Back to homepage

القضاء بين اليوبيل والمحاكم المختلطة | The Judiciary: Jubilee and the Mixed Courts

عيد (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١ يناير ١٩٣٤

قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.

ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟

ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.

كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.

كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.

وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.

وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.

كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.

لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!

إعراض
طه حسين
كوكب الشرق
٥ يناير ١٩٣٤

أما أنا فلست أريد أن أنقد خطبة قاضي القضاة من الناحية السياسية كما نقدها توفيق دياب، ولا أن أدافع عنها من الوجهة القضائية كما دافع الأستاذ مرقس فهمي؛ فلست أنا من هذا كله في شيء.

ولعلِّي لا أغلو إن قلتُ إني لا أكتب اليوم ناقدًا بل مستفهمًا؛ فقد تركت خطبة قاضي القضاة مكانًا للاستفهام، وقد يكون هذا الاستفهام طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه استفهام على كل حال.

وكنت أحب أن لا تترك خطبة قاضي القضاة مقالًا لقائل أو سؤالًا لسائل؛ لأن ما أعرفه عنه يطمعنا في ذلك منه.

وأكبر الظن أن هذا الاستفهام قد يستحيل إلى تفسير، وليس غريبًا أن تثير خطبة قاضي القضاة استفهامًا، ثم يستحيل هذا الاستفهام إلى تفسير أو شيء يشبه التفسير؛ فالأستاذ الجليل عبد العزيز باشا فهمي دقيق ممعن في الدقة، قد عُرِف بذلك، عرفه به أبعد الناس عنه، فضلًا عن أقرب الناس منه. وهو على ذلك بعيد المرامي، يريد باللفظ اليسير القصير أشياء لا يبلغها غيره بالإطناب والإسهاب.

ولعله أن يكون قد لمح إلى ما أسأل عنه تلميحًا، وأشار إلى ما أستفهم عنه إشارة من هذه الإشارات التي لا تُتاح لغيره من الخطباء والكتاب.

أما السؤال الذي أثارته خطبة الأستاذ في نفسي، وفي نفس جماعة من الذين يحبهم ويحبونه، ويكرمهم ويكرمونه فتصل بالقضاء الشرعي؛ ما باله لم يُذكَر في خطبة الأستاذ؟! وما باله لم يظفر بكلمة صريحة جلية في هذه الخطبة الصريحة الجلية؟! فقد كانت الخطبة في ذكر القضاء الأهلي كيف دعت إليه الحاجة؟ وكيف نشأ؟ وكيف ارتقى وتطور حتى قطع إلى الكمال شوطًا بعيدًا، وحتى مكن قاضي القضاة من أن يطلب إلى جلالة الملك أن يتفضل فيعلن أن هذا القضاء خليق منذ الآن أن يرضي حاجة الذين يسكنون مصر جميعًا إلى العدل، ويحفظ حقوقهم، ويُغْنِي مصر عن المحاكم المختلطة؟!

وكل هذا حسن، وكل هذا حق لا شك فيه، ولكن قاضي القضاة ذكر المحاكم المختلطة، وبيَّن كيف كان التفكير فيها، وكيف نشأت، وكيف انتفعت بها مصر.

وكان قاضي القضاة — كدأبه دائمًا — بارعًا لبقًا حين أثنى على نظام القضاء المختلط في أول الخطبة، وطلب إلغاءه في آخر الخطبة، ونظن أن القضاء الشرعي كان خليقًا بأن يقف عنده الأستاذ الخطيب وقفة إن لم تكن أطول من وقفته عند القضاء المختلط فلتكن مثلها أو أقصر منها.

ولكن هذه الوقفة — فيما نرى — لم يكن منها بد لتكون الخطبة كاملة شاملة عامة تامة ملمة بالموضوع من جميع أنحائه، آخذة له من جميع أطرافه؛ فنظام القضاء الشرعي أقدم النظم القضائية في مصر، فله من حرمة القدم هذه حق تاريخي على الذين يعرضون لذكر القضاء لا ينبغي لهم ولا يُقبَل منهم أن يهملوه مهما تكن الظروف ومقتضيات الحال كما يقولون.

وليس ينبغي أن يُقال إن القضاء الشرعي قد كانت له نظم وأوضاع لم تكن تخلو من العيب، ولم تكن تسمو على النقد؛ فكل نظام إنساني لا يكاد يخلو من العيب، ولا يكاد يسمو عن النقد، وأعمال الإنسان كلها ونظم الإنسان كلها مزاج من الخير والشر؛ فمن أراد التاريخ الدقيق ذكر الحسنات والسيئات، ومن أراد الذم الخالص ذكر السيئات دون الحسنات، ومن أراد الثناء الخالص ذكر الحسنات وأعرض عن السيئات، ومن أراد المجاملة والإنصاف في غير إمعان في البحث، ولا استقصاء للدقائق قال خيرًا ولمح تلميحًا إلى ما لا ينبغي أن يُنسى من مواضع النقص.

وقد كانت في هذه المجاملة المُنْصِفة سَعَة للأستاذ الخطيب تتيح له إرضاء هذا النظام الذي مهما يُقَل فيه فقد عاشت عليه مصر قرونًا طوالًا، وكان خليقًا أن يظفر بكلمة من كلمات الثناء هذه التي يشوبها شيء من النقد الرفيق البليغ من هذه الكلمات المرضية المُغْنِيَة التي يحسنها الأستاذ أكثر مما يُحْسِنها غيره من الكتاب والخطباء.

ولكن في الأمر ما يجعل الأسف شديدًا عميقًا لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته تلك؛ فقد يُخيَّل إلينا أن هذا القضاء الشرعي قد سعى إلى الرقي في هذا العصر الحديث كما سعى غيره من النظم المصرية، وإذا لم تُخنَّا الذاكرة فقد كان التفكير في إصلاح القضاء الشرعي وتنظيمه وتجديد أوضاعه معاصرًا للتفكير في إدخال القضاء الأهلي إلى هذه البلاد؛ أي: في سنة ١٨٨٠. ومن ذلك الوقت، أخذت نظم القضاء الشرعي تحيا وتبلو ما تبلوه النظم الحية من الخير والشر، ومن التجربة والامتحان؛ فتتخلص من العيب، وتستكثر من المحاسن، وترقى في نظام واطراد، وقد غُيِّرت نُظُم القضاء الشرعي قليلًا أو كثيرًا في أوقات مختلفة من هذا العصر الحديث الذي يبلغ خمسين سنة أو أكثر قليلًا، ويُخيَّل إلينا أن الجهود التي بُذِلَتْ في ذلك لم تكن قليلة، ولا يسيرة، ولا خليقة بالإعراض.

ويُخيَّل إلينا أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله قد بذل في ذلك جهودًا كانت خليقة أن تُذكَر، ولاسيما إذا لاحظنا أن القضاء الأهلي قد ازدان بنفس الأستاذ الإمام الرضية، وصوته العذب، وخلقه الطيب، وزيه الجميل. فكان رحمه الله صلة حسنة بين هذين النوعين من نظم القضاء، عمل في أحدهما وجدَّ في إصلاح ثانيهما.

ولو لم يكن للقضاء الشرعي إلا أن زميلًا عظيمًا من زملاء قاضي القضاة قد فكر فيه، وعُنِي به، وجدَّ في إصلاحه؛ لكان هذا كافيًا لأَنْ يلم به الأستاذ في خطبته إلمامة قصيرة.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقد يُقال إن سعدًا رحمه الله عُنِيَ بالقضاء الشرعي عناية خصبة لم يقف أمرها عند القضاء الشرعي وحده، بل كانت لها نتائج بعيدة الأثر في حياة التفكير المصري كله؛ فقد أنشأ سعد رحمه الله مدرسة القضاء يريد بها إصلاح القضاء، فأصلحه وأصلح معه فنونًا من التعليم وفنونًا من التفكير وأبوابًا من الحياة العقلية، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي كله.

ويكفي أن الذين خرجوا من مدرسة القضاء هذه يُعلِّمون الآن في الجامعة، ويشغلون مناصب ذات خطر في الدولة، ولا تستطيع الحياة المصرية أن تخلص منهم أو أن تنفيهم عنها، أو أن تخلص من الطابع الذي طبعوها به دون أن يصيبها شيء من الاضطراب والفساد غير قليل.

وكان سعد رحمه الله أزهريًّا كالأستاذ الإمام، وكان سعد رحمه الله قاضيًا أهليًّا كقاضي القضاة، فكان سعد إذن صلة حسنة بين هذين النوعين من القضاء المصري، وكان اشتراك سعد في القضاء الأهلي وعناية سعد بالقضاء الشرعي يكفيان ليلم قاضي القضاة في خطبته تلك إلمامة قصيرة بهذا النظام المصري الذي نُسمِّيه القضاء الشرعي.

