Tag: rule of law

  • استعادة العدالة: ديسمبر ١٩٣٤ | Restoring Justice: December 1934

    حديث الوادي
    قلق…
    ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
    فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
    وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا “الجهاد” قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
    لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
    فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
    كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
    وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
    فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
    إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
    ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
    إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
    نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
    طه حسين
    الوادي، 30 نوفمبر 1934.

    حديث الوادي
    المظلمة الكبرى. . .
    هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
    نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
    إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
    ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
    لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
    إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
    نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
    أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
    نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
    طه حسين
    الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة الصحافة . . .
    لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
    وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
    وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
    ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
    وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
    وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
    فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
    فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
    وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
    على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
    ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
    ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
    فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
    وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
    والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
    أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
    طه حسين
    الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    دعاة الفساد . .
    كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
    كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
    لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب

    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد “الذي” هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها “الجهاد”، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد “الذي” هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • دعوات الاستقالة: صيف بلا حلول | Calls to Resign: A Summer Without Solutions

    حديث الوادي
    استقالة…
    لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
    كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
    أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
    كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
    أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
    فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فتور…
    أسرفت الوزارة في بذل الوعود حتى صدقها الذين كانوا يحسنون الظن بها من الأنصار والأصدقاء، وانتظروا أن تأتيهم بالآيات البينات على أنها خير وزارة أتيحت لهذا البلد الشقي، لتخرجه من الظلمة إلى النور، ومن العسر إلى اليسر، ومن الفقر إلى الثراء. وانتظروا لذلك أن تحل لهم ما تعقد من المشكلات. وتذلل لهم ما استعصى من العقبات. فتفرج الأزمة من جميع نواحيها. ثم ظلوا ينتظرون شهراً وشهراً وشهراً، والسماء تمطر عليهم وعوداً وأماني يصعد السحاب بها من وزارة المالية حيناً حيث الوزير النابغة ومن رئاسة الوزراء حيناً آخر حيث الرجل الطيب. ثم يهبط الغيث على مجلسي البرلمان حيث الشيوخ والنواب الذين يؤمنون بالوزارة وينتظرون منها الخير، ولا يرقون إليها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة. وظل الأنصار والأصدقاء ينتظرون وظلت سحب الوعود والأماني تصعد إلى السماء، ثم يهبط الغيث منها على الأرض، ولكن الأرض ظلت مجدبة لا يمسها الخصب، ميتة لا تنبعث فيها الحياة. حتى استشعر الأنصار والأصدقاء أن هذه السحب التي تمطرهم بالوعود والأماني توشك أن تكون مخلفة للظن مخيبة للأمل مفسدة للرجاء. هنالك اجتمع منهم فريق ضخم، قالوا إنه نيف على الأربعين، فتشاوروا، ثم أجمعوا أمرهم بينهم على أن يستجوبوا الوزارة ويخرجوها من حياة الوعود والأماني إلى حياة القول المنتج والعمل المفيد.
    وأمضوا الاستجواب، وقدموه، واستمسكوا به وأصروا عليه، وداورتهم الوزارة حيناً، ثم استجابت لهم، وقبلت المعركة التي قدموها، ولكنها أخذت تؤجل يوم الخصام مرة ومرة حتى إذا لم يبق بد من خوض غمارها، واصطلاء نارها، حدد لها يوم الثلاثاء الماضي.
    فياله من يوم اضطربت له القلوب حتى بلغت الحناجر أو كادت تبلغها، وزاغت له الأبصار حتى خرجت العيون من الرؤوس أو كادت تخرج منها، وتعلقت له أنفاس الناس، كلهم ينتظر بدء المعركة، وكلهم ينتظر آخرتها. أتحل الأزمة أم لا تحل؟ أتنتصر الوزارة أم ينتصر النواب؟ أيأمن المصريون على ما بقي في أيديهم من أسباب الحياة، أم يستيئسون، أيستقبل المصريون عهداً يأكل فيه الأطفال حتى يشبعوا، ويشرب فيه الأطفال حتى يرتووا، ويجد فيه الأطفال ما يقيهم الحر والبرد، وأحداث الزمان. أم يستقبل المصريون عهداً يضاف فيه الجوع إلى الجوع، والبؤس إلى البؤس، والحرمان إلى الحرمان، وكان المعقول أن يكون نشاط المختصمين لهذه المعركة ملائماً لموضوعها في الحدة والشدة، وفي القوة والعنف. ولكن المعركة بدأت فاترة، وتكلم من تكلم، وأنكر من أنكر، وقال وزير المالية كلاماً لم يقدم ولم يؤخر، حتى إذا تقدم الوقت بعض الشيء، نظر رئيس مجلس النواب إلى الحاضرين من أعضاء المجلس، فإذا هم قد أخذوا يقلون، ويقلون ويتضاءلون، ويتضاءلون، حتى إذا رفعت الجلسة كان عدد النواب وقت رفعها خمسة عشر فيما أذاعت الصحف. وكان المعقول ألا يكون النواب أقل حماسة لاستئناف المعركة، من الوزراء، وألا يكون الوزراء أقل تحرقاً إلى معاودة الخصام من النواب، ولكن الوزراء والنواب أظهروا من حب الأمن وإيثار العافية والميل إلى السلام ما أجّل المعركة يوماً ليضمد فيه المختصمون جراحاتهم، ويصلحوا من أمرهم، ويجددوا ما يحتاجون إليه من المؤن والذخيرة حتى إذا كان يوم الخميس التقوا موفورين قد تمت لهم أدوات النزال والنضال، فشبوها حرباً حامية لا تدع من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وكان المعقول أن يجمع النواب جموعهم، وأن يكون عددهم ضخماً، واستعدادهم فخماً، وأن يكثر النظارة الذين يشهدون الموقعة حتى تضيق بهم الغرفات والحجرات. ولكن ميعاد القتال أقبل، وجاء الوزراء لميعادهم، لم يتخلفوا ولم يبطئوا، وظلوا ينتظرون الخصوم الذين طلبوا النزال، وألحوا في النضال، ثم ظلوا ينتظرون، ثم ظلوا ينتظرون، ثم دق الجرس، واستمر يبعث دعاءه المتصل الملح، فإذا النواب لم يحضروا للميعاد، وإذا الميدان قد ظل خالياً أو كالخالي. يبسط عليه الوزراء سلطانهم ويستطيعون أن يتصرفوا فيه كما يريدون، لأن حماته لم يحضروا، ولأن الذادة عنه لم يسرعوا إلى الذود عنه. وكأنما كان النواب والنظارة على اتفاق ألا يحضر أولئك إلى الميدان، وألا يسرع هؤلاء إلى شهود الموقعة، فلم تزدحم الغرفات والحجرات، وانصرف الوزراء، وهم يشعرون بأنهم قد اهتموا للأمر أكثر مما ينبغي، وجدوا فيه أكثر مما يجب. ثم ألقيت أنباء هذه المعركة التي لم تبتدئ ولم يلق أحد فيها كبداً إلى الناس. فلم يدهش لذلك أحد، ولم يعجب من ذلك أحد، وإنما مر الناس بهذه الأنباء غير حافلين بها، ولا مكترثين لها. فما تعليل ذلك؟ وما تأويله؟ تعليل ذلك سهل، وتأويله يسير. فالنواب لم يكونوا ينتظرون من الوزارة شيئاً، فلم يكلفون أنفسهم العناء؟ ولم يحملونها المشقة؟
    والنظارة لم يكونوا يتوقعون من المعركة شيئاً. فلم يحبسون أنفسهم ساعات في الغرفات والحجرات؟
    والناس لم يكونوا ينتظرون من المعركة شيئاً. فلم يحفلون بأنبائها، ويعنون بأحاديثها؟ وكذلك أراد الله أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الفتور، فسيوف الأزمة مسلطة على الرقاب، وأشباح الشقاء مروعة للنفوس، ونيران الجوع مضطرمة في الأجواف، ولوعة الحرمان ممزقة للقلوب، والناس مع ذلك لا يرجون من وزارتهم خيراً، ولا ينتظرون من حكومتهم معونة، وإنما هم يسلمون أنفسهم إلى اليأس، وينتظرون قضاء الله فيهم. والوزارة عاجزة عن أن تعينهم، قاصرة عن أن تنفعهم. قد يئست من نفسها ويئست منهم، والنواب يعلمون هذا أو يحسونه، فيلقون اليأس باليأس، والفتور بالفتور. ويبلغ الكتاب أجله، وتنتهي المحنة إلى أقصاها، وتصبح مصر الرسمية صورة وشكلاً، وتشتد أمور الدولة حرجاً وعسراً، فلا نلقى من النواب ولا من الوزراء إلا فتوراً وقصوراً وإعراضاً واستسلاماً للقضاء. من كان يرضيه أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الحد من الهوان على المصريين، فليبتهج، فقد ظفر بما كان يريد. من كان يرضيه أن ينصرف الموكلون بالسياسة المصرية عن السياسة المصرية فليغتبط، فقد تم له ما يريد. من كان يرضيه أن يترك المصريون أمورهم للأقدار تصرفها كما تشاء، دون تدخل منهم ولا عناية، فليطمئن فقد تم له ما يريد. ثم من كان يرضيه أن يكون اشتغال الإنجليز بمرافق المصريين أكثر من اشتغال المصريين بمرافقهم فليطب نفساً، وليقر عيناً، فقد تم له ما يريد. ويقول الناس أن موقعة كانت أمس بين الشرطة والعمال سالت فيها الدماء، وأطلقت فيها النار، وجرح فيها ناس من أولئك وهؤلاء. فكان طبيعياً أن يسأل النواب عن ذلك في جلسة الأمس، وأن يعرف النواب من وزير الداخلية كيف كان هذا، ولكن النواب لم يجتمعوا أمس لأن الحر كان شديداً، أو لأنهم سئموا حديث الدين العقاري، أو لما شئت من الأسباب. لم يجتمعوا ولم يسألوا وزير الداخلية، ولم يعرفوا منه شيئاً. وأكبر الظن أن الإنجليز قد عرفوا من أمر هذه الموقعة كل شيء.
    لتهنأ مصر الرسمية بهذا الفتور اللذيذ، فإن النوم يستحب في فصل الصيف.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    اعتراف
    نسجل به للمرة الأول أو الثانية بعد الألف ، أو بعد الألفين ، أن رئيس وزرائنا رجل طيب ، رجل طيب لاحد لطيبته . رجل طيب . لم يعرف الزمن رجلا طيبا مثله ، وما نظن أنه سيعرف ، رجلا طيبا مثله في يوم من الأيام ، رجل طيب ، يسبغ المتناقضات ويهضمها ، ويريد غيره على أن يسبغ المتناقضات ويهضمها ، لا يرى بذلك بأسا ولا يجد في ذلك مشقة ولا يحسب لآثار ذلك حسابا .
    كان أخص ما يمتدح به منذ نهض بأعباء الحكم ، أنه ليس كصدقي باشا يقول ما لا يفعل ، ويعد بما لا يقدر عليه ، ويقنع بما لا يقنع به أولو الحزم والعزم من هذه الحلول النصفية التي لا تحل شيئا بل تعقد كل شيء، والتي لا تنفع المصريين ولا خزانتهم، وإنما تنفع الأجانب ومصارفهم ، والتي تفسد على المصريين أمورهم لأنها توهمهم أن مشكلاتهم قد حلت ، حتى إذا ظهر لهم الحق بشعا مخيفا رأوها قد ازدادت عسرا وتعقيدا . فساء ظنهم بأنفسهم وساء ظنهم لحكامهم ، وساء ظنهم بضيوفهم الأجانب أيضا . .
    تلك كانت سياسة صدقي باشا التي لم يكن يحبها الرجل الطيب ، ولا يرضاها والتي كان يعلن ازدراءها ، والاستهزاء بها في مجالسه الخاصة وفى أحاديثه إلى الصحف ، وفى خطبه التي كان يلقيها في الأندية ، وبياناته التي كان يهديها إلى البرلمان ، ويجب أن نعترف لأنفسنا بشيء من الفطنة ، فنحن لم نؤمن لرئيس الوزراء في يوم من الأيام ولم نطمئن إلى ما كان يقول ، ولم نصدق أنه كان قادرا أو سيكون قادرا ، على أن يصل إلى الحلول الكاملة الحاسمة . لا لأننا نشك في أنه رجل طيب ، بل لأننا نؤمن بأنه رجل طيب ، ونؤمن بأن الوزير الذي يستطيع أن يجد الحلول الكاملة الحاسمة ، إنما هو الوزير الذي يظفر من الأمة بالتأييد الكامل الحاسم ، ويثق من الشعب بالحب الذي لا غبار عليه، والثقة التي لا حدلها، والإخلاص الذي لا شك فيه.
    ورئيس وزرائنا بعيد كل البعد ، كما يعلم ، وإن كان رجلا طيبا . ، عن أن يظفر من أمته بهذا التأييد وهذه الثقة ، وهذا الحب، فهو إذن بطبعه عاجز عن أن يصل إلى حل حازم أو حاسم . ولكنه كان يقول ذلك ويردده ويتمدح به ، ويستعلى بتكراره على صديقه
    وخصمه الدكتاتور العظيم ، ولم يكن وزير المالية النابغة أقل منه أعلانا لذلك، ولا إلحاحا فيه . ولا تمدنا به .
    ومضت أشهر طوال والحلول الحاسمة تعلن ولا تجيء ، وتنتظر ولا تصل، وتدعى ولا تجيب ، حتى كان الاستجواب الذي قدمه النواب ، فأما وزير المالية فقد قام منذ أيام وألقى إلى النواب كلاما هو جهد المقل وقوة الضعيف ، وقدرة العاجز، ثم أراح واستراح! وأما رئيس الوزراء فقد قام ضحى الأمس ، مؤمنا بنفسه كما كان يؤمن بها منذ نهض بالحكم واثقا بكفايته كما كان يثق بها منذ ألف الوزارة أو الفت له ، فلما قام شخصت له الأبصار ، وهي تشخص إليه دائما ، وتعلقت به القلوب وهي تتعلق به دائما ، واتصلت به الآذان وهي تتصل به دائما وتهيأت النفوس المجدبة لاستماع الكلمة التي تحمل الخصب ، والدعة ، والسعة والرخاء ، وصدرت هذه الكلمة الساحرة ، ولكنها لم تسخر أحدا ولم تحمل الخصب إلى نفس مجدبة ولا السعة إلى نفس ضيقة ولا الدعة إلى قلب مضطرب، ولا الرجاء إلى رجل محروم.
    قال رئيس الوزراء كلمته فإذا هي تسجل في كل سذاجة ، ويسر ، وطيبة قلب ، وصفاء نفس ، وراحة ضمير إنه كصدقي باشا لا ينقص عنه ، ولا يزيد عليه ، ولا يصل إلى الحلول الحاسمة ، وأن وعد بها ، ولا يستطيع أن يصل إليها ، وإن طمع فيها، وما أكثر ما يطمع الناس، في أن يرقوا إلى السحاب، وينالوا بأيديهم النجوم، ولكن رئيس الوزراء ، سجل على نفسه هذا الاعتراف راضيا به ، مطمئنا إليه ، وأعلنه كما يعلن أن الحر شديد في الصيف ، وإن البرد شديد في الشتاء ، ونسى كل ما قدم من إعلان وتمدح ، ومن طمع، وطموح، ومن عيب لصدقي باشا، وغض من حلوله الناقصة ، أتريد دليلا أوضح من هذا الدليل ، على أن رئيس وزرائنا رجل طيب حقا بأوسع ما لهذه الكلمة من حدود؟ وطيبة رئيس الوزراء معدية، لم تقف عنده، ولم تقصر عليه، بل تجاوزته إلى وزير المالية ، فهو أيضا كان يريد الحلول الحاسمة ، ولا يرضى إلا بها ، ثم قبل الحلول الناقصة ، وحمد الله على السلامة والعافية ، بل طيبة رئيس الوزراء معدية ، تجاوزت الوزراء إلى النواب ، فقد كان النواب ، وأصحاب الاستجواب منهم خاصة لا يقنعون إلا بالحلول الحاسمة ، ولا يرضون إلا أن تكون لازمتنا العقارية فرجة كحل العقال ، ولكن طيبة رئيس الوزراء مستهم أمس بجناحها الرقيق فقبلوا الحلول الناقصة ، وانتقلوا إلى جدول الأعمال

    أليس يمكن أن تنتشر هذه العدوى إلى حدود أوسع وآماد أبعد، فتمس المعارضين أيضًا بجناحها الرقيق، وإذا هم جميعًا يقبلون الحلول الناقصة، ويستيأسون من الحلول الكاملة، ويؤمنون بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ وما بال المصريين يطمعون في الحلول الكاملة، وقد عجز عنها روزفلت برغم ما بذل وما سيبذلون من الجهود، وبرغم قوته وقدرته وسلطانه الواسع البعيد؟ المصريون معذورون إذا لم يبلغهم اليأس؛ فعجز روزفلت لا يعنيهم، ولا يقنعهم؛ لأن لهم وزير مالية هو أشد من روزفلت ذكاء، وأوسع منه كفاية، وأبعد منه نظرًا، وأقدر منه على إصلاح الأمور. وكيف يقرن صبري بك إلى روزفلت؟ وكيف تقاس مصر إلى أمريكا؟ وصبري بك هو زعيم الثورة في أمور المال، ومصر هي بلد الأعاجيب؟ بل كيف تقرن مصر إلى أمريكا، وأمور أمريكا تدبر بالعقل والمنطق، وأمور مصر تدبر بالبركة؟ ومن الذي يشك في أن البركة أنجع في حل الأزمات من العقل والمنطق وعلم الاقتصاد؟

    لا ينبغي أن ييأس المصريون، فستحل أزمة الدين العقاري، وستحل أزمة الدين العام، وستحل أزماتهم جميعًا، بإذن الله، ما دام الرجل الطيب على رأس الوزارة؛ فالله لم يخلق الرجال الطيبين عبثًا، وإنما خلقهم لتفيض بركاتهم على الناس، وكل ما يطلب من المصريين هو أن ينتظروا وأن يصبروا، وأن يحتملوا البؤس والضنك والجوع؛ فكل ذلك لا خطر له، ما دامت طيبة الرجل الطيب قد تمسهم بجناحها الرفيق ذات يوم، فتملأ أرضهم لبنًا وسمنًا، وحسبك من غنى شبع وري.

    وارحمتاه لمصر، إلى متى تظل أمورها لعبًا في أيدي اللاعبين؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ يونية ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    أسئلة
    نشرناها مفرقة، أثناء الشهر الماضي وألححنا على الوزارة في أن تقف عندها وتحدثنا برأيها فيها، وكررنا النشر والإلحاح فلم يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، ولم يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه. ثم جمعنا بعضها ونشرناه أمس، وما زلنا ننتظر أن يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، أو يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه، ويظهر أن الله عز وجل، سيقضي على الوزارة بالصمت الذي تنعقد له الألسنة، والسكون الذي تكف له الإرادة عن العمل والحركة، وسيضطرها إلى هذا النوع من الإعراض الذي لا يشرف صاحبه مهما يلتمس له من التفسير والتأويل، فالوزارة مضطربة أمام هذه الأسئلة بين موقفين لا ثالث لهما فيما يظهر، فأما أن تكون مفحمة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف كيف تقول، لأن ما نسأل عنه قد وقع بالفعل، وإما أن تكون متعالية، تتكلف الإعراض، وتتصنع الإغضاء، وتزعم لنفسها أنها أكبر من أن تحفل بهذه الأسئلة وأرفع من أن تنزل إلى الإجابة عنها، وكلا الموقفين شر، وكلا الموقفين لا يشرف الوزارة التي تدفع إليه. وكلا الموقفين لا يجعل الوزارة أهلاً لرضا الناس، ولا موضعاً لثقتهم، ولا خليقة أن ينتظر منها النصح والخير. ذلك أن هذه الأسئلة إن صحت لم تدل على أقل من أن الوزارة تستبيح منافع المصريين فتعيث بها. وتستبيح حقوق المصريين فتضيعها وتستبيح حرمات المصريين فتنتهكها انتهاكًا، وما رأيك في وزارة تعبث بالمنافع وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات، هي وزارة لا يكتفى أن يقال أنها خليقة أن تستقيل، بل يجب أن يقال أنها خليقة أن تقصى عن الحكم إقصاء وأن تحتمل تبعة ما يضاف إليها من السيئات.

    وإذا لم تكن هذه الأسئلة صحيحة، ولا مطابقة للحق، ولا مصورة لما وقع، فصمت الوزارة عليها وإغضاؤها عنها شر لا يشرفها ولا يجعلها أهلاً للحب والثقة وانتظار الخير. فهي في هذه الحال لا تؤثر الصمت إلا إيثارًا للكبرياء، وتكلفاً للعزة وارتفاع المنزلة، وما ينبغي لوزارة تزعم أنها تحكم في بلد ديمقراطي حكما ديمقراطيًا أن ترتفع عن الشعب أو تكبر عليه، أو تغض عما يوجه إليها من سؤال، أو تعرض عما يُضاف إليها من سيئة. فهي لم تقم إلا لتخدم الشعب، فإغضاؤها عن سؤال الشعب إليها ومحاسبة الشعب لها خروج عن الواجب الذي قامت لأدائه والنهوض به، وتجاوز للحق الذي يفرضه عليها المنصب الذي تشغله، والأجر الذي تقبضه، والجاه الذي تتمتع به، والسلطان الذي تستطيل به على الناس، وليس عزيزاً من يصطنع العزة في غير حقها، وليس كبيراً من يتكلف الكبرياء في غير موضعها، ومهما يستعل الخادم على سيده فهو خادم دائمًا، ومهما تستعلي الوزارة على الشعب فهي وزارة دائمًا، يؤجرها الشعب لتخدمه لا لتستعلي عليه.

    ذلك إلى أن صمت الوزارة سواء أكان نتيجة للعجز أو نتيجة الكبرياء لا يلائم منفعتها العاجلة الخاصة، حتى إذا لم تكن ديمقراطية، ولا محبة للديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكم أن يَقْبَحَ فيه رأي المحكوم، وليس من منفعة الوزارة أن يسوء بها ظن الناس. وكل حاكم مهما يكن قويًا، معتزًا بقوته الخاصة، أو بغير قوته الخاصة، في حاجة إلى أن يرضي الناس عنه، أو إلى أن يظهر الناس رضاهم عنه، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى أن يتكلف إذا لم يستطع، أن يسير بالفعل سيرة المنصف العدل المتواضع الذي لا يحب جورًا، ولا ظلمًا، ولا إسرافًا، ولا تكبرًا. فأين وزارتنا من هذا كله حين نسألها عن الشر المنكر، يقال أنه وقع، فلا تجيب، ثم نعيد السؤال فلا نجيب. ثم نعيد السؤال مرة أخرى فلا تجيب، أمتَحَرِّية هي منافع الشعب؟ أمتَحَرِّية هي منفعتها الخاصة، أم لاهية هي عن منافع الشعب، وعن منافعها الخاصة، بما هو أهون خطرًا وأيسر شأنًا، وبما لا ينبغي أن يشغل به الوزراء من صغائر الأعمال؟

    والغريب أن هذه الأسئلة التي نشرناها مفرقة ثم مجتمعة لا تمس هيناً من الأمر، وإنما تمس شؤونًا هي من أعظم شؤون الحياة المصرية خطرًا. بعضها يمس حقوق المصريين في الحرية المقدسة، وحرمات المصريين من حيث هم أشخاص كرام، يحميهم القانون والدستور، من أن يمسهم ظلم أو عدوان، فهل عذب المصريون في ميت غمر وأخميم والسنبلاوين؟ وإن كانوا قد عذبوا فمن عذبهم، وبأي حق عذبهم؟ وعلى أي أصل من أصول القانون والدستور اعتمد في تعذيبهم؟ وما جزاء الذين يعذبون المصريين وتعذيبهم إثم؟ وما جزاء الذين يتولون الحكم ويرون هذا الإثم ثم يعرضون عنه ويسكتون عليه؟.
    ومن هذه الأسئلة ما يمس حقوق المصريين في المناصب المصرية، وهي حقوق يكفلها الدستور، ويسجل كفالته لها تسجيلًا صريحًا. فهل آثر الإنجليز على المصريين بالمناصب في غير حق، وبغير علة، وعن عمد قبيح؟
    وإذا كان هذا حقًا فما جزاء الوزير الذي يخالف نص الدستور، ويهضم حق مواطنه، ويؤثر الأجنبي على ابن الوطن. وما جزاء رئيس الوزراء الذي يرى هذا من أحد زملائه فيغضي عنه ويسكت عليه، ومنها ما يمس أموال الدولة ومناصبها والتحكم في إنفاق هذه الأموال وفي شغل هذه المناصب.
    فهل وقع ما أشرنا إليه من قصة مدير الأملاك، ومن قصة ذلك الرجل الكبير الذي احتال على الدولة، في قطعة من أرض الزمالك، فاشتراها لأهله ثم ردها ثم اشتراها، على أن يدفع ثمنها مؤجلًا، ثم عجل الدفع، واستفاد مئتين من الجنيهات، وإذا كان هذا قد وقع فما جزاء وزير المالية الذي يرى العبث بأموال الدولة فيغضي عنه ويسكت عليه.

    لا تجيب الوزارة على شيء من هذا لأنها عاجزة عن الجواب، وما ينبغي للوزارة العاجزة أن تبقى في الحكم، أو لأنها أكبر من أن تنزل إلى الجواب وما ينبغي للوزارة المتكبرة أن تبقى في الحكم.

    وأغرب من هذا كله أن نذكر حين كنا نحاكم أمام القضاء في قصة التبشير منذ أقل من شهرين فكانت النيابة تقيم الحجة علينا وتلح في إقامتها وتملأ فمها بأننا تعجلنا وكان من حقنا أن نستأني، وأضفنا إلى الوزارة أشياء وكان من الحق علينا أن نسألها. وكان القضاء في حوارهم، يرون أن هذا حق، وأن الواجب أن يسأل الوزراء قبل أن تُضاف إليهم الحوادث، والأعمال، وكنا نقول للنيابة، ونقول للقضاء أننا نسأل فلا نجاب. فكانت النيابة تظهر الشك في ذلك، وكان القضاة يرون هذا بعيدًا غير معقول، فنحب الآن أن ترى النيابة وأن يرى القضاة، أننا نسأل فلا نجاب وأننا نلح في السؤال فلا نجاب، وأننا ننشر الأسئلة مفرقة ومجتمعة فلا نجاب. ونحب أن تذكر النيابة هذا، وأن يذكره القضاة أيضًا، فقد يكون من الخير أن تعرف النيابة ويعرف القضاة أن موقف الصحافة من هذه الوزارة ليس بالموقف الطبيعي الذي تجري عليه أحكام المنطق والعقل والعرف المألوف، وإنما هو موقف غريب يسأل الصحفي فلا تجاب، فإذا وجدت الوزارة عليه سبيلًا ولو ملتوية معوجة، دفعته أمام القضاء دفعًا، وسلطت عليه ما يمكن وما لا يمكن من ضروب الإعنات.

    أما بعد فهذه أسئلة قائمة ما زالت تنتظر الجواب، وعندنا أسئلة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا، نشر بعضها وسينشر بعضها الآخر عما قليل.
    طه حسين
    الوادي، ٢ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استقال
    نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
    لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
    والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
    رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
    استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
    وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
    وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
    يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
    ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
    كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
    ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
    لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أزمة . . .
    يتمناها أكثر الناس، لأنها تزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس، لأنها تُغلق في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سبل الحياة. ويتحدث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديث. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أن حدثًا قد حدث، أو نبأ قد أُذيع، حتى يجدوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أن تحقق الأيام ما خيلت الأحلام. وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها. لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يُلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نفوسهم، فهم يتمنون أن تمحو الأيام ما خيلت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكون الشعب. كثرة قلقة لأنها تريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة. ما نرى أن حالة سياسية تستطيع أن تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مصري من الخوف، ولا يطمئن فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه، إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.
    تحدث إلى من شئت من الناس، فسيكون أول الحديث في الأزمة السياسية، وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك، بأطراف من موضوعات مختلفة، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأن الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمس الناس ويومهم وغدهم لم تُخلق إلا للأزمة السياسية.
    ومع ذلك كله، فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة، فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا. فإذا كان هناك إخفاق يمكن أن يُهنأ به المخفقون، وفشل يمكن أن يُهنأ به الفاشلون، فهو هذا الإخفاق وهذا هو الفشل. فأصحاب هذا العهد السعيد لم يوفقوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء. كانوا يريدون أن يُلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هم ينتهون إلى أن يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق. كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخنوع. ثم كانوا يريدون أن يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يُعنى فيها بالسياسة، وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أن الشعب قد أصبح يُعنى كله بالسياسة، ويؤمن أصدق الإيمان بأنه وحده صاحب الأمر، وبأن غيره إن عُني بالسياسة، فلا ينبغي أن يُعنى بها إلا نائب عنه ومفوض منه ليس غير.
    مهما يكن من شيء، فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إن أردت التدقيق. قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يقسمون بالله جهد إيمانهم أنها وهم من الأوهام، وخيال من الخيالات. أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال. فإذا سألت حقائق الأشياء، فالأزمة قائمة منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فُرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا. ففرض هذه السياسة نفسه أزمة لم تخلص منها البلاد بعد. وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تُسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في منصبه رغم الشعب ورغم الأحداث ثلاثة أعوام وبعض العام، ثم هوى في يوم من الأيام، لسبب لا تزال حقيقته مجهولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نفسه غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم، كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة. فالوزارة التي تعد بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا، خليقة أن تُسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تعد بحل مسألة الدين العام دون مفاوضة، ولا خروج عن قاعدة الدفع ورفضًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسمن داء الدين العقاري حسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رئاسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن أنها ستفاوض في أمر المحاكم المختلطة، مفاوضة الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقدم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم منكرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب، ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يصلح منها شيئًا، ولا يرد الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يعصم أجسامهم من العذاب، ولا يُخلي بين نفوسهم وبين الحرية، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة. كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة، خليق أن يثير الأزمة الوزارية الحادة، وأن ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تَبسُم للأزمات، وتَبسُم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومحالفة. ذلك لأن كل هذه الأزمات إنما تُسقط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتُسقط حين لا يريدها الشعب، ولا يطمئن إلى بقائها. فأما إذا فُرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها ولا خطر. وإنما الشيء الذي له القيمة وله الخطر، هو شيء مجهول. لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا. لا تستطيع أن تتنبأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يُسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تُقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور. هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مستمتع بثقة البرلمان. هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل. هو شيء فوق البحث، هو شيء فوق الحديث. هو شيء يجب أن ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة. حين ينتظر، وحين لا ينتظر، حين يُقدَّر، وحين لا يُقدَّر، حين يُرجى، وحين لا يُرجى، حين يُخاف، وحين لا يُخاف. فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمة لا تُغني. وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون، لأن أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادق، لأن الناس ما زالوا يُعذَّبون، ولأن الأحداث والهموم لا زالت تصب على رؤوس المصريين. وإذا انتشر خبر فجال على غير حساب ولا انتظار بأن عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك، فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام. تستطيع إذن أن تصدق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء. لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق، ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق، ولا لتفكير العقل. وإنما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمصادفة، التي لم يوفق الإنسان بعد إلى أن ينظمها بقانون. فانتظر كل شيء، ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ يوليه ١٩٣٤.

  • الفقر والامتيازات الطبقية والعدالة الاجتماعية | Poverty, Privilege and Social Justice

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣

    شقاء
    جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس يريدون أن يستجوبوا الحكومة حول الضرائب لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له أنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملاك بعد المشقة والجهد، وبعد الكد والعناء.
    ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يوما ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمس الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تجبى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتر فيها، فإذا أداها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق السجون عبثا، وإنما خلقها لتؤوي فيمن تؤويهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق الشرطة عبثا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.
    وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزما سواء قدر أم عجز بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائما، وليشكو ويشكو دائما، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.
    وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي، لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظفين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد، فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع لأن الله إنما خلق الناس ليمتص بعضهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض، وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتؤجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضا لتؤدي الدين، ولتؤديه ذهبا إن لم توفق إلى تأديته ورقا. والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدين، لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمأه، وتعرض الفلاح للأوبئة المهلكة، والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.
    ولم لا! هذا شعور طبيعي يجده كل إنسان، إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائما أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبا إذا لم نوفق إلى إرضائه بالدفع ورقا.
    يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يشبهه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظن بنا القدرة فله أن يطالب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر وما دامت لنا سمعة يجب أن تحفظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتحط بجميع أشكالها ومظاهرها.
    وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيا إلى أوروبا، ولتحط به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تليق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.
    هذه أشياء يجب أن تبقى سرا مكتوما بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يحس الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!
    ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلد مستقل كريم أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضورون جوعا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.
    ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعية محفوظة أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليه من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!
    هذه أسرار يجب أن تظل مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونئن من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويئن؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينا متصلا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!
    ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين أن يعدلوا عن استجوابهم فهم يحاولون شيئا لا سبيل إليه، ولا أمل فيه!
    أين هي الشجاعة التي تمكن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ.
    لا أمل في أن تمس الضرائب ولا في أن تخفض، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رئاسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا. وإذن فشيئا من الرفق، وشيئا من المجاملة، وشيئا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!
    وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعواما، فليصبر أشهرا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئن الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!
    أما أنا فليس يعنيني أن تخفض الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يغنيني هو أن يشعر الفلاح بما يحيط به من شقاء.
    كوكب الشرق ١٢ = ٥ = ١٩٣٣

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

    اصطياف
    أما الشعب فسيقضى فصل الصيف كما تعود أن يقضيه في كل عام، جادا في العمل، جاهدا في احتمال للأثقال، متكلفا ألوان العناء المرهق والشقاء المضنى، لأنه محتاج إلى أن يعيش، ولأن العيش في هذه الأيام ليس قريب المتناول. وليس يكفي أن تمد إليه يدك لتظفر منه بما تريد، فلا بد من أن تجد في طلبه بياض اليوم، ولا بد من أن تقضي في تدبيره سواد الليل، ولا بد من أن تزدري الألم لتتقي الجوع، ولا بد من أن تعرض جسمك كله لحرارة الشمس المحرقة، ولا بد من أن تحمل نفسك أضعاف ما كنت تحتمل من الأثقال لتصل إلى بعض ما يجب أن تصل إليه من قوت نفسك وأهلك.
    لا سبيل إذن إلى أن يفكر الشعب في اتقاء الصيف، ولا في الفرار منه إلى ساحل البحر حيث النسيم العليل، وحيث الاستمتاع بالراحة، والتذوق للذات الحياة، وحيث التخفف من أثقال العمل طوال السنة، والاستعداد لاحتمال هذه الأثقال إذا أقبل الخريف. لن يفكر الشعب في شيء من هذا لأنه لم يتعود أن يفكر فيه، ولأن الحياة لم تعوده أن تمنحه من المهلة والفراغ وسعة ذات اليد ما يمكنه أن يفكر فيه. ولأن الحياة في هذه الأيام تقتضيه أضعاف ما كانت تقتضيه من الجهد، وتكلفه أضعاف ما كانت تكلفه من العناء ولا تعفيه بعد ذلك من ألم الجوع والحرمان.
    وإذن فستمشي أقدام حافية على أرض ملتهبة حتى تدمي، وستصلى وجوه كالحة وهج الشمس حتى تحترق، وستخترق أشعة من نار الشمس ثيابا ممزقة مخرقة حتى تبلغ الأجسام فتعمل فيها عملا لا يشبهه إلا عمل السياط التي قد تمسها بالضر إذا كان التقصير في أداء الضرائب، وسيعود الرجال والنساء، والشبان والشيب إلى بيوتهم آخر النهار حيث ينتظرهم أطفال جياع، ومنهم من ظفر بالقليل، ومنهم من لم يظفر بشيء! وسيقنع الظافرون بقليل من الخبز وشيء من البصل وما يشبه البصل! وسيقنع المحرومون بالصبر على الجوع، لعل نهار الغد أن يجزيهم من هذا الصبر خيرا.
    وأما رئيس الوزراء فيصطاف مستشفيا في باريس وفرسايل، وسيتنقل من باريس وفرسايل إلى حيث يشير عليه الأطباء من مدن الجبل، أو مدن البحر أو مدن المحيط حيث العيشة الناعمة والحياة الباسمة، حيث الطبيعة المبتهجة والصفو المقيم. ومن حول رئيس الوزارة جماعة ليسوا مرضى، وليس بهم ما يشبه المرضى ولكنهم متصلون بالرئيس، يهونون عليه حياته الهينة، ويسهلون عليه عيشة السهل، ويخففون عليه عبئه الخفيف، ويريحونه حتى من الراحة، ويسلونه حتى من الفراغ!!
    وأما الوزراء فسيدعون دواوينهم الفخمة المترفة، وبيوتهم الجميلة الوثيرة، لأن القيظ فيها شديد، ولأن الصيف فيها مرهق للعقول، مضن للأجسام، وسينتقلون إلى الإسكندرية حيث البحر وساحله الجميل، وهواؤه الطلق وما يضطرب قريبا من أمواجه من أنواع اللذات والسرور، وصنوف البهجة والحبور إذا أشرق النهار وأظلم الليل. وسينتقل معهم جماعة من الموظفين يريحونهم من راحتهم، ويسرون لهم أعمالهم اليسيرة، ويتيحون لهم الاستمتاع بهذه الحياة الجميلة، حياة الصيف في الإسكندرية، وسينتقل مع الوزراء والموظفين جماعة من الخدم والأتباع يهيئون لأولئك وهؤلاء ما يحتاجون إليه ليذوقوا هذه العيشة الراضية ولينعم بالهم أشهرا من سنة بعد أن ضاقوا بحياة الجد والعمل في القاهرة.
    وستنفق الدولة على أولئك وهؤلاء جميعا. تنفق على المصطافين في الإسكندرية، والدولة ملزمة أن تنفق على أولئك وهؤلاء لأنهم وزراؤها وموظفوها. ومتى عرفت الدولة تقصر في ترفيه الوزراء والموظفين وخدام الوزراء والموظفين؟!
    ولكن شيئاً واحداً لن يفكر فيه أحد، ولن يلتفت إليه أحد، ولن يقف عنده أحد، ولن يرضى عنا هؤلاء الوزراء والموظفون وأتباعهم لأننا نفكر فيه الآن، ونريد أن نذكرهم به ونلفتهم إليه، لعله أن يثير بينهم وبين ضمائرهم شيئاً من الحديث الذي لا يخلو من عظة وعبرة، والذي قد يثير عاطفة الحياء أحياناً!!
    هذا الشيء هو أن الأموال التي ستنفقها عليهم الدولة لينعموا بلذة البحر وهوائه الطلق ونسيمه العليل إنما تجبى من أولئك الذين ستحرقهم الشمس من غير رحمة، وستدمي أقدامهم على أرض قد ألهبها القيظ، وستكلح وجوههم بهذا الوهج الذي يأخذها من كل مكان، وستداعبهم هذه الأشعة الملتهبة مخترقة إلى أجسامهم المتجمدة — ثيابهم الممزقة البالية. فمن الحق على الوزراء والموظفين إذا انغمسوا في الماء مع الصباح أو مع المساء، وإذا جلسوا إلى مكاتبهم في الدواوين، وأقبل عليهم هذا النسيم الخفيف فداعب وجوههم، ونفذ إلى أجسامهم فبعث فيها لذة خفيفة تدعو إلى النشاط، أو جلسوا إلى موائدهم في الأندية والقهوات ينعمون بما يحمل إليهم من أنواع الطعام والشراب، ونظروا إلى البحر والشمس تغمره بأشعتها أول النهار، أو تحسر عنه هذه الأشعة عند الأصيل، والقمر يداعبه إذا تقدم الليل. وإذا رأوا رقص الراقصين والراقصات، وسمعوا عزف العازفين والعازفات، وملأوا عيونهم بهذه الصور الجميلة الخلابة التي تنشط مع المساء على ساحل البحر فتملأ الجو فتنة والنفوس اضطرابا، وتثير في القلوب نارا، منها البريء ومنها الآثم!
    من الحق عليهم إذا لهوا بهذا كله، ووجدوا لذة هذا كله أن يذكروا أولئك المساكين الذين تدمي أقدامهم وتحترق وجوههم، ويتنفسون هواء مزاجه اللهب، يعودون بعد طول الجهد وشدة العناء، ولعل كثيرا منهم لا يجدون ما يطعمون!
    نعم من الحق عليهم أن يذكروا هؤلاء فقد تنفع هذه الذكرى، وقد تثير في نفوسهم شيئاً من الحزن للبائسين، والرحمة للأشقياء، والعطف على المكروبين. وقد تدفعهم إلى أن يعرفوا لهؤلاء الناس بعض حقهم، ويذكروا لهم بعض فضلهم، ويأخذوا أنفسهم، لا بأن يردوا عليهم أموالهم، ولا بأن يشاركوهم في آلامهم، ولا بأن يحملوا عنهم بعض أثقالهم، بل أن يعنوا بمصالحهم وينظروا إليها في رعاية وعناية، لعل ذلك أن يشعرهم بأنهم لم يتركوا نهبا للضر وسوء الحال، ولكن لهم وزراء وموظفين يرثون لهم بعض الرثاء، ويؤثرونهم ببعض العطف، وينظرون إليهم نظرة لا تخلو من إشفاق!!
    أين نحن وفي أي عصر نعيش؟ نحن في مصر التي هي جزء من أوربا، وإذن ففي أي بلد من بلاد أوربا يترك الوزراء عواصمهم ليصطافوا على حساب الدولة؟! نحن في القرن العشرين الذي ثبتت فيه شخصية الشعوب، وجعلت تزول فيه الفروق بين الطبقات، وخضعت فيه أعمال الحكومات لأشد ألوان المراقبة وأعسر ضروب الحساب؟ وإذن فأين الاعتراف بشخصية الشعب الذي سيصلى العذاب في الصيف ليستمتع وزراؤه وموظفوه على حسابه بفنون النعيم؟
    وفيم ينتقل الوزراء والموظفون إلى الإسكندرية على حساب الدولة؟ هم بين اثنتين: إما أن يكونوا قادرين على العمل وإذن فليبقوا في القاهرة. وإما أن يكونوا عاجزين عن العمل وإذن فليستقيلوا أو ليستريحوا بالإجازات على حسابهم هم، لا على حساب الشعب البائس المحروم.
    سيقولون إنما ينتقل الوزراء ليكونوا قريبا من جلالة الملك، وإنما ينتقل الموظفون ليكونوا قريبا من سادتهم الوزراء والموظفين، ولكن الملوك ورؤساء الجمهوريات يصطافون في أوربا، ويبقى الوزراء في العواصم حتى إذا احتاج إليهم رؤساء الدول، سافروا إلى حيث يلقونهم في مصايفهم، ثم يعودون بعد ذلك إلى حيث يعملون.
    وليست القاهرة بعيدة عن الإسكندرية حيث يصطاف جلالة الملك، فمن أيسر الأشياء وأهوانها أن ينتقل الوزراء إلى حيث يتشرفون بالمثول بين يدي جلالته ليتلقوا أوامره السامية وليرفعوا إلى سدته العلية ما يريدون رفعه من الأعمال.
    ليست مصلحة الدولة إذن هي التي تقتضي انتقال الحكومة إلى الإسكندرية، وإنما هو الترفيه على رؤساء الحكومة من الوزراء والموظفين. وقد كان ذلك ميسورا على ثقله ومجانبته للحق قبل أن تشتد هذه الأزمة المنكرة. فأما الآن فهو أمر أقل ما يوصف به أنه ليس إلى الدفاع عنه من سبيل.
    زعموا أن رئيس الوزراء بالنيابة فكر في إلغاء رحلة الصيف هذه، ثم زعموا أنه عدل عن هذا التفكير، فليفكر رئيس الوزراء مرة أخرى، وليفكر معه الوزراء، وليفكر معهم الموظفون، وليفكر معهم البرلمان في أن هذه الأيام ليست أيام ترف ولا سرف، وإنما هي أيام احتمال وحرمان، وليست حياتهم التي يحيونها في القاهرة بالسيئة ولا الرديئة، وإنما هي حياة يحسدهم عليها كثير من وزراء الدول الكبرى.
    فليبقوا إذن في القاهرة، فإن ذلك أقل ما يجب عليهم من إظهار تضامنهم مع الناس ومشاركتهم ولو من بعيد فيما يلقون من مكروه.
    كوكب الشرق ٢٨ – ٥ – ١٩٣٣

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

    صبر
    هو فضيلة من غير شك، بل قل فضيلة من أرقّ الفضائل وأزكاها ولعله أرقّ الفضائل وأزكاها. فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمّت له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه، ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجاً كأنما يصَّعّد في السماء. وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب. وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظراً هادئاً مطمئناً، لا يفسده خوف ولا رجاء؛ وإنما هو مستقيم معتدل قوامه حكم العقل وصواب الرأي. ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرأوا من الطيش ويأمنوا من العثار. ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال؛ فهناك صبر ثقيل جداً، ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضاً ثقل الأعباء وشدة الحرمان. وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء وتجعلها محتملة بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس. وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرّق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها؛ فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم وأصلاً من أصول السياسة. ورئيس الوزراء كان موفقاً كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجعله أساساً لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة. فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هو الصبر، والصبر وحده. وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه، إن أنكرتَ على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض ولكنه يرجو أن يفاوض، فلما دخل في العام الثاني همّ بالمفاوضة، وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان، فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم. ومضى صيف جاء بعده صيف، جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع. وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمّ رئيس الوزراء بالمفاوضة، ودعا إليها وألحّ في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردّوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه. أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة – كما يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله – أو تصبيرة كما يقول مثلك ومثلي من الناس! وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة؛ فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومسّ معه طرفاً من السياسة في طرف من حديث. وعاد رئيس الوزراء وقد تبلّغ بهذا الطعام اليسير فتعلّل به وصبر عليه. ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيره من زملائه، ولكن شيئاً من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض. فما زال واثقاً بالمفاوضات، راغباً فيها، ملحّاً في الثقة والرغبة، مستعيناً عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات. هو إذن صابر مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصوراً على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه. فهو كالأمة المصرية، يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص جداً على السيادة القومية، واذكر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز. هو إذن يريد إلغاء الامتيازات ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات: بالصبر وطول البال وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز. ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يُستهلك الدين ولا يُؤدّى فوائده إلا ورقاً، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى المهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار. ورئيس وزرائنا خير من يتمهل وخير من يستأني، وخير من يحتال وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومادام رئيس وزرائنا صابراً مصابراً، مرابطاً في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار. وكذلك يلقي رئيس الوزراء على المصريين درساً في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن بقاء الامتيازات يؤذي مصر كلها في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء. فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبراً على أذى يصيبه أو ضرر يلمّ به، وإنما هو صبر على أذى يصيب غيره وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولاسيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء؛ فمهما يكن مرّاً فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترف ونعيم في مصر حيناً، وفي أوروبا حيناً آخر. كان صبر رئيس الوزراء لوناً من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعاً ولكنه لا يُتاح للناس جميعاً. هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرّ خالص لا تشوبه حلاوة ولا يخففه لين ولا نعيم. فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله وأشد من هذا كله: فيه شعور الناس بأنهم قد خُلقوا كراماً أحراراً، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المرّ الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلاً من الناس يُقال لهم المصريون. والله – عز وجل – قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويردّ عليهم ما امتحنهم فيه؛ فإذا هم كرام وإذا هم أحرار. فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر؛ فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقّاً. كوكب الشرق في ٢٣ – ٦ – ١٩٣٣.

    رجاء
    لا أحب التشاؤم، ولا أحب الاستماع إلى المتشائمين، بل أنا أكره أشد الكره هذه الأحاديث التي تلقي على الحياة المصرية في هذه الأيام لونًا قاتمًا حزينًا، أو تريد أن تتنبأ للحياة المصرية في الأيام المقبلة القريبة أو البعيدة بلون قاتم حزين. وكثيرًا ما أغلو في ذلك حتى أتهم نفسي في هذا التفاؤل، وأضطرها إلى موقف وسط بين الرضا والسخط، وبين حسن الظن وسوء الظن. فلست أشك في أن حياتنا المصرية لم تصل من السوء إلى مثل ما وصلت إليه في هذه الأيام. ولست أشك في أن الحياة السياسية الشاذة التي نحياها هي المؤثر الأول في هذه الحال السيئة التي نشقى بها، ولكني أعتقد أن هذه الحياة السياسية السيئة طارئ مهما يطل ومهما يثقل، فلا بد من أن يزول غدًا أو بعد غد.
    وأعتقد أن في الأمة المصرية قدرة على المقاومة والصبر، وعلى الثبات والاحتمال، ستعصمها من الاندفاع في هذا الفساد المنكر الذي لا يرجى له صلاح، والذي يتحدث به المتشائمون. فأنا إذن أقاوم الغلو في التفاؤل، وأقاوم الإغراق في التشاؤم، وأرجو أن يُكشف عن مصر هذا الضر الذي تلقاه، وتزال عنها هذه الغمة التي تشقى بها، ولكن علامات تظهر في جو مصر الاجتماعي مهما تفعل فلن نستطيع ولا ينبغي لنا أن نهملها أو نقصر في التفكير فيها والتنبيه إليها، فقد يظهر أنها نذر تنبئ بشر مستطير.
    زعموا أن رجلًا أخذته الشرطة عند مسجد من المساجد، وهو يحاول أن يعرض طفلة للبيع. فلما سُئل تبين المحققون أنه إنما كان يعرض هذه الطفلة للبيع متفقًا على ذلك مع أمها. فقد رأينا إذن في القرن العشرين، وفي مدينة القاهرة، وعند مسجد من مساجد الله رجلًا قد اتفق مع أمًّا من الأمهات على أن يبيع ابنتها بثمن بخس، بدراهم معدودة أو دنانير معدودة. ولكنه بخس على كل حال إذا قُدرت قيمة هذا الثمن مهما يكن بالقياس إلى عواطف الأمومة التي لم تمنع أمًّا من أن تبيع ابنتها بالمال.
    وزعموا أن الأمن قد وصل من الفساد والاضطراب، وأن السلطان قد وصل من العجز والضعف إلى حيث أصبح الناس يقضون لأنفسهم بأنفسهم ويثأرون لأنفسهم بأيديهم، ولا يكاد يختصم اثنان في أمر من الأمور حتى يدخل بينهما المسدس أو البندقية أو السكين، وبحيث أصبح الناس لا يأمنون أن يجلسوا في دورهم قد أُغلقت عليهم أبوابها، فقد يُطرق الباب فإذا فُتح دخل منه الموت، أو دخل منه اللص الذي يتخذ الإكراه وسيلة إلى ابتزاز المال، وبحيث أصبحت الطريق العامة مخوفة كطرق الصحراء في أيام البغي والعدوان بين أهل البادية، يمضي الرجل آمنًا مطمئنًا، أو خائفًا مروعًا، وإنه لفي طريقه وإذا رصاصة تصيبه من حيث لا يحتسب، أو هراوة تقع على رأسه من حيث لم يكن قُدّر. بل حدثني بعض الأجانب أمس أنهم خرجوا يتنزهون في طريق من طرق الضواحي قريب من القاهرة، فلم يكادوا يخرجون من سياراتهم ويمضون أمامهم قليلًا حتى أصابهم وابل من الحصى وصغار الأحجار، ومن الشتم والسب، وحتى أشفقوا من شر عظيم إن مضوا في الطريق. فعادوا إلى سياراتهم مسرعين، ورجعوا إلى القاهرة حيث الأمن فيما يظهر أكثر اطمئنانًا، وأشد استقرارًا.
    وزعموا أن في مصر مائتي ألف من الناس قد أصابهم السل وعُرضوا لنتائجه المهلكة بالطبع، وأن ليس في مصر إلا مستشفى واحد لعلاج من يلم بهم هذا المرض المهلك. وتحدثوا قبل ذلك وسيتحدثون بعد ذلك عن هذه الأوبئة الفاتكة التي تغشى المدن فتعصف بالفقراء والبائسين. ومهما تبحث عن العلل التي تثير هذا كله فتحمل أمًّا على بيع ابنتها، وتعرض الأمن لهذا الخطر المنكر، وتدفع السل والأوبئة إلى الفتك بالألوف من المصريين فأنت مضطر إلى أن تجد علة إن لم تكن هي الوحيدة في هذا كله فهي أعظم هذه العلل إثارا، وهي الجوع والحرمان.
    فأكبر الظن أن هذه الأم لا تبيع ابنتها كرهًا لها، وإنما تبيعها لتعيش. وأكبر الظن أن الجوع هو الذي يغري الآثمين باقتراف الآثام، وأكبر الظن أن الحرمان هو الذي يمكّن للسل والأوبئة ويُسلّطها على المصريين.
    وقد تكون هناك علل أخرى تظاهر هذه العلة، ولكن الفقر هو من غير شك أقوى هذه المؤثرات وأشدها نكرًا. فإذا أضفت إلى هذا أن إلى جانب هذا البؤس الذي يفسد كل شيء حتى العواطف المقدسة ترفًا لا يخلو من الوقاحة والاستهانة بكل حياء، ولا يتأثر بهذه النار المحرقة التي يصطليها البائسون والمحرومون، وإذا لاحظت أن هذا الترف لا ينعم به أغنياء الشعب، فأغنياء الشعب يشقون بالأزمة وتنوء بهم أعباؤها الثقال، وإنما ينعم بهذا الترف فريق من كبار الموظفين الذين أتاحت لهم الظروف السياسية أن يسعدوا برضى الوزراء وعطفهم ونيل المكانة منهم، وافقتني على أن من المعقول أن تثور الحفيظة في نفوس الناس، وأن يعرف المصريون شيئًا لم يعرفوه من قبل، وهو سخط البائس على صاحب النعمة، وبغض المحروم للمترف السعيد.
    والناس في مصر يقرؤون الصحف، أو تُقرأ لهم الصحف، وليس يخفى عليهم من أمر الوزراء وكبار الموظفين شيء. فهل يسأل كثير من الناس أنفسهم عن بعض الأنباء التي تنشرها الصحف كيف تقع من نفوس البائسين والمحرومين في المدن والقرى، وفي أقصى الريف؟ لا تسل عن موقع هذا النبأ الذي أُذيع بأن مدير الأمن العام سيُمنح علاوة قدرها ثلاثمائة جنيه في العام من نفوس الموظفين كبارًا وصغارًا، ومن نفوس الذين يشتغلون بالسياسة اليومية من المعارضين. فهذا الموقع معروف، لا غرابة فيه، ولكن سل عن موقع هذا النبأ من نفوس هؤلاء العمال والفلاحين الذين يلتمسون القوت لأنفسهم وأهلهم فلا يجدونه، أو يلتمسون العلاج لأنفسهم وأهلهم من مرض طارئ أو وباء مُلمّ فلا يظفرون به. ولا تسل عن موقع هذا النعيم الذي يستمتع به الوزراء المصطافون في أوربا، أو في الإسكندرية، وأمثال الوزراء الذين يصطافون هنا وهناك على حساب الدولة أو على حساب أنفسهم، لا تسل عن موقع هذا من نفس هذه الأم التي أرادت أن تبيع ابنتها، أو من نفس غيرها من الأمهات اللائي لا يردن بيع أبنائهن ولكنهن يلتمسن لهن أسباب الحياة فلا يظفرون منها بشيء.
    ما أجدر المصريين أن يفكروا في هذه العلاقات التي تظهر في جو الحياة الاجتماعية المصرية، فإنا نخشى في غير غلو ولا إسراف أن تكون هذه العلاقات مؤذنة بشر عظيم. ولعل من الممكن أن نستدرك هذا الشر بعض الشيء إن فكرنا فيه منذ الآن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه قد يطغى إذا أهملناه، وقد نجد أنفسنا في يوم من الأيام أمام داء عضال ليس إلى علاجه من سبيل.
    كوكب الشرق ٢٢-٨-١٩٣٣.

    استعجال
    رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
    فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
    ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
    وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
    وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
    وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
    المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
    فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
    رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
    فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
    لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
    كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    إرهاق . . .
    يظهر أن الدولة معوزة، في هذه الأيام، كما أن كثيراً من الأفراد معوزون، فقد اشتدت الأزمة، حتى انتهت إلى أقصى غايات الحرج وإن لم تؤمن الحكومة بذلك ولم ترد أن تعترف به، ويظهر أيضاً أن إعواز الدولة وضيق ذات يدها، وشدة حاجتها إلى المال، لتنفقه فيما تورطت فيه من ضروب الترف، كل ذلك يبيح لها ما لا يبيح للأفراد، من مصادرة أموال الناس، والتسلط على ما يستخرجون من الأرض في غير رعاية للقانون، ولا احترام للملكية، ولا تقدير للحرية، ويظهر أن مصدر هذا الفرق الذي يبيح للدولة ما لا يبيح للفرد، ويأذن للحكومة في مصادرة الأموال، هو أن الدولة قوية والفرد ضعيف، وأن الدولة ذكية والفرد غبي، أو متواضع الذكاء.
    فللدولة وزراء ماهرون لهم حيلة واسعة، وذكاء متفوق، كصاحب السعادة القيسي باشا وكصاحب العزة صبري بك، وهؤلاء الوزراء الأذكياء الماهرون يعرفون فيما يظهر كيف يستخرجون الغنى من الفقر، وكيف يستنبطون اليسر من العسر، وكيف يجدون للدولة من كل حرج فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. وهم بفضل هذا الذكاء وهذه المهارة يظهرون الدولة في مظهر الغنى السخي، وإن كانت في حقيقة الأمر معوزة أو كالمعوزة معدمة أو كالمعدمة، فقد كان الناس يشكون في العام الماضي من أن الإدارة في الأقاليم وفي أقاليم الصعيد خاصة، كانت تشق عليهم في جباية الضرائب، تكلفهم أن يدفعوها مقدماً، ولا تكتفي منهم بما فرض القانون، فإن أظهروا امتناعاً عن ذلك، أو عجزاً حالت بينهم وبين ثمرات الأرض التي أنفقوا في استخراجها جهداً، وقوة ووقتاً ومالاً، فلم تمكنهم من نقلها ولا من التصرف فيها حتى يؤدوا إليها مقدماً ما تطالبهم به من المال.
    ونذكر أن بعض كبار الملاك شكوا من ذلك في العام الماضي إلى وزارة المالية، وأن مدير الأموال المقررة أصدر إلى ممثليه في إقليم هؤلاء الملاك أمراً بألا يقتضوا أموال الدولة إلا في حدود القانون، ولكن الإدارة فيما نذكر لم تحفل بأمر مدير الأموال المقررة، ومضت فيما كانت ماضية فيه، من الإعنات والإرهاق، ومنذ أسابيع جددت السياسة هذه الشكوى، وطالبت باحترام القوانين، ورعاية ما تملكه من حرمات، فلما كان من الغد، أنبأتنا السياسة بأن مدير الأمن العام، تحدث بالتليفون إلى صديقنا هيكل بك
    يسأله عما يعلم من ذلك وظنت السياسة وظننا معها أن عناية مدير الأمن العام بهذه القصة ستنتهي إلى رفع الظلم، وإلى تمكين الناس من أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون إذا أدوا ما عليهم للدولة من الضرائب، في حدود القانون.
    ولكن الأهرام تجدد اليوم شكوى السياسة منذ أسابيع، وشكوى الناس منذ العام الماضي، فرجل من كبار الملاك والوزراء يطلب إلى الأهرام أن تسأل الوزارة كيف تستبيح لنفسها مخالفة القوانين إلى هذا الحد، وأخذ الناس يدفع الضرائب قبل أن تستحق، والتسلط على الحاصلات الزراعية، بغير حجز قانوني بل بالقوة العنيفة المتعسفة وآخرون يكتبون إلى الأهرام، بأنهم زاروا مدير أسيوط، يهنئونه بالعودة من إجازته، وشكوا إليه من هذا الظلم نفسه فأظهر إنكاره وأعلن أنه لن يسمح بالتعرض لأموال الناس، ولكنه يكتفي بأن يظهر أصحاب الحاصلات الزراعية للإدارة مستندات تدل على الأماكن التي يخزنون فيها حاصلاتهم، لتستطيع الإدارة بالطبع، أن تحجز عليها وتضمن بها وفاء الضرائب.
    ومعنى هذا كله أن الظلم ما زال قائماً وأن أحكام القانون في جباية الضرائب ما زالت مهدرة وأن الملكية وحرماتها ما زالت معرضة للعبث، وتعسف الموظفين كباراً وصغاراً في الأقاليم، وكل هذا يحدث في ظل الدستور وفي ظل القانون، وبأعين وزير الداخلية الذي هو عضو في مجلس النواب، وبأعين وزير المالية الذي هو عضو في مجلس الشيوخ. ومعنى هذا أيضاً أن الذين يزعمون أن في مصر عدلاً شاملاً، إنما يكذبون على أنفسهم أو يكذبون على الناس، ومعنى هذا أيضاً أن الذين يظنون أن المصريين يحكمون بالحق والعدل، كما تحكم الشعوب المتحضرة في القرن العشرين، يخطئون أشنع الخطأ، ويبعدون عن الصواب غاية البعد.
    ومعنى هذا آخر الأمر أن الذين يظنون أن عهد مصادرة الأموال بغير الحق، والتسلط عليها بالسيف والبطش قد انقضى، إنما سيكون في عالم من الوهم والخيال.
    وإذن فقد يكون الخير في أن تعلن الوزارة إلى الناس، أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور، وإنما تريد أن تحكمهم بالشهوة والهوى، أو أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور وإنما تريد أن تحكمهم بما تفرضه الضرورات التي نجهلها نحن وتعلمها الوزارة من ألوان البطش والبأس وضروب الظلم والجور. فليس هناك منفعة في أن يظن الناس أن لهم حصناً من القانون والدستور حتى إذا لجأوا إلى هذا الحصن، لم يجدوا فيه
    حماية ولا وقاية، وليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم أحرار يستطيعون أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون على حين أنهم عبيد تستطيع الدولة أن تفعل في أموالهم ما تشاء. ثم ليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم يعيشون في القرن العشرين على حين أنهم لا يزالون يعيشون في القرون الوسطى، وليست القوة، في أن تخدع الناس تأخذهم على غرة، وإنما القوة في أن تصارحهم وتواجههم بالحقائق الواقعة، وتعلن إليهم أنهم لن يحكموا إلا على هذا النحو، سواء أرضوا أم كانوا ساخطين لودوا لو يفكر وزير الداخلية ووزير المالية في هذا، ونود لو يشركان معهما في التفكير زميلهما الفقيه وزير التقاليد ورئيسهما الرجل الطيب. فقد ينتهي بهم التفكير إلى مصارحة الناس بأن الدولة محتاجة إلى المال، وبأنها معرضة للإفلاس إذا لم تأخذ الشعب بدفع الضرائب مقدماً، وبأن الضرورات تبيح المحظورات، والشيء الذي لا شك فيه هو أن المصريين مستعدون لمقابلة مثل هذه الكارثة بصبر وثبات، وجلد، واستعداد للتضحية، فهم قد تعودوا احتمال الكوارث، والثبات للحوادث والخطوب، فأما إذا كانت خزانة الدولة عامرة، وكانت الأموال فيها موفورة وكانت سمعتنا المالية ملائمة لحقيقة حالنا فنظن أن الوزراء يوافقوننا على أن رفع هذا الظلم أمر يفرضه القانون، ويفرضه الضمير، ونحن نكبر وزراءنا مهما يكن بينهم وبيننا من خلاف، عن أن يظن الناس بهم أنهم يظلمون حباً في الظلم، ويجورون رغبة في الجور، ويقهرون الناس لأنهم يجدون لذة في قهر الناس.
    ليفكر الوزراء وليقولوا لنا في هذا الأمر شيئاً فقد نحب أن نسمع منهم ما يقولون.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٢٧/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    أخلاق
    دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
    ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
    حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
    وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
    كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
    نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
    والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
    وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
    طه حسين
    الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤.