Tag: political tyranny

  • استعادة العدالة: ديسمبر ١٩٣٤ | Restoring Justice: December 1934

    حديث الوادي
    قلق…
    ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
    فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
    وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا “الجهاد” قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
    لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
    فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
    كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
    وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
    فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
    إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
    ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
    إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
    نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
    طه حسين
    الوادي، 30 نوفمبر 1934.

    حديث الوادي
    المظلمة الكبرى. . .
    هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
    نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
    إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
    ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
    لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
    إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
    نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
    أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
    نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
    طه حسين
    الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة الصحافة . . .
    لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
    وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
    وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
    ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
    وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
    وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
    فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
    فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
    وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
    على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
    ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
    ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
    فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
    وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
    والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
    أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
    طه حسين
    الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    دعاة الفساد . .
    كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
    كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
    لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب

    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد “الذي” هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها “الجهاد”، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد “الذي” هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • تشكيل الوزارة الجديدة | Forming the New Cabinet

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    مولاي،
    ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.

    وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.

    فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.

    والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.

    والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.

    فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.

    والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.

    نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:

    وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.

    وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.

    آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.

    والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.

    والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.

    طه حسين
    الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    – ٢ –

    مولاي،
    ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.

    وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.

    فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.

    والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.

    والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.

    فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.

    والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.

    نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:

    وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.

    وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.

    آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.

    والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.

    والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.

    طه حسين
    الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة
    في تأليف الوزارات . . .

    هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائماً. وقد عني به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي» فترك للناس فيه فصلاً ممتعاً ظريفاً يستطيع المصريون أن يقرؤوه فسيجدون فيه لذة ومتاعاً، وسيجدون فيه أموراً تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
    وليس في هذا شيء من الغرابة، فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولابد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف، وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
    فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه، تأليف الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف. وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قل الذي ينبعث من رئيس الوزراء، كما ينبعث التيار الخفي الدقيق فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يدع داراً يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحاماً، أو انساب فيها انسياباً ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مساً خفيفاً فيوقظه إن كان نائماً، وينبهه إن كان غافلاً، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولاً، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطراباً مريباً ويرقص أمام عينيه رقصاً مغرياً، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندس إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسباباً خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيراً، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة وإذ المستوزر قد أقصي عنها ولم يهيأ له أو لم يرد له أن يشترك فيها.
    هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعاً هو شيء يشبه أن يكون شعاعاً كهربائياً، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين. فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تؤلف مرجوة لعظائم الأمور أو مخوفة، فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعاً ويثير في قلوبهم ألواناً مختلفة من العواطف والشعور.
    لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو سواء أراد أو لم يرد في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطاً شديداً لأن هؤلاء الزملاء كثيرون. وهم دائماً أكثر مما ينبغي حتى حين يكون البلد فقيراً في الرجال، وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضاً، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعله خيل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقاً، لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء. ولعله هو كان قد نسيهم أيضاً وشغل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
    ولكن من المحقق أيضاً أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد ملئت بالأشباح والظلال ولعل هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصاً متصلاً غريباً، ولعله حقق النظر فيها فتبين فلاناً وفلاناً وفلاناً من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحاناً قاسياً صريحاً، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة، لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسمت هذه الأشباح والظلال وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضاً، وما أكثر ما تركت البطاقات، وما أكثر ما دق التليفون.
    ولندع رئيس الوزراء قاسياً على هذه الأشباح حين كانت أشباحاً، ثم مجاملاً لها ورفيقاً بها، وحائراً بينها، وفاراً منها حين استحالت أجساماً. ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيماً منذ لهجت الصحف بذكر نسيم. وكلهم سأل نفسه: أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله؟ أم حالاً؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض، موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه. وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيماً، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيماً. ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غباراً من الأمل ينشر الدعوة له نشراً، حتى إذا أعلن أن نسيماً سيؤلف الوزارة تأليفاً رسمياً فلا تسل عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة، ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظاراً لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
    ولا تسل عما يصوره لبارتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه، فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق ويصبح أطول وأثقل من أن يحتمل، فيخرج المستوزر من داره ويسعى إما في دار الرئيس فوراً، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع أن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
    الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يحصون، والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرؤون هذا كله، وإذا هم أيضاً بمصريين ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك، لأن رجلاً كلف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
    ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة، فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزراً آخر قد انتهى إلى الدار فدخلا معاً، ولقيهما الرئيس مرتبكاً حائراً لأنه لم يدعهما ولم يكلف أحداً دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقوراً فقضى لحظات مع الرئيس ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائباً شاباً، فلم يعلق صبراً على صمت الرئيس فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
    وكلف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائراً لكليمنصو، فلما تلقاه النمر -هو كليمنصو- قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصباً في الوزارة. قال كليمنصو: «وحسناً تفعل، فلو قد عرضت عليّ منصباً لأخترت الرئاسة»، قال الرجل: «بالطبع ولكن جئت لأستشيرك»، قال كليمنصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه».
    وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير، فالناس يذكرون هذا الوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضاً، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلاً. والناس يذكرون وزيراً ضخماً مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره حتى أسرع فقبل وسأل لأي وزارة دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه. وحدثنا صديق عن وزير ضخم مرتفع القامة عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات، يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين.
    فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيساً من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلاناً يرشحه للوزارة المقبلة فلا تسل عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وألفت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
    ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهو القراء وقتاً طويلاً، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويحول دون إذاعته.
    فليت الذين يعلمون كل ذلك يسجلون في مذكرات خاصة، فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جداً، بل من الخير أن يكون فيه ما يضحك ويلهي، ويقال إننا مقدمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء.
    طه حسين
    الوادي، ١٤ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    توفيق. . .
    قضاه الله عز وجل لمصر، بعد أن قضى عليها لمحنة أكثر من أربعة أعوام، فكان ابتهاج الشعب له، واغتباط الشعب به مكافئين لما أصاب الشعب من بؤس بالمحنة واكتئاب للفتنة، وكان شكر الشعب لله عز وجل على حسن العاقبة، مكافأة لرضى الشعب بقضاء الله عز وجل فيما قضى من محنة وما ابتلى به من فتنة، وما محص الناس به من أذى في الأنفس والأموال وفي المنافع والمرافق وفي الضمائر والأخلاق.
    نعم توفيق قضاه الله للأمة جزاءً على صبرها الطويل، واحتمالها الكريم لما سلط عليها من كوارث، وما بسط عليها من ظلم، وما فرض عليها من جور، والحمد لله على ما ابتلى به فقد كان في ذلك تطهير للقلوب، وتنقية للضمائر، وتصفية للطباع، وتمييز للخبيث من الطيب، وتفرقة بين المخلصين والمنافقين، وإظهار لرجولة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم رجال، وإعلان لكرامة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم كرام، وإشادة بأباء الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم أباة للضيم، وتنويه بمروءة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم حماة للوطن وحملة للأمانة ووافون بالعهد وقادرون على أن يضحوا بكل شيء إلا بالوطن وما ينبغي له من العزة والأنفة والكرامة والاستقلال. والحمد لله عز وجل على أن أظهر من هذا كله ما أظهر، وبين للعالم الحديث أن مصر الحديثة خليقة بمصر القديمة، فيها صبر وجلد، وفيها عزة وإباء، وفيها سمو وطموح، وفيها استهزاء بالأقوياء، وفيها ازدراء للظالمين، وفيها أنفة من الذل، وفيها نهو عن الخضوع والإذعان. والحمد لله الذي أظهر للعالم الحديث، أثناء هذه الأعوام الطوال الثقال، أن مصر الحديثة خليقة بما تطمح إليه من أمل، وما تطمع فيه من استقلال، وما تسمو إليه من مثل أعلى، تلم بها الخطوب فلا تجزع للخطوب، وصب عليها الشر فلا تفرق للشر، وينجم فيها المجرمون فلا تؤبه للمجرمين، ويكاد لها الكيد فلا تتورط في الكيد، ويسلط عليها الإغراء فلا يزدهيها الإغراء، وتزين لها الأماني فلا تخدعها الأماني، وإنما تظل في مكانها ثابتة ثبات هذه الجبال التي تكتنف واديها من جانبيه، صافية القلب والضمير والنية، صفاء هذا الجو الذي يبعث فيها الحركة والحياة، ساعية في جد وحزم، وأناة، ونشاط، سعي هذا النهر الذي يمنحها الخصب والبركة والجمال، عظيمة في نفسها، وفي نفس أعدائها وأحبائها.
    عظمة هذا البحر الشاهد بما كان لها من مجد قديم، الأمل فيما سيكون لها من مجد حديث. والحمد لله الذي أظهر في هذه الأعوام الطوال الثقال أن مصر ليست حمقاء ولا خرقاء، وأنها ليست طائشة ولا مستسلمة للأهواء، وأن مصر تريد ما تريد عن فهم، وتأتي ما تأتي عن عزم ويقين، وأن لمصر زعماء لا يقدمون إلا إذا فكروا وقدروا ودبروا، فإذا أقدموا لم يعرفوا تردداً ولا إحجاماً، وإذا هموا لم يعرفوا ضعفاً ولا استسلاماً، وإذا صمموا لم يعرفوا خوفاً ولا إشفاقاً، تكتنفهم الأهوال فيبتسمون للأهوال، تثار أمامهم المصاعب فيضحكون من المصاعب، قد آمنوا بالله والوطن فاعتمدوا على الله ووثقوا بالوطن ومضوا في طريقهم لا يستشيرون إلا ما يملأ نفوسهم من إيمان وما يعمر قلوبهم من ثقة ويقين. . .
    والحمد لله الذي أظهر أن هذا الرجل الذي يسمونه النحاس، والذي يقول فيه القائلون ويظن به الظانون، هو ابن مصر خليق بأن يكون ابنها البر، وهي خليقة أن تكون أمه الرؤوم، هو ابن مصر الذي تستطيع أن تمنحه حبها لا حد له، وهي واثقة أنها لا تبلغ مكافأته على وفائه لها ونضاله عنها. وهو خليق أن يبذل في سبيلها أمنه ودعته وحياته وهو مطمئن إلى أنه لم يؤد إليها ما ينبغي لها من حق، إنما تمنحه مصر ما تستطيع الأمم أن تمنح أبناءها، وإنما يمنح هو مصر ما يستطيع الأبناء أن يمنحوا أممهم، وإنما الجزاء الأوفى لهذا الرجل على إخلاصه ولهذه الأمة على وفائها وتأييدها عند الله وحده الذي يستطيع أن يعطي بغير حساب، والذي لا حد لقدرته ولا حد لرضاه حين يرضى، ولا حد لسخطه حين يسخط:
    نعم والحمد لله الذي أتاح لهذا الرجل الضعيف أن يكون أقوى المعاصرين من مواطنيه بعزمه وحزمه، وبيقينه وإيمانه، وأتاح لهذا الرجل الفقير أن يكون أغنى المعاصرين من مواطنيه بقلبه الذكي وضميره النقي وحلمه الراجح وبصيرته الثاقبة ونظره البعيد.
    نعم والحمد لله الذي جعل لواء مصر إلى رجل يعرف كيف يحتفظ باللواء نقياً كريماً لا يصيبه دنس، ولا يعرض له ذل ولا هوان.
    والحمد لله على هذا كله وعلى أكثر من هذا كله. على ما تستطيع مصر أن تحصي وما لا تستطيع أن تحصي من محنته حين امتحن، ومن نعمته حين أنعم، ومن بره بمصر ورعايته لها على كل حال. هؤلاء الطغاة قد خنسوا بعد أن ملأوا الأرض تجبراً وتكبراً وقد استكانوا بعد أن ملأوا الجو تعالياً وغروراً وقد استخذوا وعادوا إلى جحورهم، بعد أن انتشروا في الجو كما تنتشر الطير الخبيثة باعثة فيه صياحها الخبيث.
    هؤلاء الطغاة قد نكصوا على أعقابهم خجلين وجلين بعد أن دعاهم الشيطان، فاستجابوا له لا يرعون عهداً قديماً ولا يرعون حقاً للوطن، ولا يرعون حرمة للشعب، ولا يرعون كرامة لأنفسهم، زين لهم شيطانهم باطلاً فأسرعوا إليه، وتهافتوا على منافعهم الدنيئة كما يتهافت الذباب على أحسن الطعام.
    هاهم أولاء قد سكتوا فلا ينطقون، وسكنوا فلا ينشطون، وخمدوا فلا يعملون. هاهم أولاء يودون لو ابتلعتهم الأرض أو اختطفتهم السماء. هاهم أولاء لا يستطيعون أن يظهروا لمواطنيهم وقد كانوا لا يريدون أن ينظروا إلى مواطنيهم. دعاهم الشيطان فأسرعوا إليه، ثم انخذل عنهم الشيطان فانخذلوا عن أنفسهم، لقد كانوا يجمعون الجموع، ويؤلبون الأحزاب ويجعلون أمرهم إلى عظيمهم صدقي يريدون أن يقاوموا الحق، والحق لا يقاوم، يريدون أن يثبتوا الباطل والباطل لا يثبت، يريدون أن يقروا الجور والجور لا يستقر، يريدون أن يذلوا مصر ومصر أعز من أن تذل وأمنع من أن تضام – لقد جمعوا الجموع وألبوا الأحزاب وألقوا الخطب وهيأوا المذكرات وأنفقوا الأموال، واستأنفوا شراء الضمائر وإفساد الأخلاق، ثم أين هم الآن؟ ما بال جموعهم لا تأتلف وما بال أحزابهم لا تتألب، وما بال خطبهم لا تلقى، وما بال مذكراتهم لا ترفع، وما بال لجنهم لا تذود عن النظام ولا تدافع عن الدستور. لقد خنسوا واستذلوا واستسلموا للقضاء، وأخذ الماهرون الماكرون منهم يتهيأون لتغيير الرأي ويتأهبون لتحقيق المنافع، وينتظرون أن ينساهم الناس قليلاً حتى إذا مضت عليهم أشهر ظهروا من جديد يبتغون الوسيلة إلى الوزراء، ويتقربون إلى الحكام، ويلتمسون منافعهم العاجلة لأنهم لا يقدرون إلا على التماس منافعهم العاجلة.
    أين صدقي وأصحاب صدقي؟ أين عبد الفتاح وأصحاب عبد الفتاح؟ أين الإبراشي وجنود الإبراشي؟ أين وزير التقاليد وسخف وزير التقاليد؟ أين صبري والصبريات؟ أين القيسي وما سلط على أجسام المصريين من عصي وسياط، وما صب على أموال المصريين من عبث وفساد؟
    أين كبار الموظفين الذين صغروا في أنفسهم فأصبحوا أدوات للطغاة؟ أين الجنود والأعوان؟ أين المسيرون والمسخرون؟ لقد ذهبوا جميعاً. واستكانوا وآوى كل منهم إلى وكره يدبر أمره لعله يحس الحياء في العصر الجديد.
    ما أشد حاجة مصر إلى الحزم والعزم، وإلى عقاب الظالمين على ظلمهم، وأخذ الطغاة بطغيانهم وإلى أن تصب على هؤلاء القوم مثل ما صبوا على الأبرياء، ما أشد حاجة هؤلاء الناس إلى أن يذوقوا مثل ما أذاقوا الناس! ولكن إن عجزت مصر عن أن تعفو عن هؤلاء الناس، فإنها لا تعجز عن أن تزدريهم ازدراءً وتنبذهم نبذاً، وتضعهم حيث أرادوا أن يكونوا عبيداً للمنافع وجنوداً للشياطين.
    فالحمد لله على أن أخرج مصر من ظلمة إلى نور. وعلى أن جلى عن مصر ذلك الليل البهيم ليل الفساد والشر، وعلى أن رد على مصر حقها في الحرية والأمن والنظام الذي ترضاه.
    الحمد لله خالصاً على هذا كله، والتهنئة لمصر وزعمائها خالصة بما قضى الله لها ولهم من توفيق، والخزي الدائم للطغاة والظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ١٥ نوفمبر ١٩٣٤

    حديث الوادي
    يمين الوزراء
    أقسموها أمس بين يدي جلالة الملك صريحة صدرت عن قلوب صريحة، نقية، صدرت عن ضمائر نقية، صادقة حارة صدرت عن نفوس لا تحب إلا الصدق، ولا تريد إلا البر، ولم تتعود إلا النزاهة والإخلاص.
    أقسموها واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا غموض. يمين يقسمها كل مصري، مهما يكن مذهبه في السياسة، ومهما يكن رأيه في تصريف الأمور. يمين لا تصور ميلاً إلى الهوى ولا جنوحاً إلى الأحزاب، ولا تأثراً بالشهوة، ولا انحيازاً إلى فريق من المصريين دون فريق، يمين تعلو على الأهواء والمنافع، وعلى النزعات والميول، وعلى الخصومات وأصناف الخلاف، يمين يقسمها مصريون صادقون على أنهم سينهضون بمصالح هذا البلد كما ينبغي أن ينهض الرجل الكريم في غير تحيز ولا تعنت ولا أثرة ولا إيثار ولا محاباة.
    يمين تلائم مقام جلالة الملك الذي أُديت بين يديه، وتلائم كرامة الوطن الذي بدأت بها خدمته؛ فجلالة الملك فوق الأحزاب جميعاً، ويجب أن يكون فوق الأهواء جميعاً، والوطن فوق الأحزاب وفوق الأهواء وفوق الأشخاص، لأنه أنقى وأخلد من الأهواء والأحزاب والأشخاص. وقد أقسم الوزراء يمينهم فارتفعوا بها عن هذا كله، ولم يعاهدوا الله إلا على أن يخلصوا للملك ويصدقوا في خدمة الوطن. فهم إذن يقسمون يميناً لا يتعرضون للحنث بها. ومن حنث فيها فهو خائن، وما أبعد ما بين هؤلاء الوزراء وبين الخيانة للملك والوطن. هم يقسمون يمين الجندي الذي يبذل نفسه وجهده وراحته فداءً للملك والوطن، لا يمين السياسي الذي يروغ كما يروغ الثعلب، ويحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويعلن إلى الناس ما يريد وما لا يريد. ولعله يعلن إليهم ما لا يريد أكثر مما يعلن إليهم ما يريد. يقسم وهو يعلم أنه معرض للحنث، ويعد وهو يعلم أنه قد يعجز عن الوفاء. ولعله يعد وهو يعلم حق العلم أنه لن يفي، لأنه لا يريد أن يفي، وإنما هو يمكر ويخادع؛ لأنه يرى السياسة مكراً وخداعاً. نعم أقسموا يمين الجندي لا يمين السياسي، والجندي قادر في مثل هذه المواقف على أن يكون سياسياً إن فهم السياسة على وجهها واستقبلها صادقاً مخلصاً طاهر القلب والضمير، وآمن بأن السياسة ليست كذباً ولا غدراً، وليست مكراً ولا خداعاً، وإنما هي خدمة صادقة للوطن وإيثار صادق لمنافع الوطن، واحتفاظ أبٍ بكرامة الوطن، وجدّ في ذلك كله ما استطاع الإنسان أن يجد، ثم اعتزال العمل إذ أحس العجز عن النهوض بما احتمل من أعباء.
    أقسموا يمين الجندي التي يستطيع أن يقسمها معهم كل مصري، بل يجب أن يقسمها معهم كل مصري، فكل مصري مخلص للملك والوطن. ولكن لهذه اليمين الصريحة الواضحة في صيغتها السهلة اليسيرة، خطراً عظيماً يجب أن يعلم الوزراء أن المصريين جميعاً قد فهموه وقدروه؛ فالمصريون جميعاً قد علموا مغتبطين أن وزراءهم لم يقسموا يمين الإخلاص للدستور الذي استحدثه الطغاة لأنهم لا يستطيعون ولا يريدون أن يبقوا على هذا الدستور فضلاً عن أن يخلصوا له ويتقيدوا به. وقد علم المصريون جميعاً أنهم لم يقسموا يمين الإخلاص للقوانين، لأن بين هذه القوانين ما لا يريدون، ولا يستطيعون أمام ضمائرهم ومصالح بلادهم أن يبقوه فضلاً عن أن يخلصوا له. فهم إذن يقسمون اليمين التي يشعرون أمام ضمائرهم وضمائر مواطنيهم أنهم قادرون على الوفاء بها، وهم إذن يشهدون الوطن وأبناءه جميعاً على أنهم كالوطن وكأبنائه جميعاً، لا يؤمنون بنظام الطغاة، ولا بما استحدث من بدع، ولا بما فرض على الناس من قانون، وهم إذن أحرار كالشعب المصري، وهم إذن يسعون في طليعة الشعب لمحو الظلم، وإلغاء الجور ورد العدل إلى نصابه، وإنقاذ الوطن مما ألم به من الكوارث، وما سلط عليه من الخطوب. هم صورة لميل الشعب، وهم صورة لصدق الشعب والوطن. هم لم يقسموا أمس عن أنفسهم فحسب، ولكنهم أقسموا عن أنفسهم وعن مواطنيهم جميعاً. وهم قد ألغوا الدستور الجديد منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص له، وهم قد ألغوا القوانين الجائرة منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص لها، فلم يبق إلا أن يتخذوا إجراءات رسمية ترضي الأشكال والصور، فأما الجوهر فقد حققوه، فأما الضمير فقد أرضوه، تحللوا من طاعة الدستور الجديد فأحلوا الشعب من طاعته. فالدستور إذن ملغى منذ أمس، والمصريون إذن أحرار منذ أمس، والطغيان أذن منته منذ أمس، وهذا كله محقق منذ فرغ الوزراء من تأدية يمينهم أمام الملك.
    ليقل بعد ذلك المخاصمون للوزراء ما يقولون، فلن يجدي ما يقولونه شيئاً ولن يعتبر ما يقولونه شيئاً، قد أبى الوزراء أن يقسموا يمين الإخلاص للنظام الغابر. وقُبل منهم لتلك ألا يقسموا، ودفعهم الشعب كله ألا يقسموا، فتم الاتفاق منذ أمس بين الشعب والملك والوزراء، على أن هذا النظام لاغٍ لا يستحق أن يخلص له أحد ولا أن يحفل به أحد، وهذه هي الخطوة الأولى الموفقة إلى الإصلاح من خطوات وزارة التوفيق.
    يقول بعض الإنجليز المقيمين في مصر والذين يكتبون فيها إن الوزارة لا تمثل ما كان ينتظر أن تمثله من القوة، فأي قوة يريدون؟ إن كانوا يريدون قوة الشعب فقد أخذت الوزارة منذ أمس تمثل هذه القوة تمثيلاً صادقاً، وأخذت تحس ذلك إحساساً قوياً، وستظل ممثلة لهذه القوة واثقة بهذا التأييد ما مضت في طريقها الذي رسمته أمس حين أبت أن تقسم اليمين بالإخلاص للنظام الغابر وما استحدث من قوانين. وإن كانوا يريدون قوة الذكاء والكفاية فإن هؤلاء الوزراء قد أظهروا إلى الآن ذكاء غير مجحود، وكفاية لا غبار عليها، وما ينبغي لقوم نهضوا بأثقل الأعباء في أدق أمور الفن والإدارة أن يعجزوا عن النهوض بأثقل الأعباء في مسائل السياسة ما دام الإخلاص والصدق والوفاء للملك والوطن والاعتماد على الله والشعب هو برنامجهم.
    وإن كانوا يريدون القوة التي تأتيهم من الخارج فإن هذه القوة لم تظهر بعد، وسيرتهم هي التي ستظهر حظهم منها، وها هم لولا مساحة الإنجليز الرسميون وغير الرسميين يتحدثون إلى مكاتب الأهرام في لندن بأن إنجلترا لا تريد أن تعبث باستقلال مصر، ولا أن تدخل في شؤون مصر إلا في حدود التحفظات، والمصريون يعلمون أن نسيم وأصحابه سيعرفون كيف يحوطون استقلال مصر، وكيف يقومون دون استقلالها يحمونه من كل تدخل واعتداء؛ فإذا توفر حسن النية من الإنجليز فالمصريون خير من يلقي النية الصادقة بنية صادقة مثلها. ولن يكون نسيم وأصحابه كما كان الرجل الطيب وأصحابه ضعافاً يتكلفون القوة، وأصحاب سذاجة يتكلفون المكر، وبسطاء يتكلفون المهارة والذكاء.
    نعم لن يكون نسيم وأصحابه إلا وزراء مخلصين لوطنهم وملكهم، صادقين في سياستهم مع الإنجليز وغير الإنجليز، مؤثرين للصراحة والاستقامة، منكرين للغموض والالتواء، أقسموا أمس على ذلك وهم خير من يبر إذا أقسم، ولن يكون منهم حنث، ولن يكون منهم استعداد للحنث، لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يحنثوا، ولأنهم يعلمون حق العلم أن شعبهم كريم لا ينبغي أن يخدمه الخائنون.
    لهؤلاء الوزراء ثقة الشعب كاملة، وتأييد الشعب كاملاً؛ صاروا بهذه اليمين التي أقسموها أمس والتي يقسمها المصريون معهم في غير تحفظ ولا احتياط.
    فامضوا إلى أمام فإن الشعب ينتظر أعمالهم، وإنما يكون الثناء بعد البلاء كما قال الأحنف بن قيس.
    طه حسين
    الوادي، ١٦ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ابن الثورة. . .
    وليس من المحتوم أن يكون ابناً باراً، فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يدفعون إليه دفعاً، ويتورطون فيه تورطاً، ولكنهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكأن الناس ينتظرون منهم الإحسان، ويفسدون وكأن الناس ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد. وهؤلاء الأبناء الذين يقترفون الإثم أو يتورطون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كثيرون تشقى بهم الأمهات شقاءً مؤلماً ممضاً، ويضربون للناس أمثالاً سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النفع. سيئة لأنها تغري الضعفاء وتستخف المتعجلين وتستهوي عشاق الوصول، ونافعة لأنها تعظ الأقوياء وتثير العبرة في قلوب الذين يريدون أن يعتبروا، وتقيم الأدلة للناس على أن نصر الله قريب، وعلى أن عدل الله أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.

    وكان ابن الثورة الذي نريد أن نتحدث عنه شاباً حين أدركته الثورة فلم تكتشفه حتى ألهبت فيه؟؟؟ وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطاً وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا ينطق إلا بالثورة ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومحاولة الشعر. ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب، ولا تثنيها المصاعب، ومضى هو مع الثورة تابعاً لها، متأثراً بها صائحاً حين تريد الثورة أن يصيح، خطيباً حين تريد الثورة أن يخطب، متكلفاً الشعر حين يخيل إليه أن الثورة تريده على الشعر، ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلو الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر فلم يكد جلالة الملك يعهد برئاسة الوزارة الشعبية الأولى إلى سعد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي. وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلباً، وغيرت أوضاع الحكم تغييراً ورفعت إلى منصب الوزارة رجلاً كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى، وذكر بعض الناس يومئذ شاعراً يونانياً قديماً كره انتصار الديمقراطية في مدينة فنفى نفسه من الأرض، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظاً إلى الآن:

    ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فتحت عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المباركة ثم سقطوا في ميدان الجهاد قبل أن يصيبوا من ثمر هذه الشجرة شيئاً وبقاء جماعة آخرين أتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذه وأطيبه، وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أتيح لهم الفوز، وقضي لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئاً مريئاً ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سنداً له، وهو ينكر على الرجل؟؟؟ ولكنه لا ينكر عليه شيئاً كثيراً ومضى الرجل بعد وفاة الزعيم مجاهداً مع خليفة الزعيم، وفياً للثورة ورجال الثورة، وآمال الثورة أو مظهر من هذا الوفاء ما لا يثير في النفوس شكاً ولا ريباً. وشارك الرجل أصدقاءه في الحكم حين انتهى إليهم الحكم، وشاركهم في المحنة حين صبت عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه. والظاهر من أمره في هذا كله واضح مستقيم، تؤكده الأيمان التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.

    ثم أصبح الناس ذات يوم وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعداً، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسئ حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه فعرضوا أنفسهم من أجله للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحب الشعب، وحملوا أنفسهم من أجله تبعات ثقالاً فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟

    جحد الرجل هذا كله وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دعي إلى المنصب، وخف إلى الحكم حين لوح له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبحث الناس فإذا الغرابلي باشا كان يدبر أمره تدبيراً ويلتمس منصباً من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة، ويوسط في ذلك الوسطاء ونظر الناس فإذا عهد الثورة قد قطع، وإذا الرجل قد حنث في أيمانه كلها، ومد يده إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى محاربي الشعب، استغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يعين عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيع أن يتحرك بيمين أخرى يقسمها ليكون للدستور الجديد مخلصاً وفياً، وإذا قلب الرجل وعقله وضميره مستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر. ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القدماء بالعنف والبطش، يمنعهم من الانتقال إن أرادوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنعهم من الاستقالة إن أرادوا أن يستقيلوا ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديق، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.

    ثم تمضي الأيام وينقضي العام وإذا الله قد تأذن بأن دولة الباطل قد زالت، وبأن سلطان الشر قد زال وبأن ليل الشياطين قد انجلى، وبأن الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى حجورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتقطعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أنه فقد أصدقاءه جميعاً، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بغض الشعب أو قل إعراض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزهد الشعب فيهم وفيه.

    أعاد إلى داره غنياً بعد فقر؟ ميسوراً بعد عسر؟ الله يعلم من هذا ما لا نعلم. ولكن الذي لا شك فيه أنه لم يعد إلى داره عزيزاً ولا كريماً ولا مستمتعاً بما يستمتع به الرجل العزيز الكريم من الثقة والحب والتأييد. سخط الناس عليه حين ولي الحكم، ولم يفكر فيه أحد حين أقصي عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس، ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حياداً مدخولاً، ومنهم من حارب حرباً آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المحنة واتصال الفتنة وظهور الحق وانخذال الباطل، كل ذلك قد ضم إليهم قوماً كانوا يخاصمونهم، ورد إليهم قوماً كانوا ينكرونهم، فقوي جند الثورة قوة لا حد لها وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أن ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زلت ببعضهم الأقدام وزلت ببعضهم الأخلاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.

    إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لعظة للشباب المصريين، يجب أن يتدبروها، وأن يفكروا فيها فيطيلوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يلقاه الآن من الجزاء، كانوا خليقين أن يكونوا رجالاً حقاً، وأن يعرفوا أن أشد الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النقمة العاجلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه ماضيه، وتحيل مستقبله حظاً قاتماً مملوءاً بالشبهات.

    فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا فقد ألقت الأيام عليهم بهذه القصة درساً ناقماً بليغاً خليقاً بالتفكير.
    طه حسين
    الوادي، ١٧ نوفمبر ١٩٣٤.

  • أوهام الاستقلال والحرية | Illusions of Independence and Freedom

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    يستغيثون …
    الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
    والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
    رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
    رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
    ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
    ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.

    نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وصاية…
    نحن مستقلون، ليس على استقلالنا غبار، فقد أُلغيت الحماية منذ أكثر من عشر سنين، وجيش الاحتلال المرابط في بلادنا صورة من الصور، وشكل من الأشكال، لا يخيف أحدًا، ولا يدخل في أمر من أمورنا، وإنما يرابط في مصر، كما يمكن أن يرابط في أي قطر آخر من أقطار الأرض، فالأرض كلها مباحة للإنجليز بإذن الله، لا فرق بين مصر وفرنسا وألمانيا وإنجلترا نفسها.
    أُلغيت الحماية، ولا خطر لجيش الاحتلال، فنحن مستقلون. وأوضح الأدلة على استقلالنا، إن احتاجت الشمس الساطعة إلى دليل، أن لنا مندوبًا قد سافر منذ أيام من مصر، ووصل منذ أيام إلى باريس، وسيدخل بعد أيام في مفاوضات خطيرة مع هذه الدول الكبيرة التي تسمى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا. وكيف تشك في استقلال بلد له وزير يهيئ للمفاوضات في باريس، ومندوب يفاوض بالفعل في باريس! وأي فرق بين هذا البلد الذي له وزير ومندوب في باريس، وأي بلد آخر من البلاد المستقلة، التي تعين السفراء، وترسل المندوبين، وتشترك في المؤتمرات، وتفاوض في المسائل الكبرى، فترضى وتأبى، وتقبل وترفض، وتجادل وتحاور، وتصل المفاوضات إن أرادت، وتقطعها إن أحبت، وتعلقها إن رأت منفعة في التعليق!
    نحن إذن مستقلون، ما إلى الشك في ذلك من سبيل، ومن الحق أننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام مباشرة على يد صدقي باشا، أو على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا بالواسطة على يد السير برسي لورين، ورؤسائه في وزارة الخارجية البريطانية. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه، وإنما هو استعانة بالأصدقاء، والتجاء إلى وساطتهم، التي قد تنفع، وقد تفيد. ومن الحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام، في ظل وزارة الرجل الطيب مباشرة، على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا فيها بالواسطة على يد المندوب السامي الجديد، فيما نشرت الصحف منذ أشهر. فعطف المندوب السامي الجديد على مصر واضح وضوح استقلال مصر. وهو من أجل ذلك لم يرد أن يعود إلى مصر دون أن يلم بباريس، فيشتري منها بعض ما يشتري في باريس، ويلقي فيها كلمة خير عند الساسة الفرنسيين لمصلحة هذا البلد العزيز، الذي أحبه المندوب السامي وكُلف به قبل أن يفارق الصين. ومن الحق أيضًا أن المندوب السامي السير ميلز لمبسون قد تطوع بهذه الوساطة وتفضل بهذا العطف قبل أن تتصل العلاقات بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، بل تفضل المندوب السامي بهذا العطف على مصر في وقت كان مغاضبًا فيه لرئيس الوزراء، لقصة الزيارة المشهورة. وكان خليقًا ألا يحفل بمصر ولا المصريين، ولكنه رجل كريم حليم، لم يحفل بهذه المغاضبة، ويأبه لفتور العلاقات، وسعى لمصلحة مصر على غير علم من مصر، وبغير تفويض من مصر مبالغة منه في إظهار العطف والمودة. ولكن هذا كله لا ينقص من استقلالنا، بل يزيد فيه. فإن الاستقلال لا يمنع الناس من أن يحبونا، ويعطفوا علينا. ومن يدري، لعل المندوب السامي إنما فعل ما فعل تقربًا إلى رئيس وزرائنا، وإيثارًا لاصطناع اليد عنده قبل أن يلتقيا، ويأخذا في أسباب المودة والإخاء. نحن إذن مستقلون. ليس على استقلالنا غبار، وليس المهم أن نجني ثمرات الاستقلال، ونضمن أننا لم ندفع إلا ورقًا، فهذا شيء يسير، لا خطر له ولا حساب. وإنما المهم أن نقول للناس: أنا مستقلون، وأن يصدق الناس ذلك، وأن يصدقوه في ظاهر الأمر على أقل تقدير. وأكبر الظن أن الناس يصدقوننا حين نتحدث إليهم عن استقلالنا، ولولا ذلك لما قبلت فرنسا وإيطاليا أن تفاوضهما مفاوضة الند للند، والنظير للنظير. وأكبر الظن أن مسألة الدين العام هذه لن تُحل في هذه السنة، لا لأن حلها عسير، بل لأننا فاوضنا فيها في لندرة عام الأول، وسنفاوض فيها هذا العام في مدينة باريس، ولا بد من أن نفاوض فيها العام المقبل في مدينة روما؛ لتشهد الدول الكبرى الثلاث التي نفاوضها بأننا مستقلون، وبأن لنا مندوبًا يشهد المؤتمرات. وآية أخرى على أننا مستقلون ليس على استقلالنا غبار، قصة المحاكم المختلطة، فقد كنا نستطيع أن نحل أزمتها بكلمة نقولها. ولكننا أبينا أن نفعل لا عجزًا منا عن حل الأزمة، ولا زهدًا منا فيه، بل حرصًا على أن نقول للناس إننا مستقلون. ذلك أن اتصال وزارة الخارجية بالدول الأجنبية، وصدور المذكرات منها إلى هذه الدول، ودعوة المؤتمرات إلى الانعقاد في مدينة القاهرة للمفاوضة في هذه الأزمة؛ كل هذه أمور لا تستقيم إلا للبلد المستقل الذي يعترف الناس كلهم باستقلاله. ولذلك آثر رئيس وزرائنا الرجل الطيب أن يضرب عصفورين بحجر، فيحلُّ أزمة المحاكم المختلطة، ويكره الدول على أن تفاوضنا فتعترف لنا بالاستقلال للمرة الأولى بعد الألف أو بعد الألفين.
    ومن الحق أننا لم نخطُ خطوة في أمر هذه الأزمة دون أن نستعين بالمستشار القضائي الإنجليزي، ودون أن نسترشد برأي المندوب السامي البريطاني، بل من الحق أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب لم يرد على الاستجواب في مجلس النواب، إلا بعد أن تحدث إلى المندوب السامي في أمر هذه الأزمة، كما قالت الصحف. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه؛ فالمستشار القضائي إنما وُجد ليستشار، والمندوب السامي صديق، ومن الذي يمنع الوزراء المستقلين من أن يستعينوا بالأصدقاء؟ هناك اعتراض يسوقه بعض الذين في قلوبهم مرض على استقلالنا هو هذه الزيارات التي زارها المندوب السامي لحدودنا الشرقية والغربية. فهؤلاء يرتابون في هذه الزيارات، ويشفقون منها على مظاهر الاستقلال، ولكنهم في هذا كله مسرفون، فالمندوب السامي كما قلنا صديق، يقيم في بلد صديق، فمن حقه علينا أن نظهره على ما في بلادنا، مما ترتاح إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، ويأمن له الضمير من كل ما يخيف أو يريب. ولا خوف من حدودنا الشمالية، فالأسطول الإنجليزي الصديق قادر على حمايتنا إن عجزت أساطيلنا نحن عن هذه الحماية. ولا خوف من حدودنا الجنوبية، فالسودان كفيل بحمايتها إن عجزنا نحن عن هذه الحماية. فأما حدود الشرق والغرب، فأمرها مختلف، ولا بد لأصدقائنا المقيمين عندنا من أن يتعهدوها بالزيارة، ليعلموا أن لنا فيها قوًى لا تقهر، وحصونًا لا تقتحم، وليعيشوا بعد ذلك في بلدنا آمنين.
    فأنت ترى أن هذا الاعتراض سخيف، وأن زيارة المندوب السامي لحدودنا لا تمس استقلالنا، ولا تعرضه لخطر. ومن الحق أن الممثلين الآخرين للدول الأجنبية لا يزورون حدودنا الشرقية ولا الغربية، ولكن هذا شأنهم هم، لا شأننا نحن. ومن الذي منعهم من هذه الزيارة؟ وأنت لا تشك في أن صداقة الممثل البريطاني لمصر أقوى ألف مرة ومرة من صداقة غيره من الممثلين السياسيين.
    أما أنا فأتخذ هذه الأشياء كلها دليلًا واضحًا على الاستقلال الذي لا شك فيه. وأما غيري من المتحرجين، فيتخذها دليلًا واضحًا على الوصاية الإنجليزية، التي تقوم مقام الحماية بعد إلغائها. ولست أشك في أن القراء المنصفين سيقضون بالعدل بين خصومي وبيني في هذه القضية، وسيقولون كلمة الحق فيها، فيعلنون: أنا مستقلون، أو أنا خاضعون لوصاية الإنجليز…
    طه حسين
    حديث الوادي، ٩ يونيو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    يوم…
    فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.

    كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.

    ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.

    والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.

    أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.

    كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.

    إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.

    إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.

    إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.

    طه حسين
    الوادي، 14 يوليو 1934.

    حديث الوادي
    تسليم…
    أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء. وألحت الصحف في إذاعة هذا النبأ وطلبت إلى الوزارة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وألحت في هذا الطلب أيضًا.

    ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب لم يغنيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.

    هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه. ثم أخذ بعضها يتحدث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة: ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف، ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.

    ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم. وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة، لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها، إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحب أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمس الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية. لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير. ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي، تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتبيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.
    فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص، هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبين لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شؤون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فرد أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟

    الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة. فأما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية، واحتفاظًا سلبيًا بالكرامة. وإما أن تحول هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.

    هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيفه الإنجليز.

    ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر، فنحن مستقلون ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يرد وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟

    إن الأمر خطير حقًا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحب أن نعلم: أحقًا أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شؤون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟

    فإن كان هذا حقًا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري. وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشؤون المصرية الخالصة.

    وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها. فلتبين لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شر إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.

    أما بعد، فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصر في القيام به، وهو أن تلح وتلح حتى تحمل الوزارة على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.