مفاوضة
طه حسين
جريدة السياسة
٧ يوليو ١٩٣٢
وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.
وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.
وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.
ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.
يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟
زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.
يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.
أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟
إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.
وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.
لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.
وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.
ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.
أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.
مشكلة
طه حسين
جريدة السياسة
٨ يوليو ١٩٣٢
بين القاهرة ولندرة في هذه الأيام أخذٌ وردٌّ ودفعٌ وشدٌّ، ووصلٌ وصدٌّ، وقربٌ وبعدٌ، تدنوان
حتى يخيل إليك أن قد بلغ الحب بينهما أقصاه، وانتهى إلى غايته. وتبعدان حتى يخيل إليه أن قد قام
الجفاء مقام الصفاء، واختصم المُحِبَّان؛ فلا مودة ولا ولاء. تقضي القاهرة للندرة كل حاجة وتحقق
لها كل أمل. وتمنح لندرة القاهرة ما تحتاج إليه من نصر وتأييد، ومن عطف ومَوَدَّة. حتى إذا كان
حديث المفاوضات عبست لندرة، ووجمت القاهرة، وتساءل الناس عن مصدر ذلك العبوس وهذا الوجوم.
ومصدرهما في حقيقة الأمر يسير سهل. فلندرة فطنة ماهرة، وفي القاهرة سذاجة وسلامة نية، إذا خطت
لندرة عرفت أين تضع قدمها، وقدرت لرجلها قبل الخطو موضعها. أما القاهرة فلا تخطو وإنما تجري ولا
تقدر، وإنما تندفع. والعجب أن يكون على رأس حكومة القاهرة رئيس الوزراء، وهو أكفأ الأكْفاء،
وأذكى الأذكياء، وأمهر المهرة، وأمكر المكرة. وأن تتورط القاهرة بعد ذلك فيما تتورط فيه، فتعتقد
أن المَوَدَّةَ بينها وبين لندرة صادقة صافية، لا يشوبها كدر، ولا يعتريها فساد. ومع ذلك فأيسر
حَظٍّ من الفطنة السياسية والفهم لحقائق الأشياء، يظهر حكومتنا على أن الإنجليز أمهر وأذكى من
أن تخدعهم ظواهر الأمور، أو أن يخيل إليهم أن الأمر في مصر مستقر، وأن الظروف ملائمة لتصفية ما
بين البلدين من الحساب؛ كما يقول أصحاب السياسة أو أصحاب المال.
إنما يريد الإنجليز أن تتحقق أغراضهم وتقضى حاجاتهم المستعجلة، ويتم لهم في ظل هذه الوزارة
القائمة ما لم يكن سبيل إلى إتمامه في ظل الأحرار الدستوريين أو الوفديين، فإذا قَضَوْا أوطارهم
هذه ضحِكوا من أصدقائهم الذين قضوا هذه الأوطار، وأعرضوا عنهم إعراض الزاهد فيهم المزدري لهم.
ثم استقبلوا الوفد والأحرار الدستوريين مبتهجين مبتسمين، يقسمون بالله جَهد أيمانهم ما أَكرهوا
مصر على شيء، ولا أخذوا منها غير ما أعطتهم. كذلك فعلوا مع صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم
فأبلغوه قانون التعويضات، وقانون التضمينات، بعد أن يئسوا من ثروت رحمه الله. وعجزوا عن أن
يُبلغوه إحدى هاتين اللقمتين. فلما قضوا من ذلك وطرًا، تجافَوْا عن الحكومة القائمة، واستقبلوا
وزارة سعد رحمه الله مبتهجين مبتسمين، كأنهم لم يُكرهوا يحيى على شيء ولم يظفروا منه
بشيء.
هذه سيرة الإنجليز إذا أيسوا من الوزارات القوية، اصطنعوا الوزارات الضعيفة. فركِبوها مطية
يبلغون بها أغراضهم العزيزة العاجلة. وغريب أن رئيس الوزراء على ذكائه وفطنته، وعلى مهارته
وكفايته، لم يفطن لهذا يوم تولَّى الحكم، ولم يقدر أن تأييد الإنجليز لوزارته، يجب أن يكون
محدودًا بما لهؤلاء الإنجليز من منافعَ مستعجَلة. فأما تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا فلا
سبيل إليها إلا أن تقوم بها عن مصر حكومة تعرفها مصر وتؤمن لها بالقوة والسلطان؛ لأنها هي التي
تمنحها القوة والسلطان، حكومة تصور البرلمان تصويرًا صحيحًا، على أن يكون هذا البرلمان صورة
صادقة، ومرآة صافية لإرادة الأمة وميولها وأهوائها وآمالها. حكومة كتلك الحكومات التي أقامها
الدستور الذي دفنه رئيس الوزراء، وأقسم جَهد أيمانه في الإسكندرية أن لن يُنْشَر ولن يعود إلى
الحياة.
أعلن الإنجليزُ هذا مرة ومرة. وسمع رئيس الوزراء هذا الإعلان وقرأه وفهمه. ولكنه لم يكَد يصل
إلى الحاكم حتى نسي ما قرأ وما سمع، وما فهم. وظن أنه ما دام يستطيع أن يتَّفق مع الإنجليز
فيقضي لهم حاجاتهم، ويحقق لهم مآربهم المُستعجَلة فهو يستطيع أن يتفق معهم على حل المسائل
المعلقة بين البلدين.
ومضى رئيس الوزراء في سبيله هذه؛ فألغى دستورًا وأقام دستورًا، وأعرض عن كثرة ومال إلى قِلة،
وأهمل أمة واعتز بأجنبي، وتقرب إلى الإنجليز ما استطاع أن يتقرَّب، وتحبب إليهم ما استطاع أن
يتحبب. وضحَّى في سبيل ذلك ما استطاع أن يضحي حتى إذا بلغ من هذا كله أقصاه، قال للإنجليز:
والآن فلنتفاوض. فابتسمت لندرة ابتسامتها الصفراء، وقالت: دون هذا وتستقيل الوزارة. والخير أن
تقنع بما قسم الله لك، وتكتفي بتصريف الأمور في مصر، فما أقمناك لتفاوض ولا لتعاهد! وإنما
أقمناك وأيدناك لترغم المصريين على الهدوء والسكون وتريحنا من مصر حتى نفرغ من مشاكلنا الأخرى
ويومئذٍ نشكر لك ما قدمت إلينا من خدمة، ثم نتقدم إلى هؤلاء المصريين فنصلح ما بيننا وبينهم من
فساد، ونصفي ما بيننا وبينهم من حساب.
قال الإنجليز ذلك لرئيس الوزراء، يبسمون فيه حينًا، ويعبسون فيه حينًا آخر. أفتراه فَهِمَ
عنهم ما يريدون؟ أفتراه انصرف عن المفاوضة وأعرض عن المعاهدة؟ وقنع بما أراد الله له منذ اليوم
وهو أن تكون وزارته وزارة إدارية تصرف الشئون اليومية ولا تعرض للمسائل السياسية الكبرى.
قال قوم: نعم، وقال قوم: لا. فأما الأولون فزعموا أن رئيس الوزراء لا يحب أن يخالف عن أمر
الإنجليز، فإذا قالوا له أقدِمْ على المفاوضة أقدَمَ. وإذا قالوا له أحجِمْ عنها أحجَمَ. وقد
طلبوا إليه الإحجام فهو مُحجِم من غير شك. وأما الآخرون فزعموا أن رئيس الوزراء أشجع من أن
يتهيب أمر الإنجليز أو وعيدهم، وأحرص على استقلال مصر من أن يمضي فيه على هوى لندرة.
قالوا وقد وقف رئيس الوزراء مع المستر مكدونلد موقفًا خطيرًا في أول عهده بالحكم، فطلب إليه —
في لهجة حازمة عنيفة لم يتعود أحد أن يخاطب بها الإنجليز — ألا يعرض لشئون مصر الداخلية.
قالوا: ومهما يقل الأحرار الدستوريون من أن كتاب رئيس الوزراء هذا إلى الحكومة البريطانية، قد
كان متفقًا عليه مع دار المندوب السامي في شكله وموضوعه؛ فقد صدر الكتاب عن رئيس الوزراء وتلقته
الحكومة الإنجليزية وسكتت عليه. والذي يخاطب رئيس الوزارة الإنجليزية بتلك اللهجة منذ سنتين
يستطيع أن يكتب إليه الآن كتابًا يقول فيه:
بلغني أن حكومتك تتلكأ في قبول ما أعرض عليها من المفاوضة. ولما كان طلب المفاوضة
حقًّا من حقوق مصر الثابتة فأنت بين اثنتين: إما أن تفاوض وإما أن أعلن استقلال مصر
التام. وأُكْرِهَ جنودك على أن تنسحب إلى حيث أريد لها من غرب القناة أو شرقها. وأحتل
السودان وألغي الامتيازات وأسرح المستشارين وأقضي في مصر بما أريد في غير خضوع لمراقبة
أو محاسبة.
قالوا: ولن تستطيع الوزارة الإنجليزية أمام هذا الكتاب أن تجيب إلا بقبول وجهة النظر المصرية
فتدخل في المفاوضات مع رئيس الوزراء. وأنا أوافق هؤلاء الناس على كل ما قالوا، وأعتقد موقنًا أن
رئيس الوزراء يستطيع أن يُكْرِهَ الإنجليز على المفاوضة إذا عجز عن أن يستدرجهم إليها. ولكن من
حق الإنجليز أن يصارحوه بعد هذه المفاوضة، وأن يرفضوا إبرام المعاهدة حتى يبرمها الشعب المصري.
فالإنجليز لا يعاهدون رئيس الوزراء وإنما يعاهدون الشعب المصري. فإذا قال الإنجليز هذا لرئيس
الوزراء وسيقولونه. وقد قالوه ألف مرة ومرة فكيف يجيبهم رئيس الوزراء؟ وهو يعلم والإنجليز
يعلمون معه، أن الشعب لا يسنده ولا يؤيِّده ولا يطمئن إليه ولا إلى ما يأتي به مهما يكُن، وهو
يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن الوفديين والأحرار الدستوريين والمستقلين لم يلعبوا يوم
قاطعوا الانتخابات، ويوم نبذوا الوزارة القائمة، ويوم أعلنوا أن مصر لا تتقيد بشيء ما ممَّا
تتقيد به هذه الوزارة. وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن كثرة الأمة لم تشترك في
الانتخابات وأنها لا تشترك في الحكم، وأنها إذن لن تفاوض الإنجليز معه، وأنها إذن لن تعاهدهم،
وأنها إذن ستكون حرة يوم تتم المعاهدة في أن تنكرها وتهز لها كتفيها سخريةً منها واستهزاءً بها.
ماذا يصنع رئيس الوزراء؟ وماذا يصنع الإنجليز معه يومئذٍ؟ إن رئيس الوزراء والإنجليز لَيعلمون
حق العلم أن الشعب المصري مغلول لا يستطيع أن يتحرك، معقود اللسان لا يستطيع أن يتكلم، وإذن فهل
إذا أُمْضِيَتِ المعاهدة، وأقرها البرلمان القائم وزالت عن الجيش البريطاني صفة الاحتلال، وأصبح
الشعب المصري مستقلًّا حقًّا، ثم طالب بالدستور القديم، وبأن تعود إلى الأمة حقوقها كاملة،
وحرياتها موفورة، وبأن تؤدي الحكومة حسابًا عن حكمها. هل إذا كان هذا كله — ولا بد من أن يكون —
يخلي الإنجليز بين الشعب ورئيس الوزراء؟ أم هل يقوم الإنجليز دون رئيس الوزراء كما يقومون دونه
اليوم؟ فإن تكن الأولى فليسرع رئيس الوزارة إلى المفاوضة، وإن كنت أكره أن أكون مكانه. وإن تكن
الثانية فَلْيُنْبِئْنَا رئيس الوزراء: أيريد أن يأتينا بالاستقلال أم بالاستعباد؟
الحق أنها مشكلة عسيرة، وأن حلها يسير، إن شاء رئيس الوزراء وشاء الإنجليز. وهذا الحل إنما
يكون حين يتنحى رئيس الوزراء عن الحكم ويحل البرلمان، وتُجرى الانتخابات الحرة المطلقة. وأنا
واثق بأن المعارضة كلها لن تفكر، في حين أَعِدُ رئيس الوزراء وأَعِدُ أصدقاءه من الإنجليز بأنه
إن فاز في هذه الانتخابات بالزعامة أو فاز بالعضوية في أحد المجلسين ليس غير؛ فله أن يفاوض
الإنجليز، وله أن يعاهدهم، وعلينا نحن أن ننظر إلى معاهدته منصفين فنقبلها إن أرضتنا.
فأما قبل ذلك فرئيس الوزراء يعلم والإنجليز يعلمون معه أن الشعب المصري يريد أن يفاوض
الإنجليز ويعاهدهم، مفاوضة الحر للحر ومعاهدة الشعب الكريم للشعب الكريم. لقد قلنا ذلك للإنجليز
والأحكامُ العرفية معلَنة، والحماية قائمة والإنجليز منتصرون، يحكمون فلا يُرَدُّ لهم حكم
ويأمرون فلا يُعصى لهم أمر. أفترانا وقد زالت الحماية، وزالت الأحكام العرفية، وأُعْلِنَ
الاستقلال، لا نستطيع أن نقول ما كنا نقوله منذُ ثلاث عشرة سنة؟ كلا يا صاحب الدولة. تستطيع أن
تفاوض الإنجليز وأن تعاهدهم وأن تبلغ منهم فوق ما بلغ محمد محمود والنحاس أو دونه، فأنت واثق
والإنجليز واثقون منك بأن نتيجة هذا كله مرفوضة منبوذة؛ لأنك قد أقدمت على المفاوضات وأمتك
ذليلة مغلولة. أَعِدْ إليها عزتها وفك عنها أغلالها. ثم فكر بعد ذلك في المفاوضة إن كان لك
إليها سبيل، فأما قبل ذلك فاقنع بالوزارة الإدارية وصرف الشئون اليومية، حتى يقضي الله بينك
وبين الشعب وإنه ليوم قريب، وإن رأيته بعيدًا.
وضوح
طه حسين
جريدة السياسة
١٣ يوليو ١٩٣٢
يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما.
أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين
القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح
إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات
واسعة بعيدة المدى.
نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة
المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة
بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد
وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة
المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية
بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا،
وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف
في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا.
فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية
الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.
ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي
المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات
السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها
بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن
المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير
مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع
مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا
حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل
الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ
معه لغو لا خير فيه.
وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه،
صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق
تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه
ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا،
ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس
الوزراء.
أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا
منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون
لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على
الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه
المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم
على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم
الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن
ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة
والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة
والديموقراطية.
ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما
تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة
التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها
رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة،
ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء
الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة
معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة،
ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة
القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة
لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير
ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن
الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا
عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس
الوزراء ووزارته.
رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر
الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما
نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب
تمثيلًا صادقًا صحيحًا.
وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها
والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛
بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين
العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته
إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات
السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة
القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من
هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين
يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في
الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام
وكرامة واطمئنان.
رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم
يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما
الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم
قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.
رحيل
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ يوليو ١٩٣٢
رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.
تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.
ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.
تعالى الله ما شاء وقوَّى الله إيماني
ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!
إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.
متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!
ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!
إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.
اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.
ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!
يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!
أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!
هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!
هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!
ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.
كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.
ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!
إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.
ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.
أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.
كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!
قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك تنعاب الغراب الأسود
لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد
وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!
ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:
يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرواح وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجل لقنعت أو لسألت ما لم أسأل
قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.
وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.
سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!
ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:
ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ
رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد.
هدوء
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ أغسطس ١٩٣٢
كل شيء هادئ وكل شيء مستقر؛ الجو صفو والسماء نقية، والإقليم معتدل، والسفينة تجري باسم الله وبأمره كأنما تنزلق على البحر انزلاقًا، لا يخاف عليها القبطان ولا المسافرون عطبًا ولا اضطرابًا. ورئيس الوزراء مطمئن إلى هذا الهدوء؛ فهو هادئ أيضًا يستشفي أو يستريح في فيشي بعد أن طوَّف في أرجاء مصر واضطرب في أقطار إيطاليا.
كل شيء هادئ وكل شيء مستقر. ولكن من الهدوء ما يريح ومن الهدوء ما يخيف، ومن الهدوء ما يبعث الرجاء ومن الهدوء ما يتقدم اليأس. ولست أدري، أو لست أريد أن أدري، في أي هدوء نحن؟ أفي هدوء يسبق الأمل، أم في هدوء يلد القنوط؟
نعم؛ لست أدري، أو لست أريد أن أدري، أعميق هذا الهدوء أم ظاهر؟ أمتصل هذا الهدوء أم منقطع؟ أطويل هذا الهدوء أم قصير؟ بل لست أدري، أو لست أريد أن أدري.
أمستقر رئيس الوزراء في فيشي أم مضطرب؟ أمستريح هو أم متعب؟ أساكن هو أم متحرك؟
كل شيء يدل في ظاهر الأمر على أن رئيس الوزراء مطمئن البال، يستمتع بالفاتر والبارد من مياه فيشي بعد أن استمتع بما أُدِيرَ على الموائد من أكواب وأقداح في مدينة القياصرة. ولكن هذا الهدوء الظاهر، وهذا الاطمئنان المسرف في الوضوح، ليس من شأنه أن يُهدِّئ، ولا من شأنه أن يُطمئن.
ما أكثر ما اضطرب البرق وكثر وميضه بين القاهرة وروما، حين كان عظيم مصر ضيفًا على عظيم إيطاليا! وما أشد سكون البرق منذ اطمأن رئيس الوزراء في فيشي! وليس رئيس الوزراء من الذين يحبون أن يحيط بهم الصمت، ويُخيِّم عليهم السكوت؛ فما بالنا لا نقرأ في الصحف كيف أصبح رئيس الوزراء ولا كيف أمسى، ولا أين ذهب رئيس الوزراء ولا متى جاء؟!
تقصير تُلام عليه الصحف! فحياة رئيس الوزراء علينا غالية، وصحته علينا عزيزة، وأخباره إلينا محببة، ومن الحق على الصحف أن لا تنساه، فهو ما زال رئيس الوزراء، وهو ما زال خليقًا أن يُذكَر في صحف الصباح وفي صحف المساء.
أما أنا فأرى أن رئيس الوزراء لا يستريح وإنما ينتظر، وأرى أن رئيس الوزراء ليس هادئًا هدوء الحال في مصر، وليس مستقرًّا كما استقر فيها النظام، وإنما هو موزع النفس مفرق الهوى، ينظر وراءه إلى مصر، يريد أن يتبين ما يصنع فيها خصومه المعارضون، وينظر أمامه إلى إنجلترا يريد أن يتبين ما يصنع حلفاؤه المحايدون. وهو يخاف من أولئك ويشفق من هؤلاء، يفكر فيهم جميعًا وجه النهار ويحلم بهم جميعًا إذا جنَّه الليل، وينتظر في قلق واضطراب ما سينتهي إليه أولئك وهؤلاء.
وهو في أثناء ذلك ينظر إلى نفسه وإلى أعوانه وأنصاره وإلى قوته على الثبات وأمله في البقاء، فيرى ضوءًا شاحبًا ضئيلًا تنتقصه الظلمات من أطرافه كما تُنتقَص ظلمة الليل من ضوء الشفق.
هدوء مخيف هذا الهدوء الذي نحن فيه، والذي يُظِلُّ رئيس الوزراء في فيشي، وربما كان الفصل الذي نشرته التيمس لمكاتبها في القاهرة، وأذاعته الصحف بيننا في المساء، من أوضح الدلائل على هذا الخوف الذي يستره ما نحن فيه من هدوء، وعلى هذه الظلمات التي تحيط بما بقي من حياة الوزارة القائمة، وتنتقص من أطرافها شيئًا فشيئًا.
وليس يعنينا الآن من هذا الفصل ما يقوله المكاتب عن الوفد والأحرار الدستوريين؛ فنحن نعرف مذهب الإنجليز في التحدث عن المعارضين وعن الحكومات القائمة، فما داموا لم يقلبوا للحكومة القائمة ظَهْرَ المجنِّ بالفعل، وما داموا لم يعلنوا إليها العداء الصريح ولم يشهروا عليها الحرب الواضحة الشعواء؛ فهم يظهرون نصرها ويظهرون أفكارهم لخصومها وتألبهم عليهم، وهم يأبون إلا أن يكرروا أن المعارضة ضعيفة لا حظ لها من قوة، وأنها قد فشلت فلا نصيب لها من التوفيق، يعيدون هذا ويبدونه في غير سأم ولا ملل، حتى يأتي اليوم الموعود؛ فإذا الضعف قوة، وإذا الإخفاق نجح، وإذا الفشل فوز وتوفيق.
لِيَقُلْ إذن مكاتب التيمس في خصوم الحكومة ما يشاء؛ فنحن نعلم ما يريد ونفهم معنى ما يقول، ولا نشك في أن رئيس الأحرار الدستوريين قد أخطأ أشد الخطأ حين قال الحق في رئيس الوزراء وأذاعه، بينما يقول رئيس الوزراء فيه الباطل ويذيعه. ونعلم أن قد كان من الحق على رئيس الأحرار الدستوريين إذا أراد معارضة صدقي باشا أن يهدي إليه باقة من الزهر منسقة أحسن تنسيق، ليس فيها إلا ما يسره ويروقه ويرضيه. نعم؛ أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين أنكر وطلب إلى الأمة أن تنكر معه ألا يُولَّى أمر هذه البلاد خيارها وأبناؤها الذين يعرفون كيف يرفقون بها، ويشفقون عليها، ويتوخون منفعتها، ويجعلون أنفسهم قدوة صالحة، وأسوة حسنة في السياسة والإدارة، وفي السيرة والأخلاق.
نعم؛ وأخطأ رئيس الأحرار الدستوريين كل الخطأ حين رفع إلى جلالة الملك؛ وهو صاحب الحق الشرعي في إبقاء الوزارات وإقالتها، وهو الحريص على مصلحة شعبه، الأمين على منافعه، الممثل لكرامته وعزته. أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين رفع إلى جلالة الملك كتابًا يلتمس فيه باسم حزبه إقالة هذه الوزارة؛ لأنها عجزت عن حل الأزمة الاقتصادية، ولم تقدم البلاد أصبعًا نحو استكمال استقلالها، ولم تستطع أن تصلح الإدارة بل أفسدتها.
ونشأ عن هذا كله فساد عام شامل، ينذر بفساد أعم منه وأشمل إذا لم تُوكَل أمور البلاد إلى وزارة قومية لا تحكم بالهوى ولا تتعصب للشهوة الحزبية، وإنما تحكم مصر لمنفعة مصر، وتعتمد في حكمها على حب الشعب لها وثقته بها وتأييده إياها، لا على ما تعتمد عليه هذه الوزارة من الترغيب حينًا والترهيب أحيانًا، ومن الضعف المهين لبعض النواحي، والقسوة العنيفة على بعضها الآخر.
أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين طلب هذا كله إلى جلالة الملك؛ لأنه لم يرفع إلى جلالته الأدلة، على ما وصف به الوزارة من ضعف وعجز، ومن تقصير وجور. كأن هذه الخصال لم تصبح واضحة كشمس النهار، وكأن جلالة الملك، لا يستطيع أن يعرف من أمر الحكومة ما يعرفه الناس جميعًا ومكاتب التيمس من بينهم، وكأن جلالة الملك لا ينبغي أن تُرفَع إليه العرائض الموجزة المقنعة، وإنما يجب أن تُرفَع إليه المجلدات المطوَّلة والأسفار المفصَّلة.
لِيَقُلْ مكاتب التيمس في المعارضين ما شاء؛ فهم يعرفون ما يريد كما يعرفه هو، ولكن أي شيء أراد حين كتب عن الوزارة ورئيسها صدقي باشا؟ أأراد مدحًا أم أراد ذمًّا؟ أأراد تأييدًا وتثبيتًا أم أراد تشنيعًا وتشهيرًا؟
أمَّا أن مصر هادئة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم فواضح لا شك فيه، ولكنها كانت هادئة قبل أن ينهض صدقي باشا بأعباء الحكم وكانت هادئة عن حب الهدوء ورغبة فيه، وهي الآن هادئة لما يسجله مكاتب التيمس من أن صدقي باشا قد أسكت المعارضة وقيدها؛ فهي لا تستطيع أن تنطق، وهي لا تستطيع أن تتحرك، وزعماؤها يحيط بهم الجند وأنديتها ترابط حولها الشرطة.
وأي هذين النوعين من الهدوء أحب إلى مكاتب التيمس وإلى الإنجليز؟ أهذا الذي يصدر عن الرضا وهو خليق أن ينمو ويدوم أم هذا الذي يُرغَم الناس عليه إرغامًا وهو خليق أن يتحوَّل إلى ما لا خير فيه للمصريين ولا للإنجليز؟
إذن؛ فقد نجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في إقرار النظام، ولكن بشرط أن يظل الجند والشرطة على ما هم فيه يراقبون ويرابطون، لا ينامون الليل ولا يهدءون في النهار. ونجح صدقي باشا في شيء آخر عند مكاتب التيمس؛ نجح في الاستكثار من الأولياء والأعوان والأنصار بهذا الترهيب من جهة وبما يسجله مكاتب التيمس نفسه من رشوة المأزومين وإغرائهم من جهة أخرى؛ فهم بين الإفلاس إن احتفظوا بآرائهم السياسية، واليسر إن أنكروا هذه الآراء وانضموا إلى صدقي باشا.
وأي فوز يشبه هذا الفوز الذي يصل إليه صاحبه بالعنف والعسف، ويبلغه بالرشوة وإفساد الأخلاق؟!
ونجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في الاحتفاظ بتوازن الميزانية، وإن كان مكاتب التيمس نفسه يسجل أن الموارد الأساسية للدولة قد نقصت نقصًا عظيمًا، وأن صدقي باشا سيضطر إلى تعويض هذا النقص لا بالاقتصاد والتدبير، ولكن بفرض الضرائب الجديدة وإرهاق الشعب الذي لم تَدَعْ له الأزمة شيئًا إلا أَتَتْ عليه!
وأي فوز مالي يشبه هذا الفوز الذي لا يبلغه صاحبه بالاقتصاد والاعتدال في النفقات، وإنما يبلغه بالمضي في الإسراف والغلو في إرهاق دافعي الضرائب. ونجح صدقي باشا في أنه لم يفرض على الموظفين إلى الآن تضحيات شاقة، ولكنه سيضطر إلى فرضها عليهم بعد حين.
ونجح صدقي باشا — وما أبدع ما نجح! — نجح في المفاوضات؛ فقد كان أول العام مستعدًّا للتحدث عنها والتهالك عليها، فلما انتصف العام أصبح حريصًا على ألا يذكرها، وأصبح يرى الخير في ألا يفكر فيها؛ حتى يثق بأنه يستطيع أن ينتهي بها إلى غايتها.
ماذا؟! هو إذن غير واثق بأنه يستطيع أن ينتهي بالمفاوضات إلى غايتها! وما الذي يمنعه من هذه الثقة؟! أيمنعه منها فوزه بإقرار النظام عسفًا وعنفًا؟! أم يمنعه منها كسبه للناس بالرشوة والإغراء؟! أم يمنعه منها إقامته للميزانية على أساس الإسراف في الإنفاق والغلو في إرهاق الشعب؟! أم يمنعه منها أنه لم يُوفَّق في شيء مما تطمع الحكومات أن تُوفَّق فيه؟!
أهو الذي لا يثق بنفسه، أم الإنجليز هم الذين لا يثقون به؟! أم الأمر مشترك بينه وبين الإنجليز؟! فلا هو يثق بنفسه، ولا الإنجليز يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وهم يعلمون من أمره أكثر جدًّا مما قال مكاتب التيمس.
أما أنا، فأعترف بأني قرأت هذا الفصل، فوجدت في قراءته خير ما يجد القراء من اللذة والمتاع في فصل قوامه السخرية والعبث. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فربما كانت السخرية أظهر ما يمتاز به النقد الإنجليزي، والناس جميعًا يعرفون خطبة أنطوان في قصة يوليوس قيصر. وهم حين يقرءون فصل مكاتب التيمس عن صدقي باشا مضطرون إلى أن يسألوا أنفسهم: ألم يتخذ مكاتب التيمس هذه الخطبة مثالًا يحتذيه، فيمدح صدقي باشا كما مدح أنطوان بروتسن؟!
أما بعد، فلست أشك في أن مكاتب التيمس وكثيرًا من الصحفيين الإنجليز في مصر وإنجلترا إذا خلوا إلى أنفسهم تحدثوا إليها في أمر وزارتنا القائمة بما أتحدث به أنا إلى نفسي وإلى الناس، وهو أن وزارتنا قد بلغت في حياتها الأصيل، وأن الأمد بينها وبين الغروب ليس بعيدًا، وأنها تجد مشقة وعناءً في الاحتفاظ بهذا النَّفَس الضئيل الذي يحتفظ لها بالحياة، وأن احتفاظها بهذا النَّفَس الضئيل رهين بسياسة الحياد الإنجليزي، وكل شيء يدل فيما يظهر على أن سياسة الحياد هذه قد آذنت بزوال.
Leave a Reply