحو تستطيع أن تقيس حضارة الشعب بثقافته، كما تستطيع أن تقيس ثقافة الشعب بحضارته.

والحضارة بناءٌ تقيمه الشعوب في أوطانها، وتقيمه الإنسانية في الأرض. فإذا كان العمَّال الذين ينهضون بإقامة هذا البناء مثقفين حذاقًا متقنين؛ كان بناؤهم متينًا جميلًا قريبًا إلى الخير والكمال، وإذا كانوا جهالًا غلاظًا مقصرين؛ كان بناؤهم مضطربًا واهنًا سيء الشكل، بعيدًا كل البعد عن أن يلائم جمالًا أو يُذكر بكمال.

هذه أوليات نقولها فلا نقول شيئًا؛ لأن الناس جميعًا يعرفونها، ونجادل فيها فنضيع الوقت في غير طائل؛ لأن الناس جميعًا يؤمنون بها. ولكننا مع ذلك محتاجون إلى أن نعيدها من حين إلى حين؛ لأن الناس ينسونها أحيانًا، ولأن مصر بلد يحب أهله الجدال في الأوليات والمناقشة فيما لا يحتمل مناقشةً ولا خصامًا. وأنت تستطيع أن تنتقل مع الزمن في التاريخ، أو أن تنتقل مع أي شيءٍ آخر في الجغرافيا؛ فسترى دائمًا أن بين الحضارة والثقافة هذه الصلة المطردة التي أشرت إليها كارهًا. فإذا فكرنا في تنظيم النهضة العقلية أو تحدثنا عن هذا التنظيم، فإنما نفكر في ترقية الحضارة المصرية، ونتحدث عن إصلاحها، وأنا أريد أن أُكبر المصريين عن أن يغرهم بأنفسهم الغرور، وتملك عليهم الكبرياء أمرهم، ويخيَّل إليهم أن حضارتهم راقية لا تحتاج إلى ترقية، صالحة لا تحتاج إلى إصلاح، فهم إن قضي الله عليهم بهذه المحنة في تقديرهم لأنفسهم لا يزيدون على أن يقضوا؛ لأنهم قد بلغوا من الحياة أقصى ما يستطيعون أن يبلغوا، ولم يبق لهم إلَّا أن ينتظروا الفناء، ولست أزعم أن المصريين جميعًا معصومون من هذا الغرور أبرياء من هذه الفتنة.

قد يكون في هذا الزعم شطط كثير، فمنَّا — والحمد لله على الخير والشر — قوم يؤمنون بأنهم قد بلغوا الغاية وانتهوا إلى أقصى الأمد، ويؤذيهم كل الإيذاء مثل هذا الحديث الذين نحن فيه، يظنُّون بصاحبه الظنون، ويتهمونه بالإثم في ذات الوطن، ويصمونه بالافتتان بما ليس مصريًّا، والإزدراء لما كان مصريًّا صميمًا.

وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى غضب جماعة من الناس؛ لأني تحدثت في الراديو — أو في المذياع كما يريد المجمع اللغوي منذ حين — بأن لغتنا العربية كانت مثقفة في العصور الأولى؛ لأن أصحابها نقلوا إليها علوم الأمم الأخرى وأدبها، وهي الآن غير مثقفة لأننا لا ننقل إليها ما عند الأمم الأخرى من علوم وآداب. غضبوا من ذلك، ومن أنني قلت إن الذين يكتفون الآن من العلم والأدب بما تشتمل عليه لغتنا العربية لا يبلغون من الثقافة ما ينبغي للرجل في هذا العصر الحديث، فلا بدَّ لهم من أن يلتمسوا حظَّهم من الثقافة في لغة أوروبية حية، أو من أن تنهض الدولة فتترجم لهم هذه الثقافة ترجمة منظمة مطردة إلى اللغة العربية. غضبوا من هذا، وقالوا رمى أمته بالجهل، وعاب نصف المستنيرين فيها بالقصور، وزعم أن كل متعلم لا يحسن لغة أجنبية ليس مثقفًا، وحسبك بهذا إثمًا وحسبك به إسرافًا في النكر والشناع. وقال قائلهم: أقسم لئن دُعيت إلى الاختلاف إلى ما يلقى في الجامعة من دروس، وخيِّرت بين هذا وبين التعرض للشر، لآثرت الثانية على الأولى، ولأبيت أن أذهب إلى معهد فيه رجل يجهل العلماء، ويغض من قيمة أهل الفضل، ويجعل الثقافة رهنًا برطانة الأجانب لا بلغة الضاد.

سأنسى أشياء كثيرةً قبل أن أنسى هذا الحديث الذي نُقِل إليَّ، وقبل أن أنسى حديثًا آخر ألقاه إليَّ صديق عزيز يلومني فيه لومًا رفيقًا؛ لأني زعمت أن الذين يلتمسون ثقافتهم في اللغة العربية، لا يجدون ما يكفيهم ولا ما يلائم حظَّهم الذي ينبغي لهم في القرن العشرين. ذلك أن طبقات ضخمة من المستنيرين في مصر لا تعرف لغة أجنبية، ولا تستطيع أن تلتمس فيها مزيدًا من علم أو أدب، فهي مضطرة إلى أن تكتفي بما تجده في لغتنا العربية، وما ينبغي لنا أن نصف هذه الطبقات الضخمة التي نحبها ونعطف عليها ونُكبر منها أفذاذًا يستحقون الإجلال والإكبار؛ بقلة الحظ من الثقافة الملائمة لهذا العصر. وإذن فينبغي أن نرضى بما قسم الله لنا، وألَّا نلتمس مزيدًا من خير ولا فضلًا من رقي. ولست أدري ماذا تكون الحال لو أننا سلكنا هذه الطريق نفسها في فروع حياتنا الأخرى، فقلنا إن نظامنا الاقتصادي على نقصه وعلى قعوده بكثيرٍ منَّا عن النهوض بجلائل الأعمال الاقتصادية لا يبتغي أن يُعاب ولا أن يُلتمس إصلاحه؛ لأن في ذلك عيبًا لكثير من المصريين الذين لا يحسنون من الشئون الاقتصادية إلَّا ما بعد العهد وطال عليه القدم، وأصبح غير ملائم لظروف العصر الحديث. وماذا تكون الحال لو قلنا مثل ذلك في حياتنا الاجتماعية، وماذا تكون الحال لو أشفقنا من الإصلاح وكرهنا الدعوة إليه؛ لأن كل دعوة إلى الإصلاح إنما هي إنكار لقديم يجب العدول عنه، وشكوى من نقص تجب البراءة منه. كلَّا إن الذين يضيقون بالدعوة إلى الإصلاح لا يضيقون بالإصلاح نفسه؛ لأنهم يطمحون إليه ويأخذون بأسبابه ويدفعون إليه دفعًا، ولكنهم في الوقت نفسه يحبون أنفسهم ويكبرونها، ويشق عليهم أن يلفتوا إلى ما ينقصهم، أو أن يُذكرهم مُذكِّر بما ينبغي لهم من كمال. وآية ذلك أن الأزهر الشريف مثلًا ينبذ نُظمه القديمة كلها نبذًا، ويستأنف حياة جديدة ليس بينها وبين قديمه القريب فضلًا عن قديمه البعيد صلة. ويُصدق كل ما أنبأناه به منذ أعوام طوال من أن في أوروبا علمًا يُمكن أن يُطلب، وفلسفةً يمكن أن تُدرس، وأدبًا يمكن أن يُحصَّل. وهو لا يكتفي بالتصديق بل يُجيبنا إلى ما دعوناه إليه منذ أعوام طوال، فيأخذ في السعي إلى تحصيل العلم الأوروبي والأدب الأوروبي والفلسفة الأوروبية. يُحصِّل شيئًا من ذلك في مصر، ويرسل جماعة يبتغون له ذلك في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فإذا أبيت عليه ذلك أغضبته وأحفظته لأنك تحاول أن تصده عن الحياة وتبعد به عن الرقي، وإذا قلت له إن علمه القديم لا يكفيه وإن ثقافته العربية الحاضرة لا تغني عنه شيئًا أغضبته وأحفظته لأنك تؤذيه في كبريائه. وإذن فهو يجمع بين هذين النقيضين، يطلب الثقافة الأوروبية ويغلو في طلبها من جهة، ويكره أن يُقال له إن في هذه الثقافة خيرًا أو نفعًا من جهة أخرى. ودار العلوم توشك أن تشبه الأزهر من هذه الناحية، فهي تُرغِّب في الإصلاح وتجهر بهذه الرغبة وتُلح فيها وتستزيد من الثقافة الأوروبية، وتطالب بدرس اللغات الأجنبية فيها، فإذا قيل إن ما هي عليه الآن من اكتفاء بالقديم وقلة حظٍّ من الجديد لا يلائمها ولا يلائم مكانتها ولا يلائم ما يُنتظر منها غضبت وأخذتها الحفيظة؛ لأن هذا القول يؤذي كبرياءها.

وكم أحب أن نفهم الكبرياء فهمًا أصح وأصوب وأقوم من هذا الفهم، فليس يؤذيني أن يُقال إني أجهل هذا النحو من العلم أو ذاك إذا كنت أجهله، وإنما يؤذيني أن يُقال إني أعلم هذا النحو من العلم أو ذاك وأنا لا أعلم منه شيئًا.

