Tag: historical critique

  • خاتمة العهد البائد | The End of the Fallen Era

    حديث الوادي
    خاتمة
    قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أملي هذا الفصل فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.
    وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجل استقالته يوماً أو يومين أو أياماً ليرى نتيجة الوساطة التي يقال إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضاراً مؤلماً ممضاً لعهد مؤلم ممض. وسنشهد نهاية كلها حزن وأسى، لعهد كان كله حزناً وأسى.
    عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه الذي لا حد له إلا رضى الإنجليز أو غضب الإنجليز.
    عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليّ وفي الحروب نعامة» فكان رجاله أسوداً يحسنون الزئير ويحسنون الافتراس ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.
    عهد أقل ما يوصف به أنه لم يشرف مصر في لحظة من لحظاته وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يشرف رجاله المسؤولين في لحظة من لحظاته، ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء، والاستكانة للأقوياء تشرف رجلاً أو ترفع من شأنه أو تنزله بين كرام الناس.
    عهد بدا بالإثم وهو يختم بالإثم، بدا بالوثوب إلى الحكم في غير رضى من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقاً وإرهاقاً، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافاً، وعلى منافع الأبرياء عبثاً ولعباً، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعاً كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث تفتك بالأخلاق فتكاً، وأفسدت الضمائر إفساداً،
    وقطعت الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخس ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقاً عليه، وبأن لوطنه حقاً على نفسه، هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيء إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي ترد الإنسان إلى أخس مراتب الحيوان.
    على هذا النحو بدا هذا العهد وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء وأزهقت نفوس واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يحتمل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يلقى في هذا العصر الذي يقال إنه عصر الحرية والأمن وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.
    نعم على هذا النحو المنكر بدا هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين، شقاء ثقيلاً مظلماً مطبقاً، أكثر من أربعة أعوام، وها هي هذه الملايين من المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يؤسس على التقوى، ولم يقم على حب الشعب، ولم يشيد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شراً وسوءاً، وأن تستبشر بانهيار بناء أسس على الظلم والجور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة، لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدا بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شراً ونكراً، بدا بالاعتداء على حقوق الشعب والاستهانة بسلطان الشعب والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.
    يقول الإنجليز لرئيس الوزراء أخرج زميلين من زملائك، وحل بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر تردداً لا يخدع أحداً ويتكلف مقاومة لا تخدع أحداً، حتى إذا جد الجد، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك لعل جلالته أن يقبلها وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه. أتعرف مأساة شر من هذه المأساة؟ أتعرف بلداً يقول إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي الدستوري وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلداً يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي، في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان فيرد إليه ما حرمه من الرضى، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سم هذا بما شئت من الأسماء، وصف هذا بما أحببت من الصفات، وقل في هذا ما استطعت أن تقول ولكنك مكره مع الأسف الشديد والألم الممض والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة ونزول عن الاستقلال.
    ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدماً، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.
    أفتراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة حتى على شكل الاستقلال.
    سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري لعل هذا الرجل ينكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي، وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمراً مقضياً لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته وفوق إرادة الشعب.
    خروجه من الحكم أمر مقضي، فليهنأ المصريون فلسنا نعرف أن أحداً منهم يسره أن يتصل الفساد ويستمر الاضطراب ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه إن على رأس الوزارة المصرية رجلاً لا يتردد في أن يخرج زميليه من الحكم لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطراراً.
    نعم لقد بدا هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية. والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءاً كله، سوءاً حين يبتدئ وسوءاً حين يتصل، وسوءاً حين ينتهي. ولكن الله عز وجل يريد أن يمحص المصريين بهذه المحنة وأن يظهرهم رجالاً كراماً كما تعودوا أن يكونوا رجالاً كراماً. وأن يقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظاماً مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب ومهما تحرجت الظروف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١١/١.

    حديث الوادي
    في الموقف . . .
    هل رفع رئيس الوزراء استقالة الوزارة إلى جلالة الملك أمس؟ يقول قليل من الناس نعم ويقول أكثر الناس لا. ويرى الأولون أن رئيس الوزراء لا مخرج له من الحرج الذي اضطر إليه إلا أن يستقيل، وأنه قد يكون رجلاً طيباً مسرفاً في الطيبة، ولكنه على ذلك، وبرغم ذلك أذكى من أن يجهل الحرج الذي دفع نفسه إليه، وأن الاستقالة هي التي تخرجه منه، وأن الاستقالة خير من الإقامة على كل حال، ويرى الآخرون أن رئيس الوزراء ليس رجلاً طيباً فحسب، وإنما هو رجل طيب، واسع الأمل، وإن لم يكن واسع الحيلة فهو قد يعجز عن أن يخرج نفسه من المآزق وإن قدر على أن يزج بنفسه في المآزق، ولكنه لا يعجز عن الانتظار وعن حسن الظن بالأيام وعن الاعتماد على ما ستتكشف عنه الحوادث، فقد يجعل الله له بعد عسر يسراً، وقد يجعل الله له من الحرج فرجاً، ومن الضيق مخرجاً، وقد يلهم الله رئيس الديوان الملكي خطة سديدة موفقة تمكنه من إقناع الإنجليز، بأن رئيس الوزراء رجل طيب، وبأن الرجال الطيبين قليلون، وبأن الخير في أن يقبل منه ما يعرض، وفي أن يُعفى له عما قدم، وفي أن يرضى الإنجليز منه إخراج الوزيرين، ويقبلوه على علاته، ويعملوا معه، ويتصلوا به فمن يدري لعل رئيس الوزراء الذي يخلفه إن استقال، أن يكون أشد منه مكراً، وأعظم منه حظاً من البراعة، وأكثر منه إمعاناً في الطيبة، وتعرضاً للتورط في الأغلاط.
    وإذن فقد تعبث هذه الآمال كلها بنفس الرجل الطيب، ولا سيما إذ أضيف إليها، أن زيور باشا رجل ضخم الجسم ولكنه رشيق العقل، رشيق الحديث، قادر على الإقناع بهزله الذي يشبه الجد وجده الذي يشبه الهزل، والإنجليز يحبون هذه الرشاقة، ويتأثرون بهذه اللباقة، ويعجبون بهذا التناقض الذي يكون بين الظاهر والباطن، وهم يحبون زيور باشا وقد ينجحون سعيه، ويقبلون رأيه ويرضون أن يظل عبد الفتاح يحيى باشا في الحكم أسبوعاً أو أسابيع وكذلك يرى بعض الناس أن الرجل الطيب قد تعلل بالآمال فلم يرفع استقالته أمس، وانتظر أن يدركه القضاء، بما أضمره القضاء.
    ولسنا ندري أي الفريقين أخطأ وأي الفريقين أصاب ولكن الذي نلاحظه على كل حال هو أن الذين يعنون بهذه الأزمة العنيفة ويجدون في حلها أو في تعقيدها لا يفكرون أو لا يكادون يفكرون إلا في الخصمين، الذين يقع بينهما الصراع: في الإنجليز وما يريدون من ناحية وفي الوزارة وما تقدر عليه من ناحية أخرى. ومع ذلك فالإنجليز والوزارة لا يختصمون في غير موضوع للخصومة، ولا يصطرعون في الهواء رغبة في إنفاق الوقت، وطلباً للتسلية والتلهية وإنما خصومتهم وصراعهم يقومان سواء أرادوا أو لم يريدوا على شيء واقع محسوس ملموس يحسه الناس جميعاً، ويعرفه الناس جميعاً، وهو حياة هذا الشعب المصري كيف تدبر، وعلى أي نحو يكون تصريف أمورها. فالإنجليز لم يشتروا مصر لأنفسهم، والوزراء والإبراشي باشا لم يرثوا مصر وأهلها عن آبائهم.
    وإذن فقد يكون من المعقول وقد يكون من الممكن المرغوب فيه، أن يفكر المختصمون في موضوع الخصومة وأن يسألوا أنفسهم عن هذا الشعب المصري الذي يختصمون في مصالحه ومرافقه، وفي حقه في الحرية ونصيبه منها، ما رأيه في الخصومة، وماذا يريد. وكيف يتصور أن تحل الأزمة وما عسى أن يكون الحل الذي يرضيه؟
    نظن أن هذا طبيعي وأنه معقول ولكن المختصمين إلى الآن لم يظهروا عناية بهذا الشعب، ولا التفاتاً إليه، ولا سؤالاً عما يريد. استشار رئيس الوزراء دار المندوب السامي ولم يفكر في استشارة المصريين، وأشارت عليه دار المندوب السامي ولم تفكر في أن تحيله إلى المصريين، ثم غضب رئيس الوزراء من مشورة الإنجليز، وأبى قبولها، ولم يفكر في أن يلتمس مشورة المصريين، ثم غضب الإنجليز لإعراض رئيس الوزراء عن مشورتهم بعد أن طلبها ولم يفكروا في المصريين ولا فيما يمكن أن يراه المصريون.
    ثم نفى رئيس الوزراء أن يكون قد استشار الإنجليز، ثم أكد الإنجليز أنه استشارهم، ثم عاد رئيس الوزراء فأجاز الأمر، ولم يقطع بأنه وقع أو بأنه لم يقع، ثم اشتدت الأزمة وضيق الخناق، والمختصمون ماضون في خصومتهم، لا يسألون عن المصريين، ولا يحفلون بهم، كأن الأمر لم يعنهم من قريب أو من بعيد.
    وقل مثل هذا في أمر هذين الوزيرين. طلب المصريون إخراجهما، فلم يسمع لهم أحد. لم يسمع لهم الوزراء ولم يسمع لهم الإنجليز، ثم طلب الإنجليز إخراجهما، فتمنع رئيس الوزراء، ثم أذن وأقر الاستسلام
    وقل مثل هذا في زكي الإبراشي باشا، طلب المصريون كفه عن شؤون الحكم، فلم يحفل بهم الوزراء، ولم يحفل بهم الإنجليز. ثم طلب الإنجليز كفه عن شؤون الحكم، فاضطربت الوزارة وزلزلت بها الأرض، كما زلزلت بالإبراشي باشا نفسه حتى اضطر إلى الانكفاء.
    وقد يكون هذا كله عجيباً. في القرن العشرين. وفي بلد لم يبق جزءاً من أفريقيا، وإنما أصبح جزءاً من أوروبا، ولم يبق خاضعاً لسلطان الاستبداد. وإنما هو خاضع للديمقراطية والدستور. قد يكون هذا عجيباً ولكنه الأمر الواقع الذي لا يستطيع أحد أن يشك فيه، أو يتخذه موضوعاً للنزاع، فالشعب المصري، آخر شيء يفكر فيه المختصمون في هذه الأيام. وقد يكون أعجب من هذا أن الإنجليز قد يسألون أنفسهم أحياناً ماذا عسى أن يكون رأي المصريين فيما تفعل وفيما تقول؟ يكتبون ذلك في صحفهم ويكتبونه عن وحي يصدر إليهم من ساستهم هنا وهناك. ولكن الوزراء المصريين لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال ولم يخطر لهم أن يسألوها وإنما جهلوا مصر جهلاً تاماً، وأنكروها إنكاراً شاملاً، وتصرفوا في الأزمة كأنها لا تضر إلا أشخاصهم وشخص صديقهم الإبراشي باشا، إلا مناصبهم ومنصب صديقهم هذا. وكأن هذه المناصب ملك لهم، لا ملك للشعب، وحق لهم لا حق للشعب، ويخيل إلينا أن المختصمين إذا جهلوا مصر وأنكروها، فإن مصر لا تجهل نفسها، ولا تستطيع أن تنكر حقها، وأن تنسى أنها موجودة تحس وتشعر وتفكر وتريد وأن أمر هذه الخصومة يجب أن يكون إليها على كل حال. وإذا كان الإنجليز والوزراء لا يريدون أن يتحدثوا إليها بشيء، ولا أن يسألوها عن شيء فقد يكون عندها هي شيء تريد أن تقوله لهم، وأن تلقيه إليهم، وأن تلح عليهم في أن يسمعوا له، وفي أن يتدبروه.
    فأما ما تقوله للوزراء فالوزراء يعرفونه حق المعرفة، ولكنهم يعرضون عنه، لأن الحكم فيما يظهر أحب إليهم من الإصغاء إليه، وآثر عندهم من رضائه، هم يعرفون أنهم أصبحوا بعد أن عضتهم هذه الأزمة وبعد أن أظهرت من ضعفهم وعجزهم وقصورهم وتقصيرهم ما أظهرت، لا يصلحون للبقاء في الحكم، سواء أكان هذا الحكم ديمقراطياً أم استبدادياً، فالحكم الديمقراطي يقوم على الثقة، والمصريون لا يثقون بالوزراء. والحكم الاستبدادي يقوم على الهيبة والخوف ولم يبق بين المصريين منذ ثارت الأزمة من يهاب الوزراء أو يحسب لهم حساباً. وإذن فما بقاؤهم في الحكم وما تعللهم بالآمال؟ ليرض الإنجليز عنهم ولن يفعلوا، أو ليسخط الإنجليز وقد فعلوا، فإن شيئاً من ذلك لن يمنحهم ثقة المصريين ولن يرد إليهم ما فقدوا من الهيبة. وإذن فدورهم أولى بهم من الدواوين، وخير لهم أن يعودوا إلى دورهم اليوم، من أن يعودوا إليها غداً أو بعد غد فإن بقاءهم في الحكم لا يزيدهم إلا ضعفاً وعجزاً وتضاؤلاً في قلوب الناس.
    هذا ما تقوله مصر للوزراء، وأما ما تقوله للإنجليز فهم يعرفونه حق المعرفة سمعوه منها ألف مرة. وهم يسمعونه منها في كل يوم، فقد قالت وما زالت تقول وستقول دائماً إن حكم الشعوب بالعسف والقهر، والمكر والكيد، قد انقضى عصره، وإنكم قد جربتموه في مصر أعواماً طوالاً فلم تجنوا منه خيراً ولم يجن أحد منه خيراً، فلم يبق أمامكم إلا شيء واحد وهو أن تفهموا مصر كما ينبغي أن تفهم وتخلصوا النية فيما بينكم وبينها من صلة، لا تتحفظون ولا تمكرون ولا تظهرون شيئاً وتخفون شيئاً آخر وأنتم إن فعلتم هذا منتهون إلى ما ليس لكم بد من الانتهاء إليه، من الاعتراف بمصر، على أنها أمة رشيدة خليقة أن توجد بينكم وبينها صلات كريمة شريفة لا تقوم إلا على الثقة والنزاهة والصدق. وسبيل ذلك واضحة وهي أن تردوا إلى الشعب أمور الشعب وأن تتحدثوا إلى الشعب، وتسمعوا منه لا إلى من يرددون نغماتكم ممن تؤيدون وتنصرون.
    ردوا إذن إلى مصر حريتها كاملة كما كانت، وخذوا إذن في الحديث مع مصر كما كنتم قد أخذتم من قبل وأتموا صادقين ما كنتم قد بدأتم وثقوا بأن إقالة هذه الوزارة أو إبقاءها، وبأن إقالة الإبراشي باشا أو إبقاءه، وبأن دخولكم في شؤون الحكم، بالشدة أو باللين، كل ذلك لن يريحكم ولن يريح المصريين ولن يحل ما بينكم وبينهم من المشكلات. فليس لهذه المشكلات حل إلا تبادل الثقة، والصدق والإخلاص.
    (طه حسين)
    الوادي، ٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    احتضار . . .
    كان طويلاً ثقيلاً هذا الاحتضار، الذي ظلت الوزارة تقاسي آلامه، وتعاني سكراته، لا يوماً ولا يومين، ولا أسبوعاً ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.
    ولم يكن طول هذا الاحتضار نتيجة لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء، فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلاً عن عسف الريح فضلاً عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل، وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلاً بغيضاً مملولاً مفعماً بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يخل من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة، فأما الشعب فقد زاده النظر الطويل إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيماناً إلى إيمان ويقيناً إلى يقين وثقة إلى ثقة، فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب ولا تستند إلى ثقته ولا تستمد قوتها من قوته، ولا تكون صورة لآماله ومثله العليا، ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضة للعبث لا تستطيع أن تبرم ولا أن تنقض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن ينفذ من المحن المتراكمة كما ينفذ السهم من الرمية، قوياً نقياً، وصلباً ثابتاً جريئاً، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد ولا تنال منه المحن والأهوال. وأما الإنجليز فقد انتفعوا من طول هذا الاحتضار لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى، ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني، ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب، ولا ترده الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد، مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعباً، ولم يثر عابثاً، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق. رأى الإنجليز هذا الشعب ورأوا منه كيف كان مستقيماً في الخصومة، شريفاً في النضال، فطناً يعرف ما يأتي ويعرف ما يدع، ولو كان شعباً مغروراً ضعيفاً تذهب به الأهواء كل مذهب، لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر. أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر، وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه، لأنهم يذودون عن استقلاله، ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفطن اليقظ الحذر لم ينخدع للإنجليز لأنه لا ينخدع للخصم مهما يكن شريفاً ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تساس القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء وإنما قام كريماً شريفاً نزيهاً بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض. وسجل على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون وينتظر مؤمناً واثقاً ساعة الفوز، التي يهزم فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وترد إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.
    وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضار الطويل، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحياناً أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه، منتهون دائماً إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم، تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصناً يأوون إليه، لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترساً يثقون به لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضى الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرق عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم فإذا هم لا يزنون شيئاً ولا يعدلون شيئاً، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.
    فإن احتضاراً طويلاً ثقيلاً هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها وتلفظ آخر أنفاسها وتنظر من حولها فلا ترى حزناً ولا ابتئاساً وإنما ترى إغضاءً وإعراضاً وشعباً ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتفنى فيما يفنى، وهو يقول كذا فلتُهوَّ الوزارة التي لم تستمد قوتها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.
    طه حسين
    الوادي، ٤/ ١١ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عهد الذلة والهوان . . .
    نعم كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف ويسومونهم الضيم وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة ولا عن قدرة مختارة ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها ولا عن رأي ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة ويوحى إليهم أن يكونوا أساة فإذا هم أساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالعنف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم فهم ليسوا شيئاً، وهم ليسوا أقل من شيء.
    كان يقال لهم أنتم الوزراء فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم ولكن عليكم أن تطيعوا فيؤمنوا بأن عليهم أن يطيعوا. كان يقال لهم هذا من الإبراشي باشا حيناً فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم هذا من الإنجليز حيناً آخر فيؤمنون له خاضعين. كانوا هشيماً لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعاً، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقاً، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعاً لكل ما يراد به سامعاً لكل ما يتنزل عليه. وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له، هو الذي حكم مصر عاماً وبعض عام. هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل وصب على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له أقبل على رئاسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يرو ولم يستقص، وإنما طار لا يلوي على شيء. ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.
    ثم انتهت به السفينة إلى الثغر فاستخرجه منها غيره استخراجاً، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر ثم خرج من القصر رئيساً للوزراء، وأي وزراء؟ رئيساً لقوم لم يخترهم، ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعاً من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحداً منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفساداً وعلى أموال هذا الشعب فبذروها تبذيراً، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل. قيل لهم أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا. واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء والاستسلام للأقوياء. وأنفقوا عاماً وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئاً وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصى ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة لا في حق مصر وحدها بل في حق أنفسهم أيضاً، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة، وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظاً ونياماً، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجاً، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالاً. والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا. قيل لهم كونوا وزراء دستوريين فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين، وقال قائلهم وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله، ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوؤوا وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ. ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم،
    وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى وعجز الإبراشي باشا عن حلها عجزوا هم عن حلها أيضاً. فقيل لهم دعوا ذلك للإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز. ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات ثم ثقل المرض على جلالة الملك. واضطرب الإبراشي باشا فاضطربوا معه وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال نعم وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟. فلما أشاروا عليه قبل المشورة ووعد بالإنجاز ثم منّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك فسقط في يد الإبراشي باشا وسقط في يد رئيس الوزراء، وقيل للقوم أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث فقيل لهم أنكروا أن يكون في الجو شيء. فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئاً؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟
    ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم استقيلوا فقالوا نعم وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.
    هؤلاء هم الذين حكموا مصر عاماً وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صوراً فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالاً فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته “الاجبشيان جازيت” غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره وأخذ المصريون يستقبلون عهداً جديداً وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.
    ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم
    وكابر فلابد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون. ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضاً أو قبولاً، وقد استبشر المصريون جميعاً حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضواً في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزاراً نصح بألا تحتمل فليس عجيباً أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر. فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفاً شريفاً وقفه ومن أن يقدم على شيء أباه ومن أن يخيب أمل الشعب فيه ويكذب ظن الشعب به يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.
    نعم وإنا نقرأ في الصحف كلاماً عجباً فقد يقال إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقاً به، تبارك الله وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟
    ألا تزال إصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات فإن هذا الكلام إن صح يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فأما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء وأما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فمازال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء. فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدرياً إرادة الأمة مستعداً لتلقي العمل والوحي والعمل بالأمر والإذعان لغير المسؤولين فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلاً.
    طه حسين
    الوادي، ٧ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ليل الشياطين…
    كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
    وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
    غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
    أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
    فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
    ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
    إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
    كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
    طه حسين
    الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤

    حديث الوادي
    أبطال النظام…
    الذوق الراقي الدقيق ورعاية اللياقة في القول والعمل أخص ما يمتاز به أبطال النظام الحاضر. وهؤلاء الأبطال كثيرون والحمد لله، قد يبلغون الأربعة وقد يبلغون الخمسة، وما نظن أنهم يزيدون على هذا العدد.
    فأولهم مؤسس النظام صدقي باشا، وهو رجل مثقف ما في ذلك شك، ولكنه رجل دقيق الذوق، رقيق الحس، يعرف ما يحسن وما لا يحسن، لكثرة اختلافه إلى البيئات الراقية الأجنبية الممتازة، ولهذا كانت أعماله وأقواله وحركاته كلها مرآة صافية الذوق الذي لا غبار عليه، وليس ضرورياً أن يكون ذوق صدقي باشا في السياسة كذوقك أو كذوقي، فنحن من قوم لا يختلفون إلى البيئات الراقية ولا يتصلون بالأجانب الممتازين.
    أنت وأنا وأمثالنا لا نقحم اسم جلالة الملك إقحاماً في الخصومات السياسية، ولا نسرع فنسجل على جلالة الملك موقفاً سياسياً حزبياً بعينه، ونشكر له هذا الموقف، ولا نبرق إلى القصر لنحمد لجلالة الملك حرصه على النظام الحاضر وتأييده له واستمساكه به، لأنا نعلم أن هذا خطأ لا ينبغي للذين يعملون في السياسة أو يفقهون أوليات الدستور والقانون، ولأننا نعلم أن هذا خروج عن الذوق وتجاوز للأدب وانحراف عما ينبغي من رفع الملوك عن الأهواء والشهوات. فأما صدقي باشا المثقف الممتاز المتصل بالبيئات الأجنبية ذات الثقافة والامتياز فلا يرى بذلك بأساً، ولا يحس في ذلك حرجاً، وإنما يقدم عليه غير هياب، ويمعن فيه غير وجل، إما لأنه يعرف من أصول الذوق ما لا يعرف الناس، وإما لأنه يضحي بالذوق وأصوله في سبيل المنفعة العاجلة، سواء أكانت محققة أو موهومة، وصدقي باشا رجل قدير يحب التضحية ولا يتردد فيها، مهما تكن الظروف. يضحي بحقوق الشعب في سبيل الوثوب إلى الحكم، ويضحي بأخلاق الشعب في سبيل التمكن من الحكم، ويضحي بكرامة الشعب في سبيل الاستئثار بالسلطان، ويضحي بأموال الشعب في سبيل الاستمتاع بالجاه، ويضحي بدماء الشعب أحياناً في سبيل إذلال الخصوم وترويع المقاومين، ثم يضحي بالذوق آخر الأمر في سبيل شيء غير معروف، فما نظن أنه يطمع في أن يرضى عن نفسه الإبراشي باشا.
    وما نظن أنه يطمع في أن يصل إلى الحكم في هذه الأيام، ولكنه مضطر إلى أن ينشط، وإلى أن يقول ليظن الناس أنه زعيم مسموع الكلمة وأن له أنصاراً وأعواناً، وذلك شيء يستحق أن يضحي في سبيله صدقي باشا بالذوق، وأن يقحم اسم جلالة الملك في السياسة، وأن يسجل على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام ويؤيد قلة الأمة دون كثرتها ويقف في صف جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب. ولو أن الأمور تجري في مصر على مثل ما تجري عليه في البلاد الأخرى لسئل صدقي باشا عن التضحية بالذوق، ولكن صدقي باشا لم يسأل عن إهدار الحقوق، وانتهاك الحرمات، والعبث بالنفوس والأموال.
    هذا بطل من أبطال النظام الحاضر تمخض عنه رأسه الكبير، فهو يريد الآن أن يحميه بذكائه الخطير.
    وللنظام الحاضر بطل آخر أكبر من صدقي باشا بيوم أو يومين، فهو يعرف أكثر من صدقي باشا بعام أو عامين، كما يقول الغول في قصص العجائز. وهو رئيس مجلس الشيوخ يحيى باشا إبراهيم، وهو كصدقي باشا لا يتردد في أن يضحي بالذوق في سبيل المحافظة على النظام، ولا يتردد في أن يشهد أمام الناس جميعاً على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام وحزباً على حزب، وقلة على كثرة، وهو كصدقي باشا خليق أن يحاسب على إهدار الذوق، لو أن الناس يحاسبون في مصر على كل ما يعملون.
    ويحيى باشا إبراهيم رجل عظيم له شجاعة تنزع سلاح الخصوم كما يقول الفرنسيون، فهو يرجع بذاكرته إلى الماضي فينبئ الناس بأنه هو الذي استصدر الدستور القديم، وأمضاه حين كان رئيساً للوزراء سنة ١٩٢٣، ثم عمل في ظل الدستور الجديد الذي لم يصدره ولم يمضه، وهو يفضل الدستور الجديد، ويراه أشد ملاءمة لمصالح البلاد.
    ويحيى باشا إبراهيم لم يصدر الدستور القديم فحسب، ولكنه عمل في ظله أيضاً، وأقسم يمين الوفاء له أيضاً، ولكنه مع ذلك لم يتحرج كصدقي باشا أن يحنث في يمين ويقسم يميناً أخرى، ومن أن يؤثر دستوراً جديداً على دستور قديم، ومن أن يضحي باللياقة والذوق في سبيل هذا الدستور الجديد.
    وثالث الأبطال وأقدرهم على النضال وأبرعهم في النزال، وأمضاهم في القتال، وأفصحهم في المقال، هو صاحب المعالي الدكتور توفيق رفعت باشا – ولا ننس الدكتور – رئيس مجلس النواب الحاضر طبعاً ورئيس المجمع اللغوي، وصاحب المعالي يستمد ذوقه في أكبر الظن من معاجم اللغة وكتب الأدب ودواوين الشعر وآثار الكتاب والخطباء، فهو الشاعر الفذ والأديب الفرد والخطيب الذي لا يجارى، لا يشك في ذلك إلا الجاهلون.
    ذوق صاحب المعالي قديم كلاسيك، كما أن ذوق صدقي باشا جديد، وهما مع ذلك يتفقان في أن إقحام اسم جلالة الملك في السياسة جائز، وفي أن تسجيل المواقف السياسية على جلالة الملك شيء لا يضر، وقد ينفع كثيراً، وقد يعين على إبقاء نظام يريد أن يزول، وإقامة بناء يريد أن ينقض. وذوق صاحب المعالي خليق أن يكلف صاحبه تحقيقاً وسؤالاً وأموراً ثقالاً، لولا أن بعض المصريين فوق التحقيق والسؤال والأمور الثقال.
    وكان صاحب المعالي صامتاً، فلما تكلم رئيس الشيوخ لم يسعه إلا أن يتكلم، وقد قال فأطال وشفا الغليل، فالمقطم تروي لنا أمس أنه ينبئ الناس بأن جلالة الملك حريص على النظام الحاضر، وبأن جلالة الملك تحدث إليه في أمر الإبراشي باشا وقال إنه حر في تنظيم بيته. يا للذوق، يا للرقة، يا للأدب، يا للإكبار لصاحب العرش، يا للإجلال لمكانة الملك! وهبه قال لك هذا، فكيف تأذن لنفسك بإذاعته بين الناس، وكيف تأذن لنفسك بأن تصور جلالة الملك مدافعاً عن حريته الخاصة في تنظيم بيته؟ ومن الذي يسمح بأن يثار شيء من الأشياء أو يلقى حديث من الأحاديث حول ما ينبغي لجلالة الملك من الحرية في تنظيم بيته؟ يا للذوق! متى أجازت الثقافة والسياسة والمناصب للناس أن يتحدثوا عن الملوك القائمين بهذا الابتذال وأن يبيحوا نشر ذلك عنهم في الصحف؟ ومع ذلك فالمقطم تضيف هذا إلى رفعت باشا رئيس مجلس النواب ورئيس المجمع اللغوي وصاحب الدكتوراه في الحقوق، دكتوراه الشرف بالطبع.
    هؤلاء قوم لا يفرقون بين أحاديث الملوك وأحاديث السوقة: يتشرفون بلقاء الملك فيتحدثون بما كان بين جلالته وبينهم من حوار كما يلقونك فيذيعون ما كان بينك وبينهم من حديث. وهؤلاء هم حماة النظام والحفظة على الدستور الجديد، وهم الذين يعلن أن الوزارة قد تدور بينهم، وبين جماعة من أمثالهم إن صرفت عن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا. فحدثني عن نظام يحميه هؤلاء الناس، وحدثني عن حكم يصرفه هؤلاء الناس، وحدثني عن دستور يذود عنه هؤلاء الناس، وقل للإنجليز بعد ذلك ابتهجوا واستبشروا واطمئنوا، فقد ذهب عنكم عبد الفتاح يحيى وقد يرسل إليكم واحد من هؤلاء الناس الذين لا يرعون ذوقاً، ولا يكتمون سراً، ولا يفرقون بين أحاديث السوقة وأحاديث الملوك.
    وقل للإنجليز ابتهجوا واستبشروا فستجدون من هؤلاء الناس من يستطيع أن يؤلف وزارة ترضون الاتصال بها، لأنها تجمع بين القدرة والنزاهة والكفاية، أما إرضاء الشعب فتستطيعون أن تنظروا فإن الشعب لا يرى هؤلاء الناس أهلاً للرضى ولا للسخط، وإنما يهملهم إهمالاً فإن تحدث عنهم فليلهو ويعبث ليس غير.
    أما بعد فقد نظن أن الأزمة قد طال أمرها، وأن أمور الحكم توشك أن تضطرب، وأن المصريين الرسميين الذين تصرفوا في حل الأزمة إلى الآن لم يظهروا جداً ولا حزماً، ولا براعة، ولا شجاعة على احتمال التبعات وإنما أظهروا تردداً واضطراباً واختلاطاً في القول والعمل وأثاروا ضحكاً كثيراً. وقد ينبغي أن تظهر مصر الرسمية شيئاً من الجد فما ينبغي أن تكون أمور الشعب لعباً إلى غير حد.
    إن إرادة الشعب واضحة بينة فيجب أن يعلم الشعب أجاء الوقت الذي تحترم فيه إرادته أم لا يزال مهملاً كما أهمل في هذه الأعوام الأربعة.
    طه حسين
    الوادي، ١٠ نوفمبر ١٩٣٤.

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .