Tag: press freedom

  • أوهام الاستقلال والحرية | Illusions of Independence and Freedom

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    يستغيثون …
    الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
    والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
    رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
    رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
    ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
    ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.

    نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وصاية…
    نحن مستقلون، ليس على استقلالنا غبار، فقد أُلغيت الحماية منذ أكثر من عشر سنين، وجيش الاحتلال المرابط في بلادنا صورة من الصور، وشكل من الأشكال، لا يخيف أحدًا، ولا يدخل في أمر من أمورنا، وإنما يرابط في مصر، كما يمكن أن يرابط في أي قطر آخر من أقطار الأرض، فالأرض كلها مباحة للإنجليز بإذن الله، لا فرق بين مصر وفرنسا وألمانيا وإنجلترا نفسها.
    أُلغيت الحماية، ولا خطر لجيش الاحتلال، فنحن مستقلون. وأوضح الأدلة على استقلالنا، إن احتاجت الشمس الساطعة إلى دليل، أن لنا مندوبًا قد سافر منذ أيام من مصر، ووصل منذ أيام إلى باريس، وسيدخل بعد أيام في مفاوضات خطيرة مع هذه الدول الكبيرة التي تسمى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا. وكيف تشك في استقلال بلد له وزير يهيئ للمفاوضات في باريس، ومندوب يفاوض بالفعل في باريس! وأي فرق بين هذا البلد الذي له وزير ومندوب في باريس، وأي بلد آخر من البلاد المستقلة، التي تعين السفراء، وترسل المندوبين، وتشترك في المؤتمرات، وتفاوض في المسائل الكبرى، فترضى وتأبى، وتقبل وترفض، وتجادل وتحاور، وتصل المفاوضات إن أرادت، وتقطعها إن أحبت، وتعلقها إن رأت منفعة في التعليق!
    نحن إذن مستقلون، ما إلى الشك في ذلك من سبيل، ومن الحق أننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام مباشرة على يد صدقي باشا، أو على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا بالواسطة على يد السير برسي لورين، ورؤسائه في وزارة الخارجية البريطانية. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه، وإنما هو استعانة بالأصدقاء، والتجاء إلى وساطتهم، التي قد تنفع، وقد تفيد. ومن الحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام، في ظل وزارة الرجل الطيب مباشرة، على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا فيها بالواسطة على يد المندوب السامي الجديد، فيما نشرت الصحف منذ أشهر. فعطف المندوب السامي الجديد على مصر واضح وضوح استقلال مصر. وهو من أجل ذلك لم يرد أن يعود إلى مصر دون أن يلم بباريس، فيشتري منها بعض ما يشتري في باريس، ويلقي فيها كلمة خير عند الساسة الفرنسيين لمصلحة هذا البلد العزيز، الذي أحبه المندوب السامي وكُلف به قبل أن يفارق الصين. ومن الحق أيضًا أن المندوب السامي السير ميلز لمبسون قد تطوع بهذه الوساطة وتفضل بهذا العطف قبل أن تتصل العلاقات بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، بل تفضل المندوب السامي بهذا العطف على مصر في وقت كان مغاضبًا فيه لرئيس الوزراء، لقصة الزيارة المشهورة. وكان خليقًا ألا يحفل بمصر ولا المصريين، ولكنه رجل كريم حليم، لم يحفل بهذه المغاضبة، ويأبه لفتور العلاقات، وسعى لمصلحة مصر على غير علم من مصر، وبغير تفويض من مصر مبالغة منه في إظهار العطف والمودة. ولكن هذا كله لا ينقص من استقلالنا، بل يزيد فيه. فإن الاستقلال لا يمنع الناس من أن يحبونا، ويعطفوا علينا. ومن يدري، لعل المندوب السامي إنما فعل ما فعل تقربًا إلى رئيس وزرائنا، وإيثارًا لاصطناع اليد عنده قبل أن يلتقيا، ويأخذا في أسباب المودة والإخاء. نحن إذن مستقلون. ليس على استقلالنا غبار، وليس المهم أن نجني ثمرات الاستقلال، ونضمن أننا لم ندفع إلا ورقًا، فهذا شيء يسير، لا خطر له ولا حساب. وإنما المهم أن نقول للناس: أنا مستقلون، وأن يصدق الناس ذلك، وأن يصدقوه في ظاهر الأمر على أقل تقدير. وأكبر الظن أن الناس يصدقوننا حين نتحدث إليهم عن استقلالنا، ولولا ذلك لما قبلت فرنسا وإيطاليا أن تفاوضهما مفاوضة الند للند، والنظير للنظير. وأكبر الظن أن مسألة الدين العام هذه لن تُحل في هذه السنة، لا لأن حلها عسير، بل لأننا فاوضنا فيها في لندرة عام الأول، وسنفاوض فيها هذا العام في مدينة باريس، ولا بد من أن نفاوض فيها العام المقبل في مدينة روما؛ لتشهد الدول الكبرى الثلاث التي نفاوضها بأننا مستقلون، وبأن لنا مندوبًا يشهد المؤتمرات. وآية أخرى على أننا مستقلون ليس على استقلالنا غبار، قصة المحاكم المختلطة، فقد كنا نستطيع أن نحل أزمتها بكلمة نقولها. ولكننا أبينا أن نفعل لا عجزًا منا عن حل الأزمة، ولا زهدًا منا فيه، بل حرصًا على أن نقول للناس إننا مستقلون. ذلك أن اتصال وزارة الخارجية بالدول الأجنبية، وصدور المذكرات منها إلى هذه الدول، ودعوة المؤتمرات إلى الانعقاد في مدينة القاهرة للمفاوضة في هذه الأزمة؛ كل هذه أمور لا تستقيم إلا للبلد المستقل الذي يعترف الناس كلهم باستقلاله. ولذلك آثر رئيس وزرائنا الرجل الطيب أن يضرب عصفورين بحجر، فيحلُّ أزمة المحاكم المختلطة، ويكره الدول على أن تفاوضنا فتعترف لنا بالاستقلال للمرة الأولى بعد الألف أو بعد الألفين.
    ومن الحق أننا لم نخطُ خطوة في أمر هذه الأزمة دون أن نستعين بالمستشار القضائي الإنجليزي، ودون أن نسترشد برأي المندوب السامي البريطاني، بل من الحق أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب لم يرد على الاستجواب في مجلس النواب، إلا بعد أن تحدث إلى المندوب السامي في أمر هذه الأزمة، كما قالت الصحف. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه؛ فالمستشار القضائي إنما وُجد ليستشار، والمندوب السامي صديق، ومن الذي يمنع الوزراء المستقلين من أن يستعينوا بالأصدقاء؟ هناك اعتراض يسوقه بعض الذين في قلوبهم مرض على استقلالنا هو هذه الزيارات التي زارها المندوب السامي لحدودنا الشرقية والغربية. فهؤلاء يرتابون في هذه الزيارات، ويشفقون منها على مظاهر الاستقلال، ولكنهم في هذا كله مسرفون، فالمندوب السامي كما قلنا صديق، يقيم في بلد صديق، فمن حقه علينا أن نظهره على ما في بلادنا، مما ترتاح إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، ويأمن له الضمير من كل ما يخيف أو يريب. ولا خوف من حدودنا الشمالية، فالأسطول الإنجليزي الصديق قادر على حمايتنا إن عجزت أساطيلنا نحن عن هذه الحماية. ولا خوف من حدودنا الجنوبية، فالسودان كفيل بحمايتها إن عجزنا نحن عن هذه الحماية. فأما حدود الشرق والغرب، فأمرها مختلف، ولا بد لأصدقائنا المقيمين عندنا من أن يتعهدوها بالزيارة، ليعلموا أن لنا فيها قوًى لا تقهر، وحصونًا لا تقتحم، وليعيشوا بعد ذلك في بلدنا آمنين.
    فأنت ترى أن هذا الاعتراض سخيف، وأن زيارة المندوب السامي لحدودنا لا تمس استقلالنا، ولا تعرضه لخطر. ومن الحق أن الممثلين الآخرين للدول الأجنبية لا يزورون حدودنا الشرقية ولا الغربية، ولكن هذا شأنهم هم، لا شأننا نحن. ومن الذي منعهم من هذه الزيارة؟ وأنت لا تشك في أن صداقة الممثل البريطاني لمصر أقوى ألف مرة ومرة من صداقة غيره من الممثلين السياسيين.
    أما أنا فأتخذ هذه الأشياء كلها دليلًا واضحًا على الاستقلال الذي لا شك فيه. وأما غيري من المتحرجين، فيتخذها دليلًا واضحًا على الوصاية الإنجليزية، التي تقوم مقام الحماية بعد إلغائها. ولست أشك في أن القراء المنصفين سيقضون بالعدل بين خصومي وبيني في هذه القضية، وسيقولون كلمة الحق فيها، فيعلنون: أنا مستقلون، أو أنا خاضعون لوصاية الإنجليز…
    طه حسين
    حديث الوادي، ٩ يونيو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    يوم…
    فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.

    كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.

    ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.

    والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.

    أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.

    كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.

    إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.

    إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.

    إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.

    طه حسين
    الوادي، 14 يوليو 1934.

    حديث الوادي
    تسليم…
    أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء. وألحت الصحف في إذاعة هذا النبأ وطلبت إلى الوزارة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وألحت في هذا الطلب أيضًا.

    ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب لم يغنيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.

    هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه. ثم أخذ بعضها يتحدث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة: ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف، ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.

    ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم. وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة، لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها، إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحب أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمس الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية. لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير. ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي، تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتبيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.
    فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص، هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبين لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شؤون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فرد أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟

    الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة. فأما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية، واحتفاظًا سلبيًا بالكرامة. وإما أن تحول هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.

    هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيفه الإنجليز.

    ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر، فنحن مستقلون ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يرد وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟

    إن الأمر خطير حقًا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحب أن نعلم: أحقًا أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شؤون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟

    فإن كان هذا حقًا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري. وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشؤون المصرية الخالصة.

    وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها. فلتبين لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شر إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.

    أما بعد، فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصر في القيام به، وهو أن تلح وتلح حتى تحمل الوزارة على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .