Tag: Democracy

  • قضايا عالمية | Global Issues

    World War II

    الحرب العالمية الثانية

    أزمة
    كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
    وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
    في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
    وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
    وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
    ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
    ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
    وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
    هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
    وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
    هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
    ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
    وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
    وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ .


    Independence

    الإستقلال

    فكرة الاستقلال
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر فى استحضارها أمام أنفسنا دائما ، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين ، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس .. وقد تتغير المعانى تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هى لا يصيبها تغيير ولا تبديل ، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب ، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التى أصورها الآن . وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن ، وليس من شك فى أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى .
    في ذلك الوقت ، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة ، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأى أمة من الأمم فى تقرير ما يعنيها من الأمور .. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين .. فبريطانيا العظمى مثلا ، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها ، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني ، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الامبراطورية البريطانية ، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى .. قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء ، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود ، فكان ذلك تضييقا لاستقلالها وحدا من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال . كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيها يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلا ، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر . وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء ، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية ، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربى ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها ، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان . فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب ، وإلى الاتفاق فى التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب .
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي ، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير . ولكن هذا النزول قد كان اختياريا – إن صح هذا التعبير – أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب ، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة ، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلا . ولكنها اشتركت فى الحرب عن إرادة حرة ، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضا ، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد ، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب ، فهى فى حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً .
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف ، ولكنها لم تسترده كله ، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب . وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولا ، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين ، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب ، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها ، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً ، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادى ثانياً . فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغنى بموارده عن البلاد الأخرى ، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة . ثم النزول عن بعض السيادة . ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلا أو كثيراً .
    وواضح جداً أن حياة أوربا ، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى ، كانت صراعا متصلا بين استرجاع الاستقلال كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا . فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع ، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن ، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك فى عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها .
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئا فشيئا ، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال . وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعا ، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع انها شاركت في تأسيسها . وليس شبوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملا موفورا ، والايثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعاية للسلم وتحقيقا للمصالح الانسانية العليا . وقد تغلبت الأثرة على الايثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم ، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب .
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين .
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف ، ولكنهم فى حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال .. أيسترده كل منتصر كاملا موفورا فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد ، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب !
    هذه هى المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندره ، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفى القرم وفى بوتسدام . والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة : أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو ، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده فى لندرة ، وهو اجتماع الأمم المتحدة . فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال ، وإنما هي المنافع تلتقى لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هى مكرهة على الاختلاف . فهل تطلق يد روسيا السوفييتية فى شرق أوروبا وجنوبها ، وهل تطلق يد بريطانيا العظمي في غرب أوروبا ، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أى حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى ، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين فى الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط ؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله ؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو فى صراحة ما نظن أنها ترضى الاخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقى والكمال . أما الاجتماع الكبير الآخر الذى يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي – كما يقال – لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة ، وعلى تأييد الحق والانصاف . وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهى تلتقى سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس ، وإلى المثل العليا ، وهي تريد أن تلتقى جهرة فى لندرة لتسمع العالم ألوانا من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس .
    وفي هذا شيء من الرقى من غير شك ، فليس الخير فى حاجة إلى الاستخفاء ، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرنسسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة ، وأما الشر فهو الذي يستخفى ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون . وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه ، فهو يستخفى الآن فى أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم
    ولا يظن القارئ أنى اعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول ، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو ، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة فى سان فرنسسكو ولندرة لأنه محاولة – قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة – لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب . والاجتماع الخاص فى موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ ، على أن يكون هذا كله شيئا يظهر أقله ويستخفى أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين فى اجتماع الأمم المتحدة ، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه ، أيستردها المنتصرون كاملة موفورة فيصبح بعضهم لبعض عدوا ، أم يمضى المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع !؟
    أما فكرة الاستقلال بالقياس الى الأمم الضعيفة ، أو الى الأمم المستضعفة ، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة . ولست أذكر الأمم المحررة ، فان قصتها مؤذية للنفوس حقا .. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر ، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملا موفوراً ، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة ، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين ، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم ، لا كما تريد هي .. فان لم تفعل ، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان .. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات ، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة ، يقول ممثلوها ما يشاءون ، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلى الدول الكبرى . ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك ، حسب موقعها من مناطق النفوذ ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً ، فاذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه .
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن ، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان ، ثم نسيته الانسانية حيناً من الدهر ، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن ، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوى والضعيف .. للقوى حقائق الأشياء ، وللضعيف مظاهرها وأشكالها . وقد عرف التاريخ القديم دولا في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسى كاملة ، وكانت حليفة لروما وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين . فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى ، ويظهر أن الانسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوروبا أيضاً ، فاليونان مستقلة الآن ، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون . فان لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي ، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون . ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً ، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا ، وإلا فان مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد . والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء ، وأن تنقبض حتى لا تدل شيء ، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت ، فان لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء ، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة .. انها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال ، وفى حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام ، وفى حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات ، وهى محتاجة إلى رضى حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك .
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها ، وكما تقتضى مصالحها لا مصالح غيرها .. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال . ولست أدرى ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول لللغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم .
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ۲۳ ديسمبر سنة ١٩٤٥ . 

    Democracy and Learning

    الديموقراطية والعلم

    الديموقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك

    سيدي صاحب المقام الرفيع ، أصحاب المعالى والسعادة ، سيداتي سادتي :
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والافراد بدونهما . أما أولهما فهو طموح الشعب إلى ان يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها ، ويستعين بها ، والى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه ، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل اليه من كمال .. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديموقراطية ، ولا أظن الديموقراطية نفسها تفهم تقسها إلا على هذا الوضع . فالديموقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه ، وهى الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا . والديموقراطية فى هذا ليست إلا العلم والمعرفة ، فاذا كان هذا حقا ، وأظن انه حق ، فالصلة بين الجامعة والديموقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر ، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها .
    وعلى هذا الاساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح ، وما أظن ان الشعب قادر على أن يستكشف شيئا من هذا ، إذا كان جاهلا
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت ان الديموقراطية لا تبغض شيئا كما تبغض الجهل ، ولا تحب شيئا كما تحب العلم ، وكما تحب المعرفة
    سيداتي سادتي :
    إن الله لم يختص مصر بخصب ارضها فحسب ، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية ، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل اليها من علم ومعرفة ، فيصبح نافعا لها ولغيرها ، وما أكثر النباتات والاشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت ، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر ، وأفادت بها غيرها من البلدان
    فقد انتقلت إلى مصر فى الازمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر فى العصور الوسطى الحضارة الاسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الاوربية الحديثة فتنمو وتزدهر وهى الآن مصدر نفع للإنسانية كلها . فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار ، فاذا كان هذا حقا فقد نقلت إلى مصر فى هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل اليها حتى نمت واثمرت وهى شجرة الديموقراطية .
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى اخذت تهدى ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب واظهار الشعب على انه فى حاجة شديدة جدا إلى ان يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع .
    فرقى التعليم فى مصر واتساعه وتعمقه انما هو مقترن بوصول الديموقراطية إلى مصر ، وكلما احست مصر حياة ديموقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم ، وأن تتعلم إلى غير حد .
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الاخيرين ، فلم تكد الديموقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية ، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب ، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم ، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدا … وكم اتمنى أن اقول بغير حساب ، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل اليه حتى نحيا حياة ديموقراطية صحيحة
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديموقراطية والحكومات الديموقراطية ، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل ، وهى لا تريد أن تتوسع بغير حساب ، ولكن الديموقراطية التي تختلط بدم الشعب ، وهذه الديموقراطية تطلب بغير حساب . وإذا كان العقل مضطرا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد ، فان طبيعة الاشياء اقوى وأبعد مدى من العقل … فاذا وصل اليه العقل اليوم إلى شيء ، فأن طبيعة الاشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل ، واذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع فى التعليم فستكرهنا غدا على التوسع جداً ، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع .
    وإذا كانوا ينظرون اليه نظرة امتعاض ، فإنى أوكد لكم غير متردد ، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية ، ولكنها خطوة بدائية ان كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان ، فأنها ستدفعنا حتما إلى تعميم التعليم الثانوى بالمجان ، والى تعميم التعليم العالي بالمجان ايضا ….
    ذلك أن الديموقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه ، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح ، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء ، وليحرص عليها غير متردد . ووسيلة الشعب إلى ان يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وانما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة ، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم ، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديموقراطية ، وحاجة الديموقراطية إلى العلم لا تنقضى .
    ليس المهم أن ديموقراطيتنا طموحة إلى العلم ، فهذا شيء مقرر ، وانما يهمنا أن نزيل بعض الاوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديموقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديموقراطية .
    فينا مثقفون ممتازون جداً ، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود ، وهم ، يذهبون إلى أن التعليم الجامعى ينبغى أن يكون محدوداً أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغى أن يدفع اليه الشعب دفعا عنيفا ، وانما يجب أن نقدم عليه محتاطين ، لأن الشعب إذا تعلم تعليما جامعيا ممتازا فقد يطمع فيما ينبغى إلا يطمع فيه ، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه ، وقد يأمل حياة لا ينبغى أن يكون له فيها أمل .
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي ، ويدعون دائما إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم . ولكن يخيل إلى ان هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به انها خطرة على الديموقراطية والنظام الديموقراطي ، فضلاً عن انها لا تستقيم مع طبيعة الاشياء . ذلك ان التعليم الجامعى اما ان يكون خيراً وأما أن يكون شراً ، فاذا كان خيرا فالديموقراطية تدعو إلى المساواة فيجب ان يتساوى الجميع في الخير واذا كان شرا فلا ينبغى أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه ، انما الواجب ان يتساوى في الشر الجميع .
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر ، وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد ان اجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين فى الخلق والدين ، ولكني أعنى الماديين فى الاعتبار المعتاد ، الذى يرمى إلى الكسب والخسارة .
    أريد أن اجيب كما يحب هؤلاء ولا اجيب كالذين يحبون العلم للعلم ، ولكني أحببت أن اجيب عنه على اساس الكسب والخسارة .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية ، أقصى ما يمكن أن تطمح اليه ؟ كلا .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن ان تطمح اليه ؟ كلا
    انها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئا ، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن ان تستثمر بها هذه الموارد
    وإذن فحياتنا المادية نفسها ، هذه الحياة التى تعنى الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى ان نفكر فيها ونعمل لها .. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي ، ولا شيء إلا التعليم العالي …
    قد يقال ان التعليم المتوسط ، أو الأولى أو الثانوى كاف ولكن صدقوني ان هذا كلام يقال ، وأبسط ما يدل عليه ان الذين يقولونه لا يفكرون فيه ، ذلك ان التعليم المتوسط والاولى والثانوى لا يمكن ان يوجد أو ينظم أو يؤتى ثمره القريب أو البعيد إلا إذا اشرف على ادارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظا كبيرا جدا من التعليم العالى . فليس بكاف أن يريد الانسان شيئا ، ولكن ينبغي ان يكون فاهما ما يريد
    فالذين يريدون ان يكتفى بالتعليم الأولى أو الثانوى أو المتوسط ، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل . وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض ، بل يوجه إلى الجامعة والى التعليم العالى انه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعنى بالحياة العملية ، وهذا ممكن ولكن فى غير البلاد الديموقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره ، ويقدر حاجاته ومطامحه
    ذلك ان الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص وانما الجامعة بيئة للتعليم الذى يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرا مستقيما جليا مرنا واسعا يشمل كل ما يمكن أن يتجه اليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الانسان النظرية والعملية في وقت واحد ، فاذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة ، وإذا رأينا جامعة تعنى بالعلم لأنه يرقى العقل والحياة نفسها ، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليا وعلميا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها .
    اذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديموقراطية من الجامعة انما يخطئون فهم الجامعة ، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته ، وأؤكد لكم انه لو وجدت مدرسة تعنى بالعلم من حيث هو علم ، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية ، لأعرض الشعب عنها إعراضاً تاماً ، ولبائت هذه المدرسة بالخذلان فلنطمئن إلى ان الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت :
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه والديمقراطية تقوم على العدل
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل ، هو هذه الفكرة التى ادخلها وزير المعارف في التعليم ، وهي فكرة ( تكافؤ الفرص
    «تكافؤ الفرص» يعطى كل ما يمكن أن يعطيه للفرد ، وهو لا ينبغي ان يكون مقصورا على لون دون لون من أنواع التعليم . بل لا ينبغى ان يكون مقصورا على لون دون لون من الحياة كلها . وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائى ، وسيصل إلى التعليم الثانوي ثم إلى التعليم العالي ، وغدا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياه كلها .
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتى كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمنه ، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفا لما اصطلح عليه الناس في هذه الايام وهو « العدالة الاجتماعية» .
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى ، وأؤكد لكم ان تحقيق التوازن بينهما ، بين ما يطمح اليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال إلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال . لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي .
    إن هناك قوما يرون قصر التعليم العالى على جماعة دون جماعة فان كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليما عاليا .. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالى .. ولكن كيف ومن هم اولا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟! .
    أتصل ذلك بالثروة ! .. لو أن الأمور عقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديموقراطية . أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضا للديموقراطية .. واذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعا أن يتعلموا تعليما عاليا ، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص .
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب ، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالى مصرى مهما تكن ظروفه ، وأما ينبغى أن ترد الحياة نفسها ، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضى في هذا التعلم .
    ليس هناك اذن سبيل إلى ان حال فى النظام الديموقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم .
    فإذا اتيحت المقدرة للشباب فينبغى أن تفتح في وجوهم ابواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعى والعالى عن اللون النظرى الخالص ، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد .
    ومن الخير أن الاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا ، فهى لا تنشئ مدارس إلا على اساس حاجات البلاد وقد اخذت تعرف للتعليم قدره ، وللجامعيين قدرهم ، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على انهم اعضاء كرام فى شعب كريم ، وهذا المثل الأعلى الذي اقدمت عليه اليوم ، وما أشك فى انها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الايام ، فأنا جميعا نتمنى ان تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب . بل أن يتعلم تعليماً جامعيًاً ممتازاً .
     الوفد المصرى ، ٩ يونية ١٩٤٤ .  

    Satire
    سُخْرِيَة

    ذات الرؤوس
     هي وزارتنا الرائعة البارعة ، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه فى محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاى ، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد .
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافى الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر ، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه . وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد . فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً ، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية . أو قل أنه يدان يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان .
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذى اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسى من كراسي محاكم العدل . فقد كان رأساً أى رأس كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو وفى أوربا حين كان يرأس وفدنا في لندرة . وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج . مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل ، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً ، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك فقد انتخب فى مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران . وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله ، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه ، وهو قاض متمكن فى القضاء ، وهو سياسي ممتاز في السياسة ، وهو من أجل ذلك يأتى البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها ، وقد أغلق باب مجلس الأمن فى وجه مصر وفى وجه البلاد العربية الأخرى . فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان فى مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء ، فينخفض الآخر في حزب الكتلة ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة والشعب المصرى واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض أحدهما الآخر . والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضى بتغليق الأبواب وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان ، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة فى مجلس الأمن وأن الأمور تجرى في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجرى عليه الأمور ..
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه وفى نفس الوقت الذى كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ .
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال فى لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل . شرف مصر بين الأمم فانتخبت فى مجلس الأمن وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب فى ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل .
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أى عجب هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة يصيح فى غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً يقدم ليحجم ، ويهجم لينهزم ويحتج ليستكين لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً ، هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح .
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة وهو قد تحدث باسم الوزارة . كان رأسها الأول كان متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين . ولست أدرى أرضى الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً . فأما الرأس الغائب فلم يرض ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً . فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم لأنه يؤثر الصمت ويهواه ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه ، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم . وهل كان يستطيع أن يقول أنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها . وهل كان يستطيع أن يقول أنه سيستفتي سكان السودان فى أمر السودان . ورأسه المكرمى يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف .
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزرا فى مجلس الشيوخ ، فقد أنكر الرأس النقراشى الأول وزير الخارجية كل الأنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز ، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف .
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أمانى السودانيين . فمن أين تستوحى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء وقد قال الرأس المكرمى غير الحق من غير السودانيين فهي لا تستوحى شيئاً وقد قال الرأس النقراشى للإنجليز غير الحق . وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق والجسم الذى ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب . ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور .
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة وهى الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها ، بل تمتاز بشيء آخر لست أدرى أين أضعه من جسمها العجيب أضعه موضع الذنب ، فتكون وزارة مذنبة ، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز . وقد قال شاعرنا القديم :
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو     –        ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان ، وإن لم يرض الدستور ، وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب ، وإن ضاقت بذلك كرامتها . ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور ، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجرى الريح رخاء .
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقى باشا غاضب . كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت فى شهر سبتمبر وفى شهر ديسمبر ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد لبريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقى باشا في الأهرام صباح اليوم . وغضب صدقى باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى ، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً ، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات والقارئ الذكى يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقى باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقى باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً وإذن فصدقى باشا غاضب والسؤال الخطير الآن هو : هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقى باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد : . يريح الناس جميعاً . فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة ، فأى بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً ؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها ، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية آنفاً ، وما أكثر الوزارات التى تعيش وأنوفها مجدوعة .
    كل شيء يمكن ، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين ، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب ، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف ، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب ، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً . وذلك يسير . يقال أن التعديل الوزارى قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء ، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين ، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام .!
    طه حسین
    البلاغ ، ٧ فبراير ١٩٤٦ .