Back to homepage

شتاء الحداد والانتظار | A Winter of Mourning and Waiting

طهي …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٤ نوفمبر ١٩٣٣

أما في اللغة العربية الفصحى فمعناها الطبخ، ولستَ في حاجة إلى أن تستشهد بشعر الشعراء، وخطب الخطباء من العرب العرباء؛ فإن صدقي باشا وهو حجة في كل شيء، قد استعمل هذه الكلمة صباح اليوم في كلمة نشرتها له الأهرام، ولم تنشرها له الشعب، وقد استعملها في هذا المعنى، لا يحتمل ذلك شكًّا ولا ريبًا؛ لأنه استعملها إلى جانب طبخ، فقال: «لكن يفسرها أن الرسالة قد طبخها في مصر طُهاة طالما مارسوا هذا الفن.» وهذا الفن هو طبخ الرسائل أو طهيها في مصر لترسل إلى إنجلترا فتنشر هناك، ثم يحملها البرق إلى مصر فتذاع في الأهرام، وظاهرٌ جدًّا أن صدقي باشا لم يستعمل الطهي كما أنه لم يستعمل الطبخ في معناهما الحقيقي، وإنما استعملهما في المجاز.
فليس صدقي باشا لغويًّا بارعًا فحسب، ولكنه مع ذلك كاتب بليغ، يعرف كيف يصطنع الاستعارة والمجاز، فالرسائل لا تطبخ ولا تطهى، ولكنها تُهيَّأ وتُعد، وفي هذا التعبير تشبيهٌ طويلٌ عريضٌ لست أدري أيُحسن تخريجه وزير التقاليد ومن حوله من رجال الأدب في وزارة المعارف، أم يعجزهم ذلك فيلتمسوه في المجمع اللغوي إذا انعقد إن شاء اللَّه.
وعلى كل حال فالطهي هو الطبخ والطبخ هو الطهي، ولولا أن لصدقي باشا إلى جانب براعته في اللغة ومهارته في علم البيان نصيبًا من الذوق الأدبي الممتاز لاستعمل الطباخين مكان الطهاة، ولقال إن هذه الرسالة قد طبخها في مصر طبَّاخون، طالما مارسوا هذا الفن، ولكنه آثر الذوق، وخِفَّةَ الروح، ورشاقة اللفظ؛ فاستعمل المادتين معًا، ووفق في هذا الاستعمال أحسن توفيق، وأصبح من الحق علينا أن نلتمس هؤلاء الطباخين أو هؤلاء الطهاة الذين يعنون بأمور السياسة فيطبخونها طبخًا، ويطهونها طهيًا، ويضيفون إليها، وينقصون منها، ويهيئونها هذه التهيئة التي تحتدُّ وتشتدُّ أحيانًا فتغيظ، والتي تهون وتلين أحيانًا فلا تبعث عناية ولا تثيرهما.
من الحق أن نلتمس طباخي الدولة هؤلاء؛ أولئك الذين يعرفهم صدقي باشا، والذين طبخوا تلك
الرسالة منذ أيام وأرسلوها إلى الديلي تلغراف، والذين لم يُحسِنوا التكتم والاستخفاء في تهيئة هذه الطبخة حتى دلُّوا على أنفسهم، وعلم صدقي باشا بطبيعة ما يهيئون؛ لأنه فيما يظهر قد شمَّ ريحَ الطبيخ.
ولكن للطهي في اللغة العامية معنًى آخر؛ فهو يُستعمل أحيانًا بمعنى الذوق الذي يمكنك من حسن الملاءمة بين الأشياء؛ فالناس يقولون فلان قليل الطهي إذا كان حظه من الذوق ضئيلًا، وإذا كان يقول فيندفع في القول ويعمل فيندفع في العمل، لا يحسب لشيءٍ ولا لأحدٍ حسابًا. والظاهر أن الذين طبخوا هذه الرسالة لم يكونوا مَهَرَة في الطبخ؛ لأنهم لم يحسنوا إغلاق النوافذ والأبواب، فدلوا على أنفسهم، ولأنهم لم يحسنوا الملاءمة بين الأشياء، ولم يوازنوا بين ما أضافوا إلى طبختهم من التوابل فخرجوا عن إجادة الطهي، وإتقان الصنعة، فهم لا يخدعون أحدًا بهذا الكلام الفارغ الذي أوحوا به إلى المُكاتِب السياسي لجريدة الديلي تلغراف، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه الرسالة فآمن لها بشيء من القيمة قليل أو كثير، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه الرسالة فشك في أنها طبخت في مصر، وكان الطباخون الذين طبخوها أو الطهاة الذين طهوها قليلي الطهي، ليس لهم حظ عظيم من الحذق والمهارة في الفن.
فالناس جميعًا يعلمون من أمر الحياد البريطاني في مصر ما يعلمون، والناس جميعًا يعلمون أن هذا الحياد قد ضاق بنفسه، وتأذَّى بالحياة في مصر؛ فانصرف عنها أو كاد، وهمَّ بالتروض والتنزُّه في بلاد أخرى كبلاد الترك، وفي مدينة أخرى كمدينة أنقرة، وترك الجو المصري لتدخل واضح صريح لا يتستر ولا يستخفي، والناس جميعًا يعلمون أن أبسط مبادئ الطهي الحسن كان يقتضي أن تكون صحف حزب الاتحاد آخر الصحف التي ينبغي أن تتحدَّث عن رسالة الديلي تلغراف هذه حتى تجوز الحيلة، وحتى يظهر رأي الناس في هذا اللون الذي قدم إليهم من ألوان الطعام، ولكن الصحيفة الفرنسية لحزب الاتحاد لم تستطع أن تدافع الجوع؛ فأسرعت إلى هذا اللون، وغرقت فيه إلى أذنيها، ونشرت الرسالة، وتناولتها بالتفسير والتحليل، وبالتأويل والتعليل، وانتهت إلى إقامة الدليل على أن دار المندوب السامي محايدة حقًّا لن تدخل بين الأحزاب بالكثير ولا القليل، فضلًا عن أن تدخل بين أعضاء الحزب الواحد إذا انقسموا وتفرَّقوا وأصبح بعضهم لبعض عدوًّا.
ولم يكن صدقي باشا على براعته ومهارته بأعظم حظًّا من حسن الطهي من صحيفة حزب الاتحاد؛ فقد أسرع هو أيضًا إلى هذه الرسالة، فذكر الذين طبخوها وهيئوها، ونسي أن هؤلاء الطباخين والطهاة الذين طالما مارسوا هذا الفن قد طبخوا له كثيرًا وطهوا له كثيرًا، وأن طبخهم كان يُعجِبه، وأن طهيهم كان يُرضِيه، وأنه كثيرًا ما دفعهم إلى الطبخ وحثَّهم على الطهي، وأن الذنب ليس ذنب الطباخين والطهاة إذا خرج صدقي باشا من الحكم وخلفه قوم آخرون يحبون طبخ الطباخين، ويكثرون من طهي الطهاة.
وذكر صدقي باشا تبليغ الحكومة البريطانية سنة ١٩٣٠ ورده عليه، وأنكر صدقي باشا أن يكون كاتب هذا الرد التاريخي البديع في حاجة إلى أن يستعين بالإنجليز، ولكن صدقي باشا نسي أن الناس يقولون ويُلِحُّون في القول، أن ذلك الرد التاريخي البديع نفسه قد كان طبخة متقَنة، وأن من أصحاب صدقي باشا وخصومه من يستطيعون أن يقولوا له لا تذكر هذا الرد؛ فقد طبخناه معًا.
فأنت ترى أن الذين يطبخون لخصوم صدقي باشا بعد أن طبخوا لصدقي باشا نفسه، وأن صدقي باشا حين كان يسيغ طبخ الطباخين أمس، وحين ينكره اليوم ويعافه كل هؤلاء قليلو الطهي فيما يظهر لا يحسنون الملاءمة بين الأشياء، ولا يُجِيدون الكيد المستور، والحرب التي تظهر آثارها ونتائجها ولا تظهر معداتها ومقدماتها، وحقيقة الأمر فيهم جميعًا أنهم كانوا صديقًا أمس، فأصبحوا عدوًّا اليوم، وأنهم قد اختصموا ما استطاعوا الخصومة في مصر، فرمى بعضهم بعضًا بالشر، واتهم بعضهم بعضًا بالإثم، وطبخ بعضهم لبعض، وطبخ بعضهم على بعض، حتى إذا ملئوا الجو المصري بريح هذا الطبخ المنكر البغيض، أبوا إلا أن يملئوا به الجو الأوروبي؛ فنشرت مقالة الطان في جريدة الطان، ونشرت رسالة الديلي تلغراف في جريدة الديلي تلغراف، وصدقي باشا يعلم حق العلم كيف تطبخ المقالات لجريدة الطان، وكيف تطبخ الرسائل لجريدة الديلي تلغراف.
والشيء المهم الذي لا ينبغي أن يصرف عنه المصريون هو أن القوم لم يزيدوا على أنهم يمضون فيما بدءوا من كيد بعضهم لبعض، وسعي بعضهم ببعض، والاجتهاد في أن يضعف بعضهم بعضًا، وفي أن يُفسِد بعضهم على بعض أمور الحكم، والظريف أن الذي يقرأ كلمة صدقي باشا في الأهرام لا يشك في أن الرجل حريص أشدَّ الحرص على أن يقنع أصفياءه وأولياءه بأن الرسالة قد طبخت في مصر، فلا ينبغي أن يحفلوا بها ولا أن يلتفتوا إليها، بعد أن دلت التجربة على أن جريدة الديلي تلغراف في مثل هذه الأشياء لا تصور الرأي الإنجليزي، وإنما تصور رأي جماعة من المصريين كانوا يطبخون لها قبل أن يستقيل صدقي باشا، وهم يطبخون لها بعد أن استقال، ومعنى هذا أن مقالة الديلي تلغراف هذه لو طبخت في إنجلترا نفسها لكان لها خطر آخر، ولخاف منها صدقي باشا أشد الخوف على أصحابه وأصفيائه، ولأشفق منها صدقي باشا أشدَّ الإشفاق على أنصاره وأوليائه.
ومعنى هذا أن صدقي باشا يعلم حقَّ العلم القيمة الخلقية والسياسية لما تنشره جريدة الديلي تلغراف حين تعرض للشئون المصرية، ولكن الشيء الذي يلذُّ أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذه الطبخة أترضيه أم تسوءه؟ وفي الذين طبخوها أأحسنوا إليه أم أساءوا إليه؟ أَشَكَا حقًّا من استعانة صدقي باشا بزيارته على الوزارة أم شكا عنه الطباخون فأغرقوا في الفضول. والشيء الذي يلذُّ لنا أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذا الكلام الكثير الذي يقال عن جريدة إنجليزية معروفة لها مكانها بين الصحف الإنجليزية الكبرى؛ فإن صدقي باشا يقول إن هذه الصحيفة الإنجليزية الكبرى متأثِّرة بجماعة من الطباخين المصريين تُقدِّم لقرائها من ألوان الطعام ما يُهَيَّأُ لها في مصر لا تزيد على أن تقدمه في غير بحث ولا تحقيق ولا تحرٍّ للصواب.
ويظهر أن قلة الطهي لا تريد أن تقف عند مقالة الطان ورسالة الديلي تلغراف؛ فهي تتناول شيئًا آخر كنا نحبُّ أن يظل بعيدًا عن الطهي والطهاة وعن الطبخ والطبَّاخين، فرياسة مجلس النواب تطبخ في مطبخين مختلفين؛ فالشعبيون يطبخونها لصدقي باشا، والاتحاديون يطبخونها للدكتور رفعت باشا، وكلا الفريقين حريص على أن تقبل الوزارة طبخته، وكلا الفريقين مستعدٌّ لمقاطعة الوزارة إن قبلت طبخة الخصم، ووزير التقاليد بما عرف من طهيه الرائع البارع لا يتردد في أن يظهر ميله — نستغفر الله — بل في أن يظهر رأيه لأصحاب المطبخين، فهو يؤثر، ويعلن أن الوزارة تؤثر معه طبخة حزب الاتحاد، فإذا ظهر رأيه هذا ضاق به الطباخ الأعظم في حزب الشعب، فطلب إلى الوسطاء أن يقطعوا المفاوضات، وانتهى الأمر إلى أن مراجل الحزبين ستغلي بما فيها حتى يجتمع البرلمان إن اجتمع البرلمان، وهناك يقدم للوزارة لونان أحدهما صدقي باشا ومعه حزب الشعب، ورياسة الوزراء السابقة، وتأسيس النظام القائم، وزيارته لدار المندوب السامي ورسالة الديلي تلغراف في هذه الزيارة، ومقالة الطان في مسألة الدين ومضاربات القطن، وما يتصل بهذا كله من التوابل والمشتهيات، والآخر الدكتور توفيق رفعت باشا ومعه تضحيته بالوزارة في سبيل الرياسة، ومعه دكتوراه الشرف من كلية الحقوق، ومعه حزب الاتحاد، وما أدراك ما حزب الاتحاد ذو العمد والأوتاد، والوزارة حرة في أن تختار بين هذين اللونين، أو قل الوزارة مكرهة على أن تختار أحد هذين اللونين، والغريب أن المستقلين والمعارضين في مجلس النواب لم يهيئوا من أنفسهم للوزارة طبخة تريحها من العناء، وتُعفِيها من الاختيار، فليس حتمًا أن تكون رياسة مجلس النواب لأحد الحزبين المؤتلفين المختلفين، وما الذي يمنع أن يكون رئيس الحزب الوطني رئيسًا لمجلس النواب؛ فتستريح الوزارة وتنقطع الخصومة، ويصفو الجو، وتؤجل الأزمة بين المؤتلفين المختلفين إلى حين.
نظن أن هذه الطبخة لا بد منها، ونظن أن المعارضين لن يقصروا في تهيئتها، ولكن أتستطيع لوزارة أن تمدَّ إليها يدًا أو تفتح لها فمًا أو تهيئ لها معدة؟ هذه أسئلة يجيب عنها الغد القريب أو البعيد. ومهما يكن من شيء فأنت توافقني على أن من المؤلم أن يدخل الطبخ في السياسة الرسمية هذا الدخول وإن نقص الطباخين حسن الطهي إلى حد بعيد.

حرب
طه حسين
كوكب الشرق
٢٥ نوفمبر ١٩٣٣

لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.

وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.

وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.

كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.

ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.

هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.

وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.

ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.

وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.

ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.

ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!

أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان.

إياب …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٩ نوفمبر ١٩٣٣

كان المصريون يستعدون للقائهما باسمَيْن في جوٍّ باسم، مُشْرِقَيْن في سماء مشرقة، فعادا إليهم هامدَيْن خامدَيْن لا يعرفان ابتسامًا ولا إشراقًا يحملهما قطار يمشي على الأرض وسفينة تَسْبَح في الماء، ثم قطار يمشي على الأرض ثم عربة تجرها الجياد. لا يذل لهما متن الهواء، ولا يبتهج لهما ضوء الشمس، ولا تصعد إليهما أصوات المصريين رافعة إليهما التهنئة والإعجاب، وإنما تحتجب الشمس ويكتئب الجو، وتبكي السماء وتضطرم نار الحزن واللوعة في قلوب المصريين، وقد تَغْلِب العبراتُ جَهْدَ الجاهد وصبر الصابر، وجَلَد المتجلِّد، فتفلت من العيون، وتنحدر على الخدود.

كان المصريون يرجون أن يكون اليوم يوم ابتهاج فأبى الدهر إلا أن يكون يوم ابتئاس، كان المصريون يقدرون أن الجو سيؤدي إليهم أمانتهم، ويرد عليهم أبناءهم موفورين سالمين، فإذا الجو يخون أمانة الأرض، وإذا السحاب يخفر ذمة الإنسان، وإذا الخطوب تعتدي على هذين الشابين الباسلين فتقهرهما، بعد طول الصراع، وتفجع فيهما أسرتين بائستين وبلدًا مكلومًا حزينًا.

إن من حق المحن على كرام الناس أن يلقوها معترفين بها ومقدرين وقعها في القلوب وأثرها في النفوس، ثم محتملين لها وصابرين عليها، ملتمسين في احتمالها والصبر عليها والانتفاع بها وسيلة إلى المجد، وطريقًا إلى جلال الخطر وارتفاع الشأن.

يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بأنهم قد فقدوا شابين عظيمين كان كل منهما ابتسامة نضرة مشرقة في حياتهم، وكان كل منهما قرة بأعينهم وصلة بينهم وبين الأمل القوي، ورسولًا لهم إلى المجد والعز، وقوامًا لأسرة تعتمد عليه وتفخر به وتعقد به كبار الآمال.

يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بهذا كله، وأن يذوقوا لذع الألم ومرارة الحزن لهذا كله حتى إذا أرضوا حاجة نفوسهم إلى الحزن وحاجة قلوبهم إلى الألم، جدُّوا في التماس ما تحتاج إليه نفوسهم الحزينة من العزاء، وما تحتاج إليه قلوبهم الكئيبة من الأمل والرجاء.

إن حياة المصريين جميعًا فداءٌ في كل وقت وفي كل محنة لمصر الخالدة، ولكن هذا الفداء لا خطر له، إذا لم يشعر المصريون بقيمته، إذا لم يعلم المصريون أنه عزيزٌ عليهم أثيرٌ عندهم، وأنهم لو خُلِّي بينهم وبينه لضنوا به وحرصوا عليه، فنحن لا نريد أن نبذل في سبيل الوطن نفوسًا تَهُون علينا، ولا نريد أن نحتمل في سبيل الوطن آلامًا يخف علينا احتمالها. إنما نريد أن نبذل نفوسًا غالية كريمة في سبيل وطن غالٍ كريمٍ، وأن نحتمل آلامًا فادحة ثقيلة في سبيل وطن نُؤْثِره ونُكْبِره، ونحتمل في سبيله ما يشق حمله، ونرضى في سبيله بما لا يسهل الرضا به والصبر عليه.

لا تتحرج القلوب إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بالحزن اللاذع العميق، ولا تتحرج الوجوه إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بهذه الكآبة القاتمة التي تقطب لها الجباه، وتظلم لها الوجوه، وتنهلُّ لها الدموع، فقد فقدت مصر عزيزًا، ومُنِيَتْ مصر برزءٍ عظيمٍ.

لِنَحْزَن اليوم ولْنُظْهِر حزننا في غير تحرج ولا احتشام؛ فذلك أيسر ما لهذين الشابين العظيمين علينا من حق، ثم لنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من أملٍ، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من جدٍّ ونشاط، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من تضحية وفداءٍ فهذا أيسر ما يجب للوطن علينا من حق.

إن القلوب الكريمة لا تأبى الحزن ولا تكره الألم، ولكنها لا تحب الجزع ولا تعرف اليأس. وقد كانت قلوب المصريين كريمة دائمًا فلم تلقَ الخطوب مُنْكِرةً لها ولا ضيِّقةً بها، وإنما عرفت دائمًا كيف تَفِي للذين وفوا لها فتُكْبِرهم أحياء وتذكرهم مع الحب والحزن والألم حين يفارقون الحياة، ثم لا يمنعها ذلك أن تمضي في طريقها إلى ما قُدِّر لها من الرقي، لا وانية ولا يائسة ولا مستسلمة للخطوب. وهل كانت حياة مصر الخالدة إلا مزاجًا من الألم المُلِحِّ والأمل المبتسم الذي لا يعرف ضعفًا ولا فتورًا؟!

إن في هذا الخطب العظيم لعِبَرًا يجب أن يعتبر بها المصريون وإلا تلهيهم عنها الحياة بهزلها وجدِّها، وإلا تلهيهم عنه بنوع خاص هذه الألفاظ الضخمة التي تمتلئ بها الأفواه والأسماع وقلما تصل إلى القلوب والنفوس.

يجب أن يعلم المصريون أن الوفاء لهذين الشهيدين ليس بالحزن عليهما اليوم والانصراف عنهما إذا مضى هذا الجيل وأقبلت الأجيال التي تليه فإنهما لم يضحيا بنفسيهما فحسب، ولكنهما أنْبَأَا العالم الحديث بأن المصريين يعرفون الآن كما كانوا يعرفون من قبل كيف يموتون في ميدان الشرف، وكيف يبذلون أنفسهم ثمنًا لرفعة مصر الخالدة.

نعم؛ وأنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين نهضوا، ولم يكونوا يلغون حين فدوا بلادهم بأنفسهم، وإنما كانوا يجدون حقًّا ويريدون ما يقولون حقًّا ولا يبخلون بالحياة حين تطلب إليهم مصر بذل الحياة، وهما أنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين أرادوا أن يرفعهم نشاطهم إلى الجو، لم يكونوا يتخذوا الطيران لهوًا ولعبًا، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب يتخذون الطيران وسيلة من وسائل الرقي، وسببًا من أسباب النضال الصحيح في الحياة يحتملون في سبيل ذلك ما يُفرَض عليهم من التكاليف، ويبذلون في سبيل ذلك ما ينبغي بذله من النفس والمال.

فهذان الشهيدان خليقان أن يعرفهما هذا الجيل، وأن تعرفهما الأجيال المقبلة وأن يظل شخصاهما ماثلين لا في قلوب المصريين فحسب بل على الأرض المصرية وتحت السماء المصرية تُحَيِّيهما الشمس في كل صباح، وتُحَيِّيهما النجوم في كل مساء.

نعم؛ وقد أَبَتْ عناية الله بمصر، وحب الله لمصر، إلا أن يكون هذا الخطب العظيم رمزًا مقدسًا لحقيقة مقدسة، يجب أن تكون قوام الحياة المصرية دائمًا، ويجب أن تكون فوق كل الحقائق، فهما مصريان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي.

كلاهما كان في مهمة وطنية، كانا يؤديانها معًا في حب مشترك لمصر، ووفاء مشترك لمصر، واحتمال مشترك لأمانة مصر، حتى إذا هاجمتهما الخطوب لم تُؤثِر أحدَهما دون صاحبه ولم تُفرِّق بينهما فيما أضمرت لمصر من كيد، وإنما هاجمتهما معًا وصرعتهما معًا ودفعتهما معًا إلى موتٍ مشتركٍ كريم، فالجو الفرنسي قد شهد مصر الخالدة الخالصة من كل خلاف تصارع الموت. والأرض الفرنسية قد تلقَّتْ رمز مصر الخالدة الخالصة من كل خلافٍ حين صرعه الموت.

ومصر الآن، مصر الخالدة مصر الخالصة من كل خلاف، مصر التي تسمو فوق كل فكرة وفوق كل اعتبار، مصر الواحدة ستلقى رمزها الواحد، وستودع هذا الرمز المقدس أرضها المقدسة، وسترمم هذا الرمز المقدس في قلوب أبنائها جميعًا. فيجب أن يفكر المصريون في هذا، ويجب أن يقدر المصريون هذا، ويجب أن يعلم المصريون أن الخطوب والمحن حين تلم بمصر لا تختار من أهلها فريقًا دون فريق، وأن المجد والعز حين يطلبان التضحية من مصر لا يطلبانها من فريق دون فريق وإنما يطلبانها من المصريين؛ لأنهم مصريون لا أكثر ولا أقل.

ولو لم يكن في هذا الخطب العظيم إلا هذا الدرس العظيم الذي تلقيه الأيام على المصريين، لكان هذان الشهيدان خليقين بألا نكتفي بأن نواري جسميهما في التراب ونحفظ شخصيهما في القلوب، ونسفح عليهما بعض الدموع.

كلا، كلا. يجب أن يظل هذا الرمز المقدس للوحدة المصرية خالدًا ماثلًا أمام الأجيال المصرية كلها تحييه الشمس إذا أشرقت، وتحييه النجوم إذا تألقت في السماء.

نعم؛ وعبرة أخرى في هذا الخطب العظيم يجب أن يعيها المصريون جميعًا وأن يعيها الشباب من المصريين خاصة وهي أن لمصر عند الجو ثأرًا، وأن هذا الثأر يجب أن يُنال، وأن هذا الجو الذي خان أمانة مصر، وقتل ابنين كريمين من أبنائها يجب أن يؤدي ثمن هذه الخيانة، وأن يذل للأجنحة المصرية، وأن يذعن متنه، لا لطائرتين ولا لطائرات تُعَدُّ بل لطائرات كثيرة كثيرة، تلائم نشاط الشباب ونهضته واعتداده بنفسه واعتزازه بوطنه، وحرصه على أن يثأر لنفسه حتى من الطبيعة حين تعتدي عليه الطبيعة.

أفيبلغ هذا النداء قلوب الشباب المصريين؟

شكر
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ نوفمبر ١٩٣٣

ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.

هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.

ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.

نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.

نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.

لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.

انتظار
طه حسين
كوكب الشرق
٣ ديسمبر ١٩٣٣

زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.

يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.

أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.

لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:

يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.

والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.

وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.

وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!

وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.

ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون!

توبة …
طه حسين
كوكب الشرق
٥ ديسمبر ١٩٣٣

تاب صدقي باشا وأناب، وأعلن الانسحاب، بعد أن غدا وراح وأكثر الصياح بطلب الكفاح، فما أمسى المساء وأصبح الصباح حتى ألقى السلاح، وعرف أن الله حق، وأنه قد جنى على نفسه أكثر مما جنى على الناس، وأساء إلى نفسه أكثر مما أساء إلى الناس، وضع بيديه هذه القيود والأغلال، التي يرسف فيها الآن أسيرًا في يد الوزارة لا فكاك له، وذليلًا لسلطان الوزارة ليس له في العزة أمل ولا رجاء.
ظن صدقي باشا أنه مخلد في الحكم، وأنه قد ضمن حركة الفلك وسخر صروف الأيام، وأنه يستطيع أن يبسط سلطانه القاهر على الناس فلا يقبضه قابض، وأن ينشر بأسه المنكر في الناس فلا يطويه طاوٍ، وأنه بمأمن من أن يتنكَّر له الدهر وتعدو عليه الخطوب؛ فطغى وبغى، وعدا وسطا، وأخضع الناس لشطط لا يعرف الأناة ولا الروية ولا يستنير برأي أو تفكير، إنما هو الشطط المندفع كأنه السيل في غير دعة ولا هدوء ولا حساب للغد، حتى إذا دارت الأيام وأصبح المغلوب غير الغالب، لم يتَّعِظْ صدقي باشا وإن كانت الموعظة لبالغة، ولم يعتبر صدقي باشا وإن كانت العبرة لقاسية. فظن أن الذين خافوه أمس سيخافونه اليوم، وأن الذين أكبروه أمس سيُكبِرونه اليوم، والغرور من طبيعة الإنسان، وهو مظهر من مظاهر الضعف، الذي يفسد النفوس، ويُطغِي القلوب، ويحبط الأعمال؛ فقد خيَّل صدقي باشا إلى نفسه أن الناس كانوا يخافونه لأنه مخوف، ويُكبِرونه لأنه كبير، وقدر أن الناس سيخافونه دائمًا وسيكبرونه دائمًا، ولم يخطر له أن الناس إنما خافوه لأن أمور الحكم كانت إليه ولأنه كان مسندًا مؤيدًا، وأن الناس إنما أكبروه لأنه كان يجمع إلى نفسه من أسباب الطمع والرجاء، ومن أسباب الخوف واليأس، ما يُخضِع له الضعفاء، ويرغب فيه أصحاب المنافع والحاجات، فلما زال عنه الحكم، وتخلى عنه السلطان، لم يصبح شيئًا.
وقد كنا نقدر أن لصدقي باشا من الذكاء والفطنة ومن البصر بحقائق الأشياء، ما يعصمه من هذا الغرور، ويعلمه أن أولئك الذين كانوا يعكفون له، ويلوذون به، ويتهالكون عليه إنما كانوا يعكفون
للحكم ويلوذون بالسلطان، ويتهالكون على المنافع. ولكن الظروف أبت إلا أن تكون قاسية على هذا الرجل إلى أقصى غايات القسوة، أبت إلا أن تبين في وضوح وجلاء أن هذا الرجل الذي خدع الناس عن نفسه، وخدع نفسه عن نفسه أيضًا، تنقصه حتى هذه الخصلة التي ليس منها بد لمن يريد أن يحتمل أثقال الحياة السياسية، فإذا هو يناوئ ويخاصم، وإذا هو يهاجم ويقاوم، وإذا هو يحسب نفسه قويًّا ويظن أنه يستطيع أن يسقط الوزارات. ولقد كان ذلك شيئًا ممكنًا لو أن هذا الرجل سلك بذكائه وكفايته طريقًا مستقيمة أمينة لا تُفسِد الذكاء ولا تزيِّف الكفايات.
لقد كان هذا ممكنًا لو أن هذا الرجل أخلص لأمته أكثر مما أخلص لنفسه، وخدم أمته أكثر مما خدم نفسه، وقبل تكاليف الحياة الدستورية الصحيحة كما يقبلها الرجل النزيه، فجاهد خصومه جهادًا شريفًا داخل البرلمان وخارجه؛ إذن لكان من الممكن، بل من المرجح، أن ترفعه كفايته وذكاؤه إلى حيث ينفع وينتفع، ويُفيد ويستفيد، وإلى حيث يستطيع أن يقيم الوزارات ويسقطها. ولكنه أبى إلا أن يبغي طريقه عوجًا، ويوجه ذكاءه وكفايته هذا التوجيه الأثر الذي يفسد على الرجل أمره ويفسد على الناس أمورهم أيضًا، أهمل كل شيء إلا نفسه، فوضع القيود، وصنع الأغلال، وشرع السنن المنكرة، ثم نظر فإذا هو لم يزد على أن قيَّد نفسه، ومكَّن لخصومه، وجعل ذكاءه لغوًا، وكفايته عبثًا، ومهارته شيئًا لا غناء فيه. وما أكثر الذين يغرهم بأنفسهم الغرور فيسيرون سيرة هذا الرجل ويلغون ذكاءً كان من الممكن أن ينفع، وكفاية كان من الممكن أن تفيد. يريدون أن يفرضوا أنفسهم على الظروف فإذا الظروف تفرض عليهم نفسها فرضًا، يريدون أن يذلوا الشعوب ويقهروها فإذا الشعوب تبين لهم أنهم أهون من أن يذلوا إلا أنفسهم، وأيسر من أن يأمنوا عادية الخطوب.
كان صدقي باشا يظنُّ أن ما هيَّأ من القيود، وما رسم من الخطط، وما سنَّ من سنن الظلم والفساد أسلحةٌ لن تستخدم إلا لمحاربة الوفد، ومن ينحو نحو الوفد، وكان يظن أن هذه الأسلحة لن تستخدم في محاربته هو واضطراره هو إلى الإذعان والتسليم، ولكنه لم يكد يبعد عن الحكم أيامًا حتى رأى المديرين وأشباه المديرين يسيرون معه تلك السيرة التي كان يريدهم هو على أن يسيروها مع خصومه، وقد ظنَّ أن المديرين سيهابونه، ويرهبونه، ويذكرون صنيعه معهم، وحمايته لهم، ويستَحُون بأن يلقوا هذا بالعقوق والجحود، وإذا هو لا يلبث أن يرى أن المديرين لا يهابون إلا الوزارة، ولا يرهبون إلا الوزارة، ولا يذكرون إلا أن الوزارة وحدها هي القادرة على أن تُبْقِي الناس في مناصبهم أو تعزلهم عن هذه المناصب، ولا يستحون إلا من هؤلاء الذين يملكون العزل والنقل والإبقاء.
وظن صدقي باشا أن أتباعه وأشياعه الذين جمعهم من كل صوب، وضمهم من كل أوب، سيثبتون معه وسيوفون له بالعهد، فلم يلبث أن تبيَّن أن هؤلاء الأتباع والأشياع إنما هم أتباع الحكم وأشياع السلطان، إنما كان الأتباع والأشياع يثبتون مع صدقي باشا ويَفُون له بالعهد لو أنه جمعهم حوله قبل أن يَثِبَ إلى الحكم لرأي من الآراء أو مذهب من المذاهب، وما أضعف ذاكرة هذا الرجل! فقد نسي أنه ظل طول حياته قبل الوزارة وليس له أتباع ولا شيعة.
والآن ينظر صدقي باشا فإذا المديرون يتنكَّرون له وينصبون له الحرب، وإذا الأنصار يفرون منه أو يواجهونه باللوم، ويستقبلونه بالإنكار، وإذا الوزارة تخيِّره بين الطاعة يقدمها عن رضًا، وبين الطاعة يقدمها عن كره وإذعان.
إن في حوادث الأيام لعبرًا تلحُّ على الناس أن ينتفعوا بها ويستفيدوا منها، فمن كان يصدق أن هذا الرجل يذعن ويستكين أمام الدكتور رفعت باشا؟! ومن كان يصدق أن الدكتور رفعت باشا ظفر ويظهر على هذا الرجل دون أن يقول كلمة أو ينطق بحرف، أو يأتي عملًا من الأعمال؟! ومن كان يصدق أن قومًا كانوا لا يرون أمس إلا هذا الرجل، ولا يؤمنون إلا له، ولا يقسمون إلا به، ينقلبون اليوم عليه، فمنهم من يعلن عليه الحرب جهرة، ومنهم من يداوره ويماكره، ومنهم من يسعى إلى داره ويجلس إلى مائدته، ويأكل طعامه، ويسمع كلامه، ثم يعلن في الصحف أنه يخذله ولا يمنحه من تأييده قليلًا ولا كثيرًا؟! من كان يصدق أن الظروف تضطر هذا الرجل إلى أن يعطي الطاعة، ويتوب إلى الإذعان والخضوع، ويعلن أنه لم يرشح نفسه قط لرياسة مجلس النواب، وإنما يرشحه قوم من أصحابه، ثم يطلب إلى هؤلاء القوم ألا يصروا على ترشيحه، إشفاقًا عليهم أو إشفاقًا منهم للأمرين جميعًا؟!
نعم من كان يصدق أو يُؤَوِّل أمر هذا الرجل إلى هذه الحال المنكرة، وينظر فإذا أمته التي كانت تنبذه، حين كان الأمر إليه، ما تزال مقيمة على نبذه والإعراض عنه، لا ترحمه؛ لأنه لم يدعْ لها سبيلًا إلى أن ترحمه، ولا تعطف عليه؛ لأنه لم يدع لها سبيلًا إلى أن تعطف عليه، وإذا أتباعه وأشياعه ينبذونه ويولونه ظهورهم مدبرين.
زعموا أن هذا الرجل إنما قدم الطاعة، وألقى بيده إلى خصومه لأنه لم يشك في أنه مخذول في جلس إدارة الحزب ومعزول من رياسة الحزب إن لم يثب إلى رشده ويعلن الإذعان والاستسلام، فما له لم يمضِ في استقالته حين استقال؟! ألم يكن ذلك أكرم له وأحفظ لمنزلته بين الناس؟! بلى، ولكن الغرور خيَّل إليه أنه يستطيع أن يناور ويداور، ويقهر بالمناورة والمداورة، فإذا أموره كلها تنقلب عليه. وستسمع قومًا من الناس يتحدثون بأنه لم ينهزم إلا ليكر، ولم يحجم إلا ليقدم، ولم يقدم الطاعة إلا ليعلن الثورة. فهو يكيد ويخدع، وهل الحرب إلا كيد وخداع؟! ولكن لا تصدق هؤلاء الناس، ولا تظن أن هذا الرجل يستطيع أن ينهض من عثاره. فما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم ويمسكهم في غرفة من غرف المديرية، وما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم ويصحبهم إلى القاهرة، وما دام بين المديرين من يرافق نواب الإقليم حتى يبلغهم فنادقهم في العاصمة، وما دام بين النواب من يرضى هذا من المديرين ويطيعهم فيه، فلن تجدي المداورة ولا المناورة ولن تغني الكفاية ولا الذكاء، إنما هي الطاعة، عن رضًا أو الطاعة عن كره.
كلا، لقد قلنا يوم استقال هذا الرجل أو أقيل، إن حياته السياسية قد ختمت، وإن موته السياسي قد أصبح قضاءً محتومًا، وإنه لم يبقَ صالحًا لما يصلح له رجال السياسة من الجهاد والنضال. وقد مضى هذا الرجل بعد خروجه من الحكم في شيء من الحركة ظنه الناس حياةً، ولكنه لم يكن إلا بقية حياة.
زعموا أنه أعدَّ استجوابات لا تحصى، وأسئلة لا تعدُّ، وأنه سيخرج بها الوزارة حين يجتمع البرلمان. فلا تصدق هذا ولا تؤمن له، إنما هي أنباء وإشاعات قدمها الرجل بين يدي هزيمته وحمى بها ظهره من هؤلاء الخصوم الذين يلحُّون عليه، ويبلغون منه ما يريدون، لا بالذكاء ولا بالكفاية، ولا باللباقة ولا بالبراعة في البيان، بل بالقوة وحدها، بالقوة التي لم يعرف هذا الرجل غيرها يبسطها على الناس أن دانت له، ويستكين لها أن انتقلت عنه إلى غيره من الناس، لن يستجوبولن يسأل، ولئن استجوب أو سأل فلن يفعل ذلك إلا على استحياء. وإني لأخشى أن يهم بالاستجواب فلا يجد بين أتباعه وأشياعه هؤلاء العشرة الذين لا بد منهم ليمكن تقديم الاستجواب.
لقد أحسن هذا الرجل حين تاب وأناب وأعلن الانسحاب، وإنه ليحسن إن قبل نصيحة خصمه رئيس الوزراء، فآثر الراحة واستمتع بنعيم الحياة فيما بقي له من الحياة.

بؤس
طه حسين
كوكب الشرق
٨ ديسمبر ١٩٣٣

ولكنه لا يبعث في القلب رحمة، ولا يثير فيه إشفاقًا، كما أنه لا يبعث في النفوس غبطة، ولا يحيي فيها ابتهاجًا. إنما هو بؤسٌ كئيب مظلم، شديد الظلمة، أسود قاتم السواد، يرسم على الوجوه ابتسامة خير منها العبوس. وأين هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل الذي أتيح له السلطان أكثر من ثلاثة أعوام، فقسا وتجبر، وطغى وتكبر، ولم يرحم أحدًا من المصريين، بل لم تعرف رحمة المصريين إلى قلبه سبيلًا؟

وأين هذا القلب المصري الذي يستطيع أن يشفق على هذا الرجل الذي أتيحت له أسباب القوة فلم يوجهها إلى خير، ولم يستعن بها على معروف، وأتيحت له أسباب النفع فلم ينفع بها إلا نفسه، وإلا طائفة من الصنائع عرفوا كيف يحفظون له العهد، ويقيمون له على الود، ويعترفون له بالجميل؟ فلم تكد تلم به المحنة حتى تولى عنه أكثرهم وهم معرضون، وأقبل عليه أقلُّهم بقلوب مدخولة، ونفوس ملتوية، وهم فاتر لم يكد يبلوه ويمتحنه حتى عرف أنه لا خير فيه.

وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تغتبط ببؤس هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يحسن فآثر السوء، وكان يستطيع أن ينفع فآثر الضر، وكان يستطيع أن يقف من أمته موقف الخادم المخلص الأمين، فلم يزد على أن يقف منها موقف الخصم العنيد، ينتقص من حقوقها، وينتهك من حرماتها، ويضيع من مصالحها؟

وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تبتهج بسقوط هذا المصري الذي كان خليقًا أن يكون جنديًّا صادقًا مُقدِمًا جادًّا في نصر مصر، والذود عنها، وتمهيد الطريق لها، وإزالة العقبات من هذه الطريق، فلم يزد على أن أخرها أعوامًا، وبث أمامها عِقابًا، وحمَّلها من الشر أثقالًا، وأذاقها من العذاب ألوانًا، واضطرها إلى أن تود لو لم يكن من أبنائها، ولو لم تعرفه حياتها العامة، ولو لم تفرضه عليها الظروف فرضًا؟

نعم، لا يوجد هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل أو يشفق عليه، ولا توجد هذه النفس المصرية التي تغتبط بسقوطه، وتبتهج لما أصابه من الخذلان؛ فقد كان أقسى على أمته من أن يستحق الرحمة من أمته، وهو الآن أهون على أمته من أن يستحق عنايتها لما يصيبه من شر، ويلم به من مكروه.

إنما هو رجل غريب وإن أقام في وطنه، وحيد وإن عاش بين أهله وبين أصحابه؛ لأنه اختار لنفسه مذهبًا في الحياة فرق بين قلبه وقلب الوطن، وباعد بين نفسه وبين مواطنيه، فهم يجهلونه إلا حين يذكرون أو يرون ما قدم إليهم من شر، وما جنى عليهم من سوء، وهم ينكرونه إلا حين يريدون أن يعتبروا بعاقبة الطغاة إذا أسرفوا في الطغيان، وآخرة الظالمين إذا أغرقوا في الظلم والبغي والعدوان.

لقد كان طويلًا هذا الاحتضار السياسي الذي اضطر إليه هذا الرجل إلى أن أدركه موته السياسي أمس. كان طويلًا ثقيلًا شاقًّا قاسيًا، فانظر إليه منذ هوى عن منصب الحكم كيف يصارع الموت السياسي مصارعة عنيفة حادة مضطربة، فيها النهوض والسقوط، وفيها الإقدام والإحجام، وفيها النشاط والفتور.

انظر إليه كيف يهم بالمقاومة ثم يستسلم للضعف، ثم يستأنف المقاومة، ثم يستخذي وينحدر، ثم ينشط للحرب، ثم يلجأ إلى السلم، ثم يجمع قواه وما بقي له من ذكاء وكفاية ومهارة ليلقي خطبته الأخيرة في الغريب، ثم يدركه الخور ويأخذه الانحلال. وما زالت فيه بقية من قوة، وفضل من نشاط، فينزل عما كان يطمع فيه من رياسة مجلس النواب، وينهزم أمام خصمه المسالم الدكتور رفعت باشا، وأمام عدوه؛ الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا، ثم يجري فيه الضعف صاعدًا من قدميه إلى رأسه، أو هابطًا من رأسه إلى قدميه، وإذا هو يجود بنفسه أمس في كتابين يرفع أحدهما إلى خصمه رئيس مجلس النواب، ويرفع ثانيهما إلى عدوه رئيس الوزراء.

ثم ينظر الناس فإذا الجذوة قد خبت، وإذا السراج قد انطفأ، وإذا ذلك النشاط العنيف، وتلك القوة الهائلة، وتلك الحيلة الواسعة، وتلك الجرأة التي لا حد لها، كل ذلك قد تفرق في أقطار الفضاء، وأصبح هباءً يسعى به الهواء، ولم يبق من حياته السياسية إلا الحديث، وأي حديث؟ حديث لا يُرضي أحدًا، ولا يسر أحدًا، حديث يتمنى الدهر لو أصابه الصمم فلا يسمعه، حديث تتمنى الأيام لو أصابها النسيان فمُحِيَ من ذاكرتها محوًا، حديث تستخذي مصر لأنه يتصل بأحد أبنائها.

نعم لم يبق من الحياة السياسية لهذا الرجل إلا هذا الحديث المنكر الذي يود كل إنسان وكل شيء لو ذهب مع الهواء، كما ذهبت قوة صاحبه وبأسه، ولكن اللَّه يأبى على الدهر إلا أن يسمعه، وعلى الأيام إلا أن تَعِيَه، وعلى المصريين إلا أن يحفظوه ويتناقلوه. تتوارثه أجيالهم ليكون عبرة وموعظة ونكالًا للذين تغريهم المنافع، وتستهويهم الشهوات، وتدفعهم الأهواء والأطماع إلى أن يبغوا طريقهم في الحياة السياسية عوجًا، ويتخذوا حقوق الشعب هزؤًا، وأمانة الشعب وحرمات الشعب ألوانًا من لهو الحديث.

نعم، على أن هذه الحياة السياسية إن تركت للمصريين هذه العظة، فقد تركت لهذا الرجل نفسه تراثًا، يود بجدع الأنف وصلم الأذن لو ألقي بينه وبينه أصفق الحجب، وأكثف الأستار. انظر إليه وقد اندحر عن ميدان الخصومة، وانزوى في داره في القاهرة، أو في دار من هذه الدور الكثيرة التي تنبث في أرضه الواسعة، وأملاكه العريضة، وخلا إلى نفسه. انظر إليه كئيبًا كاسف البال، مروع النفس، مفزع القلب، حائر الطرف، لا يطمئن إلى شيء ولا إلى إنسان، ولا يطمئن إليه شيء ولا إنسان.

إن أدار طرفه في غرفة من هذه الغرف التي ينزوي فيها رأى هذه الأشباح الهائلة المخيفة، تحيط به وتضطرب من حوله ولها أنين حزين يمزق أشد القلوب صلابة، ويفطر أشد الأكباد غلظًا. أشباح هؤلاء الذين سُفكت دماؤهم، وأُزهقت نفوسهم أثناء هذه الأعوام السود التي قضاها في مصر مستأثرًا بالسلطان.

انظر إليه: إنَّ هذه الأشباح لتروعه وتفزعه فيغمض عينيه، ويحول نظره إلى أعماق نفسه، يريد أن ينظر فيها. فيا لها من هوة ليس لها قرار تضطرب فيها أشباح الحزن والحسرة، وصور اليأس والندم، وأشكال الجزع والهلع، فيفزع من نفسه، ويفزع مما حوله، ويخرج من غرفه هائمًا، يلتمس الراحة والأمن في الأرض العريضة والفضاء الواسع، ولكنه لا يخلص من خوف إلا إلى خوف، ولا يفلت من حزن إلا إلى حزن، ولا يبرأ من بأس إلا ليتردى في بأس آخر، تتبعه هذه الأشباح أين ذهب، وتدور حوله هذه الصور أين استقر، وتملأ قلبه هذه الأشكال إذا استيقظ، وتعبث بنفسه هذه الخيالات إذا نام!

يرى مواطنيه فلا ينظر إليهم إلا حذرًا، ويراه مواطنوه فلا ينظرون إليه إلا شذرًا. انظر إليه وقد خرج من الميدان خزيان لا يستطيع حتى أن يستمتع بما يستمتع به المنهزم العزيز من الشمم والإباء. انظر إليه قد هان على أنصاره فلم يحفل به منهم أحد. انظر إليه قد هان على خصومه، فلم يأبه له منهم أحد. انظر إليه قد استقال أمس من حزب الشعب وهو منشئ حزب الشعب، ومن مجلس النواب، وهو عميد مجلس النواب، وإذا الشعبيون والنواب والشيوخ يجتمعون إلى مائدة من الموائد في فندق من الفنادق، فيأكلون ويشربون ويخطبون ويتفرقون، لم يذكر أحد منهم هذا الرجل، ولم يشر أحد منهم إلى هذا الرجل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عليه فضل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عنده يد ومعروف.

ولكنه قد قدم إليهم الفضل وصنع عندهم المعروف ثمنًا لما كان يطلب إليهم من المعونة والتأييد. اشترى منهم فباعوا له، ثم انقضت الصفقة فتفرق المشترون والبائعون، وأنكر كل واحد منهم صاحبه، وألقى الستار على ما كان بينهم من صلات.

انظر إليه يلزم داره فلا يسعى إليه الأنصار ولا يخافه الخصوم. انظر إليه يطوف في أرجاء مصر فلا يَخفُّ للقائه أحد، ولا يخاف تطوافه أحد. ليس هو الذي تسلح له القُطر، وليس هو الذي تحفر أمامه الخنادق، وتقام له المتاريس، وليس هو الذي ترصد له الشرطة والجند، وليس هو الذي يختطفه وزير الداخلية اختطافًا في قطار سريع. إنما هو رجل يسير ضئيل هين لا يرجى ولا يخاف، لا أمل فيه ولا يأس منه، رجل بهذا المعنى المادي لهذه الكلمة لا أكثر ولا أقل.

أليس غريبًا أن يرى المصريون جميعًا هذه المأساة، ويشهدوا جميعًا هذه العبر، ثم لا يزال بينهم من تطمح نفوسهم إلى أن يرقوا إلى هذا الصرح العالي، صرح الطغيان ليتردوا منه كما هوى منه طاغية الأمس؟ بلى، هذا غريب، ولكن الإنسان ضعيف، وما زال ضعفه يكلفه الأعاجيب.

أرأيت أنا لم نكن مخطئين حين قدرنا أن توبة صدقي باشا إلى رئيس الوزراء لن تغني عنه شيئًا، وأن خصومه لن يرضوا منه إلا أن يقطع الأسباب بينه وبين السياسة، فيدع الحزب ويدع البرلمان، ويفرغ لصحته وراحته، ولكن ما عسى أن تكون هذه القوة الهائلة التي أخرجت هذا الرجل من السياسة بعد أن كان متعلقًا بها، حريصًا عليها، برغم الأحداث والخطوب، وبرغم المرض الطويل والعناء الثقيل؟

ليست هي قوة رئيس الوزراء، فرئيس الوزراء رجل طيب لا يقدر على مثل هذا، ولا يطمح إلى مثل هذا. إنما هي قوة الظروف هذه التي حفظت لصدقي باشا من الشر ما يُخِيفُه ويُزعِجه ويَضطرُّه إلى أن يؤثر الفراغ وإلقاء السلاح، ويقنع من هذه المغامرة الطويلة بالخروج منها سالمًا بجلده، كثير المال، موفور الثراء، يستطيع أن يحيا حياة المترفين، ورئيس الوزراء من غير شك أذكى وأمهر وأعرف بحقائق الأشياء من أن يفاخر أو يكاثر أو يتمدح بما أصاب خصمه من الهزيمة؛ فرئيس الوزراء لم يرمِ صدقي باشا حين رمى، ولكن الله هو الذي رمى وسهام الله مصيبة دائمًا لا تخطئ الرمية، ولا تجور عن قصد السبيل.

وإذا كان لنا أن نتمنى لرئيس الوزراء هذا الرجل الطيب شيئًا، فإنَّا نتمنى أن يربأ بنفسه، وأن تربأ به الظروف عن مثل ما دفع صدقي باشا إليه، وإن رئيس الوزراء ليعلم حق العلم كيف يتنكب هذه الطريق التي سلكها صدقي باشا، فانتهت به إلى هذا البؤس الكئيب. وهل لرئيس الوزراء سبيل إلى تنكب هذه الطريق إلا أن يستقيل فيريح ويستريح؟

هزيمة
(١)
طه حسين
كوكب الشرق
١١ ديسمبر ١٩٣٣

ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

إشارة
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ ديسمبر ١٩٣٣

للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.

وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.

ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.

فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»

ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.

وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.

ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.

ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.

وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.

ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.

فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.

ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.

ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.

ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟

ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.

هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.

والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.

حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.

إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.

وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.

نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.

وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.

أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading