Category: Taha Hussein Speeches

  • ضريبة الحق: أزمة تحصيل الضرائب | The Tax Reckoning: The Finance Minister’s Crackdown

    حديث الوادي
    حظوظ . . .
    لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.

    هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.

    لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.

    فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:

    صدّت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!

    فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.

    أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.

    أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
    ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.

    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إقناع…
    ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
    وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
    ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
    والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
    جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
    وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
    ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
    وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
    وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
    هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
    ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رضى . . .
    أما مجلس النواب، فقد أقر أمس خطة الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك أن كانت لنا عقول تفهم، أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك. فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئاً. ولا تقل للنواب أن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا أن من حق مصر أن تلغي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفاً على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان، أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق. لا تقل هذا للنواب. فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائباً أكثر من النواب، ولا حريصاً على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب، فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
    ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم، فلا ينبغي ولا سبيل إليه، لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور، وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضى، واطمأن حتى سئم الاطمئنان، وزهد في الاجتماع وآية ذلك أن كثرته تخلفت عن جلسة أمس، ولم تقبل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب، أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار، فتفرقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
    والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلف عنه الكثرة التي تخلفت أمس؟ فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شبع منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحب الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئن إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يخشى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولما تردد في الاجتماع كل يوم، آناء الليل وأطراف النهار، ليرعى الحقوق ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
    النواب إذن، راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون. وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوربا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبين للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نسقت تنسيقاً جميلاً. وما لهم لا يرضون، وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم. وكان وزير الحقانية، يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويبيح للنواب أن يتعرضوا من شؤون مصر، لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يشفقون أن يكون الوزراء جميعاً متضامنين مع وزير الحقانية، في هذا الرأي، فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأياً غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف، على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك، لأنه أمر دوليّ يمس السلطة التنفيذية وحدها.
    والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية، رأى أنه كان مخطئاً. فعدل عن الخطأ، وثاب إلى الصواب. وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب. فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا. وقد فعلوا. أعلنوا رضاهم في مصر، فنشرت صحفهم كلاماً كثيراً فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه. وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوربا، فرضيت الأوطان واغتبطت، وأثنت الأوطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
    كل شيء حسن إذن. النواب راضون، الشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون. أليس الوزراء سيتناولون الغذاء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم! أليس هذا آية على الرضى والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسناً، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
    ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضياً ولا مبتهجاً، وليس آمناً ولا مطمئناً، ولكنه ساخط كل السخط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كل الخوف، قلق أشد القلق. وقد يكون هذا حقاً، ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسخط، وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماء من النيل. فليشرب من هذا أو ذاك، فقد يجد في هذا أو ذاك ما يخفف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان.!
    لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.
    طه حسين
    حديث الوادي، ٦ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تفاؤل . . .
    الحق مر، وإن نطق به أعذب الناس حديثاً، وأحلاهم لهجة، وأطيبهم نفساً، وأسمحهم خلقاً. والحق مر، وإن كان لفظه يؤذن بالخير كله، ويدعو إلى الخير كله، ويفتح أبواب الآمال، كأوسع ما تفتح الأبواب، وآية ذلك، هذه الكلمة التي قالها نائب من النواب أمس، فصور بها الحق أجمل تصوير، ولكنها لم تكد تقع في أسماع النواب، حتى ثار لها فريق منهم، فاضطرب الأمر، وعظم الخطب، وارتفعت الأصوات، واشتد الضجيج، واضطر رئيس المجلس إلى أن يقف الجلسة، ويخلي بين النواب وبين الراحة، ويهيئ لرئيس الوزراء وقتاً يلتمس فيه مخرجاً من المأزق الذي دفع إليه.
    وكانت هذه الكلمة التي صورت الحق أجمل تصوير فأغضبت النواب أشد الغضب: «إن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة، تصرفها حسب المصلحة».
    ثار النواب لهذه الكلمة وفاروا، وهاج النواب لهذه الكلمة وماجوا، وصاح صائحهم: «وإذن فما فائدة مجلس النواب؟» والغريب أن هذه الثورة لم تغن شيئاً، وأن هذا الاحتجاج لم يغن شيئاً، وأن مجلس النواب آمن آخر الأمر بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة. فترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة لأنه واثق بها، مطمئن إليها، مؤمن بأنها رشيدة حقاً، ولكنك تسأل: إذن ففيم ثار المجلس بهذا النائب الذي زعم له أن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن يترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة؟ والجواب على هذا السؤال واضح، فقد ثار المجلس لأنه لم يكن له بد من أن يثور، فهو يريد أن يكون التفاؤل خيراً من التشاؤم، ولكنه لا يريد أن يعلن ذلك إعلاناً، ويسجله تسجيلاً، وهو يريد أن يدع الأمر لحكومتنا الرشيدة، ولكن بعد مناقشة يشتد فيها الحوار، وترتفع فيها الأصوات، يكثر لها الاضطراب.
    والإنسان مفطور على أن يؤمن لنفسه بالقوة، وإن كان ضعيفاً، وعلى أن يقنع نفسه بالحرية، وإن كان مجبوراً، فلابد من أن يؤمن الناس للنواب بأنهم يحاورون ويجادلون،
    ولابد من أن يؤمن النواب لأنفسهم بأنهم يحاورون ويجادلون أيضاً. وقد حاور النواب وجادلوا أمس، فأحسنوا البلاء في الحوار والجدال، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العام يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك قد حاوروا وجادلوا يوم الاثنين، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة المحاكم المختلطة يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك سيحاورون ويجادلون، ثم يقتنعون إن شاء الله بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العقاري يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. ومادامت الحكومة رشيدة، فيجب أن يترك لها كل شيء. وليس المهم أن تعمل الحكومة شيئاً، وإنما المهم أن يقال في مجلس النواب إنها حكومة رشيدة، وأن يترك لها مجلس النواب كل شيء. فقد كانت حكومة صدقي باشا رشيدة، وكان النواب يؤمنون لها بالرشد، لم ينزعوا منها الثقة يوماً من الأيام، ولم يسقطوها كلها أو بعضها في يوم من الأيام، ولكن رشدها طار على غير انتظار، فسقطت والنواب غائبون، ثم اجتمع النواب بعد ذلك فتبين لهم أنها لم تكن رشيدة في يوم من الأيام، ولا ملهمة للتفاؤل، ولا خليقة بالثقة في وقت من الأوقات، ولا في عمل من الأعمال. أما الوزارة القائمة فرشدها والحمد لله ما زال مستقراً، وإذن فيجب أن نترك لها مسألة الدين العام ومسألة الدين العقاري، ومسألة المحاكم المختلطة. وهي تعمل في علاج هذه المسائل بالضبط ما كانت تعمله وزارة صدقي باشا، أي أنها لا تعمل شيئاً! ولكنها مع ذلك رشيدة يجب أن يثق بها النواب وأن يتفاءلوا ويطمئنوا، ويتركوا لها كل شيء. وقد فعلوا وما زالوا يفعلون، وقد اطمأنوا وما زالوا يطمئنون، إلى أن مسألة المحاكم المختلطة موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام، وإلى أن مسألة الدين العام موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام. فأما مسألة الدين العقاري فعسى أن يكون أمرها كأمر هاتين المسألتين إن شاء الله. والأمور مرهونة بأوقاتها. والظريف أن رئيس الوزارة أراد أن يؤكد للنواب ما لا شك فيه من أن وزارته رشيدة ترعى المصلحة، فسأله بعضهم عن تصريح وزير المالية الذي كان يزعم للناس أنه لن يدفع إلا ورقاً، وأنه لن يفاوض في ذلك، فلم يرد رئيس الوزراء أن يرد على هذا السؤال، وإنما تخلص منه، وأفلت من السائل إفلاتاً. وكيف يرد على هذا السؤال، وهو إن فعل دفع وزير المالية إلى الاستقالة دفعاً. وأعلن ذلك إلى النواب إعلاناً. فوزير المالية لا يريد أن يفاوض في مسألة الدين العام، ولكن
    مندوب الوزارة قد وصل إلى باريس أو كاد، وهو يتهيأ للمفاوضة في هذه المسألة التي لا يريد وزير المالية أن يفاوض فيها، ووزير المالية يقبل لنفسه هذا الوضع ولا يستقيل ولكن بشرط أن لا يعلن إعلاناً في مجلس النواب، وألا يصرح به رئيس الوزراء تصريحاً يسمعه الناس، وتذيعه الصحف. فالحق مر وإن صدر عن رئيس الوزراء.
    أما الشعب المصري، فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد، أمتفائل هو أم متشائم، أمطمئن هو إلى الحكومة الرشيدة أم غير مطمئن؟ لن يسأله أحد، لأن أحداً لا يحفل بسؤاله، ومادام النواب والشيوخ راضين، فالشعب راضٍ بإذن الله. ولا نصدق الشعب، إن أعلن وألح في الإعلان، أنه ساخط، فإنما هو كلام يقال، لا ينبغي أن يصغى إليه العقلاء، الذين قضى الله لهم بالرشد، والكفاية والمهارة، حتى يزول عنهم الحكم، فيصيروا إلى مثل ما صار إليه صدقي باشا من الإخفاق والخذلان.
    أما بعد فهل يحب النواب والوزراء أن يسمعوا كلمة مرة من هذه الكلمات المرة التي يسمعونها فيغضبون لها ثم يطمئنون إليها، فليعلموا إذن أن التفاؤل خير من التشاؤم، كما قال لهم صاحبهم أمس، وأن الخير كل الخير، في ألا يجادلوا ولا يحاوروا، ولا يكلفوا الحكومة مشقة الرد والجواب، فإن الرجل الحكيم خليق أن لا يضيع وقته وجهده في غير طائل. ومادامت الحكومة رشيدة، ومادام الأمر ينتهي بالإيمان لها دائماً بالرشد والثقة بها في كل شيء، فقد يكون الحزم في أن تفوض تفويضاً تاماً في تصريف الأمور دون أخذ ولا رد، في هذا الصيف المهلك الثقيل!!
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٧ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صبريات . . .
    وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
    فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
    الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
    وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
    ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
    ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
    فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
    المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صبريات. . .
    نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
    ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
    هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
    ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
    أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تسوية…
    تمت أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمت بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة، وبين أحدهما الآخر بالنيابة. فقد شهدها وقبلها واطمأن إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا. وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها يقول ولا يفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يهدئوا النواب ويعينوهم على ابتلاع هذه الحبة المرة. وقد أعانوهم بالفعل، فأهدوا إليهم جملًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تقدم إلى المريض، ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء. وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضى، وأرسل رئيس الوزراء نفسًا طويلًا حارًا، كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة. سماء السياسة الرسمية، من تلك السحب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة، لا تحجب شيئًا، ولا تكدر صفوًا، ولا تخيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات. ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقي به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين، لأنه قد يحتاج إليه. ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مداعبًا، ملاعبًا، إلى مكان آخر. ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد. فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير. فإذا هو منشور له ما بعده حقًا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جمله القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أشيع عن تعليمات أخرى سرية، يقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به. وقل ما شئت، فالمنشور نفسه مغضب للنواب،
    ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها. ولو كنت نائبًا وأذيع هذا المنشور لغضبت منه فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب، لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يسمح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضى لبسط القلم واللسان. فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصةً مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات. تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء. والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دينهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وإن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أن تأخر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النظم والتعليمات. وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات. فالوزير يسجل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية. قد ميزوا أنفسهم أو ميزتهم الإدارة بشيء من الاستثناء الذي لا يباح. فهذا مغضب للنواب من أنفسهم إن كان حقًا. ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًا. ولكن النواب يقولون أنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضى. على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تغضب الذين تعودوا أن يؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير. فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يؤخذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يوقع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقةً أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب، إن هم قصروا في الأداء. وأن ترفع أمورهم كلهم إلى النيابة، من غير تفريق، كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تراعى النظم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها. أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء.
    لم يغضب النواب فيما قالوا لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تقال، فلم يبق لنا إلا أن نتمنى لهم حلمًا إلى حلم، ورضى إلى رضى، ونتمنى للوزير حزمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء، دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظل ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف، لتذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تؤدى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجد الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجرى الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:
    أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدًا
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٣ يونية ١٩٣٤.

  • خطب طه حسين في فلورنسا ١٩٥٣- ٥٦ | Taha Hussein’s Speeches in Florence, 1953 – 56

    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    وزير التربية والتعليم
    ٢٦ يونيو ١٩٥٣
    سعادة رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    إني أحملُ إليكم تأييد بلادي، وتأييد سائر البلاد الإسلامية، تأييداً لكل ما قيل في هذا المؤتمر منذ استهلاله وحتى ساعتنا هذه؛ وهو تأييدٌ أزفُّه إليكم بغير قيدٍ ولا شرط، ذلك أن نهج تفكيرنا هو عينُ نهجكم. فليس ثمَّة خلافٌ بيننا في سبلِ إدراكِ وقبولِ القيم الروحية التي يتعينُ إرساؤها في عالمنا المتمدن الحديث. وإني إذ أقولُ هذا، لا أقوله بصفتي رجلاً من رجال القرن العشرين فحسب، ممن شُغفوا بثقافتكم وحضارتكم وتأثروا بكل ما نهلوه من مَعين المدنية الأوروبية، بل أقوله بصفتي مسلماً؛ فأنا على يقينٍ تام من أن أي مسلمٍ، في أي بقعةٍ من بقاع الأرض، لَو وقف مكاني هذا لَقالَ بالضبط ما أقوله الآن.
    إن كلمة “إسلام” مشتقةٌ من مادة “السلام”، وهي كلمةٌ ذات دلالةٍ جليلة، ليس في اللغة الإسلامية فحسب، بل في العالم أجمع. فالإسلامُ هو الدخول في السلم؛ وكلُّ مسلمٍ يبتغي أن يكون في سلمٍ مع الله. بيدَ أن الله “عزيزٌ ذو انتقام” في طلبه، فهو لا يكتفي بمجرد الصلح الظاهري، بل يوجبُ أن يكون السلمُ معه استسلاماً مطلقاً له. فكونُك مسلماً يعني أن تستسلم لله، وأن تَهبَه قلبك ونفسك وعقلك؛ أن تَهبَ نفسك لله بغير تحفظ. هكذا يؤمن المسلمون. وهم أبناءُ إبراهيم الذي استسلم لله استسلاماً كلياً، لدرجة أنه حينما أمره بالتضحية المشهورة لم يجد ما ينطق به من قول، إذ لم يكن أمامه إلا الطاعة بغير ترددٍ للأمر الذي أصدره الله إليه. ولم يستسلم إبراهيم وحده، بل طلب من ابنه الاستسلام ذاته، فأطاع الأب والابن معاً: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}.
    إن الإسلام يعني أن تكون في سلمٍ مع الله، وبالتبعية في سلمٍ مع البشر. ويبدو لي أن الإسلام والمسيحية يلتقيان في هذه النقطة لقاءً سعيداً. فقد كان المسيحُ هو المبشر بالسلام على الأرض بين ذوي النوايا الطيبة، بين الذين استسلموا للأب السماوي ووهبوا أنفسهم لله كلياً. إن الاختلافات بين المسلمين والمسيحيين — فيما عدا القضايا العقدية التي لا ينبغي لغير علماء اللاهوت الانشغال بحلها — لا وجود لها. فنحن جميعاً نفكر بالأسلوب ذاته، ولنا الأهدافُ عينُها من إرساء السلام بين البشر وتحقيق التقدم للعالم.
    إن كتاب الإسلام المقدس، القرآن الكريم، يتحدث عن المسيحيين والمسيحية، ولن تجدوا في سائر نصنا المقدس كلمةً واحدةً ضدهم؛ أعني ضد المسيحيين الحقيقيين، الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً ويستسلمون لها بقلوبٍ طاهرة. أما ذلك المسيحي الذي لا يعرف من إيمانه إلا الجانب الشكلي فذاك أمرٌ آخر؛ وهذا النمط هو من ينتقده القرآن، لأنه بداهةً لا يعرف الله حق المعرفة، ويقول إن الله ثالثُ ثلاثة. وأنا لا أعتقد أن المسيحيين الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً يقولون إن الله واحدٌ من ثلاثة. والقرآن يتحدث عن صلب المسيح، لكنه يوجه لومه لليهود الذين تفاخروا بصلبه، فيقول لهم القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}.
    ويكفي أن نستشهد بآيات القرآن الموجهة للمسلمين، تلك التي تحارب الكبر وتؤكد أن أقرب الناس مودةً هم أولئك الذين استعدوا لمحبتكم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖيَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.
    وحينما يقرأ المسلمون هذه الكلمات في القرآن (وهم يفعلون ذلك غدواً وعشياً وخمس مراتٍ في اليوم خلال كدحهم) لا يمكنهم أن يتخيلوا وجود خلافٍ حقيقيٍ بينهم وبين المسيحي، فضلاً عن وجود سببٍ للبغضاء. لقد كان الأب “دانييلو” يقول إنه ينبغي قبول فكرة “الوطن” وقبول الاختلاف بين الأوطان، مع الاكتفاء بقبول هذا الاختلاف بمحبة. وإني لأوقعُ على هذه الكلمات الجميلة للأب دانييلو، وأؤكد أن سائر المسلمين يتعين عليهم التوقيع على هذا الإعلان. ففي بلاد الإسلام، يعيش المسلمون والمسيحيون وغيرهم جنباً إلى جنب. لا يقتصر الأمر على عيش المسيحيين في سلمٍ مع المسلمين، بل إن المسلمين يعيشون في سلمٍ حتى مع غير المسيحيين ومع الأجانب أيضاً. وفي بلدي، لا يعيش الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان واليسوعيون لمجرد العيش، بل يعيشون ليعلّموا؛ فلهم مدارسهم ومعاهدهم التي يعلمون فيها المسيحيين والمسلمين على السواء، حيث يرسل المسلمون أبناءهم لتلك المدارس.
    إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في وئامٍ تام مع أساتذتهم المسيحيين. كما أن المسيحيين يلتحقون بمدارسنا الوطنية وجامعاتنا، ومن بينهم فلورنسيون أيضاً. لا توجد أي صعوبةٍ في الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وليس هذا في مصر فحسب، بل في سائر البلاد الإسلامية؛ ففي كل مكانٍ نجد التعايش كاملاً. وحينما تتحدثون عن “السلام المسيحي”، فنحن نفهمه على أنه “السلامُ” بغير نعوت؛ لأنه لا يوجد سلامٌ مسيحيٌ فحسب، أو سلامٌ مسلمٌ فحسب، بل يوجد “سلامٌ عالميٌّ وشامل”. فالسلامُ بحد ذاته لا دين له؛ بل بالأحرى له دينُ اللهِ الواحد، وهو “دينُ السلام”.
    لقد اجتمعنا هنا لنتناقش ونرى إلى أي حدٍ يمكن للصلاة والشعر أن يساهما في إرساء السلام في العالم. وبناءً عليه، فإني لا أعرف ديناً يُعلي من شأن الصلاة، ويُلحُّ على الإنسان أن يصلي ويكون في صلةٍ مستمرةٍ بالله، كالإسلام. وليس هذا لمجرد أن الإسلام يفرض على المسلمين خمس صلواتٍ في اليوم، ولا لأن الصلاة من بين الشعائر الأساسية التي يجب على الإنسان المشاركة فيها، بل لأن الإسلام لا يكتفي بالصلوات الخمس الرسمية، بل يؤكد أن ثمة شكلاً آخر من الصلاة، أهم بكثير من الصلاة الشعائرية: وهي استحضار الله الذي يجب أن يكون حاضراً في رُوح الإنسان، في جميع لحظات الليل والنهار.
    فالقرآن يأمرُ بإقامة الصلاة الرسمية، لكنَّ الحضور المستمر لله في النفس أهم بكثيرٍ منها. فالقرآن لا يكتفي بالرسم، بل يريد أن يكون ذكرُ الله حاضراً في الرُّوح، ويقدم للمسلمين نماذج من الأدعية، منها على سبيل المثال:
    {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖوَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚأَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
    وأيضاً: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖبِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖوَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
    وهناك نماذج عديدة أخرى من هذه الأدعية التي قدمها القرآن للمسلمين ليكونوا على صلةٍ بالله خارج أوقات الصلاة الرسمية. وفي الليل، ندعو الله هكذا (كما ورد في المأثور النبوي):
    «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ».
    هكذا يملك المسلمون أدعيةً شتى يناجون بها الله في الصباح والمساء، عند اليقظة وعند المنام، بخلاف الصلاة الرسمية.
    أما حيال الشعر، فقد اتخذ القرآن موقفاً حاسماً بإدانة الشعراء الغاوين: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. وبناءً عليه، فالقرآن ضد الشعر العابث، لكنه مع الشعر الذي يعلّم الناس الخير ويصدرُ عمن يعملون الصالحات: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}. فالشاعرُ قد يكون مقبولاً في الإسلام شريطة أن يكون رجلَ خير، ينطق بما ينفع من يسمعه ويتعلمه. هكذا يدين الإسلام الشعر المبتذل، لكنه يقرُّ الشعرَ الجدير بهذا الاسم.
    وللمسلمين، بطبيعة الحال، شعراؤهم؛ فلهم شعراءُ المجون كما هو حال العالم أجمع، لكنَّ لهم أيضاً شعراءهم من أهل الخير، وهم شعراءُ من الطراز الأول.
    ويمكنكم أن تسألوا علماءكم من المستشرقين، وتستفسروا منهم إلى أي حدٍ يرتبط التصوفُ المسيحي بالتصوف الإسلامي، وكيف تغلغل هذا التصوف في إسبانيا خلال القرنين العاشر والحادي عشر. فالتصوفُ الإسلامي والتصوف المسيحي قريبان جداً من بعضهما، ولهما المناهل ذاتها، وهي “حبُّ الله” و”حبُّ الحق”. فإله المسلمين هو إله المسيحيين، وصلاةُ هؤلاء وصلاة هؤلاء واحدةٌ تقريباً، فيما عدا بعض الشكليات؛ ونحن نتقبل هذا الاختلاف بمحبة.
    لقد وجد شاعرٌ مسلمٌ تحرر من كل قيدٍ شكلي، ففحص الإسلام ودرس المسيحية واليهودية ودرس دياناتٍ أخرى، ولم تمنحه أيٌّ من هذه الأديان راحة النفس التي كان ينشدها. كان شاعراً عربياً عاش في القرن العاشر، وهو ضرير، وأعني به “أبا العلاء المعري”، الذي قرأ كل شيء، وعاشر المسلمين والمسيحيين واليهود والفرس وغيرهم، وخرج بروحٍ متحررةٍ تماماً من كل شكليةٍ دينية. لكنه لم يستطع أبداً التحرر من التفكير في الله؛ فقد كان يؤمن بالله، إلهاً حكيماً، إلهاً خلق العالم، لكنه لم يستطع فهم “الوحي”. هذا الشاعر، بعد أن طاف بالبلاد الإسلامية، عاد إلى داره واعتزل العالم ومكث في بيته خمسين عاماً (رهين المحبسين) لا يرى إلا تلاميذه، ولا يخرج أبداً. وحرم على نفسه كل لذة؛ فلم يكن يأكل إلا العدس والتين، وقضى خمسين عاماً في هذه الحياة الطاهرة المتصونة والمتسمة بالقداسة حقاً، قداسةٌ رغم إنكاره لكل وحي.
    لقد قرأتُ صلواتِ هذا الشاعر الضرير، وأعتقد أنها لم تُنشر بعد باللغات الأوروبية، لأنها رأت النور مؤخراً بالعربية، ولا أدري إن كان المستشرقون يعرفونها. لقد كان هذا الرجل يؤمن بالصلاة، بالصلاة الحقة؛ تلك التي لا تُؤدى لمجرد الأداء، أو للتظاهر بأن المصلي يتوجه لله. فالله لا يحب المرائين، ولا يحب الذين يوجهون صلاتهم لغيره. فالله يوجب أن يتوجه المصلي إليه بقلبٍ طاهرٍ تماماً، ويريد منه أن يفحص ضميره قبل الصلاة، ويطهره من كل ما هو سوى الله.
    وحينما نريد أن نرى إن كانت الصلاةُ والشعرُ وسيلتين فعاليتين لإرساء السلام بين الأمم، فيتعين علينا ابتداءً أن نفحص ضمائرنا لنتبين ما إذا كنا نرتكبُ مظالمَ في حق الآخرين.
    إن اليوم الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون مستعدين للقاء — ليس بوجوهٍ باسمةٍ فحسب، بل وقبل كل شيء بقلوبٍ وضمائر طاهرةٍ ونقية — ستكون الصلاةُ والشعرُ هما الوسيلةَ الأكثر فعاليةً لإرساء سلامٍ دائمٍ بين المسيحية والإسلام.


    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    ٢٥ يونيو ١٩٥٤
    سعادة رئيس البلدية، سيداتي، سادتي،
    لقد قال لي العمدة “لا بيرا” منذ أيامٍ قلائل، في جملة ما غمرني به من رقيق القول: «ما أجمل العودة إلى الدار بعد طول سفر!». وإني لأحبُّ أن أعتبر نفسي هنا في داري، وأن أتحدث إليكم كحديث المرء في أهله وعشيرته. فنحن جميعاً إنما جئنا هنا بحثاً عن الحق، وطلباً للعدل، وسعياً لأن يحلَّ سلام الله في كل القلوب وبين سائر البشر، ويملأ الأرض خيراً ورخاءً.
    فما عسانا أن نفعل لنكون أصدقاء، ونتحدث حديث القلوب؟ سأتحدث إليكم بأبسط ما يكون الحديث، وبالنهج الذي أوصى به الله المسلمين؛ إذ يقول سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ{. إني أحمل إليكم أولاً تحية بلادي ودعواتها بنجاح مؤتمركم هذا، بل مؤتمرنا؛ لأن هذا اللقاء الذي يُسمى “مؤتمر السلام والحضارة المسيحية” هو أيضاً مؤتمرٌ للحضارة والسلام الإسلامي. فليس ثمة خلافٌ جوهري بين الإسلام والمسيحية؛ فإلهنا واحد، وإيماننا واحد، وغاياتنا ومُثُلنا واحدة. ومرةً أخرى يوصينا الله بالوحدة فيقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{.
    إذن فإلهنا واحد، ونحن يدٌ واحدة ضد كل ما يتهددنا. سأتحدث إليكم بالنهج الذي أمرت به الكتب المقدسة، وأقول لكم ببساطة إن سائر المسلمين قد أجمعوا على تأييد مُثُلكم وغاياتكم وطريقتكم في التفكير فيما يخص العدل والسلام. إن أزمة “الوحي” التي تشغلكم اليوم قد شغلت المسلمين منذ زمنٍ بعيد، منذ القرن الثامن للميلاد، حينما واجه المسلمون هذه الأزمة فور ترجمتهم للفلسفة اليونانية واحتكاكهم بالحضارة الإيرانية. وحينئذٍ انفتحت الهوة بين الإنسان وخالقه؛ فالإنسان دائماً ما يداخله الغرور حين يفكر، وحين يتوهم أنه اكتشف جديداً، فيتخيل أنه قد سخر العالم لنفسه، ويظن أن الدنيا في غنىً عن الله، فيضع نفسه في موضع التضاد مع الخالق.
    إن حلَّ هذه الأزمة يكمن في التوفيق بين الحضارة والوحي. ومع أن الإنسان حاول دوماً إيجاد الحل كلما تطور وترقى، إلا أن غروره كان يزداد بازدياد توهمه للتقدم العقلي. وفي نهاية القرن العاشر وبداية الحادي عشر، برز مفكران مسلمان كبيران؛ أحدهما في سورية، وهو أعظم شعراء الإسلام: أبو العلاء المعري، الذي ثار على الوحي، وزعم أن الأنبياء سبب العداوة في العالم، وأن النبوات خديعة من “شيوخٍ” أرادوا السلطان والمال، وكان يقول: »أفيقوا؛ فما وحيكم إلا مكرٌ وخديعة« . أما الغزالي، فقد سلك مسلكاً عجيباً؛ إذ حاول هدم الفلسفة ليُفهم المسلمين أنهم في غنىً عنها، وأن كل شيء موجود في القرآن. ثم جاء ابن رشد محاولاً التوفيق بين الفلسفة والدين في كتابه «فصل المقال«.
    بيد أن الفلسفة ازدهرت في الأندلس ازدهاراً عظيماً بفضل الأساتذة وترجمة الكتب إلى اللاتينية. وفي المغرب، خاض المسلمون معركةً ضارية ضد الفلسفة وأحرقوا كتبها. ويروى عن فيلسوفٍ أندلسيٍ كبير (ابن رشد) أنه قال لمن أحرقوا كتبه: «إنكم قد تحرقون الورق، ولكنكم لا تحرقون العلم؛ لأن العلم في صدري، ولا يحرقه النار».
    ثم داهمتنا الأزمة في القرن التاسع عشر ووجدت المسلمين في حالة ضعفٍ وسبات. لكنهم استيقظوا رويداً رويداً، واستعادوا وعيهم بمجد الإسلام الغابر، وأرادوا استعادة كرامتهم القديمة. لقد عانى المسلمون في القرون الأخيرة من “عقدة المغلوب” أمام الأقوياء، فكانوا يرون الحضارة الغربية شيئاً خارقاً وأرادوا بأي ثمن جعل الإسلام جديراً بها. وحينئذٍ ظهر محمد عبده، الذي حاول إثبات أن الدين لا يتعارض مع الحضارة، ولكنه أسرف في التأويل حتى أراد أن يجد الميكروبات التي اكتشفها الأطباء في آيات القرآن! وهذا النهج أرضى المسلمين لثلاثين عاماً فحسب.
    أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت في مصر والشرق الأدنى دعوةٌ للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام، والتمسك بالنصوص القرآنية في نزاهتها بعيداً عن التأويلات المتكلفة. وأرادوا التأكيد على أن العلم والدين يمكنهما التعايش والوئام، شريطة أن يتسم العقل بالتواضع، ويقر بعجزه عن إدراك كل شيء من خلال كشوف العلم والتقنية؛ فالدين يظل هو السيد، وهو المعلم للقلب والوجدان، وهو الموجه لسمو البشر.
    بين الحربين العالميتين، شهد العالم العربي نهضةً حضاريةً استثنائية، وتبنى الثقافة المعاصرة والحضارة الغربية بصدق. ففي مصر مثلاً، تُدرس العلوم واللغات الأجنبية في كل المراحل التعليمية. وذهب المسلمون لأبعد من ذلك حين قالوا: «إن هذه الحضارة الغربية ليست مِلكاً للغرب وحده، بل هي حضارةٌ إنسانية، بدأت في اليونان وروما، ثم نَصَّرها المسيحيون وأسلمها المسلمون».
    لقد اضطلع المسلمون بدورٍ هائل في تطور هذه الحضارة، ولا يمكن للغربيين ادعاء ملكيتها الخالصة. والمسلمون اليوم يشعرون بأنهم شركاء في حضارتكم، وعليكم واجبٌ نحوهم بأن تنقلوا إليهم ما استحدثتموه من كشوف، لا كأسيادٍ بل كإخوةٍ وشركاء؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد. لقد نَصَّرتم الزمان في وقتٍ ما، وأَسلموه هم في وقتٍ آخر؛ أنتم تقدمتم في العصر الحديث وهم تقدموا في الماضي. أنتم إخوةٌ يجب أن تَرُدوا للشرق الإسلامي ما كان قد مَنَحكم إياه في القرون الوسطى.
    إن ما ينشده المسلمون اليوم هو العيش في سلامٍ مع العالم، ولكن في ظل سلامٍ حقيقي، لا سلامٍ ركيزته الرهبة والقهر. إنهم يطالبون بالعدل الذي يجب أن يكون واحداً للجميع؛ فلا يقبل المسلمون أبداً أن يكون هناك عدلٌ في أوروبا للأوروبيين، وعدلٌ في الشرق تفرضه قوة السلاح والاستعمار.
    إني لا أسعى للتفلسف أو الغرق في اليوتوبيا، بل أريد شيئاً واحداً: أن أُبين لكم أن علينا واجباً أسمى، وهو استعادة تلك الأخوة بين العالم الإسلامي والغرب، بل وبسطها بين بني الإنسان كافة. فليس عند الله شرقٌ وغرب، ولا شمالٌ وجنوب؛ بل هناك “العالم” وهناك “البشر”. والله حين يمنح العدل، لا يمنحه للمسيحيين وحدهم أو المسلمين وحدهم، بل يمنحه للعالم أجمع.
    أطلب منكم “مراجعة للضمير”. فالقرآن يقول: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{. وهذا يصدق على المسيحي كما يصدق على المسلم. إن الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك هي دماء الجميع. فالله لم يخلق العالم لأمةٍ واحدة، بل خلقه لتنعم فيه البشرية جمعاء، وتعبده وتخضع له في ظل العدل والسلام.
    وإني لعلى يقينٍ من أنكم، بمراجعة ضمائركم، ستدركون أن علينا جميعاً واجباً إلهياً؛ واجباً يهدف لأن يكون عدل الله شاملاً، وسلامه يرفرف في كل القلوب، ويملأ الأرض خيراً وبركة.
    وإني لا أختم حديثي دون أن أُعرب للبروفيسور “لا بيرا” عن إعجابي وامتناني، بل وعن محبتي؛ فبفضله أرى مرةً أخرى هذه المدينة التي أحبُّها: فلورنسا. وبفضله نلت سعادة لقائه، وإني لأجد في كل عامٍ الشرف في لقائكم جميعاً مرةً أخرى.


    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖوَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خلفية تاريخية: أُلقي هذا الخطاب في “مؤتمرات السلام والحضارة المسيحية” التي كان ينظمها عمدة فلورنسا الشهير جيورجيو لا پيرا في الخمسينيات، وكان طه حسين ضيفاً دائماً وممثلاً رسمياً لمصر فيها.

    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٦
    من أعماق قلبي، أتقدم بوافر الشكر للبروفيسور جورجيو لا بيرا على لفتته الكريمة بدعوتي للتحدث في عيد القديس “يوحنا المعمدان”. وهو رجلٌ نُجله جميعاً، مسلمين ومسيحيين. لذا، يسعدني أن أعرب عن كامل امتناني للعمدة “لا بيرا” ولمدينة فلورنسا لإتاحة الفرصة لي للتحدث في هذا العيد؛ لأنه يومٌ يُكرم فيه المسلمون والمسيحيون على السواء نبياً بَشّر بنور عيسى المسيح العظيم.
    لقد كانت “النبوة” هي المبدأ الذي انطلقت منه التاريخ الإسلامي. تعلمون جميعاً أن العرب، قبل مجيء النبي، كانوا شتاتاً من قبائل بدائية غارقة في البداوة، تشغلهم الحروب والغزوات، ويعيشون حياةً هي أشد ما يمكن للمرء أن يتخيله من بؤسٍ وضنك. حياةً ملأى بالخوف والقلق، حياةً كان الآباء فيها يئدون أبناءهم وبناتهم أحياء؛ لقد كانوا حقاً آباء فاقةٍ ومسغبة.
    ثم جاء يومٌ، ظهر فيه رجلٌ أكد أنه مبعوثٌ من الله ليخرج تلك القبائل من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الضلال ويرشدهم إلى الصراط المستقيم. وعد هذا الرجل العرب بحياة سعيدة، وأكد أنه لم يأتِ للعرب وحدهم، بل للناس أجمعين؛ لم يأتِ ليغير أو يبدل شرائع المسيحية أو اليهودية، بل جاء مصدقاً لها. وقد واجه هذا الرجل صراعات واضطهادات مريرة. كان يدعو الأغنياء للرفق بالفقراء، والعظماء للرفق بالصغار، ويأمر السادة بحسن معاملة العبيد. كان يقول إن العبيد والسادة سواءٌ أمام الله، وأنه لا تفاضل بين سيد وعبد، ولا فقير وغني، ولا قوي وضعيف، بل إن الناس يتفاوتون أمام الله بحسب أعمالهم.
    لقد كان يقول إن الله خلق الناس من أب وأم واحدين؛ وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتآزروا، ويتعاونوا فيما بينهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي نهاية المطاف، وجد هذا الرجل آذاناً صاغية وطاعةً مخلصة؛ وبفضله استحال الشعب العربي شعباً متمدناً.
    إذن، بالنبوة بدأ تاريخنا. كان نبي الإسلام يؤكد أن الله أوحى إليه بأن الإنسان لا يمكنه الفرار بعيداً عن ربه في أي لحظة من لحظات وجوده، ذلك أن الله هو ضمير الإنسان. والله يستجيب دائماً لمن يرجوه، ولهذا يوجب على الإنسان الإيمان به: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ولأن الله يصحب الإنسان من مستهل حياته إلى منتهاها، فهو يحصي عليه كل ما يفعل، وكل ما يضمر، وكل ما يشعر به؛ فلا يخفى على الله شيءٌ من شؤون حياة الإنسان.
    وعلينا أن ندرك ذلك جيداً؛ فعلى المرء أن يحيا حياته وفقاً لأوامر الله. وأمرُ الله يتلخص في ثلاثة مبادئ: العدل، والإحسان إلى القريب، والتضامن بين البشر. فالمسلم الحق يجب أن يسير في حياته وفق هذه المبادئ والفرائض: فعليه أن يكون عادلاً تجاه الآخرين، أياً كانوا، مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. عليه أن يكون عادلاً في حياته الخاصة كما في حياته العامة، وفي حياته الدولية كذلك. وعليه أن يكون رحيماً؛ فالله لا يمقت شيئاً كمقته للأثرة والقسوة. يجب على الإنسان أن يكون محسناً، وأن يتخذ من محبة القريب ركيزةً لحياته العامة والخاصة، ولحياته الباطنة وفكره على السواء.
    لقد بدأت حياة الإسلام بدعوة النبي، وبالتأكيد على أن الله يحصي كل ما نفعل ونظن. والله يقص علينا في الكتب المقدسة المختلفة — في العهدين القديم والجديد كما في القرآن — أخبار الأمم التي سبقتنا، ولا سيما تاريخ اليهود والنصارى الأوائل. يقص علينا كيف كانوا سعداء ما أطاعوا أوامر الله، وكيف كان الله يسبغ عليهم عونه ما حافظوا على العهد مع أبيهم السماوي.
    وحينما يتخلى الله عن الناس، يجعلهم محلاً لغضبه، كما حدث حين لم يتبع إسرائيل أوامره ونسي الميثاق، فاستحال ميثاقاً غليظاً ضدهم. يقص الله علينا كم من مرة نقض بنو إسرائيل ميثاق إبراهيم، وكم مرة عاقبهم الله وجازاهم على هذا الذنب. ولم يقص الله علينا هذا لمجرد عرض التاريخ، بل فعل ذلك ليكون لنا عبرةً ودرساً.
    إن المسلم ملزمٌ بتذكر كل ذلك؛ فهو مطالبٌ بالصلاة، ومن ثمَّ بقراءة القرآن خمس مرات في اليوم، وعليه أن يذكر كل ما وقع قبل أن تكون الأمة المسلمة، وقبل بزوغ فجر الإسلام. ولا ينبغي له أبداً أن ينسى ما قد يحل به إن عصى الله. إن النبوة التي تنظم حياتنا، والتي تصحبنا أفراداً وجماعات، تريد أن تُعلمنا أن الله قد وهبنا عقلاً لنتفكر، وحريةً لنعمل وفقاً لأوامره. فالإنسان لا يُمنع من عصيان الأوامر الإلهية؛ فبمقدوره أن يعصي، ولكن عليه أن يعلم ما ينتظره إن فعل: العقاب في الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الأخرى.
    وبما أننا نملك العقل، فعلينا أن نميز بين الخير والشر: بين ما هو عدل وما هو جور، بين ما هو إحسان وما هو قسوة. وعلينا أن نؤدي لله حساباً عن كل ما نعلم وكل ما نصنع في هذه الحياة وفي الظروف التي تكتنفها.
    وخلاصة القول، إن الإسلام لا يختلف عن أي دين من الأديان السماوية في هذا الشأن؛ لأن المسلمين والمسيحيين واليهود يدركون بالمنطق ذاته طبيعة العلاقات الجوهرية بين الله والبشر. فهناك ميثاقٌ بين الله والناس، ميثاقٌ مشروطٌ بالعدل، والإحسان للقريب، والتضامن الإنساني. واليوم الذي ينقض فيه الإنسان هذا الميثاق، لا يعد مستحقاً لرحمة الله ومحبته، بل يصبح غرضاً لغضبه وعقابه.
    وإذا كنا نتفق على أنه لا يوجد خلافٌ جوهري بين الإسلام والأديان السماوية الأخرى من هذا المنظور، فإني أتساءل: لماذا لا يمكننا التفاهم أيضاً في سائر الأمور الأخرى؟ تلك الأمور التي تشكل حياتنا وتصيغها، والتي يجب أن تمثل الركيزة لتحسين وجودنا، ولإعادة العدل إلى العالم وتنظيم حياةٍ تقوم على الإحسان والتضامن بين سائر البشر.
    إن القرآن يخبرنا بأن الإنسان قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فالإنسان هو ممثل الله في الأرض لتحقيق العدل، ولنيل هذا العدل لا غنى عن التعاون بين الإنسان والله، كما هي إرادة الله. فلماذا لا نسعى حقاً للتفاهم والتعاون؟ لماذا لا نبذل جهداً حقيقياً، كلنا، للوصول إلى انتصار العدل، ولنمنح الإنسان حياةً مستلهمةً من الإحسان والتضامن والتفاهم المتبادل؟
    إن لم نصل إلى ذلك، فبسبب وجود مغريات كثيرة تدفع الإنسان لمحبة نفسه أكثر من قريبه، وللإثراء على حساب جاره، وللعمل بأنانية ليكون دائماً الأكثر غنىً وجاهاً وقوة. ومن أجل نيل القوة والعظمة، لا يتردد الإنسان في دفع الآخرين نحو العنف، فرداً وجماعة.
    صدقوني: إن الشيء الوحيد الذي يفرقنا في عالمنا المعاصر، والسبب الجوهري الذي من أجله لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون، والغرب والشرق، بل ويكادون يتصادمون، والسبب الذي يبذر في الأرض الكراهية بدلاً من الحب، هو “أثرة” (أنانية) قلةٍ قليلة. هذه الأثرة تجعل الأقوياء يرغبون في اضطهاد من هم أقل قوة، وتجعل الأغنياء يرغبون في قهر الفقراء. وأحياناً يحدث أن يدرك الفقراء والضعفاء ضعفهم وبؤسهم، ويقدرون مدى الهوة التي تفصلهم عمن يضطهدونهم، فيثورون لنيل حقوقهم؛ أي لتحقيق ذلك العدل الذي أراد الله وجوده بين الناس، والذي ينكره المستبدون.
    إن ما نخشاه، وما يفرق اليوم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب، يكمن هنا: إن المسيحي الصالح والمسلم الحق، اللذين يؤمنان حقاً بالميثاق بين الله والناس، ويريدان طاعة أوامر الله، عليهما أن يفحصا ضميرهما ويسألا نفسيهما: أمن العدل أن تُقهر شعوبٌ لكي تزداد شعوبٌ أخرى قوةً وعظمة؟ أمن العدل أن تجوع شعوبٌ لكي تسرف شعوبٌ أخرى في الطعام؟ أمن العدل أن تُحرم شعوبٌ من ثمار أرضها وكدحها، لكي تنعم شعوبٌ أخرى بالرخاء والترف؟
    إن ضمير هذا المسيحي أو هذا المسلم سيقول حتماً إن هذا ليس عدلاً، وليس إحساناً، ولا يتفق مع أوامر الله؛ وعندها سيجد قوة الإرادة للتحرك، ووضع نفسه في خدمة الآخرين، ليكون جديراً بمحبة الله، وسيكون عادلاً مع الآخرين لكي يكون الآخرون عادلين معه.
    ليس ثمة في الجوهر ما يفرقنا حقاً. لماذا يتعين على الغرب أن يكون سيداً للشرق؟ لماذا؟ ألأن الشرق لا يزال يفتقر إلى مستوى ثقافي أرفع؟ إن كان الأمر كذلك، فواجب الغرب أن يخرج الشرق من جهله. إن الشرق ضعيف؛ لكن العدل والإحسان يأمران الغرب بإخراج الشرق من ضعفه. بيد أن الغرب يفعل في الشرق النقيض من ذلك تماماً. ينتابني انطباعٌ بأنه يبذل قصارى جهده ليزيد من إضعاف الشرق، وجعله أكثر بؤساً، ليبقى الشرق دائماً في حاجةٍ إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الحقيقة أقوى من كل شيء، كما أن العلم والمعرفة أقوى من الجهل، والنور أقوى من الظلام. إن الشرق الجاهل يتعلم ويتثقف تدريجياً؛ وبدأ يعي جهله، ويطالب بحقه في الحياة؛ حقه في تبوأ المكانة التي يستحقها في محفل الأمم. ويرى في الدين الذي وهبه الله إياه أنه لا تفاضل بين مسيحي ومسلم، ولا بين شرق وغرب، ولا قوي وضعيف. وحينها يتساءل الشرق: لماذا أبقى دائماً بائساً، ضعيفاً، مقهوراً من رجالٍ هم في نهاية المطاف بشرٌ مثلي تماماً؟ هل بيننا أي فرق جوهري أمام الله، والحقيقة، والعدل؟
    ما كل هذا العداء من الغرب نحو الشرق؟ ما كل هذا الريب؟ إن المسيحيين والمسلمين خُلقوا ليتفاهموا، ويتآزروا، ويتعاونوا، وينشروا عدل الله، ويدافعوا عن الدين والوحي والنبوة، ضد المادية وضد إنكار الله.
    لقد خُلق المسلمون والمسيحيون ليتفاهموا! يقول القرآن للمسيحيين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}. إن القرآن يدعو المسيحيين لهذا التفاهم، وكذلك المسيحية تدعو سائر البشر لتفاهمٍ كهذا. إن هذه المبادئ ذاتها توجد في الإنجيل كما توجد في القرآن. لقد نطق بها عيسى، وأكدها نبي الإسلام. فعلى المسلمين والمسيحيين التفاهم على المبدأ ذاته، وأن يعملوا جنباً إلى جنب لخدمة الله في الأرض وتحقيق ملكوته فيها.
    لماذا إذن لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون؟ ببساطة لأن القدر أراد في لحظةٍ من لحظات التاريخ أن يضعف الشرق ويقوى الغرب، ولأن سوء الحظ أراد أن ينسى الغرب أوامر الله، وينسى العدل والإحسان، ولا يفكر إلا في نفسه، ساعياً لاستعباد الشرق بدلاً من معونته ومساندته.
    أيها السادة، إني أتحدث إليكم بصفتي مصرياً، وبصفتي مسلماً. فبصفتي مصرياً، أؤكد أن بلادي لا تطلب إلا شيئاً واحداً: صداقة سائر شعوب الأرض. ولكن صداقةً تقوم على العدل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى الحق الذي وهبه الله لكل البشر؛ تطلب صداقة كل الشعوب شريطة ألا تستحيل وسيلةً للاستغلال والقهر، أو أداةً لسلطةٍ تنكر حقوق الإنسان في حياة كريمة. لا تطلب مصر غير ذلك؛ فهي تمد يدها للعالم أجمع، وللغرب المسيحي قبل أي أحد آخر؛ ولكن ما عساها أن تفعل إن هي مدت يدها للغرب ورفض الغرب مصافحتها؟ ما عساها أن تفعل إن نشدت صداقة الغرب المسيحي ووجدت من يرفضها، من لا يريد الصداقة بل يريد شيئاً آخر: العظمة، القوة، الاضطهاد، العبودية؟
    وبصفتي مسلماً، فقد قلتُ لكم مراراً — وهذه هي المرة الرابعة التي آخذ فيها الكلمة في هذه اللقاءات — تفكروا فيما تحتويه دياناتنا، لكي نقتنع بوجوب خدمة الله، وهو في الجوهر أمرٌ يسير. أؤكد لكم أن ما يفرق بين المسلمين والمسيحيين أشياءٌ قليلةٌ جداً. أنتم تتحدثون عن رُوح الله، وتقولون إن عيسى هو كلمة الله، ونحن نقول ذلك أيضاً؛ أنتم تُجلون العذراء ونحن نُجلها أيضاً. واليوم تحتفلون بعيد القديس يوحنا المعمدان، ونحن نحتفل معكم بهذا العيد. إن ما يجمع بين دينَينا أكثر مما يفرقنا. فلنتحد للدفاع عن حقوق الله؛ ولندافع عن عدله؛ ولنحب بعضنا بعضاً ونتآزر لتحقيق ملكوت الله في الأرض، متضامنين لمحاربة المادية التي تكتسح الأرض يوماً بعد يوم.
    فلنتعاون إذن لتحقيق هذا الرجاء الجميل الذي يأتي من الله، والذي نقرأه نحن المسلمين كل يومٍ تقريباً في كتابنا المقدس؛ لتحقيق ذلك الملكوت الإلهي الذي يحيا فيه المؤمنون، والمحسنون، والمتحابون في الله، حياةً ملأى بالسعادة، حيث تكون كلمة السر فيها ببساطة: «تبارك الرب الإله!»، ويكون تحيتهم فيها حين يلتقون: «سلام!»، وشعارهم الأخير: «الحمد لله رب العالمين!».
    {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚوَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.


  • حرية؟ أين؟ | Where is the liberty?

    وأين الصدق؟ And where is honesty?


    الثعبان
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة ، فصيح اللسان . لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد ، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح ، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا ، وعقلا لا يرى حوله إلا شراً ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذى يشمل كل إنسان ، وكل شى ، والذى يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئاً ، ولكنه قوى ملح كأنه ضوء الشمس ، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب ، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصباً وقوة ونشاطا .
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره ، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شى من العنف لم يكن المصريون يعرفونه فى ذلك الوقت ، وإذا هو لا يستقر فى مكانه مهما يكن هذا المكان فى دار أو ناد أو قهوة أو ديوان ، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت فى مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب ، وإنما يذهب ويجى ويأتى من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر فى وجهه ، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام ، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف ، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التى تتتابع سراعا فى مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية ، وإذا أصحابه يأخذهم شى من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب ، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف .
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور فى ذلك الوقت تجرى فى مصر كما أخذت تجرى منذ كان فى مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان ، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضى إلا لتقف فقد كان فى مصر احتلال أجنبى يتغلغل سلطانه الظاهر والخفى فى جميع المرافق العامة والخاصة ، وكان فى مصر سلطان وطنى شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى ، ويحاول أحيانا أن يرضى أولئك وهؤلاء ، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء .
    وكان هذا كله يفسد الجو المصرى ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفى نفسهم إشفاق من الأخرى ، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا فى الأندية والقهوات والدواوين واندسوا فى المجالس الخاصة . فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبى أو إلى السلطان الوطنى . وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك . فكان المفكرون وذوو الرأى يعيشون فى قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك . فليس غريبا أن يثير صاحبنا فى نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك ، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شى .
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوربا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التى لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية فى ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسى كما كانت تغل حياة المصريين فى ذلك الوقت أيضا ، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه فى أن يأتى ويدع من الأمر ما يشاء وفى أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذى غيره بقول أو عمل . وقد شارك فى هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون فى أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه فى الحياة المصرية من قريب أو بعيد ، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن فى أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية فى القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقى وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان . فعاد إلى مصر وللغيظ فى قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدى من ثورته أو فورته ، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شى والضيق بكل شى. والحرص على تغيير كل شى. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين . ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من
    الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها ، وكانت تتكرر أحياناً أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها . وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها ، ورأى فى هذا الإعجاب وفى هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقاً شديدا . وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفى حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التى ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا . ولم يكد يستقر فى أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما . فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى . لم ير تغيرا فى الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال فى الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد . حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبى ولا باحتياط السلطان الوطنى ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التى ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذى كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تحفل بشى من هذا ، وإنما تمضى أمامها لا تلوى على شى ولا يردها شى ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا . ورأى المصريين يقولون فى كل شى لا يتحفظون ولا يتحرجون . ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبى، وهم لا يرضون عن النظام السياسى الوطنى، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها فى رفق مرة وفى عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح . ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقى بعضهم بعضا إلا فى الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقى فى الحياة المادية والعقلية .
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه . ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضى كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جاداً فى الإصلاح طامحا إلى الرقى مطالبا بالاستقلال . ولكن إقامته فى أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شى من
    المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقى الشر أن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقاً جديدا . كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقى والطموح ، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم فى توثبهم إلى الرقى والطموح . ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصرى الجارف إلى التطور العنيف وهو فى الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية ، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون فى مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حيناً آخر. وقد زاده حرصاً على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب فى أوربا وشقى بما لقى فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفى نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة فى أن يعوض الوقت الذى أضاعه فى أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائراً فائراً مطالبا بالإصلاح . وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين ، فريق يعتدل ، وفريق يتطرف . فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء . وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها ، وأثنى عليها ولم يشارك فيها ، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل فى ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذى لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين .
    وكذلك كنت تراه فى مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه فى مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه فى كل حفل يقيمه المعتدلون وفى كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء . ولكنه كان ماهراً أشد المهارة فى الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء . هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر . وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت
    الأمور فى نصابها واطمأنت القلوب فى الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث .
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين فى المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة فى التجديد بنوع خاص . ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعى حين تمتحن مصر فى آمالها وأمانيها وفى حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويحدد المحافظ إن كان صادقا فى اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله ، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله ، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث .
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم ، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم ، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين ، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأى فى السياسة والنظم الاجتماعية . وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها . ثم أصبحت المحافظة فى بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا فى النعى على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة ، ولكنه فى الوقت نفسه لم يقصر فى ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه فى المحافظة ، وفى أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب . شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم ، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك فى سياستها ، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأى جميعاً .
    قلت لصاحبى أتستطيع أن تحدثنى بما تريد إليه من هذه القصة التى لا تنتهى . قال صاحبى لا أريد إلا إلى شى ء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى فى أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبى ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر فى مصر الثعابين .
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

    أجد أم مزاح
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواما طوالا . ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذى رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين . ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذى أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت فى غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام .
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا . فهل يأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه ، وفى أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين . وإنما هذه الحرية التى أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التى يقول فيها قوله المعروف :
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً ، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقى فى أعناقنا وفى أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقى من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جدا فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية فى حدود معينة وشروط مبينة فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا فى الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئا .
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء ، وما قيل حوله من الكلام ، وما كتب حوله من الفصول، كلاما آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون فى باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أى منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأى . وفى هذا الكلام أن نظاما للحرية قد أقيم فى مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان ، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق ، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التى يثق بها الناس، ولا للأوبرا ، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحرارا كل شى على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء .
    كذلك قال الكاتب الفرنسى سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئا يشبه ذلك سنة ١٩٤٥ . ولست أرى بين الكاتب الفرنسى وبيننا فرقا عظيما فكل هذه الموضوعات التى أشار إليها الكاتب الفرنسى يمكن تأويلها نحوا من التأويل ، وتمكينها نحوا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التى لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكرى العام وأعوانه من الرقباء .
    وكل ما فى الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون فى دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكرى أن يستقروا ، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره ، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام ، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء . ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التى أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ ، وفرح النواب ، وصفق الصحفيون ، وابتهج الشعب فيما يقال . فليأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أفرح ، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئا، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضى بها غيرى فلست أرضاها لأنى لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذى يخدع بالأوهام ويعلل بالأمانى والآمال .
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام ، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغى هذه القيود التى تقيد الحرية إلغاء صحيحاً ، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه . فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إنى قد أجزت لك الحرية وقتا ما ، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم فى إحسانك حين تحسن وفى إساءتك حين تسىء . فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على
    الشعب بهذا الفضل الشاحب فشىء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطى من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء ، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتى من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد ، ولسان الشعب الذى يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان .
    فهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه البرلمان! كلا ، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغى أن ينتهى!
    إن مثل هذه الحرية التى يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التى تحب الحياة السمحة فى الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد فى فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت فى الشكوى ، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها ، فلم يرسلها حرة تهيم فى الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجى تظن أنها حرة . ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضى إلى غير مدى ، وإنما هى مضطرة إلى أن تقف حين ينتهى الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجى .
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التى أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم فى أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية فى الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغى أن تعدوها وآماد لا ينبغى أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام فى مكتب الحاكم العسكرى ولا فى مكاتب الرقباء وإنما تقام فى مكتب النائب العام وفى دور القضاء .
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلا آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا فى دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى استقروا فى مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شى بهذه الدمى التى يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى ، والتى يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار ، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حينا آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذى يلائم شعبا كريما يريد أن يحيا حياة كريمة فى ظل دستور حر كريم . وفيم هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه . ونحن متفقون على أن الغلو فى حمايتها احتياط لابد منه ، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذى يمنع الحكومة من أن تتقدم فى شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان فى هذا العام هادى مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع . فلو قدمت إليه القوانين لما تردد فى أن يجتمع ولما تردد فى أن يعمل .
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية ، أخشى أن يلقى فى روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام . ولست أشك فى أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضا أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغى هذه القيود إلغاء صحيحا يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفا على رضى البرلمان . فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإنى أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الأجراء الذى يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدا لا فكاهة وحقيقة لا وهما ، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلى العسكرى . فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها فى مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح .
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم ، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير .
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقى أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحى أبولون ، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجنى ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس
    إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقى والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن ، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب ، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبى منه من الضرائب .
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذى يعيشون فيه ، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل ، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف ، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه ، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروى صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمأوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون ، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادى محمد على ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء ، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف
    أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم ، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال ، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهى الأداة.
    إن صدقي بشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج ، كلا يا سيدى إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفي ، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سيأسى أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم ، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان .
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكنى أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية . فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه ، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله . وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم ، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذى يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذى يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب . وما ترضى به وزير الأشغال الذى يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمى الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء . ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ . فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ . إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدى إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية . فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنياءنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بأسا أو ترفق بمحروم .
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام .
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا .
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذى لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضأ يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغنى يشكو إلى بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكنى فكرت فيما بيني وبين نفسى أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وانى في هذا الوقت الذى كان يتحدث إلى فيه هذا الغنى لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغنى بائساً لأنه قد نصف إيراده مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأنى لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل١٩٤٤.