وأؤكد لهؤلاء السادة أني أتأذى حين أسمع محاضرة بالألمانية ولا أفهمها، وحين أجد كتابًا بالألمانية ولا أفهمه إلَّا من طريق المترجم، أتأذى بذلك وآلم له وأشكو منه وأحزن لأني لا أجد من الوقت أو من مواتاة الظروف ما يمكنني من إصلاح هذا النقص، ولا يؤذيني بحال من الأحوال أن يقول عني قائل إني أجهل الألمانية ولا أستطيع أن أصل إلى ما فيها من العلم إلَّا من طريق الترجمة والنقل.

وبعد فإنَّا لا نعيب هؤلاء السادة بما نقصهم، كما لا نعيب أنفسنا بما ينقصنا، وما أكثره، وإنما نريد أن تكون حال الجيل المقبل خيرًا من حال هذا الجيل، وأن يكون نقص الجيل المقبل أقل من نقص هذا الجيل، ونريد أن نفهم أمور النهضة على وجهها، وأن نصلح خطأً شائعًا قبيحًا يتورط فيه كثيرٌ من الذين يشرفون على أمور التعليم ويخوضون فيها. فكثيرٌ من الناس يريدون أن يشيع العلم باللغات الأجنبية في مصر، ويظنُّون أن هذا هو سبيل الثقافة، فنحب أن يعلم هؤلاء الناس أن شيوع اللغات الأجنبية في مصر لا بأس به، ولعل فيه خيرًا كثيرًا، ولكنه ليس سبيل الثقافة، أو ليس هو السبيل المستقيمة المنتجة إلى الثقافة، وإنما السبيل أن تُنقل الثقافة للمصريين في لغتهم، وأن يلتمسوها في هذه اللغة قبل أن يلتمسوها في أي لغة أخرى.

إنما اللغات الأجنبية أدوات للاستزادة من العلم لا لتحصيل الضروري منه. وما دمنا نعتمد على اللغة الأجنبية لنحصِّل من طريقها الضروري من العلم والثقافة، فنحن عالة على الأجنبي، ونحن مقصرون في ذات أنفسنا وفي ذات لغتنا وفي ذات وطننا نفسه. وقد كان الجاحظ رجلًا مثقفًا فيما أظن، ولعله كان من أوسع الناس في عصره وأعمقهم ثقافة، وما أظنه عرف اليونانية أو السريانية، ولكنه عرف ما كان في اليونانية والسريانية من علم؛ لأنه نُقل إلى اللغة العربية، ولأن رجال الحكم في ذلك الوقت كانوا يفهمون الثقافة خيرًا مما نفهمها نحن الآن، ويقدِّرون ما يجب عليهم لتثقيف اللغة والشعب خيرًا مما نقدِّره نحن الآن.

أفئن طالبنا بأن تنقل علوم أوروبا وآدابها إلى اللغة العربية لتكون اللغة في نفسها غنية مثقفة، وليستطيع أبناؤها أن يجدوا فيها العلم دون أن يلتمسوه ضد الأجنبي ومن طريق اللغة الأجنبية، أفئن طالبنا بذلك؛ كنَّا مُجهلين للأمة، مزدرين للعلماء، عائبين للمستنيرين، مقصرين في حق الوطن؟ اللهم إني لا أكره هذا التقصير ولا أتردد في احتمال تبعاته مهما تثقل، ولا أتردد في أن ألح على وزارة المعارف في شيئين لا بدَّ منهما لتنظيم الثقافة في مصر: الأول إنشاء مكتب للترجمة العلمية ينهض بنقل أمهات العلم والأدب والفلسفة إلى هذه اللغة التي كانت غنية قديمًا وما ينبغي أن تكون فقيرة الآن. والثاني أن ترصد في ميزانيتها مقدارًا حسنًا من المال تكافئ به الذين ينهضون بنقل الكتب القيمة في مختلف العلوم والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.

وأؤكد لوزارة المعارف أن إرصاد عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام لمكتب الترجمة وتشجيع المترجمين أنفع لمصر وأجدى عليها وأنهض بالواجب الوطني من مئات الألوف التي تُنفق في أنواع الترف المادي، الذي قد نستطيع أن نستغني عنه، وقد يكون من الخير ألَّا نفكر فيه قبل زمن طويل.

بعض بيئاتنا الأدبية
طه حسين
مجلة المصور
٩ مايو ١٩٤٧

لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها. وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.

وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.

كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.

وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.

وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!

كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!

في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.

على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.

فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.

ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.

وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.

ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.

كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!

ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.

في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!

في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.

على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.

وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.

وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.

وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!

وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!

ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading