Tag: physical education

  • أيام لا تنسى: ذكريات وطنية | Days Never Forgotten: National Commemorations

    حديث الوادي
    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    قدوة…
    تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
    وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
    ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
    ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
    تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
    إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
    إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
    إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
    إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
    ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
    كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
    إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
    وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
    ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
    ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
    لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
    لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
    إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
    وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موعظة . . .
    ولكن قوما لا يريدون أن يتعظوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أن يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلاً إلى الشك، ولا طريقاً إلى الريب. يرون الحق واضحاً بيناً، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونه، ويرون النور ساطعاً ناصعاً فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق، عالياً يبلغ السماء فيسدون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه. ذلك أنهم لا يريدون حقاً، ولا شيئاً يشبه الحق، وإنما يريدون نفعاً عاجلاً، وعيشاً زائلاً، ونعيماً ينتهزونه انتهازاً وفرصاً يختلسونها اختلاساً. لا يعنيهم أن يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أن يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أن يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن. فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء . .
    أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم كما كان يقول سعد رحمه الله إلغاءً. أولئك قوم خُلقوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء. يرون شعباً كاملاً، قد اتفق رأيه وصح عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أن يكون سيداً في أرضه، حراً في وطنه، مسيطراً على أمره، فيأبون أن يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أن يصدقوا أن هذا الشعب يرى ما يرى، ويعلن ما يعلن، ويريد ما يريد. يخلقون لأنفسهم عالماً كاذباً، مصطنعاً يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطراباً لا يجدون فيه مشقة ولا جهداً، لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.
    أولئك قوم يمرون بالحياة، أو تمر بهم الحياة، فلا يؤثرون فيها، ولا يتأثرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة يحس الناس ثقلها وبغضها، ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحس من هذا الحلم الثقيل البغيض.
    أولئك قوم إن كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل، وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنك ما تراهم فيه من حول وطول ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترف، فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أثر، وبما يقيمون من مأثرة، وبما يبنون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.
    لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة أثر الهزيمة فلا ينفعهم ذلك لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يعظهم ذلك لأنهم لا يريدون أن يتعظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحاً في المكر والكيد، وإصراراً على اللجاج والعناد.
    ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكذاب، وظنوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغلوا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدون ويكدون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئاً ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثت في المصريين جميعاً، فأحيا القلوب، وقوى العزائم، وأبى لهذا الشعب أن يرضى إلا أن يكون عزيزاً حراً ومستقلاً صادق الاستقلال.
    قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثاب إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.
    أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعداً ومذهب سعد، ويحبون سعداً ومذهب سعد، ويوالون سعداً ومذهب سعد فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقربون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئاً.
    أولئك يرون المصريين في كل عام يحيون ذكرى سعد خيراً مما أحيَوْها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حباً، وازدادت عقولهم لسعد إكباراً، وازداد أتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعاً، ولا يريدون رجوعاً إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة واختلاس ما يمكن أن يختلس فيها من نعيم.
    أولئك رأوا أمس أنه لم يبقَ في مصر مصري إلا ذكر سعداً وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غداً، وسيرون في كل يوم مثل ما رأوا أمس، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.
    أولئك يحسبون أنهم مهرة، ويخيلون إلى أنفسهم أن استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون، وما أكثر ما ينسون، أن هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أن يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أن يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.
    أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون، وما أكثر ما يجهلون، أن الاستعمار أبرع من أن يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أن الذين يخدعونه ويستعينون به على الحياة لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أن يُذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.
    ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم، فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضح الأدلة وأنصعها وأبقاها؛ على أن الذين يحاربون سعداً ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأياً من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش، ولا يلتمسون شيئاً أكثر من العيش.
    ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس، كما أظهرت قبل أمس، وكما ستظهر في كل يوم، أن شعباً من الشعوب يستطيع أن يكون قوياً منيعاً، عزيزاً أبياً، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه. فليتعظ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أن يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أن يعيش إلا في ظلمة الجحود.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٤.

  • أزمة الجامعة: تفضيل الأجنبي على المصري | The University Crisis: Favoring the Foreigner Over the Egyptian

    حديث الوادي
    فضيحة . . .
    وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.

    ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.

    إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟

    فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.

    لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟

    نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.

    أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.

    فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    كتمان…
    تحار في فهمه العقول، ويعجز عن تفسيره أمهر الناس في حل الألغاز، وأقدرهم على كشف الأسرار، ورفع الأستار، مهما ينفق في ذلك من جهد ووقت، ومهما يحتمل في ذلك من مشقة وعناء.
    فقد وصل أمس إلى الأستاذ السنهوري هذا القرار الظريف الطريف الجريء البريء، الذي أصدره مجلس الوزراء بفصله من العمل في كلية الحقوق، فإذا هذا القرار العجيب الغريب، قد صدر في يوم السبت، الحادي عشر من هذا الشهر، ولم يعلم الناس من أمره شيئاً لا في يوم السبت، ولا في الأيام الخمسة التي تليه، فلما كان يوم الجمعة تحدثت “الجهاد” بأن إشاعة تشاع وأنباء تذاع بأن الوزارة تريد أن تفصل الأستاذ السنهوري. وتمنت “الجهاد” صادقة ناصحة للوزارة وللجامعة ألا تكون هذه الأنباء صحيحة.
    وفي ظهر هذا اليوم انتهت إلينا أنباء خاصة عن بعض الراسخين في العلم بأن ما نشرته “الجهاد” على أنه إشاعة لم يكن إشاعة، وإنما كان حقاً واقعاً قد تم وقوعه وقضى الأمر فيه. فاتصلنا ببعض هؤلاء الراسخين في العلم نسألهم عما نقل إلينا عنهم من الأنباء فأنكروا هذه الأنباء إنكاراً، ظاهره القوة، وباطنه الضعف، وخرجنا من الحديث معهم مرتابين. ثم كان المساء فبحثنا في المصادر المختلفة عن هذه الأنباء، أصادقة هي أم غير صادقة؟ أتمثل ما فعلت الوزارة، أم تمثل ما تريد الوزارة أن تفعل؟ فلم نستطع أن ننتهي إلى شيء قاطع، وإنما كان الأمر كله شكاً في شك. واختلاطاً في اختلاط.
    ثم أصبحنا يوم السبت فإذا الأهرام تنشر الخبر على أنه صورة للحق الواقع وعلى أن مجلس الوزراء قد أصدر قراراً لم يكن قد أذيع. ثم نقلت إلينا الريح، ونقل إلينا قطار البحر أن الأمر كان مكتوماً، وأن أصحاب الأمر كانوا يغلون في كتمانه، وأن الأمر كان خليقاً أن يظل مكتوماً حتى يتم تبليغ القرار إلى الأستاذ، أو حتى يعاد النظر في هذا القرار، بعد أن ظهر لرئيس الوزراء أن هناك كيداً يكاد، وكلاماً لا يصور الحق، وظلماً يجب رفعه، لولا أن عليماً بدخائل الأمور أراد أن يضع الحكومة أمام الأمر الواقع فألقى الأمر إلى من أرسله إلى الأهرام.
    كل هذا يدل على أن مجلس الوزراء قد اتخذ قراراً في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر، وعلى أن هذا القرار قد كتم أسبوعاً كاملاً أو ستة أيام كاملة إن أردت التحقيق والتدقيق. ولعلنا لا نغلو إن قلنا إن هذا الأمر لم يكتم على الصحف وحدها، ولا على الجمهور من قراء الصحف، وإنما كتم على قوم آخرين من شأنهم ألا يخفى عليهم مثل هذه الأنباء. فمن الطبيعي أن نسأل أنفسنا وأن نسأل الناس وأن نسأل الوزراء عن مصدر هذا الكتمان الغريب لهذا القرار الغريب. ومن المؤكد أن الخوف ليس هو مصدر هذا الكتمان فوزارتنا والحمد لله مستمتعة بالشجاعة التي لا تشبهها شجاعة والقوة التي لا تدانيها قوة والجرأة التي لا يعرف لها نظير في الشرق والغرب، فهي لا تخاف أحداً من الناس، وقد يخافها الناس جميعاً، وهي لا تخاف من شيء، وقد يخاف منها كل شيء. وماذا يمكن أن تخاف الوزارة من إعلان هذا القرار وهو لا يزيد على أنه يفصل أستاذاً من أساتذة الجامعة لم يبلغ الأربعين ولم تتعلق عليه الوزارة بمخالفة ثابتة لقانون من القوانين أو نظام من النظم، أو أصل من الأصول. وإنما قيل لها كلام فسمعته، ونقلت إليها أحاديث فصدقتها. لم تحقق ولم تسأل، ولم تجد في تبين الصواب. وهذا أيسر ما يصدر عن الوزارات القوية في مثل هذا العهد السعيد. وليس من شك في أن الوزارة لم تخف غضب الجامعيين. فقد أصبح الجامعيون والحمد لله لا يخافون ولا يرهبون، قلوبهم هادئة، وطباعهم مطمئنة، وضمائرهم مستريحة، وألسنتهم مؤثرة للصمت، وأقلامهم تستريح من حر الصيف. وهم مؤمنون للوزارة يصدقونها إن قالت، ويطيعونها إن أمرت، ويتأثرونها إن فعلت، وهم واثقون بأن الوزارة معصومة لا تنطق عن هوى ولا تصدر عن خطأ، ولا تتورط فيما لا يليق، فهم مطمئنون إليها كل الاطمئنان، وآية ذلك أن زميلاً لهم قد فصل فصلاً، في غير تحقيق ولا سؤال، فلم ينكروا شيئاً، ومن يدري لعلهم لم يعرفوا شيئاً، وواضح جداً أن حدثاً كهذا الحدث لو وقع في بلد من البلاد، التي تحترم الجامعات فيها نفسها لاضطربت الحياة الجامعية اضطراباً. أما في مصر فالجامعة نائمة ولن تستيقظ حتى ينقضي الصيف. وكانت الجامعة فيما مضى منذ عامين أو أكثر من عامين تقدر مثل هذه الأمور إلى حد ما فالتاريخ يروي، والناس يتحدثون أن حدثاً وقع في الجامعة، منذ أكثر من عامين، فاضطربت له الحياة الجامعية اضطراباً شديداً، ويقال أن مدير الجامعة استقال. أما الآن فقد تعودت الجامعة حدوث الأحداث، فهي تلقاها بالصبر والثبات، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وانتظار الفرج الذي قد يجعل الأساتذة بمأمن من الفصل والنقل في غير سؤال ولا تحقيق. الجامعة تريد أن تعيش وتشفق من قطع العيش في هذه الأيام التي لا يجد الناس فيها ما ينفقون، وإذن فهي راضية بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون. وإذن فالوزارة لم تكتم قرارها خوفاً من الجامعة واحتجاجها، ولا من الجامعيين، وإلحاحهم في الإنكار. والوزارة لم تشفق من الطلاب. فالطلاب مفرقون في أنحاء الأرض منذ كان الصيف، ولو كانوا مجتمعين، لما أشفقت منهم الوزارة، وماذا تخاف الوزارة من الطلاب وهي مسلحة بالقوانين واللوائح، التي تبيح لها فصلهم، جملة وتفريقاً، وعندها الشرطة وعندها الجيش، اللذان يحسنان إعمال العصي والسياط وإطلاق النار إذا جد الجد؟
    والوزارة لم تخف من الصحف ومتى حفلت الوزارة بالصحف، أو حسبت لها حساباً، أو رجت لها وقاراً، ولو أن للصحف أن تثير الخوف في نفس الوزاراء لما كان بعض ما هو كائن، ولما أقامت الوزارة في الحكم أكثر من أيام.
    والوزارة لم تخف من الشعب ومتى خافت الوزارة من الشعب، وهي بحمد الله، قادرة على أن تحمل الشعب ما يريد وما لا يريد. لها القوة التي لا ترد والبأس الذي لا يطاق. وإذن فمم كانت تخاف الوزارة، وفيم كانت تحرص على هذا الكتمان، وتحبس هذا القرار المسكين وتحرمه حقه الطبيعي من الهواء والضياء والحياة الحرة الطلقة التي تنعم بها القرارات حين تصدر عن مجلس الوزراء؟
    قال قائلون كانت الوزارة تخاف من نفسها وترهب ظلها، وتشفق من ضميرها، فقد أصدرت هذا القرار، وهي كارهة له مترددة في إصداره، وكانت تريد أن تفكر وتقدر، وأن تستأني وتدبر، لعلها تطمئن إليه أو تعدل عنه. وقال قائلون آخرون، بل حرصت الوزارة على هذا الكتمان حتى يغيب عن مصر بعض من كان في مصر وبعض من لا يتحرجون من الدخول فيما لا يعنيهم، والسؤال عما لا ينبغي أن يسألوا عنه، فلما سافر من سافر، وغاب من غاب، رفعت الأستار، وتنفس القرار وحلق ثم طار وانتهى أمس إلى الأستاذ السنهوري. أما نحن فلا نصدق أن الوزارة خافت من نفسها، فلم يكرهها أحد على أن تصدر هذا القرار، ولا نصدق أن الوزارة خافت من غيرها، فالوزارة لا تخاف أحداً من الحاضرين، ولا من الغائبين وإذا كانت الوزارة لا تخاف من الشعب كله، فهي أكبر وأشجع من أن تهاب فرداً من الأفراد أو جماعة من الجماعات.
    وإذن فما مصدر هذا الكتمان، وما سر هذا التستر؟ يخيل إلينا أنه لغز من الألغاز سيظل محجوباً وسيلتمس له الناس ضروب التعليل والتأويل، دون أن يظفروا له بحل أو تفسير.
    وليس هذا غريباً فما أكثر ما في الكون والحياة من ألغاز يحار في فهمها العقل، ويعجز عن تفسيرها أعظم الناس حظاً من الذكاء. مهما يكن من شيء فإن وزارتنا قد وفقت إلى أن تضيف سراً غامضاً إلى أسرار الفلسفة العليا، سيتعب الفلاسفة في كشف الأستار عنه وهو مصدر هذا الكتمان لقرار لم يكن هناك ما يدعو إلى كتمانه. فهل للوزارة أن تكشف لهم الغطاء، وتبين لهم هذه الحكمة الخفية التي أسكتتها أسبوعاً عما لا تسكت الوزارات عنه يوماً ولا بعض يوم؟!
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مبادئ . . .
    تخافها الوزارة القائمة كل الخوف وتفزع منها أشد الفزع حتى يخرجها ذلك عن طورها وينأى بها عما ينبغي لها من المهل والأناة، ويدفعها إلى أن تهمل نظم الجامعة إهمالاً، وتعرض عن مجالسها إعراضاً، وتفصل أستاذاً من أساتذة القانون، في غير سؤال ولا تحقيق، وتغلو في كتمان هذا الفصل كأنما تشفق من إعلانه فلا يذاع في الناس إلا عفواً أو بقصد رجل أراد أن يضع الوزارة أمام الأمر الواقع. وهذه المبادئ الخطيرة التي تخيف الوزارة إلى هذا الحد وتدفعها إلى ما دفعت إليه من هذا العمل الغريب الجريء، هي المبادئ التي وضعت لجماعة الشبان المصريين التي أنشأها الأستاذ السنهوري.
    ولعلك حين تقرأ هذا الكلام وترى حذر الحكومة وإشفاقها وجزع الوزارة وفزعها، تظن الظنون بمبادئ هذه الجماعة وتقدر لها مبادئ خطيرة حقاً، من شأنها إذا أذيعت بين الناس، أن تقلب النظام السياسي والاجتماعي رأساً على عقب، وأن تحدث في مصر أحداثاً جساماً لا ينبغي أن تحدث فيها. ولكن تمهل بعض الشيء، ولا تندفع كما اندفعت الوزارة إلى الفزع والهلع ولا إلى الخوف والإشفاق. فهذه المبادئ بريئة جداً يسيرة جداً، لا ينبغي لرجل يكرم نفسه أن يتخذ مبدأ يخالفها، أو ينأى عنها، وإنما هي المبادئ التي تكون الرجل الخليق بهذا الاسم، والتي ينتحلها لنفسه كل إنسان.
    هذه المبادئ ثلاثة: أولها تقويم الخلق، وثانيها تهذيب العقل، وثالثها تنمية الجسم. فحدثني عن رجل يرضى أن يكون خلقه معوجاً، أو يطمئن إلى أن يظن به الناس اعوجاج الخلق؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من حضارة لا يطمع في أن يقوم خلقه ما وجد إلى ذلك سبيلاً؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من ذكاء لا يحب أن يظن الناس به أن خلقه معتدل مستقيم؟ وإذن فماذا تنكر الوزارة من قوم يريدون أن يقوموا أخلاقهم ومن أستاذ يعينهم على تحقيق ما يريدون؟ وأي بأس على الوزارة من أن تكون أخلاق الناس مستقيمة ومن أن يطمح الشبان إلى أن يصدقوا في القول ويخلصوا في العمل ويجتنبوا الضعف والفتور، ويحرصوا على القوة ومضاء العزم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين أن تعتدل أخلاقهم وتستقيم، وأنها تريدهم على أن تكون أخلاقهم معوجة، وسيرتهم ملتوية ونفوسهم فاترة ذليلة وعزائمهم واهنة مغلولة؟ وهل تطمئن الوزارة إلى أن يظن بها الناس أنها لا تستطيع أن تحكم إلا إذا فسدت الأخلاق، ولا تستطيع أن تستقر في الحكم إلا إذا ساءت السيرة، وأنها تخاف الخير، وتشفق من البر، وترى الفضيلة لها عدواً خطيراً؟
    ثم حدثني عن رجل، مثقف أو متحضر، لا يطمع في أن يهذب عقله، ويزيد حظه من الثقافة ونصيبه من العلم، بل حدثني عن رجل متحضر، لا يحب أن يظن الناس به سعة العقل، وغزارة العلم، وقوة الذكاء؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين سعة العقل، وغزارة العلم، وإنما تحب لهم الجهل وضيق الأفق، وقصور الذكاء؟ وهل يستطيع وزير التعليم أن يعلن إلى الناس أنه لا يحب أن يعنى الشبان بالتعليم ولا يرضى لهم أن يستزيدوا من العلم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن أنها لا تقدر على الحكم، ولا على الاستقرار فيه، إلا إذا ظل المصريون جهالاً مغلقين، تضيق عقولهم عن كل شيء، وتعجز عقولهم عن استكشاف الحقائق أو فهمها أو الحكم عليها؟ ثم حدثني عن رجل له حظ من ذكاء، لا يطمع في أن ينمي جسمه، ويلتمس له من أنواع الرياضة، ما يقويه ويكفل له حظاً من الصحة، وقدرة على النشاط، واحتمال أثقال الحياة؟
    وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين قوة ولا صحة، وإنما تريدهم ضعافاً مراضاً، ينهكهم السقم، ويفنيهم الضنى، وأنها لا تقدر على الحكم ولا على الاستقرار فيه، إذا قويت أجسام المصريين وتمت لهم الصحة الموفورة والبراءة من العلل والأسقام؟
    نحب أن نعلم ماذا أنكرت الوزارة من هذه الجماعة التي أنشأها الأستاذ السنهوري؟ هل تستطيع الوزارة إن صعدت إلى السماء السابعة، أو هبطت إلى الأرض السابعة أن تثبت أو أن ترجح، أو أن تخيل أن في هذه المبادئ أو في نظام هذه الجماعة سياسة أو شيئاً يشبه السياسة أو شيئاً يمس نظم الحكم من قريب أو من بعيد؟ فقصة الأغراض السياسية إذن كلام فارغ، وضرب من العبث وفن من التجني، وتكأة يعتمد عليها في الاعتذار من هذا الفصل الذي ليس إلى تعليله المعقول من سبيل، وإنما العلة الحقيقية لهذا الفصل، العلة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي هذه المبادئ نفسها. فأي شيء في هذه المبادئ يخيف الوزارة ويفزعها ويدفعها إلى مثل ما أتت من الأمر؟ ألا تستحي الوزارة من أن يظن الناس بها الظنون، ومن أن يقول بعضهم لبعض، إن الحياة السياسية في هذه الأيام، لا تريد للمصريين أن يكونوا رجالاً، ومن أن الوزارة المصرية تحرص على أن يبعد المصريون كل البعد عن استكمال رجولتهم، وتعاقب كل من يدعوهم إلى الرجولة بألوان العقاب المختلفة؟
    لقد نعلم أن الأستاذ السنهوري ذهب يتحدث إلى مدير الأمن العام في أمر جماعته هذه، وفي أنها لا تعنى بالسياسة، ثم طلب إليه أن ينظر في أغراضها، فلما انتهى إلى تقوية الجسم قال إن تقوية الجسم تهيئ جيشاً. فمدير الأمن العام إذن يخاف أن تقوى أجسام المصريين لأنه يخاف أن يكون للمصريين جيش قوي. في أي عصر نعيش، وأي حياة نحيا؟ أجد هذا الكلام أم هزل؟ إنا نريد أن نعتقد أن مدير الأمن العام لم يظن، ولم يقدر أن الأستاذ السنهوري يريد أن يكون من جماعته جيشاً يستعين به على مقاومة الجيش النظامي، وعلى إحداث الأحداث، في هذا البلد المطمئن. فمدير الأمن العام عندنا أذكى من أن تخطر له مثل هذه الخواطر. وإذن فماذا يخاف مدير الأمن العام، إن قويت أجسام المصريين؟ وماذا يخاف إن قويت أخلاقهم، واتسعت عقولهم؟ سؤال نستطيع أن نردده ما شئنا فلن نظفر عليه بالجواب الصحيح، وإذن فنحن نبيح لأنفسنا أن نجيب إذا استقامت أخلاق المصريين وامتنعت على الفساد والاعوجاج، وإذا ارتقت عقول المصريين وارتفعت عن الضعف والضيق، وإذا قويت أجسام المصريين وبرئت من العلل والأسقام، وإذا استكمل المصريون رجولتهم حقاً، لم يرضوا من الأمر إلا ما يرضاه الرجال، ولم يقدموا من الأمر إلا على ما يقدم عليه الرجال. ولم يطمئنوا إلى أن يسخروا كما تسخر الأنعام، أو يحكموا كما يحكم الضعاف، أو تكون مصالحهم موضوعاً للعبث، أو يكون استقلالهم موضوعاً للمساومة، أو تكون حريتهم عرضة لتحكم وزير أو موظف كبير، أو تكون جامعتهم صورة من الصور، وشكلاً من الأشكال، أو تكون حياتهم السياسية نفاقاً وحياتهم الاجتماعية رياءً وحياتهم العلمية غشاً وخداعاً. وإذا انتهى المصريون إلى هذا الحظ من الرقي العقلي والخلقي والجسمي، فأبوا الضيم، وامتنعوا على الذل لم تطب للمستعمرين من الإنجليز حياة على ضفاف النيل. . نرجو أن يفهم الشباب المصريون هذا الدرس البليغ، الذي ألقي عليهم بفصل الأستاذ السنهوري من منصبه لأنه أراد أن ينشئ جماعة تعمل على تنمية الأجسام، وترقية العقول، وتهذيب الأخلاق.
    نرجو أن يعرف الشباب المصريون أن من الناس من يكره لهم أن يكونوا رجالاً ويعاقب من يريد لهم أن يكونوا رجالاً.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٢ .

    تكذيب…
    صدر نصفه، وما يزال نصفه الآخر متمنعًا، متأبيًا، لا يريد أن يظهر على كثرة ما يلح الناس عليه في الظهور، وأظنك قد فطنت إلى أني إنما أريد أن أتحدث عن هذه القصة الطريفة الرائعة التي اتصلت بفصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق، والتي أثرت في هذا الفصل بعض الأثر، إن لم تكن أثرت فيه كل الأثر في أكبر الظن.
    فقد زعموا كما تعلم ويعلم الناس أن أستاذًا من أساتذة كلية الحقوق حضر افتتاح نادي المحامين، كما حضره الأستاذ السنهوري، ولم يحضره من أساتذة الكلية غيرهما.
    فلما أذيع في الصحف، وعرفت الحكومة حضورهما هذه الحفلة، سألت أحدهما، ولم تسأل الآخر. فأما الذي سئل فهو الأستاذ العربي، وأما الذي لم يسأل فهو الأستاذ السنهوري. وقد كان سؤال أحدهما دون الآخر غريبًا في نفسه، ولكن فصل الأستاذ السنهوري أزال هذه الغرابة ومحا اللبس عن هذا الموقف الذي لم يكن يخلو من غموض.
    أما الأستاذ العربي فقد تحدث إليه عميد الكلية في حضوره هذه الحفلة، ثم طلب إليه أن يلقي وزير التقاليد، فلقيه وتحدث إليه الوزير في هذا الموضوع، ثم فصل الأستاذ السنهوري.
    وعلمنا من مصادر نثق بها، أن بين الأمور التي ذكرت حول الأستاذ السنهوري واستعين بها على فصله، أن الأستاذ العربي زعم لمن سأله أنه لم يذهب إلى نادي المحامين من تلقاء نفسه، وإنما استدرجه إليه الأستاذ السنهوري استدراجًا! وقد أنكرنا ذلك أشد الإنكار حين علمناه، وكتبنا في ذلك منكرين ومستفسرين وأكبرنا على أستاذ من أساتذة الجامعة أن يرضى لنفسه أن يستدرجه غيره إلى ما لا يحب، وأن يقول غير الحق ليبرئ نفسه، لأن الأستاذ السنهوري لم ير زميله العربي في ذلك اليوم.
    ولم يكد الأستاذ العربي يقرأ ما كتبناه حتى ضاق به أشد الضيق وأسرع إلى لقائنا، فكذب أن تكون هذه القصة قد وقعت له، أو صدرت عنه، وكان تكذيبه صريحًا قاطعًا، مؤكدًا. ثم دفع إلينا بيانًا صاغ فيه هذا التكذيب وطلب إلينا نشره، فنشرناه مغتبطين، وحمدنا الله على أن أساتذة الجامعة ما زالوا في نفسهم وعند الناس أكبر من هذه الصغائر، وأرفع من هذه الوقيعة.
    ولكننا أكدنا أن أمر هذه القصة قد انتهى إلينا من مصادر نثق بها، وأن الحديث بهذه القصة قد جرى بين الوزراء وطلبنا إلى الوزارة أن تنفيه نفيًا قاطعًا. فلما كان الغد، رأينا بيان الأستاذ العربي يعاد نشره في الأهرام، ويزاد عليه أن الأستاذ قد استأذن الوزير في نشره، فأذن الوزير. وكان معنى هذا عندنا وعند غيرنا من الناس أن ذمة الأستاذ العربي قد برئت من هذه القصة وأنه قد خلص منها وأدى بهذا التكذيب ما يجب لنفسه من الكرامة، وما يجب لزميله من الوفاء. وكان إذن الوزير له بنشر هذا البيان فيما يظهر شهادة من الوزير بأن الأستاذ العربي بريء من الكيد الذي دبر له ولزميله، ومن الدسيسة التي دست عليه وعلى زميله.
    ولكن براءة الأستاذ من هذا الكيد لا تنفي أن هذا الكيد قد كان، وأن هذه الدسيسة قد دبرت، وأن الحديث بها قد جرى على لسان بعض الوزراء، وإذن فما زال من حقنا اليوم كما كان من حقنا أمس أن نعرف جلية الأمر في هذه القصة. كيف ارتفعت إلى وزير التقاليد أو إلى غيره من الوزراء، وكيف جرى الحديث بها في مجلس الوزراء؟ من حقنا أن نعرف هذا لأسباب مختلفة: فإن هذه القصة كما قلنا، وكما نقول قد جرى بها الحديث بين الوزراء، وكان لها في فصل الأستاذ السنهوري أثر، فهي إذن كذبة من الكذبات قد أثرت في حياة الجامعة، وفصلت أستاذًا من أساتذتها، ودفعت الوزارة إلى اتخاذ قرار خطير، وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة تحب الحق والعدل، وتكبر الخلق ونقاء الضمير، أن تسكت حين ترى الكذب والكيد يؤثران في حياة الناس، ويمسان أعمال الحكومة من قريب أو بعيد. وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة أن يروا أستاذًا يفصل وأن يعلموا أن الكذب قد كان له بعض الأثر في فصله ثم يسكتوا عن المطالبة بإنصاف هذا الأستاذ مما أصابه من الظلم، وبأخذ الذين كذبوا بالعقاب، على ما تورطوا فيه من الإثم، ومن الإثم الذي لا يمس أخلاقهم وسيرتهم وكرامتهم وحدها وإنما يمس حقوق الناس أيضًا. ثم إن هذه القصة التي جرى الحديث بها بين الوزراء، والتي يقال إنها عملت بعض العمل في حرمان الجامعة أستاذًا من خيرة أساتذتها لم يقف شرها عند الجامعة، وعند الأستاذ وحدهما، وإنما تناول شرها الوزراء أيضًا. فمما لا شك فيه أن هذه القصة إذا ارتفعت إلى الوزراء وارتفعت إليهم ممن يحسنون الظن به، والاطمئنان إليه، تركت في نفوسهم أثرًا، قد يكون سيئًا، وقد يكون مسرفًا في السوء، وكان من حقها أن تنتهي بهم إلى ثورة النفس وفساد الرأي في أستاذ يستدرج زميله إلى ما لا يحب الوزراء. وإذن فهذه القصة قد غشت الوزراء، وهيأتهم لأمور لعلهم ما كانوا ليقدموا عليها لو لم ترتفع إليهم هذه القصة بما فيها من مكر وكيد. وإذن فمن حق الوزراء أن يغضبوا إذا تبين لهم أن هذه القصة مكذوبة، وأن الذي رفعها إليهم قد غشهم وكاد للأستاذ، وأن غشه قد انتهى إلى غايته، وأن كيده قد بلغ مداه، ومن حق المصريين أن يغضبوا حين يرون أن بين الناس من تبيح لهم ضمائرهم الكذب على الوزراء، والكيد للأبرياء. وإذن فمن حق الوزراء فيما نظن، بل من الحق عليهم لأنفسهم وللمصريين وللأخلاق واستقامة السيرة ونقاء الضمير أن يتبينوا كيف ارتفعت إليهم هذه القصة، ومن الذي رفعها إليهم، وماذا كان يريد حين سعى إليهم بها. ومن حق الوزراء، بل من الحق عليهم أن يعاقبوا هذا الذي أساء إليهم وأساء إلى مصر بالكذب عليهم، وأساء إلى رجل بريء من هذه القصة بنوع خاص على أقل تقدير. والوزراء حين يحققون هذا الأمر ويضربون على يد الذي ارتفع إليهم به، إنما يضربون أحسن الأمثال للناس، ويثبتون أنهم لا يحبون سعاية ولا وشاية ولا كيدًا، وأنهم لا يرضون أن تتأثر أعمال الحكومة ولا سيرة الأفراد، بالسعاية والوشاية والكيد.
    ونظن أننا لا نسرف على الوزراء ولا نسرف على أحد حين نطلب إلى الوزارة أن تتبين جلية هذه القصة، وأن تبينها للناس، وأن تجيب في صراحة على هذه الأسئلة: هل جرى الحديث بهذه القصة المكذوبة بين الوزراء؟ وإن كان قد جرى الحديث بها فمن الذي رفع هذا الحديث إليهم، وماذا أعدت الوزارة لعقاب هذا الذي استباح لنفسه أن يكذب على الوزراء، ويكيد عندهم لرجل بريء؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٥/ ٨/ ١٩٣٤.