هتلر قال لي
طه حسين
زهرة الشرق
١٨ مارس ١٩٤٠
لو كُشف الغطاء له عن ضميره لرآه أحمرَ قانيًا يقطر دمًا، ولكنه لا يعترف بالضمير، وإنما يرى الإيمان به وهمًا، والإذعان لحكمه ضعفًا، والإشفاق من لونه جنونًا. ولو كُشِف الغطاء له عن قلبه لرآه صخرة صُلبة لا يعمل فيها شيء، ولا يؤثِّر فيها شيء، ولا تصلح مصدرًا لشيء، وإنما هو الجدب الذي ليس بعده جَدْبٌ، والغلظة التي ليس بعدها غلظة، والقسوة التي لا تنتهي إلى حَدٍّ ولا تقِف عند غاية.
ولكنه لا يعترف بالقلب، وإنما يرى الحديث عنه والتأثُّر بما يثور فيه من عاطفةٍ؛ فسادًا في الطبع والتواءً في المزاج، وأثرًا من آثار الحضارة الفاترة التي يجب أن تزول، والتي يريد هو أن يزيلها، ويعمل هو على أن يزيلها. ولو كُشف له عن عقله لرآه ذبالة ضئيلة نحيلة كليلة لا تكاد تضيء حتى تنطفئ، ولا تستطيع أن تثبت للرَّوِيَّةِ أو تقوى على التفكير، أو تواجه المشكلات وصعاب الأمور. ولكنه لا يؤمن بالعقل، وإنما يراه لونًا من ألوان السُّخف، وحديثًا من أحاديث الهوس، وهدية خطِرة من هدايا الحضارة اليونانية الرومانية التي فشِلت وذهبت ريحُها، وآن لها أن تنهار، وأن تقوم مكانها حضارة جديدة لا تتأثر بالخلق، ولا بالفلسفة، ولا بالديانات السماوية. حضارة لا تعرف العقل ولا الضمير، وإنما تعرف الغرائز وحدها. وتندفع مع هذه الغرائز إلى حيث يريد لها الخيال الجامح أن تندفع في غير تبصُّر ولا تفكُّر ولا تقدير.
هذه هي الصورة التي خرجتُ بها من قراءة الكتاب الذي جعلتُ اسمَه عنوانًا لهذا الحديث، وهذا الكتاب قد ألفه رجل ألماني كان صديقًا لهتلر، بل كان من خاصته، وأقرب أصدقائه إليه. عرَفه أثناء جهاده وجاهد تحت لوائه، واغتبط بانتصاره، وعمِل على تحقيق هذا الانتصار، ثم ساهم في استغلال هذا الانتصار إلى أقصى ما استطاع.
كان مسيو بروشننج ألمانيًّا محبًّا لوطنه، محزونًا لما أصاب ألمانيا من الهزيمة في الحرب الماضية، ولِمَا تبع الهزيمة من النتائج الخطيرة التي أفسدت على ألمانيا أمورها كلها. فاستجاب كغيره من الألمان للدعوة الهتلرية التي كانت ترمي إلى إقالة ألمانيا من عثرتها واستنقاذها من آثار الهزيمة. وكان رئيسًا لحكومة دانزيج تلك المدينة الحرة بمقتضى معاهدة فرسايل، والتي اتُّخذت سببًا مباشرًا لإعلان الحرب الحاضرة. وكان هذا الرجل يعمل مع هتلر كما يعمل معه كثير من الألمان، ولكنه كان ذا خطر خاصٍّ لمكانه من تلك المدينة التي أرادت لها معاهدة فرسايل أن تكون حُرَّةً، وأرادت لها الظروف أن تكون موضوع النزاع بين النفوذ الألماني والنفوذ البولوني والنفوذ الدولي العام، بحكم ما كان من إشراف عصبة الأمم على أمورها من قريب أو من بعيد.
وكان مؤلف هذا الكتاب حريصًا كل الحرص على أن تعود دانزيج إلى ألمانيا يومًا ما، ولكن في هدوء وسكون، وفي اتِّفاق مع بولونيا من جهة ومع عصبة الأمم من جهة أخرى. وكان حريصًا من أجل ذلك على أن تظَل دانزيج متصلة بألمانيا اتصالًا رُوحيًّا واقتصاديًّا، فكان من الذين روَّجوا فيها للدعوة الهتلرية. وكان من أجل هذا كله شديد الاتصال بهتلر، يلقاه بين حين وحين ليتلقى منه الوحي، وليشير عليه في شئون الحزب. وقد ظفر بحب هتلر وإيثاره، فكان يخلو إليه فيطيل الخلوة، ويستمع له فيطيل الاستماع، حتى إذا أسرف الحزب الهتلري على نفسه وعلى ألمانيا وعلى مدينة دانزيج نفسها، وظهرت بوادر الشر الذي لا شك فيه؛ عجز هذا الرجل عن مسايرة الحزب فلم يقاومه، ولم يُبْدِ له سخطه، وإنما نصح بالاعتدال والقصد، فلم يسمع له أحد، ولم يحفل به أحد فاعتزل الحكم. وقد وضع هذا الكتاب الغريب الذي لم يكُن في وضعه إلا ناقلًا، قليل الحديث جدًّا، كثير النقل جدًّا، ولكنه لا ينقل إلا عن هتلر نفسه فهو يُصوِّر لنا هتلر بقلم هتلر أو بلسانه إذا أُرِيدَ التعبير الصحيح. والصورة التي رآها القارئ في أول هذا الحديث هي أظهر ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب العجيب. فهتلر رجل محدود العقل، محدود التفكير إلى أقصى حَدٍّ وأبعد غاية، لا يتعمق موضوعًا من الموضوعات، ولا يستقصي مسألة من المسائل، ولا يرى فائدة للتعمُّق والاستقصاء، وهو قليل القراءة قليل التحصيل، مُبغِضٌ للقراءة والتحصيل، لا يستوحي علمًا ولا بحثًا ولا تجرِبةً، وإنما يستوحي خيالًا جامحًا لا يعرف القصد ولا الأناة، وهو من أجل ذلك يزدري فلسفة الفلاسفة، وسياسة الساسة، وتفكير المفكِّرين. يؤمن بأنه قد وُجِدَ لينقل ألمانيا من طور إلى طور، ولينقل العالم كله بفضل ألمانيا من طور إلى طور. فكل طريق يجب أن تؤديه إلى هذه الغاية مهما تكُن عسيرة شاقَّة مملوءة بالصعاب والعقاب. وكل شيء جائز سائغ في سبيل هذه الغاية مهما يكُن مناقضًا للخلق، ومهما يكُن مناقضًا للضمير، بل هو يريد أن يريح الناس من الخلق والضمير؛ لأنهما يتبطآن الهمم، ويفلان الحد، ويدفعان إلى التردُّد والتفكير. وهو لا يريد تردُّدًا ولا تفكيرًا، وإنما يريد إقدامًا وإقدامًا دائمًا، وإقدامًا لا يعرف الهدوء ولا الأناة. وهو يريد أن يريح الناس من الدِّين السماوي؛ لأن هذا الدين السماوي قد أقام حياة الناس على أصول الحق والواجب والخير والعدل. وهو لا يعرف من الحق إلا حق ألمانيا، ولا يعرف من الخير إلا ما يجب أن تجنيه ألمانيا من سيادتها وسلطانها. ولا يعرف من العدل إلا ما يجب أن تمضيه في العالم من الحكم، وما تفرضه على العالم من النظام. هو من أجل ذلك يريد أن يقَوِّي ألمانيا إلى أقصى حَدٍّ لتستطيع أن تُحَطِّمَ ما يعترضها من المقاومة مهما يكُن شكله ومهما يكن مصدره، فالفرد الألماني لا يوجد إلا من حيث إنه أداة لقوة الشعب الألماني، ولا بأس بأن يحتمل الجوع والظمأ والبؤس على اختلاف ألوانه، والتضحية على اختلاف أشكالها وصورها، ولا بأس بأن يتعرض للموت وألوان العذاب، وهو من أجل ذلك لا يتردد في التضحية بالمئات والألوف في سبيل فرض النظام الهتلري على ألمانيا، وفي التضحية بالملايين في سبيل فرض السيطرة الألمانية على العالم. وهو من أجل ذلك لا يتردد في مقاومة الدِّين، وأخذ رجاله بالشدة والعنف إلا أن يُذعِنُوا له ويؤمنوا به، ويجعلوا دينَهم وسيلةً من وسائله. وهو من أجل ذلك لا يتردَّد في إغلاق الجامعات، واضطهاد العلماء إلا أن يجعلوا علمهم وتعليمهم وسيلةً من وسائله وأداة من أدواته.
وهو ما دام ينكر شخصية الفرد وحَقَّه في أن يوجد لنفسه، وحقه في أن يطمع في الحرية الفردية، ويطمح إلى السعادة الفردية، لا يعرف الحرية ولا يؤمن بقيمتها، إنما يراها لونًا من ألوان العبث الديمقراطي الذي يجب أن يزول. وكما أنه لا يعترف بالشخصية الفردية، فهو لا يعترف بالشخصية الاجتماعية أيضًا، ولا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما الشعوب الصغيرة فرائس يجب أن تُلتَهَم، والشعوب الكبيرة أعداء يجب أن يُقهروا بالحيلة ما وَسِعَتْهُ الحيلة والعنف إذا لم تُغْنِ الحيلة، ولم تبلغه ما يريد.
وهو من أجل ذلك لا يفهم معنى لوجود النمسا، ولا لوجود تشيكوسلوفاكيا، ولا لوجود هولنده وبلجيكا، وإنما هذه كلها بلاد يجب أن تصير إلى ألمانيا، وأن ينتشر فيها الشعب الألماني مستغلًّا لها، مستذلًّا لأهلها. فإذا وصل الشعب الألماني إلى فرنسا فيجب أن يقتطع من أرضها ما يحتاج إليه في أوروبا. فأما مستعمراتها ومستعمرات بريطانيا العظمى فيجب أن تسير إليه طوعًا أو كَرهًا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من أن يصير شمال أمريكا وجنوبها إلى الشعب الألماني غدًا أو بعد غدٍ بالحيلة إن أغنت، وبالعنف إذا لم يكُن من العنف بُدٌّ.
وأنت أيها القارئ الكريم تقرأ هذا الكلام فتراه جنونًا، وتراه أشبه بهذيان المحموم، ولكنه مع ذلك كلام هتلر يسجِّله عليه صديقه بروشننج في كتابه تسجيلًا.
وألخصه أنا لك تلخيصًا متواضعًا جدًّا فيه كثيرٌ من التقصير، وفيه كثيرٌ من الاعتدال أيضًا؛ لأني أخشى أن تسيء بي الظن. ولكن ناقل الكفر ليس بكافر، وناقل الجنون ليس بمجنون. وقد تقول إن هتلر قد عامل الشعوب الصغيرة والكبيرة وأمضى معها المعاهدات والمحالفات. ولكن هتلر يقول لمُحَدِّثِه إن المعاهدات والمحالفات وسائل لا غايات. وهي وسائل إلى الخداع وانتظار الفُرَص، فهو لا يرى بأسًا من أن يعطي العهود والمواثيق إذا احتاج إلى إعطائها، ومن أن ينقض العهود والمواثيق إذا احتاج إلى نقضها. وهو لا يرى بأسًا من أن يُقسِم بمحرجات الأيمان إذا احتاج إلى القَسَم، ومن أن يحنث في قسمه إذا احتاج إلى الحنث. وهو قد أثبت ذلك على نفسه فعاهد ثم نقض العهد، وحالَفَ ثم نقض الحلف، وعادى روسيا ثم صادقها، وصادق إيطاليا وهو يتحدث عنها في الكتاب أشنع الحديث، ويزدريها أقبح الازدراء.
وعلى الجملة فإن الصورة التي تخرج بها من هذا الكتاب بشعة منكرة، إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الآثار المنكرة التي يتركها التعليم الناقص والتربية المهملة في بعض الأفراد، حين تتيح لهم الظروف التسلُّط على بعض الشعوب في أوقات الشدة والمحنة والشقاء. وهي تدل أيضًا على أن الحضارة الصحيحة ليست في هذه الألوان من التقدُّم المادي في الصناعة والتجارة والزراعة والاستكشاف، وإنما قبل كل شيء خُلُق يشيع في النفوس والقلوب والعقول فيُهيِّئها لمقاومة الشر والامتناع عليه.
فالشعب الألماني ماهر في الحضارة المادية، ولكنه قد حُرِمَ رُوح الحضارة وخلاصتها، فأصبح أداةً يسخرها المتغلب، وطبعًا يستجيب لكل ناعق، وآية ذلك أنَّه استجاب لدعاة الحرب الماضية فوَرَّطَ نفسه — ووَرَّط العالم معه — في شر عظيم لم نفرغ من آثاره المنكرة بعدُ. وهو الآن يستجيب لطاغيته هتلر، فيورط نفسه ويورط العالم في شر عظيم لا ندري متى تخلص الإنسانية من آثاره.
والحمد لله على أني لم أنتظر إعلان هذه الحرب لأبغض هتلر ونظامه، وإنما أبغضت هذا الرجل منذ نَجَمَ، وأبغضت نظامه منذ ظهر، وقاومته وقاومت نظامه ما أُتيحت لي المقاومة، وتصوَّرتُه دائمًا على أنه الرجل الذي يقطر ضميره دمًا، والذي لا يرعى حرمة ولا ذمة، والذي يُعادِي العقل فيعادي الإنسانية، ومُثُلَهَا العُليا، وحضارتها الرائعة. وهذه أعماله وهذه أقواله تظهر للناس كما تصوَرتُه منذ استقامت له الأمور، وواتته الظروف. فالحق على كل مفكر يؤمن بالعقل والخلق والضمير والحرية والدين أن يكون لهذا الرجل ولنظامه عدوًّا، وأن يعين عليه وعلى نظامه بما يملِك من قوة وجهد؛ حتى تُرد على الإنسانية حضارتها نقية طاهرة، وضميرها ناصعًا صريحًا.
حياد …
طه حسين
مجلة المصور
٦ سبتمبر ١٩٤٠
ما أظن أن أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد، هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته.
كلمة يحبها الناس أشد الحب؛ لأنها تُصوِّر أمالًا عِذابًا وأماني خلابةً، تصور الأمن والدعة، وتصور السلم والعافية، وتصور الاستمتاع بلذات الحياة المادية والمعنوية، والناس من حولك يشقون بالخوف والفزع وبالهلع والجزع وبالحرب وآثامها، وبضروب الحرمان التي لا تُحصَى، والإنسان مؤثر لنفسه بالخير دائمًا، تدفعه هذه الأثرة إلى الجبن والضعة في كثير من الأحيان، وهو أشد استعذابًا لسعادته حين يشقى الناس من حوله، وأشد استمتاعًا بأمنه حين يخاف الناس من حوله، يرى نفسه ممتازًا بالخير الذي لم يظفر به غيره؛ فيرى بذلك لنفسه فضلًا على الناس. وأي الناس لم يكلف بالتفوق؟! وأي الناس لم ينعم بالامتياز؟!
وكلمة الحياد تصور هذا الامتياز تصويرًا خلابًا رائعًا، فهناك أمم تشقى بالحرب وتحترق بنارها المهلكة، تُزهَق نفوس أبنائها، وتُراق دماؤهم، وتذهب جهودهم الهائلة وأموالهم الطائلة في نفقات الحرب وما تحتاج إليه من أدوات التدمير ووسائل الموت.
وإلى جانب هذه الأمم أمم أخرى ترى هذا الهول من حولها، فتنظر إليه مشفقة على الذين يلم بهم.
وفي هذا الإشفاق نفسه لون من الكبرياء؛ لأن الناس من حولها يشقون وهي سعيدة، ويسرعون إلى الموت أو يسرع الموت إليهم وهي ناعمة بالحياة ومشفقة على نفسها أن يبلغها الشر أو يمسها لسان من ألسنة هذه النار المندلعة من حولها.
وفي هذا الإشفاق ضرب من ضروب الجبن، وفن من فنون الذل؛ لأن الأثرة كانت دائمًا وستظل دائمًا مصدرًا من مصادر الجبن والذل.
ومهما يكن من شيء، فكلمة الحياد محببة إلى نفوس الناس؛ لأنها تصور لهم ما يحبون بحق — أو بغير حق — من الأمن والعافية ومن السعادة والنعيم.
الحياد السياسي ضرب من المحال ولكن هذه الكلمة قد فقدت معناها الصحيح في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأصبحت سرابًا لا يُغْنِي شيئًا لسببين يسيرين؛ أولهما مادي يتصل برقي الحضارة وما انتهى إليه من إلغاء المسافات في الزمان والمكان بين الأمم والشعوب، ومن إلغاء العزلة التي كانت الأمم والشعوب تعتصم بها إذا جد الجد وصرح الشر، ومن توفيق الصلات بين الدول والأوطان مهما تتباعد أقطارها ومهما تتباين مذاهبها في الحياة؛ فالأمم التي كانت تستمتع بالحياد ولذاته في الحرب الماضية وتجني منه منافع مادية لا تكاد تُحصَى؛ قد شقيت بالحياد في هذه الحرب شقاءً ليس أهون من شقاء الأمم المحاربة إلَّا قليلًا. وقع ذلك لهولندة وبلجيكا في هذه الحرب. وكم حرصت هولندة وبلجيكا على الحياد! وكم بذلت هولندة وبلجيكا في سبيله من جهد! وكم أغمضت هولندة وبلجيكا في سبيله جفونهما على القذى! ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. أصاب ذلك النرويج والدانمرك في هذه الحرب، وكم بذلت النرويج والدانمرك من جهد، وكم احتملت النرويج والدانمرك من عناء في سبيل الحياد، ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. وهناك سبب معنوي ليس أقل من السبب المادي شرًّا، وهو أن المقياس الخلقي قد تغير تغيُّرًا شديدًا في نفوس أجيال من الأوروبيين، فقد كانت ألمانيا لا تقدر الحق قدره ولا تؤمن إلَّا بالقوة منذ القرن الماضي، ولكنها دُفِعَتْ من ذلك إلى أقصاه في هذا العصر؛ فصارحت الناس به جهرة وفي غير تردد ولا استحياء، وأعلن طاغيتها قبل الحرب بالقول والعمل أنه لا يعرف حقًّا ولا باطلًا ولا عدلًا ولا جورًا، أو أنه لا يقيس الحق والباطل والعدل والجور بمقاييسها المعروفة المألوفة، وإنما يقيسها بمصلحة ألمانيا، وبمصلحة ألمانيا كما يراها هو، لا كما يراها غيره من الناس؛ فهو معصوم من الخطأ، وما ينبغي لأحد أن يجادله في رأي إلَّا أن يكون قادرًا على أن يقهره ويضطره إلى الخضوع والإذعان! فالحق والعدل عنده هما ما يلائمان رأيه وهواه! وإذن؛ فالقانون الفقهي، والقانون الفلسفي، والقانون الاقتصادي، والقانون الخلقي؛ كل ذلك لغو وهراء لا قيمة له ولا غناء فيه! وليس هناك إلَّا قانون واحد، له وحده القيمة وعليه وحده المعول؛ وهو قانون الأثرة الألمانية، والأثرة الألمانية كما يشعر بها طاغية الألمان. وإذن؛ فكل ما كانت تراه الأخلاق وتقرره القوانين الوضعية والطبيعية من أمر الحياد كلام فارغ، يتشدق به الفقهاء ويتعلل به الضعفاء، وتَخْدَع به الأمم الصغيرة نفسها عما ينتظرها من الشقاء يوم يريد لها طاغية الألمان هذا الشقاء لمصلحته أو لمصلحة ألمانيا. وقد انتقلت هذه العدوى من ألمانيا إلى إيطاليا، فإذا طاغية إيطاليا يطلِّق الشرائع الرومانية والقواعد المسيحية تطليقًا، ويعتنق الدين الجديد؛ دين المنفعة التي لا يقوم أمامها شيء والتي يُضحَّى في سبيلها بكل شيء. رقي الحضارة من جهة وانهيار المقاييس الخلقية في ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى قد جردا كلمة الحياد من معناها ذلك الجميل الخلاب الذي صورته في أول هذا الحديث، وجعلا لها معنى آخر جديدًا هو الانتظار القلق المضطرب الذي يمحو من النفوس كل أمن ومن القلوب كل دعة، الذي يذود الهدوء عن الناس أثناء النهار، ويذود النوم عنهم أثناء الليل، ويملأ عقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالخوف المتصل والهلع المستمر، والتوقع في كل لحظة أن يصيبهم ما أصاب الهولنديين والبلجيكيين وأهل الدانمرك والنرويج، فكلمة الحياد الآن إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الانتظار الذي يشبه انتظار الفأر لبطش هذه الهرة التي تلاعبه وتداعبه، ولا تنتظر إلَّا أن تبطش به متى أحست أن أوان البطش به قد آن.
الحياد الفكري جبن وضعة هذا هو الحياد السياسي الذي جَنَتْ ثمراته الأمم التي ذكرتها آنفًا، وأخذت تَجْنِي ثمراته أمم أخرى في البلقان طوعًا أو كرهًا، ولكن هناك حيادًا آخر ليس أقل ضعة من هذا الحياد السياسي، ولعله أن يكون أشد منه إيغالًا في الضعة وتعمقًا في الجبن وإمعانًا في الهوان، وهو الحياد الفكري. حياد الأفراد المثقفين والمفكرين أمام الأزمات التي تضطرب لها الأرض، وتصطدم فيها الأمم، وتتعرض فيها الحضارة الإنسانية للزوال. هؤلاء الأفراد المفكرون الذين امتازوا من غيرهم في الثقافة والعلم وفي الأدب والفن والذين اعترف لهم الناس بالامتياز، فأنزلوهم منازل القادة المرشدين، وقبلوا هم هذه المنازل، فجعلوا إذا تكلموا انتظروا أن يسمع الناس لهم، وإذا دعوا انتظروا أن يستجيب الناس لهم؛ لأنهم قد نزلوا من أممهم منزلة الأرستقراطية العقلية التي يجب أن تقول فيُسمَع لها، وأن تأمر فتُطاع. هؤلاء المفكرون المثقفون الذين ينظرون إلى هذه المشكلات الخطيرة والأزمات العنيفة، ثم يردون أبصارهم عليها غير حافلين بها ولا مكترثين لها؛ لأنهم قد آثروا الحياد والتزموا العزلة واختاروا لأنفسهم مكان الأمن والدعة ليسوا من التفكير ولا من الثقافة في شيء، وإنما هم قوم أثرون يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحق والعدل والحضارة والرقي، فإذا حللت حبهم لأنفسهم رأيته حقيرًا دنيئًا؛ فهم لا يؤثرون أنفسهم بخيرات الحضارة وثمرات العقل ونتائج الفن؛ لأن هذا كله هو موضوع الحرب، ولأن هذا كله هو موضوع الصراع، ولأن هذا كله معرض للفناء. ولو آثروه لافتدوه بأنفسهم، ولو آثروه لدعوا الناس إلى حمايته والذود عنه، ولكنهم يؤثرون أنفسهم بهذه اللذات المادية القريبة الوضيعة التي تنجلي آخر الأمر إلى الطعام والشراب، وإلى هذه الحياة التي يحياها الحيوان. إنهم يخدعون أنفسهم ألوانًا من الخداع، فيخيِّلون إليها أنهم يفرغون للعلم والأدب والفن، فيقرءون ويبحثون ويتأملون. ولكن هذا خداع لا أكثر ولا أقل؛ فإن الاستمتاع بالعلم والأدب والفن إذا قرأت فيجب أن تقرأ ليستفيد غيرك من قراءتك، وإذا بحثت فيجب أن تبحث لينتفع غيرك ببحثك. فأمَّا أن تقرأ لنفسك ليس غير وأمَّا أن تبحث لنفسك وحدها؛ فأمرك فيه كأمر الذي يأكل ليشبع ويشرب ليدفع عن نفسه الظمأ ليس غير. هؤلاء المثقفون المفكرون الذين يخلون إلى أنفسهم ويفرغون لمتاعها المادي والمعنوي، ويعلنون أو يسِّرون أنهم يلتزمون الحياد فيما يضطرب له العالم من المشكلات ليسوا من الثقافة الصحيحة ولا من التفكير الصحيح في شيء، إنما هم قوم قد قصروا أنفسهم على أنفسهم، وقد خسرتهم أممهم وخسرتهم الإنسانية وخسرتهم الحضارة؛ لأنهم قطعوا ما بينهم وبين أممهم وما بينهم وبين الإنسانية والحضارة من أسباب. فإذا دعا هؤلاء المثقفون المفكرون إلى ما يحبون من الحياد الفكري، كانوا شرًّا يجب أن يُقاوَم وخطرًا يجب أن يُرَدَّ؛ لأنهم يدعون إلى الشر الذي ليس بعده شر، يدعون إلى إلغاء التضامن الاجتماعي، وإلى أن يفرغ الفرد لنفسه ليعيش لها ويضحي في سبيلها بما تقوم به الأمم والجماعات.
الحياد يتنافى وروح الشباب ولهذا الحياد الفكري ولذلك الحياد السياسي خطر أحب أن يفكر فيه الناس؛ لأنه بعيد الأثر في حياة الأمم والشعوب حقًّا، بعيد الأثر في حياة الأمم الآن وفي حياتها بعد أن تنحل الأزمات وتعود الأمور إلى الاستقرار؛ ذلك أنه يفسد خلق الشباب ويفل عزمهم ويُغيِّر طبيعتهم ويمحو من نفوسهم هذه الحماسة التي تميزهم من الأجيال التي تقدَّمَتْ بها السن. فأخص ما يمتاز الشباب حماسته الخيرة التي يقبل بها على الحق لأنه الحق، ويدافع بها عن العدل لأنه العدل، والتي تدفعه إلى التضحية بجهده ونفسه في سبيل ما يؤمن به من الرأي، غير حافل بالنتائج ولا مكترث بالعواقب، وإنما يرى الواجب فيُدفَع إليه ويسمع داعي الحق فيستجيب له. بهذه الحماسة عاشت الأمم، أو بهذه الحماسة نهضت الأمم، أو بهذه الحماسة حفظت الأمم تراثها القديم وأضافت إليه تراثًا جديدًا، وبهذه الحماسة نقلت الأمم تليدها وطريفها لأجيالها المقبلة. فإذا انتشرت فكرة الحياد وأُلْقِيَتْ في نفس الشباب، وعلَّمهم القادة أن الفرد خليق أن يفرغ لنفسه ويعكف عليها ويلزم الحيدة المادية إذا استطار الشر من حوله، والحيدة الفكرية إذا اصطدمت من حوله المذاهب والآراء؛ هانت عليهم الحقوق العامة، وشُقَّتْ عليهم الواجبات العامة أيضًا، أُشْعِرُوا في قلوبهم حبَّ العافية وإيثار السلامة على المخاطرة في سبيل النهوض بالحق، والتضحية في سبيل أداء الواجب، واطمأنوا إلى أن الحياة لذة تُدْرَك من أقصر الطرق وأيسرها، لا يمنع من إدراكها أن يتعرض الوطن للخطر، ولا يمنع من إدراكها أن يخضع الوطن لسلطان الأجنبي، ولا يؤثر في إدراكها أن يكون الوطن عزيزًا أو ذليلًا وحرًّا كريمًا أو مستعبدًا رقيقًا. وما أظن أنَّ أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته. وما أظن أحدًا من الشباب المصريين يقبل من قادته الضعفاء — إن وُجِدَ هؤلاء القادة — أن يعلموه حياة الحياد هذه، وأن يلقوا في روعه أن أمن الفرد يجب أن يكون أعظم خطرًا من عزة الأمة وكرامتها واستقلالها. أفهم إلى حدٍّ ما أن يُقال للشباب المصريين: لا تُغِيروا قبل أن يُغار عليكم، ولا تبدءوا بالشر قبل أن تُبدَءوا به. ولكن أحب أن أفهم متى يمكن أن يُقال لهؤلاء الشباب: ادفعوا عن وطنكم فقد اعْتُدِيَ عليه، وذودوا عن كرامتكم فقد امتُهِنَتْ؟! أيُقال لهم ذلك حين تُقتحَم الحدود المصرية عنوة، وحين لا يَبْقَى من الذود عنها بد، أم يُقال لهم ذلك حين يصبح من المرجح أن هذه الحدود قد تُقتحَم غدًا أو بعد غد؟! أيُقال لهم ذلك حين تقتحم المشاة من جيش الأجنبي حدود الوطن أم يُقال لهم ذلك حين تقتحمها طائرات الأجنبي، فتلقي القنابل على أرض الوطن، وتقتل الآمنين الوادعين من أبنائه؟! أرأيت لو قصرت الحكومة في الاحتياط لفيضان النيل، فلم تُقِم الجسور ولم تَدْعُ إلى إقامتها، حتى يفيض النيل، وتغمر مياهه الأرض، وتغرق القرى والدساكر، وتهلك الحرث والنسل. أترضى عن الحكومة أم تسخط عليها؟ أتراها خليقة بالحكم أم تراها خليقة بالتنحي عن الحكم؟ أرأيتك لو انتظرت الحكومة بالأوبئة المعدية أن تشيع في الأرض وتقتحم على الناس دورهم فتفتك بهم أشنع الفتك وأفظعه، ثم دعت بعد ذلك إلى مقاومة هذه الأوبئة؛ أترضى عنها أم تسخط عليها؟ لا أكاد أُفرِّق بين هذه الأخطار القريبة التي تحتاط لها الحكومة قبل أن تقع وبين هذا الخطر الداهم، خطر الحرب الذي يلم بالبلاد قبل أن يأتيها النذير لأنه علم. فإذا قيل للمصريين لا تغيروا قبل أن يُغار عليكم، فلا أقل من أن يتبين للمصريين حتى يُغار عليهم، ولا أقل من أن يُهيَّأ المصريون لدفع الغارة إذا صُبَّتْ عليهم. وما أدري إلى أي حدٍّ هُيِّئ المصريون للدفاع المادي عن أنفسهم إذا حُمِلَتْ إليهم الحرب، وإن كنت أراها قد حُمِلَتْ إليهم بالفعل منذ عهد بعيد، ولكن الشيء الذي أعرفه معرفة اليقين هو أن المصريين لم يُهيَّأوا كما ينبغي أن يُهيَّأوا لدفع الغارة المعنوية عن أنفسهم إذا صُبَّتْ عليهم هذه الغارة المعنوية، وما أرى إلَّا أنها قد صُبَّتْ عليهم منذ زمن بعيد منذ أُعْلِنَتِ الحرب، بل قبل أن تُعْلَن الحرب، وما أدري على من تقع التبعة في إهمال هذا الإعداد المعنوي للشعب المصري؟ ومن الذي يمكن أن يُسأَل عن هذا التقصير الشنيع في تهيئة الروح المصرية للمقاومة المعنوية التي تنبغي له والتي تليق بماضيه المجيد وحاضره الناهض ومستقبله العظيم؟ وما أحب أن أبحث عن المسئولين، ولا أن أدل عليهم، ولكن الشيء الذي أعلمه علم يقين أن هناك تقصيرًا، وأن من الواجب أن يزول هذا التقصير، وأن يزول في أسرع وقت ممكن، وأن يشعر المصريون شعورًا قويًّا عميقًا بأن الوطن قد يطلب إليهم النهوض بأعباء ثقال، وبأنهم قد يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وقد يصيبهم نقص فيما تعوَّدوا أن ينعموا به من الخير والثمرات، وبأن الحق عليهم لأنفسهم ووطنهم أن يستعدوا لهذا كله كرامًا أعزةً لا معرضين للضعف، ولا مهيئين للاستسلام. وما أظن أن حديث الحياد وحديث الخوف من الزج بالبلاد في غمار الحرب، وحديث الحرص على تجنيب مصر أخطار الحرب، وما أظن أن هذه الأحاديث من شأنها أن تشيع في الروح المصري ما ينبغي أن يشيع فيها من القوة والرجولة واليأس الذي ينبغي أن يمتاز به كرام الناس حين تلم الخطوب أو حين يكون إلمامها منتظرًا. فلْنَدَعْ إذن هذه الأحاديث التي لا تغني شيئًا، ولنتجنب خداع الشعب بالآمال والأماني، وليؤثر ضعاف الناس أنفسهم بهذه الآمال الكاذبة التي يتعلل بها أنصار الحياد، وليُقَلْ للمصريين: انظروا فليس بينكم وبين الخطر إلَّا لحظات قد تطول وقد تقصر، وأكبر الظن أنها لن تطول.
الشعب الديمقراطي
طه حسين
مجلة المصور
٢٠ سبتمبر ١٩٤٠
نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.
أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.
ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.
ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.
يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.
ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.
فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.
فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.
وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.
هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.
فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.
يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.
والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.
والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.
هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.
وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.
نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.
كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.
فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.
وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.
إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٠
قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.
ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.
ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.
وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.
وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.
ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.
ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.
قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.
قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟
قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.
قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.
فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.
ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.
ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.
وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.
وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.
قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:
ولو أني حبيت الخلد فردًالما أحبيت بالخلد انفرادافلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا
قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.
وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.
قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.
وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.
قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.
ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.
أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.
وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.
لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.
وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.
قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث.
أثر الثقافة الإنجليزية في ثقافة العالم
طه حسين
زهرة الشرق
٧ أبريل ١٩٤١
من الموضوعات التي يتناولها الناس بالمحاضرات ما لا يمكن التعمق فيه؛ لأنه أوسع وأخطر من أن يتناوله المحاضر في ساعة أو ساعات.
والثقافة البريطانية الحديثة في هذا العصر الحديث هي مجموعة ما أنتجه العقل الإنجليزي في القرون الأربعة الأخيرة.
ولقد تأثرت الثقافة الإنجليزية في عهد النهضة الأدبية في أوروبا بالثقافة اليونانية واللاتينية.
وفي هذا العصر — القرن السادس عشر — كانت النهضة الثقافية مقسمة بين أمتين؛ هما الأمة الفرنسية والأمة الإنجليزية. وأخصُّ ما امتازت به هذه الثقافة في ذلك العهد شيءٌ من الرجوع إلى الحياة اليونانية القديمة، وما كان يميز هذه الحياة اليونانية القديمة من طموح إلى المثل العليا في الفن والأدب والفلسفة. ومعنى هذا أن النهضة قد تأثرت بما كانت تنزع إليه من حرية وثنية؛ لذلك اشتد الصراع بين هذه النزعة وأصول الحضارة في العصور الوسطى، وراحت الحكومات تعمل على مقاومتها، حتى كان من العسير أن ينشر المؤلفون كتبهم دون حاجة إلى من يحميهم من بطش الدولة وسطوة رجال الدين.
كان الفرنسيون والإنجليز يتنازعون هذه الثقافة، وكانت طبيعة العقل الفرنسي تميل إلى الاتزان والتقيد بأصول محدودة في القول والعمل، على حين تختلف الطبيعة الإنجليزية إلى الحرية التي لا تعرف قيدًا ولا قانونًا.
والفرنسي يميل إلى التأثر بالحياة الاجتماعية، على حين تميل الطبيعة الإنجليزية إلى الحرص على حرية الشخص، على أن تكون حياته ملائمة للحياة الاجتماعية، ولو في ظاهرها على الأقل.
ومن هذا الخلاف بين طبيعة الأمتين ظهر الخلاف بين ما أنتجه هؤلاء وهؤلاء في الأدب.
فبينما كانت المؤلفات الفرنسية حريصةً على ألا تخالف المألوف إلَّا بمقدار، كان ما ينتجه الأدباء الإنجليز ثائرًا على المألوف. ومن هنا كانت الآداب التي أنتجها الإنجليز أشدَّ تأثرًا من ناحية الحرية وأقلَّ تأثرًا من ناحية المزاج؛ أي إنها كانت متأثرة بالثقافة اليونانية وبالجموح البريطاني. والحرية في العصر الحديث ربما كانت نتيجة للحياة والثقافة الإنجليزية في ذلك العهد.
ومن أروع الأشياء أن نتتبع حياة الحرية العقلية عند الإنجليز. والناس يعلمون أن إنجلترا موطن البرلمان وموطن الديمقراطية، ولكن ربما كان علمهم محتاجًا لأن يكون أكثر تعمقًا.
ولقد ثار الإنجليز على الفلسفة القديمة، وخرجوا بالعقل من حدود التقيد بالقواعد التقليدية، وعملوا على تحريره من مختلف القيود، بحيث يفكر المرء كما يحب هو لا كما يريد أرسطوطاليس، ولا كما تريد الدولة والدين. ومن هنا نشأت حرية التفكير وحرية التعبير.
وربما كان الشاعر الإنجليزي العظيم ملتون بطلًا عظيمًا من أبطال حرية العقل وحرية التفكير والتعبير، فقد جاهد في تحقيق هذه الحرية جهادًا عنيفًا، وأنفق حياته كلها في هذا الجهاد. وملتون هو الذي قال معرِّضًا بالأساقفة: «إنهم قومٌ عجزوا عن أن يصعدوا بأنفسهم إلى السماء، فأنزلوا الله إلى الأرض ليكون معهم.» ومن هذه الملاحظات — وليست إلَّا شيئًا يسيرًا مما كنت أحب أن أتحدث به إليكم — يستنتج أن الإنجليز بمزاجهم الخاص من جهة، وبتأثرهم بالثقافات القديمة، وباتصالهم بالأمم الأخرى؛ قد استطاعوا أن يكوِّنوا لأنفسهم ثقافة خاصة، وأخص طابع لها هو طابع الحرية الذي حدثتكم عنه. هذه الحرية التي حببت الأوروبيين في الثقافة الإنجليزية في القرون اﻟ ١٧ و١٨ و١٩، ولقد دفعت هذه الحرية الإنجليز أن يقرروا التجربة على أنها أصل من أصول العلم؛ ولذلك كانت إنجلترا أسبق الأمم إلى إقامة التجربة العلمية.
وأظن أيها السادة أننا لو اختصرنا واجتزأنا في تشخيص الثقافة الإنجليزية؛ لقلنا عنها: إنها أعطت الثقافة الأوروبية حرية العقل التي أنتجت حرية التفكير والتعبير والتجربة، وأحدثت ما أحدثت من الثورة الديمقراطية في أوروبا.
ولقلنا: إن الثقافة الإنجليزية وهبت العقل الأوروبي الحديث الحرية التي كان محتاجًا إليها. وبذلك لا نظلم الثقافة الإنجليزية؛ إذ نكون قد وصفناها بأحسن وصف يحرص عليه الإنجليز أنفسهم.
مستقبل الديمقراطية
طه حسين
مجلة الهلال
ديسمبر ١٩٤١
أنا واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم، وأنا من أجل هذا مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.
فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.
وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟
والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.
فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.
والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.
وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.
ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.
لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.
وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.
طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.
نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.
وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.
فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.
وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.
وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.
وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.
فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.
وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.
هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.
فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.
والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.
وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.
وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.
ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.
وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.
والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.
ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.
كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:
وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا
وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.
وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.
والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.
ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!
أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.
وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.
والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.
وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.
وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.
فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.
فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.
ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.
منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا
أسبوع البر
طه حسين
جريدة المصري
٢٥ مايو ١٩٤٢
أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:
ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.
وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.
والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.
وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.
لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.
ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.
أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.
وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.
فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.
فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.
ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.
وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.
وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.
وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.
وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.
فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.
أزمة الديمقراطية
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مايو ١٩٤٥
لم تتعقَّد شئون السياسة العالمية منذ تَمَّ تسليم ألمانيا كما تعقَّدت في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد كانت الخصومات الدولية الكبرى وحدها تشغل الرأي العالمي العام، أما الآن فقد أضيفت إلى هذه الخصومات الدولية خصومات أخرى حزبية في السياسة الداخلية لبعض الدول الكبرى.
ولما كانت هذه الخصومات الداخلية بعيدة الأثر في السياسة الدولية نفسها، فقد اشتدَّت العناية بها، وكثر التأويل لها والاختلاف فيما يستنتج من نتائج، بحيث أصبحت السياسة الخارجية نفسها تأتي في المرتبة الثانية بعد هذه المشكلات السياسية الداخلية. وأعظم هذه المشكلات الداخلية خطرًا، مشكلة بريطانيا العظمى بالطبع؛ فلبريطانيا العظمى مركزها الممتاز في العالم كله، ولها العلاقات المعقدة بالدول الكبيرة والصغيرة وبممتلكاتها المستقلة وإمبراطوريتها الواسعة؛ فليس من الغريب أن تُعْنَى هذه الدول كلها بكل ما يحدث في بريطانيا العظمى، وبكل ما يمكن أن يكون له أثر في سياستها الخارجية وفي مسلكها نحو المستعمرات.
ومصدر هذه الخصومة الداخلية في بريطانيا العظمى طبيعي لا غرابة فيه؛ فقد حكمت بريطانيا أثناء الحرب حكمًا ائتلافيًّا يقوم على اتفاق الأحزاب التي تتباين مناهجها وبرامجها. وكان رئيس الوزراء مستر تشرشل يعتقد أن هذا الحكم الائتلافي سيستمر حتى تضع الحرب أوزارها في الشرق والغرب. ولكن الحوادث دلَّت منذ وقت غير قصير على أن هذا الائتلاف قد أَخَذَ يتصدَّع، وعلى أن الاختلاف في شئون السياسة الخارجية نفسها بين الأحزاب أعظم من أن تثبت له الوزارة الائتلافية.
ويكفي أن نذكر حوادث اليونان التي لم يبعد العهد بها بعد؛ لنتبيَّن أن الأحزاب المؤتلفة في بريطانيا العظمى لم تكن تنظر إليها نظرة واحدة، وقد كان المحافظون ينظرون إليها نظرة الرضا عن السياسة الإنجليزية في تدبيرها وتسييرها، وكان العمال ينظرون إليها نظرة السخط، وكان الأحرار ينظرون إليها نظرة قلقة مترددة. ولم ننسَ بعدُ تلك المناورات البرلمانية التي لجأ إليها العمال أثناء أزمة اليونان؛ ليحتفظوا بحريتهم في الرأي وإنكارهم لسياسة الحكومة من جهة، وليحتفظوا بالائتلاف من جهة أخرى حتى يتم الانتصار في أوروبا وتُلْقِي ألمانيا السلاح.
وقد طلب مستر تشرشل الثقة غير مرة إلى مجلس العموم بشأن سياسته في اليونان فظفر بها، ولكنه ظفر بها غير كاملة: ظفر بثقة تشبه أن تكون شكلية؛ لأن عددًا ضخمًا من النواب يوشك أن يبلغ نصف المجلس — أو أن يزيد عليه — لم يشهد التصويت؛ فظفر رئيس الوزراء بالثقة من كثرة الحاضرين، واستطاع أن يقول رسميًّا إنه مؤيد بثقة المجلس، ولكنه استطاع أن يعلم أن تأييد المجلس له ليس قويًّا ولا عميقًا ولا صالحًا للاعتماد عليه.
وكان ما حدث في مؤتمر القرم مظهرًا آخر من مظاهر التصدع في هذا الائتلاف؛ فقد سخط العمال والأحرار، وأيَّدهم الرأي العام البريطاني على إمضاء الأمر في شئون بولندا وهي نائية، ودلت الحوادث بعد ذلك على أن الساخطين لم يخطئوا؛ فهذه بولندا لا تزال في موقفها المعقد، وهي لا تشارك في الشئون العالمية، ولا تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين يرون في شأنها رأيًا، ويرى الإنجليز والأمريكيون في شأنها رأيًا آخر، وتضيع هي بين أولئك وهؤلاء.
والواقع أن شئون السياسة الخارجية البريطانية مضت مستقيمة مرضية للعمال والمحافظين والأحرار أثناء المحنة حين كانت ألمانيا قوة تُخَاف ويُخْشَى خطرها، وحين كان الحلفاء في حاجة شديدة إلى تأييد القويِّ والضعيف في جميع أقطار الأرض، فلما انهزمت ألمانيا في إيطاليا وفرنسا، وأخذ الحلفاء يغزونها في أرضها، واستيقن الحلفاء أنهم منتصرون؛ تغير اتجاه السياسة الخارجية البريطانية شيئًا ما، وأخذ يسترد قليلًا لونَه القديم الذي كان يعتمد على انتهاز الفرص، وتقوية سلطان الإمبراطورية، وإظهار البأس البريطاني، وإشعار الأقوياء والضعفاء بأن للسلطان البريطاني قوَّة لا تحب الضعف وشدة لا تحب اللين.
وظهرت آثار هذا كله في أزمة اليونان، كما ظهر شيء من ذلك في الشرق الأدنى؛ فقد نسيت وعود كانت مبذولة، وظهرت ميول كانت حريصة على أن تستخفي، ولم يلبث هذا كله أن اصطدم بحرص الدول الأخرى العظيمة على ما تحب أن يكون لها من نفوذ وسلطان، ومنذ ذلك الوقت أحسَّ العمال أن المحافظين قد جعلوا يعودون إلى سياستهم التقليدية، فصبروا على مضض صامتين، ثم جمجموا وغمغموا منكرين، ثم جهروا بالخلاف، وصرَّحوا بالإنكار، وعرضوا الائتلاف للخطر.
فإذا أضفت إلى هذا أن السياسة الداخلية في بريطانيا العظمى قد سلكت نفس السبيل التي سلكتها السياسة الخارجية؛ لم تنكر مسلك العمال، فقد مضى المحافظون مع حلفائهم العمال في الحرب إلى أبعد مدًى، ودعاهم ذلك إلى أن يبسطوا سلطان الدولة على كل شيء، ويبسطوه في قوة لا تعرف هوادة ولا تراخيًا، حتى كان كثير من الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى تسعى إلى الاشتراكية سعيًا سريعًا. ولكن الأستاذ بيفردج لم يكد يعلن تقريره المشهور، حتى أحسَّ المحافظون أن هناك خطرًا يحسن الاحتياط له والاستعداد لمقاومته، وإذا تقرير الأستاذ بيفردج يؤجل إلى حين، وإذا الحديث يستأنف من حق الأفراد والهيئات في أن يمكنوا شخصياتهم من العمل والابتكار والإنتاج.
وإذن فقد جعل المحافظون يستردون شيئًا عن حريتهم، ويعودون إلى سياستهم التقليدية التي تُؤْثِر التطور البطيء، فضلًا عن الثورة في كل ما يتصل بالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وليس العمال غافلين ولا ذاهلين؛ فهم قد لاحظوا هذا التغير في سياسة المحافظين في السياسة الداخلية كما لاحظوه في السياسة الخارجية، وهم قد احتملوا الائتلاف كارهين منذ وقت طويل، حتى إذا انتهت الحرب في أوروبا قرروا أن يستردُّوا حريتهم، واستردوها بالفعل، ولكنهم ضحوا في سبيل هذه الحرية بشيء غير قليل مما كانوا يعتمدون عليه ليظفروا بالفوز في الانتخاب؛ فقد كانوا يريدون أن يخوضوا معركة انتخابية طويلة هادئة يدعون فيها لآرائهم بعد أن تطمئنَّ القلوب في الصدور، ويُفِيق الشعب البريطاني من نشوة النصر، ويستطيع أن يحكم على الأشياء في هدوء وأناة، ويعود كثير من الجنود المحاربين إلى أرض الوطن، فيسمعوا من الناس ويقولوا لهم، ويقضي الشعب في مصيره عن روية وبصيرة.
ولكن مستر تشرشل لم يمهلهم، ولم يُتِحْ لهم هذه المعركة الهادئة الطويلة، وإنما خيَّرهم بين الائتلاف إلى أن تستسلم اليابان، والانتخاب في أوائل يوليو المقبل؛ فقبلوا التحدي كارهين، ووصفوا خطة المستر تشرشل بأنها خطة مخجلة، وحملوه تبعتها، وبدءوا دعوتهم الانتخابية منذ يوم الثلاثاء.
والعالم ينتظر نتيجة هذه المعركة التي تدور الآن بين هذه الأحزاب الثلاثة، وينتظر ما سيكون لهذه المعركة من أثر في السياسة الخارجية، وفي الصلات بين بريطانيا العظمى وبين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الصغيرة من جهة أخرى. وأيسر ما ينبغي أن يقال للمصريين خاصة وللشرق العربي عامة هو أن الشعوب المستقلة الكريمة يجب أن تعتمد على نفسها قبل كل شيء، وألا تعتمد على تحول سياسي يحدث هنا أو هناك، ويجب في الوقت نفسه ألا تهمل هذا التحول السياسي، وأن تحسب له حسابه، وتستعد للانتفاع به إن كان نافعًا، والاحتياط له إن كان مخيفًا.
على أن الأزمة الديمقراطية الداخلية ليست مقصورة على بريطانيا العظمى وحدها؛ فقد يظهر أن في فرنسا شيئًا يشبه أن يكون أزمة ديمقراطية، فقد دلت الانتخابات البلدية على أن فرنسا تتجه اتجاهًا شديدًا نحو اليسار، وكل شيء يدل على أن في الشعب الفرنسي شيئًا غير قليل من القلق حين ينظر إلى مستقبله القريب وإلى تنظيم أمره الداخلي. وقد خطب ليون بلوم رئيس الحزب الاشتراكي خطبته الأخيرة، فدلَّ على أن الأمور لا تجري في فرنسا على نحو يدعو إلى الرضا والاطمئنان. وأخص ما يلفت النظر في خطبة ليون بلوم قوله: «إن أداء خدمة الوطن مهما تعظم لا يُكسِب صاحبه حقًّا في البلاد الديمقراطية، وإنما يكسبه الحق في البلاد الدكتاتورية؛ لأن أداء الخدمة إلى الوطن الديمقراطي واجب على المواطنين جميعًا تقتضيه طبيعة الأشياء.»
وواضح ما في هذا الكلام من التعريض، وقوله كذلك: إن فرنسا يجب أن تصل إلى عظمتها من طريق الاتحاد بين المواطنين، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية في الحياة الداخلية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول؛ فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستأثر صاحب البأس بالأمر دون من لا حظَّ له من قوة أو بأس. وهذا البرنامج على إيجازه إن صور شيئًا فإنما يصور المثل الأعلى للعدل الداخلي والخارجي جميعًا، ولكن المثل الأعلى شيء والحياة الواقعة شيء آخر.
فأنت ترى أن مشكلات السياسة الداخلية قد كادت تسيطر في هذه الأيام على مشكلات السياسة الخارجية، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب؟ ولكن أشعر بأن بعض المشكلات الأوروبية الحادة قد أخذت تتخفَّف من حدتها شيئًا ما؛ فمشكلة تريستا توشك أن تنتهي إلى حلٍّ يُرْضِي الحلفاء من جهة واليوغوسلافيين من جهة أخرى، وما أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستنقضي دون أن يعلن أن الاتفاق تام موقوت بين أولئك وهؤلاء.
وكانت هناك مشكلة الحكم في ألمانيا، وكانت موسكو ساخطة أشدَّ السخط لبقاء حكومة ألمانية برياسة الأميرال دونتز، فقد حلت هذه المشكلة بإلغاء هذه الحكومة واعتقال أعضائها جميعًا. أما المشكلة البولندية فمرجأة إلى أن تستأنف فيها المفاوضات، فهل تُسْتَأنَفُ هذه المفاوضات مع الحكومة البريطانية المؤقتة التي يؤلِّفها المستر تشرشل الآن؟ أم هل تستأنف مع الحكومة التي ستنتجها الانتخابات؟ والشيء الواضح هو أن بولندا لن تشارك في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن الشيء الواضح أيضًا هو أن مؤتمر سان فرانسيسكو قد أصبح شيئًا في المرتبة الثانية أو الثالثة، وفقد كثيرًا جدًّا من خطورته، ولن تفقد بولندا شيئًا كثيرًا لأنها لم تشترك فيه. ومن يدري لعلها سترضى في يوم من الأيام عن هذه الظروف القاسية التي حالت بينها وبين الاشتراك فيه؟
Leave a Reply