واجب …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ سبتمبر ١٩٥٤
نعم؛ واجب طالما أُرْجِئ واتصل التقصير في أدائه بأسباب كثيرة مختلفة منها ما يُساغ ومنها ما لا يُساغ، حتى كان التفكير في أدائه منذ أكثر من عشرين عامًا، حين أراد الأزهر الشريف أن تُنقَل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وأن يكون نقله إلى نفر من المسلمين الذين يحسنون العلم بدقائقه، ويفهمون أسراره حق فهمها، ويتقنون لغته حق إتقانها، ويملكون اللغة الأجنبية التي ينقلون إليها ملكًا يتيح لهم أن يتصرفوا فيها تصرف القادرين عليها المطوعين لها المجيدين لإيداعها أدق المعاني في بلاغة تلائم مكانة القرآن، ومقامه الرفيع من البيان العربي.
وقد أحسَّ الأزهرُ الشريف أنَّ نَقْل القرآن ببيانه الرائع المعجز إلى لغة أجنبية شيء لا مطمع فيه ولا سبيل إليه؛ فآثر التواضع ولم يفكر في ترجمة القرآن كما يُترجَم غيره من الكتب، وإنما فكر في نقل معانيه إلى اللغات الأجنبية اعترافًا بالقصور عن الترجمة بمعناها الدقيق، وتجنبًا لكثير من الحرج الذي يأتي من الدين والفن جميعًا.
وكان الأزهر موفقًا منصفًا في هذا التواضع؛ فالترجمة في نفسها عسيرة أشد العسر، وهي ممتنعة بالقياس إلى الآيات الأدبية الرائعة؛ فكيف بالقرآن المعجز الذي لم يستطع أن يأتوا بمثله في لغتهم التي نشئوا عليها وبرعوا فيها، وبلغ النابهون منهم أقصى ما يمكن أن يبلغوا من القدرة عليها والتطويع لها والسحر بما أُتِيحَ لهم من البيان والتبيين.
وقد استجابت الحكومة في ذلك الوقت لإرادة الأزهر وقررت النهوض بالأعباء المادية لهذا النقل، وأرصدت لذلك في ميزانيتها المتتابعة مقدارًا رمزيًّا من المال يتيح للأزهر أن يبدأ عمله حتى إذا خطا فيه الخطوات الأولى أنفقت الحكومة على هذا العمل عن سعة وفي غير بخل ولا تقتير.
ولكن الأزهر أكثر الحديث في هذا الموضوع، ثم سكت عنه فجأة، وظلت الحكومة ترصد هذا المقدار الرمزي في ميزانياتها أعوامًا متصلة، والأزهر ساكن لا يعمل شيئًا وساكت لا يقول شيئًا.
وأشهد لقد هممت بشيء من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية غير مرة، ولكني صرفت نفسي عن ذلك صرفًا؛ لأني لم أُرِدْ أن أقحم نفسي على ما أراد الأزهر أن يُختَصَّ به من دون غيره من الهيئات، ومن دون غير الأزهريين من الناس.
ولكني أقرأ في الأهرام التي صدرت صباح الأحد حديثًا لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أفهم منه كما يفهم منه غيري أن الأزهر قد أعرض عن هذا الرأي، واكتفى بأن يؤلف المختصون من رجاله كتبًا ورسائل تُعرِّف الإسلام إلى الناس على أن تُترجَم هذه الرسائل إلى اللغات الأجنبية.
ولست أشك في أن تأليف هذه الكتب والرسائل خير في نفسه وحق على القادرين عليه من المختصين، وقد كنت أتحدث في أول الصيف في شيء من ذلك إلى صديقين كريمين، واقترح أحدهما أن نضع كتابًا نُبيِّن فيه حقائق الإسلام كما ينبغي أن تُبيَّن؛ ليقرأه أصحاب الثقافات المتوسطة وليُنقَل بعد ذلك إلى بعض اللغات الأجنبية فيظهر عليه بعض القُرَّاء من الأجانب الذين لا يعرفون الإسلام إلا كما تُصوِّره لهم بعض الكتب الأجنبية تصويرًا فيه الخطأ والصواب، وفيه الإنصاف أحيانًا والجور أحيانًا، وقد أمعنَّا في حديثنا ذاك، ولم نفترق حتى وضعنا منهاجًا لهذا الكتاب، وقسَّمْنَاه على أنفسنا، واتفقنا على أن يفكر كل منا في النصيب المقسوم له من هذا المنهاج أثناء الصيف، على أن نأخذ في الكتابة بعد انصرام القيظ عنَّا.
وفي أثناء هذا الصيف وحين كنت في عزلتي تلك الأوروبية القصيرة قرأت كتابًا فرض عليَّ التفكير المتصل فيما كان الأزهر يفكر فيه منذ أعوام طوال، من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية تصويرًا صحيحًا أو مقاربًا.
والكتاب الذي قرأته في تلك العزلة كتاب خطير حقًّا ألَّفَه كاتب إيطالي مسيحي معروف هو الأديب العظيم جوفني بابيني، وضاقت به الكنيسة الكاثوليكية أشد الضيق فأنكرته، وحرمت قراءته على المؤمنين من أتباعها، ولكن الكتاب مع ذلك تُرْجِم إلى اللغات الأوروبية الكبرى، وقرأته أنا في ترجمته الفرنسية.
وموضوع هذا الكتاب هو الشيطان، والكتاب مُحيِّر حقًّا لا يدري قارئه أهو كتاب ديني أم هو كتاب أدبي، بل لا يدري قارئه أهو كتاب قُصِدَ به إلى الجد الخالص والبحث العلمي الصارم، أم هو كتاب خُلِطَ به الجد والهزل، وامتزج فيه العلم والأدب.
فالمؤلف يُصوِّر الشيطان كما وصفته التوراة، وكما وصفه الإنجيل، وكما وصفه شُرَّاح التوراة والإنجيل من آباء الكنيسة وأحبارها، ويعرض آراء قديمة في الشيطان وفي مصيره. تغضب الكنيسة أشد الغضب، ولكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، وإنما يصور الشيطان كما وصفته آثار الأمم المختلفة قديمها وحديثها على اختلاف دياناتها ومذاهبها الفلسفية.
ثم يتجاوز هذا كله فيصور الشيطان كما رآه الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة على اختلاف بيئاتهم وأزمنتهم، وعلى اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وكما رآه هو في بعض أوقاته.
والكتاب ممتع ما في ذلك شك، وهو يدل على علم عميق وثقافة واسعة بعيدة المدى وإحاطة بشئون الأجيال المتباينة المتباعدة من الناس منذ أخذ الناس يكتبون ويصورون إلى هذا العصر الذي نعيش فيه … ولكنه على ذلك مختلط فيه الجد وفيه الهزل، وفيه الصحيح وفيه المحال، وإن ذهب المؤلف فيه مذهب العلماء وتكلف فيه سيرة الذين يجدون ولا يعبثون.
وقد وقفني من هذا الكتاب تصويره للشيطان كما وصفه القرآن الكريم، وهذا التصوير هو الذي اضطرني إلى أن أفكر فيما أراد الأزهر منذ ربع قرن، من نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية … ذلك أن الكاتب الإيطالي ليس مستشرقًا، فهو لا يقرأ القرآن في نصه العربي، وإنما يقرأ هذه التراجم التي نهض المستشرقون بأعبائها في اللغات المختلفة وفي العصور المختلفة أيضًا.
ولست أدري أي ترجمة وقعت له لأنه لم يدلنا عليها، ولكنها ترجمة خاطئة مخطئة من غير شك، وقد نتج عن قراءته لهذه الترجمة واطمئنانه إليها واعتماده عليها شر عظيم يضيق به الأزهر، ويضيق به الأستاذ الأكبر أشد الضيق، وينكره المسلمون أعظم الإنكار.
فهو قد قرأ — فيما يظهر — ترجمة لهذه الآيات الكريمة من سورة الحجر؛ حيث أنبأ الله ملائكته بأنه خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم إذا سوَّاه ونفخ فيه من روحه أن يقعوا له ساجدين … ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ).
وقد تُرجِمَتْ هذه الآية الأخيرة على أن إبليس لم يكن من الذين يسجدون؛ لأن طبيعته وعلوه في نفسه يرفعانه عن السجود، واستنتج من هذا — ويا بؤس ما استنتج! — أن إبليس كان أقرب إلى الإسلام من الله؛ لأن إبليس أبى أن يسجد لبشر، والإسلام يحرِّم السجود لغير الله، فكان إبليس أحرص على رعاية الإسلام من الذي جعل الدين عند الله الإسلام!
تعالى الله عما يقول المترجمون الخاطئون المخطئون علوًّا كبيرًا!
ولكن الشيء المهم الخطير هو أن هذا الكتاب قد قُرِئَ بالإيطالية والفرنسية وغيرهما من اللغات الكبرى، وظن كثير من قرائه أن هذا الكلام في القرآن، وأن الله قد أراد الملائكة على أن يسجدوا لآدم عابدين له من دون الله، وأن إبليس قد أبى أن يشرك بالله بشرًا، وأن الله عاقبه باللعنة على هذا التوحيد.
فما رأي الأزهر؟! وما رأي فضيلة الأستاذ الأكبر؟! ألا يزال الأزهر والأستاذ الأكبر يريان العدول عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية الكبرى لِيُعْرَفَ الإسلامُ في البلاد الأوروبية والأمريكية على وجهه؟! ألا يوافقني الأزهر والأستاذ الأكبر على أن التقصير في أداء هذا الواجب إثم لا ينبغي أن يتورط فيه المسلمون بعد أن كثر هذا السخف السخيف الذي يتناقله كثير من غير المسلمين منذ تُرْجِم القرآن في أواخر القرون الوسطى إلى أن تُرْجِم أخيرًا في هذا العصر الحديث تراجم أقل ما تُوصَف به أنها ليست دقيقة ولا صادقة ولا مقاربة في كثير من أجزائها، وأنها تنشر الخطأ في كثير من العقول وتلقي في روع كثير من الناس أمورًا ليست من الإسلام ولا من القرآن في شيء؟!
وليس كل الغربيين قادرًا على أن يقرأ القرآن في نصه العربي، وليس كل الغربيين قادرًا على أن يفهم القرآن إن قرأه في النص العربي، وليس أوساط الناس مكلفين أن يتحققوا من صدق التراجم التي تُنشَر لهم ودقتها ولا قادرين على هذا التحقق، بل هم مدفوعون بطبعهم إلى أن يأخذوا هذه التراجم على أنها صحيحة دقيقة كما يأخذون تراجم الكتب الكثيرة التي تُنقَل إليهم. وكثير منهم يقرءون العهد القديم والعهد الجديد مُترجمَين إلى اللغات التي يتكلمونها، فهم يقرءون تراجم القرآن كما يقرءون تراجم التوراة والإنجيل مع هذا الفرق الخطير؛ وهو أن تراجم التوراة والإنجيل تخضع لمراقبة شديدة عسيرة من السلطات الدينية المسيحية، ولا تخضع ترجمة القرآن لمراقبةٍ ما إلا مراقبة الناقدين من العلماء، وقلَّما يحفل العلماء بهذه المراقبة، وقلَّما يقدرون عليها!
ليصدقني الأزهر وليصدقني الأستاذ الأكبر أن هذا شر عظيم غفل المسلمون عنه دهرًا وتغافلوا عنه دهرًا، وأصبح إهماله إثمًا يجب أن تُبذَل الجهود كل الجهود للتخلص منه والتخفف من ثقله.
وبَعْدُ، فما أكثر ما ترجم الأوروبيون القرآن إلى لغاتهم كما أحبوا أو كما استطاعوا وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يترجموا معاني القرآن بأنفسهم إلى هذه اللغات! وما أكثر ما كتب الأوروبيون الرسائل وألفوا الكتب عن الإسلام فأخطئوا وأصابوا وأنصفوا وجاروا عن قصد السبيل! وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يُعرِّفوا الإسلام بأنفسهم إلى غيرهم من الأمم.
وإذا كان الأزهر لا يريد أن ينقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية — وأنا أُجِلُّه عن ذلك — فلا أقلَّ من أن يُخلِّي بين المسلمين وبين هذا النقل يجتهدون فيه حسب طاقتهم دون أن يصرفهم عن ذلك أو يحرج عليهم فيه أو يثير في سبيلهم المصاعب والعقبات.
إن العالم الغربي يفكر في الإسلام ويتحدث عنه أكثر جدًّا مما يظن الأزهر والأزهريون، فلا أقل من أن نتيح له التفكير فيه والتحدث عنه على وجه صحيح وعن علم دقيق بأسراره وحقائقه؛ ذلك أجدر أن يعفينا من التقصير، وأن يُقرِّب الصواب إلى غير المسلمين.
نعم واجب …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٢ أكتوبر ١٩٥٤
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أصدَقُ الشكر وأجمله على مقاله القيِّم الذي قرأته اليوم في الجمهورية، عن نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. ولفضيلته كذلك أصدقُ الشكر وأجمله على ما تفضَّل به من ثناء، وما وجه إليَّ من دعاء … وأحب أن يطمئن الأستاذ الجليل إلى أني حريص أشدَّ الحرص على أن أكون عند ما يحب من معونته حسب طاقتي على ما يحاول من تَبْيِين حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب جميعًا … ولكني أعود بعد ذلك إلى الموضوع الذي كتبت فيه منذ حين، والذي أثار الأستاذ الجليل إليَّ الكتابة فيه اليوم، وهو ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.
فقد يظهر أن فضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني على أن هذه الترجمة واجبة لا ينبغي التقصير في أدائها، ويوافقني كذلك على أن الأزهر قد فكر في هذه الترجمة وأطال فيها التفكير، وتحدَّث عنها وأكثر فيها الحديث منذ عشرين عامًا، ولكنه على ذلك لم يصنع شيئًا، بل لم يأخذ في هذه الترجمة، ولم يتمَّ منها لا قليلًا أو كثيرًا.
وكنت أظن أن الأزهر في هذا العهد الجديد سيستأنف التفكير الجاد المنتج في هذا الواجب الخطير، ويأخذ في أدائه دون إرجاء له أو إبطاء فيه، مكتفيًا بما ضاع من الوقت في التفكير والحديث أثناء هذه السنين الطوال …
ولست أدري أمخطئ أنا في فهم الذي نشرته الأهرام للأستاذ الأكبر منذ أسابيع بهذا العنوان الذي لم ينكره الأستاذ الأكبر، ولم ينكره أحد من الأزهريين، وهو إرجاء ترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية «مشروع جديد لمشيخة الأزهر للتعريف بأحكام الإسلام ومبادئه».
رجال الدين مسئولون أمام «الضمير» الإنساني عن سلامة العالم، وهذا العنوان وحده يصور حديث الأستاذ الأكبر تصويرًا دقيقًا، كما أنه يصور المقال الذي نشرته الجمهورية له صباح اليوم؛ ففضيلته يرى في صراحة صريحة أن الغاية التي يقصد إليها من ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، إنما هي تعريف حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب، تعريفًا صحيحًا صادقًا لا لبس فيه ولا غموض ولا التواء …
والأستاذ الأكبر يرى الإسراع إلى تحقيق هذه الغاية بوضع الكتب والرسائل التي تعرض حقائق الإسلام وأصوله، وترجمة هذه الكتب والرسائل إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ولا يتحدث عن الأخذ في ترجمة معاني القرآن نفسه اليوم أو غدًا أو بعد غد، وأخشى أن يُكتفى بوضع هذه الكتب وترجمتها وإذاعتها ويُستغنى بذلك عن الموضوع الذي أُلِحُّ فيه أشدَّ الإلحاح، وهو ترجمة معاني القرآن نفسه ترجمة دقيقة صادقة يمكن أن يثق الناس بها، ويطمئنوا إليها، ويعلموا أنها هي التي تصور فهم أعلام الإسلام للقرآن الكريم.
فهناك فرق واضح أشدَّ الوضوح بين كتاب يقدم إلى الناس على أنه ترجمة لمعاني القرآن قد أقرها رجال الدين وأطبقوا على إقرارها، ولم يروا فيها عوجًا ولا انحرافًا عما ينبغي أن يفهم من نصوص الذكر الحكيم، وبين كتاب يقدم للناس على أنه عرض لهذه الحقيقة أو تلك من حقائق الإسلام قد ألفه هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذة الأزهر الشريف أو من غيرهم.
وما أكثر الكتب التي ألَّفَها المستشرقون عن الإسلام، والتي يستقيم بعضها؛ لأنه يصدر عن الإخلاص في حب العلم، والصدق في عرضه على الناس، وتجنب الهوى والتعصب، وحُسن العلم بالتراث الإسلامي، وينحرف بعضها عن الجادة لتأثُّر المؤلف بالهوى أو لقصوره عن فهم هذا النص أو ذاك من النصوص الإسلامية على اختلافها.
وقُرَّاء العربية يعرفون بعض هذه الكتب؛ لأنها نقلت إلى لغتهم في عصور مختلفة وبأقلام مختلفة أيضًا، والذين يحسنون اللغات الأجنبية يقرءون كثيرًا من هذه الكتب في اللغات التي أُلِّفَتْ فيها أو نقلت إليها، فيعرفون وينكرون، ويرضون ويسخطون.
ولست أرى بأسًا — كما قلت في الحديث الماضي — بأن يشارك الأزهريون في تأليف بعض هذه الكتب والرسائل، بل أنا أرى في ذلك الخير كلَّ الخير، وأتمنى أن يُسرع الأزهريون إليه، وأرجو أن تكون لي في بعضه مشاركة. ولكن هذا شيء والموضوع الذي أُلِحُّ فيه وأراه واجبًا لا يحتمل إرجاءً ولا إبطاءً شيء آخر.
فأنا أريد ألا يرجئ الأزهر نقل معاني القرآن نفسه إلى اللغات الأجنبية الحية أكثر مما أرجأه إلى الآن؛ ذلك أن الناس في العالم الغربي كثيرًا ما يحرصون على قراءة الكتب المقدسة نفسها في لغاتهم التي يتكلمونها أو في اللغات الأجنبية التي يحسنونها، وهم يقرءون التوراة والإنجيل ويقرءون كتبًا أخرى تقدسها شعوب لا تؤمن بالكتب السماوية، يدفعهم إلى هذا الحرص حبهم للعلم، ورغبتهم في المعرفة، وطموحهم إلى فقه الشئون الدينية مهما يكن مصدرها. وهم يقرءون تراجم كثيرة للقرآن نشرت منذ أواخر القرون الوسطى، وما زال بعضها ينشر في هذه الأيام. وكان آخر ما وصل إليَّ منها ترجمة فرنسية نشرت بعد الحرب العالمية الثانية للأستاذ الفرنسي رجيس بلاشير أستاذ اللغة العربية بالسوربون.
وأصحاب هذه التراجم المختلفة يحملون تبعاتهم بالطبع، وهي تبعات ثقال في أكثر الأحيان، والشيء الذي أقطع به هو أن هذه التراجم لا تقع في نفوس المسلمين المتقنين لعلوم الإسلام مواقع الرضا؛ لأنها تنحرف عن الجادة من هذه الناحية أو من تلك، بعضها يخطئ الفهم ويخطئ الأداء، وبعضها ينحرف عن السنة الموروثة في ترتيب القرآن، ويحدث اضطرابًا شديدًا في نفوس الذين يقرءونه، ولن يستطيع الأجانب أن يفهموا هذا الموقف الغريب الذي يقفه المسلمون من كتابهم المقدس الكريم، فلا يترجمون معانيه لهم، ولا يقدِّمون إليهم منه صورة يمكن أن يطمئنُّوا إليها ويثقوا بها، على حين تقدم إليهم التراجم المختلفة للتوراة والإنجيل، وكل ما يتصل بالتوراة والإنجيل من المباحث والشروح.
والمثل الذي ضربته في الحديث الماضي ليس إلا شيئًا قليلًا من أشياء كثيرة لا أحبُّ أن أعرض لها الآن كما لم يحب الأستاذ الأكبر أن يعرض لها الآن، لا أريد أن أُثِير خصومة قوية أو ضعيفة بين المسلمين وغير المسلمين، وإنما أريد أن ينهض المسلمون بهذا الواجب الذي نهض به كثير من غير المسلمين يخلص أكثرهم وينحرف قليل منهم عن الإخلاص، ويتورط أولئك وهؤلاء في الخطأ الذي لا ينفع أحدًا، والذي يسوء الإسلام ويسوء المسلمين عن عمد وعن غير عمد. والإسلام دين يتجه إلى الناس كافة لا إلى العرب منهم خاصة، وليس من الطبيعي ولا من الممكن أن نفرض على الناس أن يقرءوا القرآن في نصه العربي إذا أرادوا أن يعرفوه؛ لأن هذا تكليف بالمحال كما يقول الأزهريون.
فلا أقلَّ من أن يُفَسَّر لهم القرآن بنقل معانيه إلى لغاتهم؛ لنتيح لهم ما يريدون من ذلك دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرًا، ودون أن يتعرَّضوا في ذلك للخطأ أو الجهل أو التحريف.
وفضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني فيما أظن على أن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ليس مستحيلًا ولا ممتنعًا، وعسى ألا يكون من العسر بحيث يظن المتحرجون.
فأنا لا أريد أن أنقل إلى اللغات الأجنبية ما في بيان القرآن من روعة وإعجاز، وإنما أريد أن أعطي الأجانب من القرآن الكريم صورة صادقة تؤدي إليهم معانيه، وإن لم تؤدِّ إليهم روعة النظم وجمال اللفظ وبراعة الأسلوب.
وفي معاني القرآن نفسها من الروعة والبراعة ما يؤثِّر في القلوب الإنسانية أعظم الأثر وأقواه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، كما كان يقال لنا في الأزهر أيام الشباب، وكما يقال لطلاب الأزهر الآن فيما أظن، وما أريد أن يظن فضيلة الأستاذ الأكبر أني قصدت أن أسوء الأزهر من قريب أو من بعيد … فأنا أعرف للأزهر حقه عليَّ، وأحاول أن أؤدي إليه بعض هذا الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،، ومن أداء حق الأزهر عليَّ أن أذكِّره بالواجب وأدعوه إلى أدائه وأُلِحَّ عليه في هذا التذكير والدعاء.
فالله يأمرنا أن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف ونذكر الواجب، والأزهر هو الذي علمنا أن الله يأمرنا بهذا كله، فنحن حين نطلب إليه أداء هذا الواجب الخطير في غير إرجاء ولا إبطاء ولا تريث إنما ندله على أننا استمعنا له فأحسنا الاستماع، ودرسنا فيه فأحسنا الانتفاع بما تلقينا من الدروس.
أما بعد؛ فإني أرجو أن يتفضل الأستاذ الأكبر فيُعنى أشدَّ العناية وأقواها وأصدقها بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وبتأليف ما يجب تأليفه من الكتب والرسائل التي تبيِّن حقائق الإسلام للناس؛ فالاستكثار من الخير مرغوب فيه دائمًا مدعوٌّ إليه دائمًا، وفي الأزهر والحمد لله قدرة على النهوض بهذين الأمرين جميعًا، ومن حول الأزهر من المسلمين القادرين على معونته من يستجيبون له إذا دعا ويعينونه إذا احتاج إلى العون. ولا يغضبِ الأستاذ الأكبر من هذه الجملة التي رأى فيها قسوة على معهدنا العظيم، فهو يذكر من غير شك أن من القسوة ما ينفع، وهو يذكر كذلك من غير شك أن قد أتى على الأزهر حين من الدهر كان بعض شيوخه يحرجون على غير الأزهريين أن يخوضوا في حديث الدين من قريب أو بعيد، ويرون ذلك مقصورًا عليهم من دون الناس.
وليس أحب إليَّ ولا أحسن في نفسي موقعًا من أن يكون هذا العهد قد انقضى، ومن أن يعود الأزهر الشريف إلى سماحته الأولى، فيعمل الخير ويُذِيعه ويدعو الناس إلى المشاركة فيه.
فتلك مهمة الأزهر التي طالما دعوناه إلى أن يخلص لها نفسه وجهده ووقته ونشاطه كله، وأي شيء أحسن موقعًا في نفوس المسلمين من أن يروا الأزهر قد أقبل على واجبه يؤديه أصدقَ الأداء؟
حق الخطأ (١)
طه حسين
جريدة الجمهورية
٦ يونيو ١٩٥٥
وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.
أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.
فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).
والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.
والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).
بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.
وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.
فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!
كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.
وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.
وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.
أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!
أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!
وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟
وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.
ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.
كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.
تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.
من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟
ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.
نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.
كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.
حق الخطأ (٢)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ يوليو ١٩٥٥
أملى الدكتور طه حسين هذا المقال القيِّم وهو في باريس، وكانت محاكمة الشيخ بخيت لم تنته بعد … والجمهورية تنشر هذا المقال اليوم حرصًا على إرضاء القُرَّاء وعُشَّاق طه حسين بخاصة، وفيما يلي المقال:
إذا أسرف مسلم على نفسه واقترف إثمًا من الآثام التي يمقتها الله، ويحذر منها عباده المؤمنين، ويوعدهم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم إن تورطوا فيها، فأمر هذا المسلم لا يخلو من إحدى اثنتين: إما أن يكون قد اقترف خطيئة تؤذي غيره من الناس، وتضيع بعض حقوقهم، وإما أن يكون قد اقترف خطيئة لا تؤذي أحدًا غيره، ولا تمس إلا الصلة الدينية الخالصة بينه وبين الله الذي يعلم سره وجهره، ويراقب ضميره، حين يفكر أو يشعر، وشخصه حين يحسن في العمل أو يسيء.
فإذا كانت الأولى، فولي الأمر وحده هو المكلف أن يحاكم هذا المسلم، وأن يعاقبه على إيذائه للناس وإضاعته لحقوقهم كلها أو بعضها، وأن يقتص منه للذين آذاهم أو أصابهم ببعض ما يكرهون.
وولي الأمر هو القائم بالحكم بين الناس، وهو مكلف أن يقيم الحدود، وأن ينصف المظلوم من الظالم، وأن يكون الضعيف عنده قويًّا حتى يظفر بحقه كاملًا، وأن يكون القوي عنده ضعيفًا حتى يُؤدِّي ما عليه من الحق كاملًا.
وولي الأمر ينهض بهذا العبء بنفسه إن استطاع، وبوساطة القضاة الذين ينيبهم عنه في النهوض بهذا العبء حين لا يستطيع، وأداء هذا الواجب لا يعفي الخاطئ من حساب آخر أشد وأقسى وأعظم عسرًا من حساب ولي الأمر أو القاضي؛ وهو حساب الله له يوم القيامة، وعقابه له على ما قدَّم بين يديه من السيئات، والله مع ذلك يفتح لهذا الجاني أبوابًا واسعة من الأمل في عفوه ومغفرته ورحمته إن تاب وأصلح وكفَّ عن مقارفة السيئات.
فعقاب السارق والقاتل والغاصب والمعتدي على حقوق الناس بوجه عام، عقاب هؤلاء في الدنيا لا يعفيهم من حساب الله لهم في الآخرة، والله — عز وجل — يعاقبهم بعد هذا الحساب إن شاء، ويعفو عنهم إن شاء، ويبدل سيئاتهم حسنات إن شاء. بهذا كله ينبئنا الله — عز وجل — في كتابه العزيز، وفي آيات كريمة منه كثيرًا ما أظن أني محتاج إلى إثباتها في هذا الحديث؛ لأنها تتلى على المسلمين حين يصبحون وحين يمسون، والخطأ في اقتراف هذه الآثام التي تمس حقوق الناس لا يعفي الخاطئ من التبعات في الدنيا، وإن خفف عنه ثقل هذه التبعات تخفيفًا عظيمًا.
فمن قتل خطأ وجب على الحاكم أن يأخذه بخطئه، ويلزمه تعويض أولياء الدم عما أصابهم من جنايته، وذلك بأداء الدية إليهم، ولكن لا يجوز للحاكم أن يقتص منه ويقتله بمن قتل خطأ. فأما فيما بينه وبين الله؛ فإن الله يعفو عن الخطأ؛ لقوله — عز وجل: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )، والله قد أنبأنا بأنه قد يعفو عن الخاطئ المتعمد إن تاب وآمن وعمل صالحًا؛ فقد يبدل الله سيئاته حسنات.
والله يقول في سورة الفرقان: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) ضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).
وإن كانت الثانية ولم يجن الخاطئ المتورط في الإثم والكبيرة على أحد غيره من الناس، وإنما جنى على نفسه وحدها فضيع حقًّا من حقوق الله التي لا تمس حقوق الناس من قريب أو من بعيد، فأمره إلى الله وحده، وحسابه على الله وحده، وليس لأحد من الناس كائنًا من يكون أن يحاسبه أو يعاقبه، وإنما يجب على المسلمين، وعلى حكامهم وعلمائهم خاصة، أن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، ويحذروه من الشر. وقد يستطيع الحاكم أن يعذره باللوم أو ببعض العقاب الذي لا يتلف نفسه ولا يضيع حقه.
أما ما بينه وبين الله، فلسنا نعلم من أمره إلا ما أنبأنا الله به في القرآن من أنه أعد للذين يقترفون الكبائر عذابًا أليمًا، ومن أنه غفور رحيم يعفو إن شاء عن مقترف الكبيرة، إن تاب وأصلح، والله — عز وجل — يقول لنبيه ﷺ: ( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
ويقول: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ).
ويجب أن تفهم الجهالة في الآيتين بمعناها العربي القديم الذي جاء في القرآن غير مرة؛ وهو التسرع عن غير روية ولا تفكر ولا أناة، فهي هنا نقيض الحلم لا نقيض العلم، كما قال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جِنًّا إذا ما نجهل
وكقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج، حين يجد إليه سبيلًا، من الخاطئين الذين أعد الله لهم عذابًا أليمًا، وأعد لهم الرحمة والمغفرة والعفو إن تابوا من قريب وأصلحوا.
هذه كلها أوليات مفهومة من الدين بالضرورة، كما يقول الأزهريون، ومفهومة من الدين بنص القرآن الذي لا يقبل تأويلًا ولا تبديلًا.
فما عسى أن يكون موقف ذلك الأستاذ الأزهري الذي قال مقالته تلك في الصوم، فأغضب الشيوخ، وأثار هذه القصة التي يظهر أنها لم تنقض بعد. إنه لم ينكر أن الصوم ركن من أركان الإسلام، ولم يُبح للناس أن يفطروا إن شاءوا بغير قيد ولا شرط، وإنما فهم نصًّا من نصوص القرآن الكريم فهمًا لا يقره عليه الشيوخ، وأعلن رأيه للناس. قرأ قول الله — عز وجل: ( وَعَلَى الَّذِين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )، وفهم من هذه الآية ما فهمه بعض المفسرين القدماء، ومنهم الزمخشري مثلًا، من أن الذين يجدون المشقة في الصوم يستطيعون أن يفطروا، وأن يفتدوا من ذلك بإطعام مسكين، وقرأ آيات في القرآن وفهمها على غير ما يقرأ الشيوخ: قرأ قول الله — عز وجل: ( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا )، وقوله: ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )، وقوله: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، ورأى النبي ﷺ يقول فيما روى البخاري: «إنما بعثتم ميسرين لا معسرين.» ويقول فيما روى البخاري أيضًا: «ألا إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.»
قرأ هذا كله وقرأ نصوصًا كثيرة أخرى غيره، واعتقد أن الإسلام لا يأخذ الإنسان بالمشقة ولا بالعنف، وإنما يأخذه باللين والرفق؛ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا. وقد علم الله المسلمين أن يسألوه ألا يحمل عليهم إصرًا كما حمل على الذين من قبلهم، وألا يكلفهم ما لا طاقة لهم به. ورأى كثيرًا من المسلمين يظهرون الصوم إن لقوا الناس أو لقوا بعض الناس، ويفطرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى أمثالهم من الذين يقول الله فيهم: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ )، فأشار على هؤلاء بأن يفطروا إن وجدوا المشقة في الصوم، وبأن يفتدوا من هذا الإفطار بإطعام مسكين، واعتقد فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله، أنه بهذه المشورة ينصح للإسلام والمسلمين؛ فينهى الناس عن النفاق، ويحثهم على الصدقة.
والله ليس في حاجة إلى صيام الصائمين، والمساكين من الناس في حاجة أشد الحاجة إلى أن يطعمهم القادرون على إطعامهم مؤثرين للصدقة، أو مفتدين بها من الصوم.
كذلك رأى هذا الأستاذ. ولست أقول: إنه أصاب، ولست أقول: إنه أحسن فيما صنع، ولكني أقول: إنه لم يتعمد خروجًا من الدين، ولا مخالفة عن أمر الله، ولا انحرافًا عن نصوص القرآن وما صح من الحديث، فأقصى وأقسى ما يمكن أن يقال في شأنه أنه اجتهد فأخطأ. وليس على من اجتهد حرج في أن يخطئ، وما أكثر المجتهدين الذين أخطئوا فلم يقضِ عليهم أحدٌ بالكفر، ولم يُتَّهموا بالخروج من الدين، ولم يحاول أحد أن يحاكمهم أو يعاقبهم، أو يطلب إلى القضاء أن يفرق بينهم وبين أزواجهم، وليس لأحد أن يتهمهم بشيء من ذلك أو يقدمهم إلى القضاء في شيء من ذلك، أو يحاول التفريق بينهم وبين أزواجهم لشيء من ذلك. فكل شيء من هذا القبيل اعتداء على حق المسلم في أن يجتهد في رأيه، وينصح لله والناس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
ولا ينبغي أن يقال: إن ذلك الأستاذ لم يبلغ منزلة الاجتهاد؛ فمنزلة الاجتهاد هذه شيء غامض غير محدد، ولا واضح الإعلام، ولم يستطع أحد من شيوخنا في الأزهر أن يحدد لنا منزلة الاجتهاد هذه، ولا أن يبين لنا متى يبلغها الناس ومتى يقصرون عن بلوغها، ولكن المسلم الذي يقرأ كتاب الله ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه، ويقرأ حديث النبي ﷺ ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه أيضًا، ثم يشارك فيما اتفق الناس على أن يسموه علوم الدين؛ سيأخذ بحظ من الفقه وأصوله، ومن الكلام ومذاهب الناس فيه، ويشهد له بهذا كله الأزهر الشريف الذي يعطيه إجازة مكتوبة معتمدة من الدولة تشهد بأنه عالم من علماء الدين.
هذا المسلم ليس عليه بأس إن حاول الاجتهاد مخلصًا في اجتهاده، ناصحًا فيه للإسلام والمسلمين. وذلك الأستاذ قد ظفر بتلك الإجازة كما ظفر بها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر وزملاؤه من أعضاء هيئة كبار العلماء، وزملاؤهم من علماء الأزهر الشريف جميعًا. وإذا كان شيوخنا الأجلاء يأبون على أنفسهم الاجتهاد ويكتفون بتقليد واحد من الأئمة الأربعة؛ خوفًا من الزلل، وإشفاقًا من الخطأ، وإيثارًا للعافية؛ فذلك حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولكنه لا يبيح لهم أن يأخذوا الناس بأن يكونوا مقلدين مثلهم، هم أحرار في التقليد، وغيرهم حرٌّ في الاجتهاد، والله غالب على أمرهم جميعًا. سيسأل المقلدين عن تقليدهم، وسيسأل المجتهدين عن اجتهادهم، وسيجزي كلًّا منهم بعمله جزاء لا يشك في عدله إلا الجاحدون.
وإذن ففيم كل هذه الضجة؟ وفيم كل هذا الجدال؟ رجل اجتهد ومن حقه أن يجتهد، فإن يكن أصاب فأجره على الله، وإن يكن أخطأ فحسابه على الله وليس لأحد من الناس، لا من رجال الحكم ولا من رجال الأزهر أن يحاسبه على ذلك أو يعاقبه؛ لأنه لم يعتدِ على حق من حقوق الناس: لم يسفك دمًا حرامًا، ولم يأخذ مالًا حرامًا، ولم يؤذ أحدًا في شيء تعاقب القوانين على إيذاء الناس فيه.
كل ما يمكن أن يقال هو أنه أخطأ في حكم من أحكام الدين؛ فمن حق العلماء أن يُبيِّنوا له خطأه، وأن يدلوه على الصواب، ويدعوه إلى أن يثوب إليه. فأما أن يحاكموه أو يعاقبوه أو يؤدبوه أو يقدموه إلى القضاء ليفرق بينه وبين أهله؛ فذلك شيء لا يبيحه لهم الإسلام، وهم إن فعلوه يعطون أنفسهم حقًّا لم يعطه الله لهم، فهم يتجاوزون حدودهم، ويظلمون هذا الأستاذ، وينتحلون لأنفسهم ما لا يملكون.
ولست أدري إلامَ انتهت إليه هذه القصة الآن، ولست أعلم حين أملي هذا الحديث أُبرِّيءَ هذا الأستاذ أم أدين، ولكن الشيء الذي أقطع به هو أن محاكمته من أجل رأيه في الصوم إسراف وانحراف عن أصول الإسلام وسنته السمحة، ولا بد من أن يعود علماء الإسلام في الأزهر إلى قصد السبيل بعد أن جار بهم السلطان عنه، واستحب فريق منهم هذا الجور في وقت من الأوقات؛ فليس لعلماء الإسلام حق في أن يحاكموا مسلمًا أو يعاقبوه لأنه اجتهد رأيه فأخطأ أو أصاب؛ ذلك أن الإسلام لا يعرف الإكليروس، ولا يعرف هذه السلطة الدينية العليا التي يستأثر بها فريق من رجال الدين فيحكمون بإيمان هذا الرجل وكفر ذاك.
وقد عاش المسلمون قرونًا قبل أن يوجد الأزهر الشريف فلم يعرفوا هيئة تحاكم الناس على الاجتهاد في الرأي، وهم قد كرهوا من الخليفة المهدي تتبعه للزنادقة، وإسرافه في هذا التتبع، وأخذه بعض الناس بالشبهة، وقتله بالظنة، وهم كرهوا كذلك إسراف المأمون حين أراد أن يحمل الناس على الإيمان بخلق القرآن، وحين امتحن بذلك جماعة من أخيار المسلمين.
والأزهر نفسه قد عاش قرونًا لم يكن يملك فيها أن يحاكم أو يعاقب على الرأي، وإنما كان يملك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير كما أمر الله في كتابه العزيز، ولم يتح هذا الحق للأزهر إلا في آخر الزمان، وفي هذا القرن الذي نعيش فيه حين أنشئت هيئة كبار العلماء، وأعطيت ما أعطيت من الحقوق، وكان إعطاؤها الحق في محاكمة الناس ومعاقبتهم على الرأي بدعة لم يعرفها الإسلام من قبل.
وكان من الحق على الأزهر أن يذكر، وأن يذكر الحكومة التي أعطت هيئة كبار العلماء تلك الحقوق أن في ذلك بدعة، وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، كما كان ابن مسعود — رحمه الله — يتحدث إلى تلاميذه في الكوفة. وقد اختلف أئمة المسلمين في أمور كثيرة: اختلفوا في الفقه، واختلفوا في الكلام، واختلفوا في السياسة، وشنع بعضهم على بعض، وأسرف بعضهم على بعض في التشنيع، ولكن أحدًا منهم لم يقدم إلى المحاكمة، ولم يفرض عليه عقاب شديد أو يسير.
ونحن نقرأ من تشنيع بعض العلماء على بعض طرائف لا تحصى، ونقرأ في كتب ابن حزم مثلًا أن الأشعري كان قد أهدر دمه حين رأى هذا الرأي أو ذاك في الكلام، وأن أصحاب أبي حنيفة قد أهدروا نصوص القرآن وتكلفوا على النبي ما لم يقل من الحديث حين رأوا هذا الرأي أو ذاك في الفقه، ولكن هذا كله لم يعدُ أن يكون كلامًا يقال، فأما أن يحاكم فقيه أو متكلم على رأي له في الفقه أو الكلام، وأن يكون الذين يحاكمونه من الفقهاء أو المتكلمين؛ فذلك شيء لا يعرفه المسلمون إلا منذ أنشئت في مصر هيئة كبار العلماء.
وأغرب ما في هذه القصة أن صاحب تلك المقالة في الصوم لم يبتكر شيئًا ولم يقل جديدًا، وإنما سبقه علماء من المسلمين إلى مثل هذا الرأي، وقد أشرت في أول هذا الحديث إلى أنه لم يبتكر تفسير آية الصوم التي اعتمد عليها في رأيه ذاك، وإنما سبق إليه مفسرون قدماء ذكرت منهم الزمخشري.
وقد سبقه إلى رأيه من الفقهاء القدماء الذين لا يكفرهم الأزهريون جماعة، أذكر منهم ابن حزم، ولست أعرف أن الزمخشري حوكم على تفسيره لهذه الآية الكريمة، ولا أن ابن حزم قد حوكم على إباحة الإفطار والفدية لمن وجد المشقة في الصوم، ولكن آفة الأزهريين المعاصرين أنهم يقرءون كتبًا بعينها قد فرضتها عليهم ظروف الأزهر في بعض العصور، ولا يكادون يقرءون غيرها من الكتب التي كتبها علماء الإسلام في العصور الأولى وفي البلاد الإسلامية المختلفة. وهم من أجل ذلك يحصرون العلم والدين في حدود ضيقة جدًّا هي حدود الكتب التي يقرءونها، والعلم أوسع جدًّا من هذه الكتب، والدين أوسع جدًّا وأسمح جدًّا مما يراه الأزهريون.
ولولا أني أحب الأزهر حبًّا متأصلًا في نفسي، وأرفق بالأزهريين كما أرفق بالصديق الحميم؛ لقلت أكثر من هذا، ولكني على كل حال أتمنى مخلصًا للأزهريين، ولعلمائهم خاصة، أن يقرءوا القرآن نفسه، وأن يقرءوا الحديث في نصه أكثر مما يقرءون كتب الفقه وكتب المفسرين المتأخرين.
ولست أعرف شيئًا يعلم المسلم سماحة الرأي، وسماحة الخُلق، وأخذ الأمور بالرفق واللين، والحكم على الأشياء في غير تكلف ولا تعقيد كالإمعان في قراءة القرآن الكريم، والحديث الشريف، والاقتصاد في الرجوع إلى المفسرين والشراح، بحيث لا يرجع إليهم إلا عند الضرورة القصوى.
أما بعد، فأظن أني قد بلغت بهذا الحديث ما حاولت من إثبات أن من حق ذلك الشيخ الذي قال مقالته تلك في الصوم أن يجتهد، وأن يخطئ، وأن ليس لأحد من الناس، وإن كانوا شيوخ الأزهر، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن يحاكمه أو يعاقبه على شيء من ذلك، وأن لهم أن يجادلوه بالتي هي أحسن، وأن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، لا يتجاوزون ذلك إلى أكثر منه؛ لأنهم لا يملكون أن يتجاوزوا ذلك.
أما ما كتبه الأزهريون الذين حاولوا أن يردوا على الحديث الذي نشرته الجمهورية لي قبل سفري من مصر، فليس لي رد عليه إلا قول الله — عز وجل: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )، وقوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ).
Leave a Reply