لا أخفي على الأستاذ الجليل أني دُهِشْتُ ودُهِشَ معي قوم آخرون، وأَسِفْتُ وأَسِفَ معي قوم آخرون لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته. وأخذنا نلتمس لذلك الأسباب ونبحث له عن العلل، فمِنَّا مَنْ زعم أن الأستاذ إنما أعرض عن القضاء الشرعي؛ لأن القضاء الأهلي قد قام مقامه في كثير من المواضع، فهو إذن نظام جديد يخاصم نظامًا قديمًا، وقد آثر الأستاذ أن لا يثير الخصومة بين النظامين. ولكني رأيت أن أول ما يجب على النظام الجديد أن يذكر النظام القديم الذي سبقه بالخير مجاملة له واعترافًا ببعض فضله.

ومِنَّا مَنْ زعم أن رجال القضاء الشرعي اعتذروا عن الاشتراك في تكريم القضاء الأهلي؛ فأعرض عنهم هذا القضاء إعراضًا. ولكني رأيت أن قاضي القضاة إنما كان يتحدث عن النظام قبل أن يتحدث عن رجاله، فلم يكن عليه بأس أن يذكر النظام، وإن أعرض رجاله عن الحفلة إعراضًا.

وزعم بعضنا أن الخصومة بين النظامين لم تُنقَض بعد، وأن في مصر قومًا ما زالوا يفكرون في أن نظام القضاء الشرعي ليس من ضرورات الحياة المصرية بالوضع الذي هو عليه الآن، وأن الرقي الطبيعي يقتضي أن يُمضَى في تطوره حتى يصبح جزءًا من نظام القضاء المصري العام، وحتى تصبح في المحاكم المصرية دوائر للأحوال الشخصية تطبق أحكام الشرع الشريف، كما أن فيها دوائر للقضاء المدني وأخرى للقضاء الجنائي، ولكني رأيت أن هذا النحو من التفكير أيضًا لا يستقيم؛ فسواء تم هذا التطور أم لم يتم، وسواء أُلْغِيَتْ أوضاع المحاكم الشرعية أو لم تُلْغَ فإن القضاء الشرعي حقيقة واقعة لها مكانها في التاريخ، ولها أثرها في الحياة المصرية القديمة والحديثة، ولا ينبغي أن يُهمَل ذكرها في خطبة يلقيها قاضي القضاة في حفلة من حفلات القضاء، ويلم فيها بالقضاء المختلط.

وهَبْ قاضي القضاة كان يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب، فما الذي كان يمنعه أن يذكر القضاء الشرعي، كما ذكر القضاء المختلط مثنيًا عليه في أول الخطبة مشيرًا إلى إلغائه أو تعديله في آخر الخطبة؟!

ما زلت مستفهمًا، وما زلت آسفًا، وما زلت دهشًا لأن القضاء الشرعي لم يُذكَر في خطبة قاضي القضاة يوم الأحد الماضي؛ لأني كنت أحب لهذه الخطبة أن تكون من المجاملة والإنصاف بحيث عرفت الأستاذ الخطيب.

عاصفة …
طه حسين
كوكب الشرق
٤ أبريل ١٩٣٤

ليست هذه التي ثارت عنيفة يوم الأحد فأفسدت الجو، وجعلت التنفس فيه شاقًّا عسيرًا؛ فإن ثورة الريح مهما يبلغ بها العنف تنتهي إلى الهدوء، كما أن الجو مهما يبلغ من الفساد ينتهي إلى الصلاح، ثم يستطيع الناس أن يستأنفوا حركتهم ونشاطهم، وأن يتنفسوا ملء رئاتهم لا يضيقون بشيء، ولا يشفقون من شيء، ولا يُحرَمُون لذة الهواء الطلق النقي.

وليست هي هذه العاصفة التي أثارتها الوزارة فجأة حول استبدال المعاشات؛ فزادت بها الجو السياسي فسادًا إلى فساد، وأضافت بها في قلوب الناس شكًّا إلى شك، وأفسدت بها رأي الناس في الحكم وفي فريق ضخم من الحاكمين؛ فليس في هذه العاصفة شيء جديد، وقد كان الناس يعلمون من أمرها أكثر مما تظن الوزارة ومما كشفت لجنة التحقيق.

وليست هذه العاصفة هي الوحيدة من نوعها، فهناك عواصف أخرى شديدة هوجاء، ليست أقل منها شرًّا ولا نكرًا، قد أُثِيْرَتْ وقد تُثَار، والمصريون يألفون هذه العواصف فيحتملون شرها، سواء أرضاهم ذلك أم لم يرضهم؛ لأنهم يعلمون أنها ملائمة لطبيعة الأشياء في هذه الحياة السوداء التي يحيونها، وفي ظل هذا العهد السعيد الذي يقاسون فيه عبث المصريين وتحكم الإنجليز!

وإنما هي هذه العاصفة التي أثيرت منذ حين حول موقف القضاة المصريين في المحاكم المختلطة من زملائهم الأجانب، وموقف هؤلاء الزملاء منهم؛ فهذه العاصفة شر كلها لا تثير غبارًا ولا هباء في الجو، وإنما تثير سُمًّا خطرًا مفسدًا أقبح الفساد لهذه الصلات القائمة بين الأجانب والمصريين عامة، والتي يحرص الأجانب — فيما يقولون — على أن تكون صفوًا كلها، ونحرص نحن — من غير شك — على أن تكون بريئة من كل فساد.

هذه العاصفة خطرة حقًّا. كنا نود لو فكَّر فيها الأجانب وقدَّروها حق قدرها، وعنوا بتَبيُّن الآثار السيئة التي قد تنتهي إليها، وما زلنا نود لو فعلوا ذلك، وفعلوه في رَوِيَّةٍ وأَنَاة وإخلاص؛ فإن أعراض الحياة التي تعرض، وحوادث الحياة التي تطرأ لا ينبغي أن تشغلهم عن الحياة نفسها، وعن قوام العلاقات التي يجب أن تكون بينهم وبين المصريين.

ومن الخطأ الشنيع أن يعتمد الأجانب على حسن الصلات الرسمية بين الحكومة المصرية والحكومات الأخرى، أو أن يعتمد الأجانب على ما قد يظفرون به بين حين وحين من انحياز بعض الوزارات المصرية إليهم، وتعصبها لهم، وإيثارها إياهم بالمودة والبر، وتقديمها إياهم على المصريين، أو أن يعتمد الأجانب على هذه الحياة الظاهرة التي ينظمها القانون، ويحمي فيها بعض الناس من بعض، ويرد فيها شر بعض الناس عن بعض، ويكفل فيها الإنصاف الرسمي لمن اعتُدي عليه أو أصابه الشر؛ فكل هذه الأشياء لا تصور إلا ظاهرًا من الحياة، ولا تغني عن حقيقة الأمر شيئًا.

وحقيقة الأمر هي أن حياة الأجانب في أي بلد من البلاد لا تفيد أصحابها ولا تنفعهم، ولا تكفل لهم الراحة الصحيحة والقدرة على تحقيق المنافع المتصلة، إلا إذا اعتمدت على صلات صافية نقية، قوامها الحب والاحترام بين الأجانب وأهل البلد الذي ينزلون به ويقيمون فيه.

والأجانب يوافقوننا من غير شك على أن هذه العاصفة الأخيرة التي أثيرت حول القضاة، حول المصريين والأجانب في المحاكم المختلطة، خليقة أن تنشئ بينهم وبيننا جوًّا سيئًا كل السوء، لا خير فيه، ولا أمل في أن ينتهي إلى خير؛ فالمصريون يطمعون في أيسر ما يطمع فيه كل شعب متحضر حر، وهم يعتقدون أنهم أهل للحضارة والحرية، وهم يريدون أن يكونوا سادة في بلادهم، لا يؤذون أحدًا، ولا يؤذيهم أحد، يكرمون نزلاءهم بشرط أن يكرمهم هؤلاء النزلاء.

والمصريون يؤمنون إيمانًا قويًّا جدًّا أقوى ألف مرة ومرة مما يظن الأجانب، بأن قد انقضت تلك العهود التي كان المصري يقبل فيها أن يُسَامَ الضيم في بلده، أو يحتمل الخسف من الطارئين عليه. وكان من المعقول أن يلاحظ الأجانب هذا التطور الذي طرأ على حياة المصريين؛ بل أن يلاحظوا هذه الثورة التي غيرت نفوس المصريين تغييرًا، وأقنعتهم بأنهم ناس كغيرهم من الناس لا يرضون لأنفسهم من أحد ما لا يرضاه الناس منهم.

والأجانب إن فعلوا ذلك أراحوا أنفسهم، وأراحوا المصريين من هذا العناء الثقيل الذي يحتملونه في هذه الأيام، ومن هذا الشر العظيم الذي تتعرض له علاقاتهم في هذه العهود السود، والأجانب إذ خلوا إلى أنفسهم، ونزلوا بعض الشيء عن كبريائهم، وآمنوا في مصر بما يؤمنون به في بلادهم من أصول الحق والعدل والمساواة، يعتقدون أن هذه العاصفة التي تهز المحاكم المختلطة الآن لا تقوم على إيثارهم للعدل، أو حرصهم على الحق، أو إيمانهم بالمساواة، أو تقديرهم لكرامة المصريين.

فالقضاة الأجانب في المحاكم المختلطة يعترفون بفضل زملائهم المصريين وكفايتهم، ويسجلون ذلك في محضر الجمعية العمومية، ويكتبه رئيسهم إلى الوزارة المصرية، وليس في نظام المحاكم المختلطة وقوانينها ما يحول بين هؤلاء القضاة المصريين — الذين لا يشك أحد في فضلهم وكفايتهم — وبين رياسة الدوائر، ولكن هؤلاء القضاة المصريين — على هذا كله — لا يُخَلَّى بينهم وبين هذا الحق، وإنما يُرَدُّون عنه ردًّا، ويُصْرَفُون عنه صرفًا عنيفًا؛ فإذا أنكروا ذلك وطالبوا بحقهم، وأقرهم وزير الحقانية على ما طلبوا، لم يلقوا إلا الرد العنيف، والصرف الذي لا رفق فيه ولا مجاملة، والإنذار بمجالس التأديب إذا لم يستردوا طلبهم —إن صح ما نشرت الصحف من الأنباء.

ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يكتب الوزير إلى الجمعية العمومية مؤيدًا وجهة نظر هؤلاء القضاة، معتمدًا في تأييده على الحق والعدل والقانون، ويعلن ذلك في البرلمان؛ ليهدئ الناس، وليلقي في روع المصريين أن ليس على كرامتهم بأس، فإذا فعل ذلك تلقى من رئيس محكمة الاستئناف المختلطة — إن صح ما نشرت الصحف — كتابًا شديدًا قاسيًا، لا ينبغي أن يصدر من رئيس محكمة إلى وزير، فيه دروس تُعِلِّم الوزير — في رأي صاحبها — كيف يعالج مثل هذه المسائل، وتلفت الوزير إلى أن من الخطأ التعرض لمثل هذه المسائل في البرلمان، أو في الصحف.

ومعنى هذا أن المصريين — وزارة وبرلمانًا وصحافة وشعبًا — لا ينبغي لهم أن يعرضوا لمثل هذه المسائل، أو يعلنوا لأنفسهم فيها رأيًا، أو يظهروا إنكارهم — إن أحسوا ما ينبغي أن ينكروه — فإن فعلوا ذلك أدركهم اللوم، وأُلْقِيَتْ عليهم الدروس من رجل مهما تكن مكانته عالية، ومهما يكن منصبه ساميًا؛ فهو موظف مصري؛ ينبغي أن يرعى للمصريين حرمتهم وكرامتهم، وحقهم المقدس في أن يكونوا سادة في بلادهم.

نظن أن الأجانب إن خلوا إلى أنفسهم، وفكروا في هذا كله لم يسعهم إلا أن يشاركونا في الأسف لهذه العاصفة الهوجاء، التي ما كان ينبغي أن تُثَار، والتي ما كان ينبغي أن تدفع الأمور إلى هذا الحرج، والتي ما كان ينبغي أن تعرض الصلات بينهم وبيننا لهذا الفساد. وإنه لمن المؤلم حقًّا أن ينظر المصريون إلى أي ناحية من نواحي الحياة المصرية فلا يكادون يخطون خطوة إلى تحقيق أمل من آمالهم، أو منفعة من منافعهم، إلا رأوا عقابًا وصعابًا ومشاكل وأهوالًا قوامها: الأجانب، ومصالح الأجانب، وامتيازات الأجانب، وقيام الإنجليز دون مصالح الأجانب، يزعمون لأنفسهمم حمايتها، ويتخذونها وسيلة لمحاربة المصريين، وإقامة العقبات بينهم وبين ما يريدون من الحرية والاستقلال.

هذا كثير، وليس من شأنه أن يحقق ما ينبغي من التعاون الصادق بين المصريين والأجانب، بل ليس من شأنه إلا أن يزيد الهُوَّةَ بينهم بعدًا، والخلاف بينهم شدة، ويملأ القلوب بما لا ينبغي أن تمتلئ به من الشك والريبة وسوء الظن.

أما بعد، فالأجانب أحرار بالطبع في أن يُقدِّروا أو لا يُقدِّروا هذه الأمور التي ندعوهم إلى التفكير فيها، ولكن من الحق عليهم أن يعلموا أن المصريين يقدرون هذا حق قدره، وأنهم مصممون على أن ينكروا كل اعتداء على حقوقهم، وكل امتهان لكرامتهم، وكل انتهاك لحرماتهم، مهما يكن مصدره، ومهما تكن النتائج التي ينتهون إليها حين يذودون عن الحق والكرامة والحرمات.

أما بعد، فإن المصريين قد رأوا موقف الجمعية العمومية في المحاكم المختلطة، وما يقال عن مسلك رئيسها مع القضاة المصريين ومع الوزير، وعن رأيه في الصحافة والبرلمان، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الوزارة من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف البرلمان من هذا كله، وهم يريدون أن يروا الآن موقف الصحافة من هذا كله.

وهم ينكرون أشد الإنكار أن تُلْقَى عليهم مثل هذه الدروس مهما يكن الأساتذة الذين يُلقونها، وهم يُلحُّون أشد الإلحاح في أن يستمتع القضاة المصريون بالمساواة بينهم وبين زملائهم الأجانب، وهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف يُطلَب إلى القاضي المصري أن يحقق المساواة بين الناس إذا لم يظفر هو بحقه في المساواة.

قصور
طه حسين
كوكب الشرق
١٠ أبريل ١٩٣٤

قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.

صراع…
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ إبريل سنة ١٩٣٤

بدأ منذ أسابيع، ولسنا نعرف متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، وإن كنا نعرف حق المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلط الأجنبي.

والحق أن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحاد العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلا في هذه الأيام أيضًا.

ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي حادًا عنيفًا في المحاكم المختلطة. وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد. فأما أولهما فرئاسة الدوائر، وأما ثانيهما فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام.

أما في الميدان الأول، فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذ ولا رد طويلين. فليست هناك موانع من نص القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرئاسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن، والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز.

والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها، ولا من ترددهم في الذود عنها، وإنما جاء من أن الوزارة، التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة، قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تثبت في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم تستطع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة.

فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب، ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف، فما هي إلا أن يرد عليه الرئيس رده القاسي المعروف، حتى ينكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة. وإذا الناس يشيعون أنه هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال إن هذا الرد محص تمحيصًا، ونقح تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجل أشهرًا طوالًا، وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار.

ثم تتقدم الوزارة إلى مجلس الشيوخ، فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات، أي كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، ويعلن وزير الحقانية أن الحكومة معنية بالمسألة.

ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد مؤقتًا، حتى إذا كان مساء الأربعاء الماضي عرض رد وزير الحقانية على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، فأيده المستشارون المصريون، وأنكره المستشارون الأجانب، وأعلن رئيس الجمعية بعد ذلك أن الأمر قد انتهى بالقياس إلى الجمعية، وأنه أصبح من حق الحكومة المصرية أن تفاوض فيه.

ومعنى هذا الإعلان أن الوزارة انهزمت على طول الخط، كما يقولون، وأن الجمعية، أو كثرتها الأجنبية، انتصرت على طول الخط، كما يقولون أيضًا، وأن القضاة المصريين قد يرأسون الدوائر إذا أذنت الدول الأجنبية بذلك، بعد مفاوضات قد تقصر وقد تطول، ومناقشات قد تلتوي وقد تستقيم.

لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصروا، ولا لأن الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة، وأبعدهما عن الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلامة وطول البقاء.

وأما في الميدان الثاني، فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال، ومن غير أخذ ولا رد. وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذود عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون. ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين، إلى الآن، أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد، مهما تكن الظروف.

ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين، الأستاذ عبد السلام ذهني بك، أن ينفذ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية.

وليست هناك قوة تستطيع أن تحول الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم، إلا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلغي القانون، أو أن تغيره، أو أن تحمل القضاة على ألا ينفذوه حملًا.

وإذن فالقومية المصرية ظافرة، من غير شك، في هذا الميدان، إلا أن تتكشف الأيام والحوادث عن بعض ما تتكشف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب.
أبى رئيس الدائرة أن يمضي هذه الأحكام لأنه لا يفهمها، وأبى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه البلاد، لأنها لغة القومية المصرية، ولأنها معترف بها في المحاكم المختلطة بحكم القانون.

ورفع الأمر إلى الجمعية العمومية، ورغب رئيس الجمعية وأعضاؤها الأجانب إلى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه الأحكام، فأبى، وأيده زملاؤه المصريون. ولم تستطع الجمعية أن تتخذ في ذلك قرارًا، لأنها إن قبلت رأي المستشار المصري، كما يقضي الحق والعدل والقانون، وجدت نفسها، فيما يقال، أمام صعاب ومشكلات لا حد لها. وإن رفضت رأي المستشار المصري خرجت على القانون، وهي لا تملك، ولا تريد من غير شك، أن تخرج على القانون.

وإذن فليس للمسألة حل في حدود القانون إلا أن تنتصر القومية المصرية في هذا الميدان انتصارًا واضحًا قاطعًا، لا شك فيه ولا غبار عليه.

ونظن أن الخير إنما هو في أن تقف الوزارة من هذه القصة الجديدة موقف الحياد التام، فقد ظهر أن تدخل الوزارة في مثل هذه الأشياء يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد. وآية ذلك أنها دخلت في الأزمة الأولى، فلم تغن شيئًا، ولم تحسن البلاء، ولم تنتفع من إجماع الأمة كلها على تأييد القضاة المصريين، وإنما تركت ذلك كله يذهب مع الريح، ونظرت لما يحيط بها من الظروف، فآثرت العافية، وقبلت المفاوضات.

ونحن نخشى إن دخلت في هذه القصة، أو همت بتأييد القضاة المصريين فيها، أن تسير سيرتها الأولى، وأن يصدر عن وزير الحقانية كتاب، يرد عليه بكتاب، ثم يهيأ للرد على الرد كتاب، ثم تتخذ الجمعية العمومية فيه قرارًا كالذي اتخذ مساء الأربعاء، ثم تدخل الوزارة في مفاوضات، تقترح عليها من الدول لتأجيل اتخاذ اللغة العربية أداة رسمية للقضاء المختلط، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لذلك.

نود إذن لو وقفت الوزارة موقف الحياد، وبخلت على المستشارين المصريين بالتأييد في هذه المرة، فرب بخل خير من الجود، ورب حياد خير من التأييد.

والمستشارون المصريون في هذه القصة أقوياء بالقانون، أقوياء بضمائرهم، أقوياء بوطنيتهم، أقوياء بإرادتهم، أن يرعوا حرمة القانون، وأن يرعوا حرمة اللغة العربية، التي هي اللغة الرسمية للقومية وللبلاد.

فتؤثر الوزارة الراحة في هذه المرة، فإنا نحب لها، ونحب لموقف المستشارين، أن تستريح.
على أننا نعتقد أن الصراع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحد، بل ينبغي أن يتسع ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع، ولا بد أن يتبعهم غيرهم.

فيجب أن تكون اللغة العربية أداة عملية، لا لكتابة الأحكام فحسب، بل للمرافعات أيضًا. يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية، ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا.

ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل أن يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية، فيجب أن تكتب أحكامها، وأن تكون مرافعاتها باللغة العربية فيها.

وما دام القانون، الذي لا سبيل إلى الخروج عليه، يقر اللغة العربية على ما يراد لها من الحق، فنحن واثقون بأن رجال القضاء، والنيابة، والمحاماة، من المصريين والشرقيين، لن يبخلوا على لغتهم بهذا الحق، ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا.

وقد قيل وسيقال إن القضاة الأجانب لا يحسنون اللغة العربية أو لا يفهمونها، ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، فالذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يحسنوها.

وقد قيل وسيقال إن نظام العمل في المحاكم المختلطة لا يجعل اصطناع اللغة العربية سهلًا، لأن الموظفين الذين يحسنون هذه اللغة قليلون في المحاكم المختلطة. ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، وإن الذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يفهموها، وإن الوزارة المصرية تنفق أموالًا كثيرة في ألوان من الترف الذي لا حاجة إليه، فلتنفق بعض الأموال في هذه الضرورة التي تمكن اللغة العربية من أن تكون لغة القضاء في المحاكم المختلطة، ولتعين من الموظفين من تدعو الضرورة إلى تعيينهم، ولتعزل من الموظفين من تدعو الضرورة إلى عزلهم، فإن المحاكم المختلطة لم تنشأ للموظفين، وإنما أنشئت للقضاء.

وليست اللغة العربية هي التي يجب أن يضحى بها لمصلحة فريق من الكتبة والمحضرين الأجانب، وإنما يجب أن يضحى ببعض الكتبة والمحضرين الأجانب في سبيل اللغة العربية إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

نعم، كان الأستاذ عبد السلام ذهني بك موفقًا حقًا حين أقدم على تنفيذ القانون، وحين رد إلى اللغة العربية بعض حقها، وحين رد إلى الكرامة المصرية بعض ما ينبغي أن يرد إليها من عناية المصريين وغير المصريين.

وما نظن أن الأستاذ وزملاءه يحتاجون إلى شكر أو يطمعون فيه، فإخلاصهم للوطن، وللقانون، وللقضاء، أرفع من أن يحتاج إلى الشكر.

وما نظنهم يحتاجون إلى تشجيع أو يطمعون فيه، فهم أشجع وأحرص على الحق، وأداء الواجب، وإرضاء الكرامة، وإراحة الضمير، من أن يحتاجوا إلى تشجيع.

ومع أنهم لا يحتاجون إلى شكر ولا إلى تشجيع، فسيرون أن الأمة المصرية كلها لن تتردد في أن تقدر لهم موقفهم هذا الكريم، وفي أن تعرف لهم أنهم أبناء أوفياء لأمة شديدة الحاجة جدًا إلى أن تحس من أبنائها أنهم أوفياء.

رضًا …
طه حسين
جريدة الوادي
٦ يونيو ١٩٣٤

أما مجلس النواب، فقد أقرَّ أمسِ خطةَ الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك — إن كانت لنا عقول تفهم — أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك، فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئًا.
ولا تقل للنواب: إن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا: إن من حق مصر أن تُلْغِي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفًا على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق.
لا تقل هذا للنواب؛ فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائبًا أكثر من النواب، ولا حريصًا على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب؛ فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم فلا ينبغي ولا سبيل إليه؛ لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور. وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضا، واطمأنَّ حتى سَئِمَ الاطمئنان، وزهد في الاجتماع، وآية ذلك أن كثرته تخلَّفت عن جلسة أمس، ولم تُقْبِل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار؛ فتفرَّقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع؛ لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلَّف عنه الكثرة التي تخلَّفت أمس! فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شَبِعَ منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحبُّ الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئنٌّ إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يُخشَى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولَمَا تردَّدَ في الاجتماع كلَّ يوم، آناء الليل وأطراف النهار؛ ليرعى الحقوق، ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
النواب إذن راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون، وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوروبا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبيَّن للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نُسِّقت تنسيقًا جميلًا. وما لهم لا يرضون وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم، وكان وزير الحقانية يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويُبِيح للنواب أن يتعرضوا من شئون مصر لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يُشْفِقون أن يكون الوزراء جميعًا متضامنين مع وزير الحقانية في هذا الرأي؛ فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأيًا غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك؛ لأنه أمر دولي يمسُّ السلطة التنفيذية وحدها؟!
والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية رأى أنه كان مخطئًا؛ فعدل عن الخطأ وثاب إلى الصواب، وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب؛ فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا، وقد فعلوا، أعلنوا رضاهم في مصر؛ فنشرت صحفهم كلامًا كثيرًا فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه، وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوروبا؛ فرضيت الطان واغتبطت، وأثنت الطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
كل شيء حسن إذن: النواب راضون، والشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون، أليس الوزراء سيتناولون الغداء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم؟! أليس هذا آية على الرضا والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسنًا، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضيًا ولا مبتهجًا، وليس آمنًا ولا مطمئنًّا، ولكنه ساخط كلَّ السُّخْط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كلَّ الخوف، قلق أشدَّ القلق، وقد يكون هذا حقًّا. ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسَخِط؛ وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماءً من النيل، فليشرب من هذا أو ذاك؛ فقد يجد في هذا أو ذاك ما يُخَفِّف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان!
لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading