مقاطعة …
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ يناير ١٩٣٤
يجب أن نهنئ بها رئيس مشروع القرش إذا كان الشرُّ مما يُهَنَّأ به؛ فقد وفِّق صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم — مع الأسف الشديد — من حمل الناس على مقاطعة هذا المشروع والانصراف عنه، إلى شيء كثير جدًّا لم يكن ليوفق إلى بعضه لو أنه دعا إلى المقاطعة جهرة، ورغب الناس فيها ترغيبًا، وألح عليهم فيها إلحاحًا.
نعم، يجب أن نهنئ رئيس مشروع القرش بهذه النتيجة السيئة التي انتهى إليها المشروع هذا العام، إذا كانت النتائج السيئة من الأشياء التي يُهَنَّأ بها الناس، ومَنْ يدري؟ فقد يكون بين الناس مَنْ يحرصون على أن يُهنِّئوا بالخير، فإن لم يوفقوا إليه، فهم حراص على أن يهنِّئوا بالشر؛ لأنهم يريدون أن يهنئوا على كل حال. وقد حفظت لنا الأساطير قصة ذلك الرجل اليوناني الذي أراد أن يذكره التاريخ رغم أنفه؛ فعمد إلى دار من دور الكتب فخمة ضخمة، فحرقها تحريقًا ليقول التاريخ عنه شيئًا، والنحويون يستشهدون في النحو ببيت لا يخلو من ظرف يجريه مجرى الأمثال:
إذا أنت لم تنفع فضُرْ فإنما يُرْجَى الفتى كيما يضر وينفع
وقد كان رئيس مشروع القرش نافعًا من غير شك، حين كان يعصم مشروع القرش من عبث السياسة، ويمضي به في الطريق البريئة التي أرادها له الشباب الأبرياء، فلما أَخَذَت السياسة الآثمة تندس إلى هذا المشروع، نَبَّهَ الناس الرئيس إلى ذلك، فتنبأ على استحياء، وأظهر العناية بما نَبَّهَهُ الناس إليه؛ ولكنها — مع الأسف — لم تكن إلا عناية ظاهرة لم تُغْنِ عن الحقائق الواقعة المؤلمة شيئًا، فظلت السياسة تمضي في طريقها إلى هذا المشروع حتى أصابته بعللها وآثامها، وحتى جعل الذين ينشطون له، ويحدبون عليه، يرون ويسمعون ما كان يؤذيهم في آرائهم وعواطفهم ومُثُلهم الوطنية العليا.
هنالك أَلَحُّوا على رئيسهم أن يرد عنهم إثم السياسة وكيد السياسة، وأن يحفظ عليهم عملهم اقتصاديًّا بريئًا، شابًّا مثلهم، نقيًّا مثلهم، خالصًا مثلهم للوطن، ولكن الرئيس أعرض عنهم إعراضًا، وتجافى عن دعائهم المتصل وندائهم الملح؛ فاضطروا إلى أن يعصموا أنفسهم بأنفسهم من السياسة الآثمة، وإلى أن ينجوا بقلوبهم ونفوسهم وضمائرهم من هذا الفساد، ثم لم يكتفوا بهذه النجاة، ومتى اكتفى الشباب بالقليل؟ ومتى قنع الشباب باليسير؟
لم يكتفوا بنجاة أنفسهم، بل أرادوا أن ينجوا مواطنيهم أيضًا من هذه السياسة الخفية، التي لا تستطيع أن تظهر للناس جهرة؛ فتسعى إليهم من وراء ستار، والتي لا تستطيع أن تلقى الناس وجهًا لوجه؛ فتندس إليهم من طريق الدين، ومن طريق الاقتصاد، ومن طريق الألفاظ الضخمة التي لا تدل على شيء؛ هنالك استقال الشباب من المشروع وأعرضوا عن تأييده، ودعوا مواطنيه إلى أن يقاوموه حتى يعود بريئًا كما بدأ بريئًا، وحتى يخلص للشعب كما بدأ للشعب، وحتى يرتفع عن خدمة الأغراض الخفية لأولئك الذين يتجرون بكل شيء، ويستغلون كل شيء.
هنالك ظهر شيء لم يكن يُقدِّره الكائدون لهذا المشروع، والصائدون في الماء العكر. هنالك ظهر أن الشباب وإن كان هادئًا مستقرًّا لم ينس شبابه، ولم ينس قوته، ولم ينس جرأته في الحق، ولم ينخدع عن الذين يمكرون به ويريدون به السوء. نعم، وهنالك ظهر أن الشباب ما زال قادرًا على أن يريد فيفعل، وعلى أن يقول فيصدق، وعلى أن يدعو فيستجيب له الناس. نعم، وهنالك ظهر أن هذا العنف الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية جهرة، وأن هذا الكيد الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية غيلة؛ لم يبلغا من الحرية شيئًا في نفوس الشباب؛ لأن الحرية لا تقتل، ولأن الحرية لا تغتال، ولأن الحرية لا تخدع عن نفسها، ولأن الحرية جذوة مقدسة خالدة ليس إلى إخمادها من سبيل.
نعم، وهنالك ظهر أن جماعة الشباب ما زالت كما كانت على عهد مصر بها، لا تخدع عن الحق، ولا تدفع إلى الباطل، ولا تبلغ منها الألاعيب؛ وهنالك اضطر الكائدون لمشروع القرش، والذين اتخذوه وسيلة للسياسة إلى أن يُلْقُوا به في أحضان هذه الأحزاب التي لا قوة لها إلا بالسلطان، ولا وجود لها إلا بالسلطان، ولا سند لها من حب الشعب وتأييد الجمهور.
هنالك التمسوا لهذا المشروع دعاة وأنصارًا من الاتحاديين والشعبيين، هنالك التجئوا إلى صحف الاتحاديين والشعبيين لتؤيده وتذود عنه، بعد أن أعرضت عنه الصحف الوطنية، كما أعرض عنه شباب الوطن. هنالك نهضت الحكومة تحوط المشروع وتحميه، وهنالك أصبح المشروع عملًا حكوميًّا، أو شيئًا يشبه العمل الحكومي، ورئيس المشروع يسمع ويرى، ورئيس المشروع يشهد هذه المأساة المحزنة التي انتزعت من يد الشعب عملًا من أعمال الشعب، وألقت في أحضان الحكومة عملًا ما كان ينبغي أن تُشْرِفَ الحكومة عليه.
فإذا كان مثل هذه النتيجة شيئًا يُهنَّأ به صاحبه؛ فإِنَّا نُقدِّم لصاحب السعادة علي باشا إبراهيم أصدق التهنئة؛ لأنه قد وُفِّق إلى هذه النتيجة حقًّا. هذا الجمال الرائع جمال الشباب المخلص قد اندفع إلى العمل النافع يستحيل الآن إلى جمال آخر ليس أقل من ذلك الجمال روعة، إلى جمال الشباب اليقظ يدافع عن نفسه، ويرد عن إخلاصه وحريته وصفاء ضميره كيد الكائدين، وعبث العابثين.
إن رئيس المشروع ليعلم حق العلم أن الشر المحض لا يوجد في الأرض، فرُبَّ شرٍّ أنتج خيرًا، ورُبَّ ضرٍّ انتهى إلى نفع. وقد أُرِيدَ بالشباب شرٌّ فَجَنَى منه الشباب خيرًا، أُرِيْدَ بالشباب أن ينقاد لأغراض السياسة وكيد أصحاب الكيد؛ فأظهر الشباب أنه ليس سهل القياد. وليس هذا بالشيء القليل. أريد بالشباب أن يكون أداة من أدوات الفساد، فأظهر الشباب أنه لن يكون إلا أداة من أدوات الإصلاح، وليس هذا بالشيء القليل، فإذا كان صاحب السعادة علي باشا إبراهيم حريصًا على أن نُهنِّئه، فقد نستطيع أن نُهنِّئه؛ لأن موقفه الغريب قد أظهر لأصحاب الأغراض والمطامع أن الشباب المصري أعزُّ من أن يطمع فيه.
وبعدُ، فكم كنا نحب لطبيبنا الفذ، وجراحنا البارع، ومدير جامعتنا الناشئة أن يكون عمله كله خيرًا، وأن يكون ذكره كله حسنًا، وأن يكون حديث الناس عنه كله ثناء، فقد كان طبيبنا الفذ وجراحنا البارع خليقًا بهذا كله؛ له مكانته العليا في الطب والجراحة، لا في مصر وحدها، بل في غيرها من أقطار الأرض في الشرق والغرب، له على كثير من المصريين يد الطبيب المسعف المنقذ، وله على مصر كلها يد الرجل الذي جعل لها اسمًا حسنًا في الطب والجراحة؛ فكان خليقًا أن يكتفي بهذا، وأن يستزيد منه، وكان خليقًا أن لا يلقى من مصر إلا ما هو أهل له من الحب والإعجاب والثناء، ولكنه أبى إلا أن يتجاوز الطب والجراحة، وأبى إلا أن يتورط في الإدارة والسياسة، وأبى إلا أن يُعَرِّضَ نفسه لنتائج هذا التورط؛ فيجعل للنقد واللوم وسوء الظن على نفسه سبيلًا.
لقد كان سعد — رحمه الله — أنصح لعلي باشا إبراهيم، وأرفق به من علي باشا إبراهيم، حين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يرشح نفسه لمجلس النواب، وحين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ.
فليت علي باشا إبراهيم انتفع بنصيحة سعد؛ فوقف نفسه وجهده على الجراحة والطب، ولم يتورط فيما تورط فيه من الإدارة والسياسة، ولم يتعرض لما تعرض له من الزلل الذي يدعو إلى النقد واللوم.
على أن الرجل الذكي الحازم هو الذي لا يستكبر على الحق، ولا يدفعه العناد إلى اللجاج في الباطل، والمضي في الخطأ، وما زالت نصيحة سعد — رحمه الله — قائمة، وما زال الدكتور علي باشا إبراهيم قادرًا على أن ينتفع بها، وما زال الذين يحبونه — وهم كثيرون، ونحن من أشدهم حبًّا له، وضنًّا به على سخف الحياة — ينصحون له كما نصح له سعد بأن يخلص للطب والجراحة، ويدع السياسة والإدارة للذين يحسنونهما، ويحسنون حمل أثقالهما، ويصبرون على نارهما وعلى ما تجران من مكروه.
هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع، وهو الآن يستريح في أسوان في الوقت الذي يعاني الشباب فيه ما يعاني من آثار تلك السياسة الطائشة التي لم يستطع لها دفعًا، هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع أن ينتهز فرصة هذه الراحة؛ ليفكر ويقدر لعله يقتنع بأن سعدًا — رحمه الله — قد نصح له، وبأنه يحسن إذا استقال من مشروع القرش، وترك أمره للذين يحسنون النهوض به؟
سيقول قوم للدكتور علي باشا إبراهيم: لا بأس عليه؛ فإن المقاطعة لمشروع القرش لن تضره ولن تؤذيه، سيعرض عنه الشباب، ولكن ستؤيده الإدارة، سيعرض عنه الجمهور، ولكن ستغنيه الحكومة، فلا تخف ولا تستقل؛ فسيجمع المشروع قروشًا إن لم تجئ من أفراد الشعب؛ فستجيء من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.
سيقول قوم من الناس هذا الكلام للدكتور علي باشا إبراهيم، ولكنا نحب أن يعلم أنا نكره له حقًّا أن يكون أداة من هذه الأدوات التي تعمل لحزب الشعب وحزب الاتحاد، وقوم آخرين يشبهون حزب الشعب وحزب الاتحاد؛ فليتقِ الله في نفسه، وفي أمته، فإن الله لم يرد له أن يكون رجلًا حزبيًّا، وإنما أراد له أن يكون للمصريين جميعًا، ليرحْ نفسه إذن من مشروع القرش، وليفرغ للطب وكلية الطب؛ فذلك خير له وللناس.
دفاع (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١٠ مارس ١٩٣٤
انطلق به لسان فصيح ذَرِب من هذه الألسنة الفصيحة الحادة التي امتازت بها وزارة التقاليد. وكان المُقَطَّم مهبطَ الوحي، ومنبر الفصاحة، ومرآة الدفاع المجيد عما يريد وزير التقاليد بطلاب الجامعة واتحاد الجامعيين. فالناس يعلمون أن بين الطلاب الجامعيين ووزير التقاليد خلافًا، إنْ صَحَّ أن يكون هناك خلاف بين قوم لا يملكون من أمرهم شيئًا ورجل يملك من الأمر كل شيء.
والموضوع الأول والأخير لهذا الخلاف هو موقف الطلاب من مشروع القرش. همَّ قومٌ أن يدفعوا هذا المشروع في السياسة دفعًا، ويقحموه فيها إقحامًا، ويُسَخِّروه لبعض الأهواء والأغراض، التي لا تتصل بالاقتصاد، وإنما تتصل بما بين الأحزاب من خصام. ومشروع القرش عمل من أعمال الطلاب نهضوا به واحتملوا أثقاله، وباعدوا بينه وبين السياسة، وانتهوا به من الفوز إلى أمد بعيد، فلمَّا رأى الطلاب أن قومًا يُريدون أن يَدْفَعُوهم إلى السياسة أنكروا ذلك وقاوموه، وظنوا أنهم يؤدون واجبهم الوطني، وينفذون القوانين، ويرعون أمر الوزارة الذي يحظر على الطلاب الاتصال بالسياسة من قرب أو من بعد.
ولكن بعض الظن إثم، فالسياسة محظورة على الطلاب بشرط أن لا تنفع الوزارة، ولا تسوء المعارضين لها؛ فأمَّا إذا كانت السياسة تأييدًا للوزارة، ومُحَارَبَةً للمُعَارَضَة، فمِنَ الإثم أن يعرض عنها الطلاب، أو يزهدوا فيها، أو يصدوا إخوانهم عنها، أو ينفروا إخوانهم منها. وهذا بالضبط هو الذي فعله الطلاب: صدوا عن مشروع القرش، ولم يعلموا أن هذا الصد مُحاربة للسياسة التي لا ينبغي أن تُحارب، ومُقاومة للسياسة التي تنفع أحزابًا، وإن كانت لا تضر أحزابًا أخرى يريد قوم بها الشر، ويتمنى قوم لها المكروه، فلا يظفرون بشيء مما يُريدون.
مهما يكن من شيء، فقد أَثِمَ الطلاب عند وزير التقاليد؛ لأَنَّهم قاوموا مشروع القرش، ولكل إثم عقاب، فما أسرع ما بطش وزير التقاليد بجماعة من الآثمين فأخرجهم من الجامعة إخراجًا لم يرعَ في ذلك نظامًا وقانونًا، ولا تذكر استقلال الجامعة؛ فقد مات استقلال الجامعة — رحمه الله — منذ زمن بعيد. لم يكن من حق وزير التقاليد أن يخرج طلاب الجامعة من الجامعة دون أن يُحاكموا أمام مجالس التأديب الجامعية؛ لأنَّ القانون الذي أصدره وزير التقاليد نفسه يقضي بذلك ويفرضه فرضًا، ولكن من الذي قال إن القوانين تُلزِم الوزراء، وتلزم وزير التقاليد بنوع خاص، إنما تُلْزِم القوانين أمثالك وأمثالي من عباد الله الذين خلقوا ليكونوا رعية يجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأَمَّا الوزراء فقد رُخِّصَ لهم في أنْ ينفذوا هذه القوانين متى شاءوا وكيف شاءوا، وفي أن يهملوها إن أعجبهم هذا الإهمال.
وإذن فقد عاقبَ وزير التقاليد هؤلاء الطلاب فأخرجهم من الجامعة بغيرِ حَقٍّ، وقبلتْ الجَامِعَةُ تجاوز الوزير لقوانينها، وإعراض الوزير عن استقلالها، ولكن هؤلاء الطلاب الذين عُوقِبُوا لم ينفردوا بالإثم، وإِنَّما شاركهم فيه قوم آخرون فيما يظهر، لم تبلغهم يد الوزير، ولم تصل إليهم عقوبة.
وزير التقاليد، حازم، ولكنه حكيم، ووزير التقاليد يعاقب، ولكنه يؤثر أن يقطع أسباب العقاب، وأن يتقي الشر قبل وقوعه، وإذن فقد بحث وزير التقاليد عن الأسباب التي دعت الطلاب إلى مقاومة مشروع القرش، فعرف أن لهم اتحادًا، وأن اتحادهم هذا يستمتع بشيء من الحرية في تدبير أمره، ويجتمع في نادٍ يقوم في القاهرة، فرأى — ورأيه الأعلى؛ لأنه رئيس الجامعة الأعلى — أن يُغَيِّر نظام الاتحاد، وأن يصوغه في شكل يجعل مقاومته لمشروع القرش مستحيلة، وخضوعه لسلطان الوزارة أمرًا محتومًا.
هنالك طلب الوزير إلى الجامعة أن تصنع له القيود والأغلال التي يقيد بها أرجل الطلاب، ويغل بها أيديهم وأعناقهم، فأسرعت الجامعة إلى ما أراد الوزير، ومتى أبطأت الجامعة عما أراد الوزير، ومتى امتنعت الجامعة على الوزير، وصنعت كلية الحقوق للوزير ما أراد من قيود وأغلال، على النحو الذي رآه القراء حين نشر لهم النظام الجديد لاتحاد الجامعة.
وقد غضب قليل من أساتذة الجامعة، وغضبت جماعة الطلاب على اختلافها، ونشرت الصحف أطرافًا من ذلك، فلم تر وزارة التقاليد بُدًّا من أن تدافع عن هذا النظام الجديد، فأوحى بعض المسئولين فيها إلى المُقَطَّم أمس دِفاعًا مجيدًا، قوامُه أنَّ هذه اللائحة ستصدر قريبًا، وما شككنا في أنها ستصدر، سواء رضيت الجامعة أم سَخِطَتْ، بل نحن أعلنا ذلك وأكدناه؛ لأنَّ إرادة وزير التقاليد لا مرد لها من الجامعيين، ولا من غير الجامعيين.
ثم زعم المسئول الذي أوحى إلى المقطم أنَّ هذه اللائحة ستكون كلائحة الاتحاد الذي أنشئ في مدرسة الهندسة. وسُبحان الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب، ويجعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا؛ فقد كَانَتْ مدرسة الهندسة تسعى إلى تقليد الجامعة، وإلى الانضمام إلى الجامعة، طمعًا فيما كانت تَسْتَمْتِعُ به الجامعة من حرية، فأصبحت الجامعة — والحمد لله — تُدفع إلى تقليد مدرسة الهندسة حبًّا لما يثقلها من القيود والأغلال.
ولا تقل: إنَّ مدرسة الهندسة تابعة لوزارة المعارف، ليست مُسْتَقِلَّة ولا كالمستقلة، وإن الجامعة مُستقلة فيما يظهر. لا تقل شيئًا من هذا؛ فقد اختلط المُسْتَقِلُّ بغير المستقل، والتابع للوزارة بالمنفصل عنها، وما دام شخص وزير التقاليد يُشرف على هذه كما يُشرف على تلك؛ فالأمر سواء. وهذه وتلك يجبُ أن تخضعا لأمر وزير التقاليد، وقد تحدى المسئول الذي أوحى إلى المقطم خصوم الوزير — نستغفر الله — بل خصومه وأنصاره، فأعلن أن اللائحة ستصدر وإن أنكرها الطلبة والأساتذة، وأعلن أن النادي سينقل إلى الجيزة، وإن حرص الطلبة على أن يكون في القاهرة، وأعلن أنْ ليس على أغراض الاتحاد خوف إذا كانت هذه الأغراض ظاهرة واضحة لا خفاء فيها.
ومعنى ذلك أن هذا المسئول يظن أن من أغراض الاتحاد ما هو خفي أحيانًا، أي ما لا تحب الوزارة أن يكون، أي ما يتصل بالسياسة التي تفزع منها الوزارة، ولهذا غير النظام ووضع مكانه هذا النظام الجديد الذي يخضع الطلاب لمُراقبة دقيقة واسعة النطاق كما يقولون. ما أشد خوف الوزارة وإشفاقها من الوهم، وفزعها من الخيال! والغريب أنَّ الذين يَدْرُسون تاريخ الجامعات، وما بين الطلاب والأساتذة فيها من صلة، يُلاحظون شيئًا لا بأس بملاحظته الآن؛ لأنَّه يضحك حقًّا، فقد كانَ أَمْرُ الجامعات في القرون الوسطى إلى الطلاب دون الأساتذة؛ لأنَّ الطلَّاب هم الذين أنشئوا الجامعة، وهم الذين كانوا يأجرون الأساتذة على التعليم.
وكان الأساتذة يخضعون لسلطان طلابهم وتلاميذهم، وكان هؤلاء الطلاب والتلاميذ هم الذين يحاكمون الأساتذة، ثم كان صراع وجهاد بين الطائفتين، انتهى إلى ظفر الأساتذة بالحرية والاستقلال، وإفلاتهم من سيطرة الطلاب، وأصبح الأساتذة يديرون أمورهم بأنفسهم، وأصبح الأستاذ لا يؤدب إلا أمام زملائه، ثم قوي سُلطان الاستبداد في الدولة وفي الكنيسة، وفي الجامعة أيضًا، فاستأثر الأساتذة بأمور الجامعة كلها، حتى إذا كان عصر الديمقراطية الحديثة، عادت الأمور إلى شيء من الاعتدال، وأصبح الطلاب الآن يُدَبِّرون أمورهم الخاصة بأنفسهم في أنديتهم وجماعاتهم، فإذا اشترك معهم الأساتذة في تدبير هذه الأمور، فعلى قاعدة المُساواة.
ثم ارتقى أمر الطلاب في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، فأصبحوا يمثلون في مجلس الجامعة في فرنسا. أمَّا في مصر فالأمور تجري في طريق أخرى؛ لم يكن للطلاب وجود، ثم ظفروا بوجود حر، ثم يراد أن ينزع منهم حقهم في هذا الوجود الحر الذي كسبوه، وأن يخضعوا حتى في أمورهم الخاصة لسلطان الأساتذة الذين يخضعون لسلطان الوزير، ولكنا واثقون بأنَّ كل ما نحن فيه الآن لا يعدو أن يكون عبثًا، وأنَّ عصرًا غير طويل لن يَنْقَضي حتى تُرَدَّ الأمور إلى نصابها، وحتى يستمتع الطلاب باتحادهم الحر الذي يُلائم الحياة الجامعية في هذا العصر الحديث.
فليصدر وزير التقاليد نظامه؛ فإنا نؤكد له أنَّ عُمْرَ هذا النظام لن يطول.
صلح
الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. والصلح جائز بين النواب والوزراء، إلا صلحًا أضاع على الدولة حقًا، أو كلفها من الأعباء ما لا تطيق. وقد كان خصام بين بعض الوزراء وبعض النواب، اشتد وعظم، حتى خاف شره بعض البيئات، وجد في إصلاحه، وسعى في هذا الإصلاح سعاة مهرة، يحسنون الحذر، ويجيدون الإشفاق من تفاقم الخطوب في أيام يحسن ألا تظهر فيها الخطوب. ثم أذن الله أن يعقد مجلس الصلح أول أمس في غرفة من غرفات البرلمان، وأن يحضره النواب الغاضبون، ويحضره عن الوزارة ثلاثة منهم الرئيس؛ قد ندبوا أنفسهم، أو ندبهم زملاؤهم، لهذه المفاوضات الشاقة، أو التي كان يُخاف أن تكون شاقة. ولم يكن بين هؤلاء الثلاثة من الوزراء وزير المالية الذي هو أصل الخصومة ومثير الخلاف. وقد انقسم الناس في تأويل غيبته عن هذا المجلس، فزعم بعضهم أنه لم يشهده لأنه لم يحفل بالصلح، ولم يفكر فيه. ولم يسعَ إليه. بل لم يرد أن يستمع للساعين إليه. وإنما كان سواء عنده أن يرضى من رضي، ويغضب من غضب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه لم يرد إلا خيرًا، ولم يأتِ إلا حقًا وعدلًا. ولأنه كان، وما زال، يملك أدلة ناصعة قاطعة تفحم المجادلين، وتقطع حجة الخصوم وتثبت ما سجله في منشوره تسجيلًا من أن بين أعضاء الهيئات النيابية من استفادوا من استثناء غير مباح، فالتووا بالضرائب وتلكأوا في أداء الأموال. ومن كانت في يده مثل هذه الحجج القاطعة لم يحفل بالخصومة ولا بالخصوم، ولم يضره أن يتألب عليه المتألبون ويلح في حربه الملحون. ووزير المالية رجل أخص صفاته صفتان؛ الأولى أنه نابغة، لا يحفل بغير النابغين، والنابغون في مصر معدودون، لا يكادون يتجاوزون مجلس الوزراء. فوزير المالية يحفل بزملائه الوزراء، على تفاوت في ذلك بمقدار تفاوتهم في النبوغ.
الثانية أنه مُرّ كالحنظل، أو أمرّ من الحنظل، عند الذين لا يُسيغون نبوغه، ولا يستطيعون أن يفهموه، أو يطمئنوا إليه. وهو يشفق على عامة الناس من نبوغه ومرارته معًا. فإذا كانت بينه وبينهم خصومة أو خلاف، خاصمهم من بعيد، لا خوفًا منهم، ولكن خوفًا عليهم. وهو من أجل ذلك خاصم سماسرة البورصة من بعيد، وهو من أجل ذلك خاصم النواب الغاضبين من بعيد. وكل ما يمنّ به على خصومه الضعفاء إنما هو أن يتفضل، فينيب عنه رئيس الوزراء الرجل الطيب ليجبر خاطرهم، كما يقول العامة ويردهم إلى الهدوء والاستقرار كما يقول المتحذلقون، وهو من أجل ذلك أناب رئيس الوزراء عن نفسه، أو ترك رئيس الوزراء يرضي السماسرة، كما تركه يرضي النواب أول أمس. وانصرف هو إلى أعمال أخرى أجلّ خطرًا، وأحق بعناية عظماء الرجال من إرضاء السماسرة وبعض النواب. وزعم قوم آخرون أن الوزراء أنفسهم هم الذين يأبون على زميلهم وزير المالية أن يشهد مجالس الصلح؛ لأنهم يعرفون أنه موفق دائمًا فيما يعمل، ولكنه قليل التوفيق فيما يقول. فهم يخشون أن يشهد مجلسًا من مجالس الصلح، فيقول كلمة يريد بها الخير، ولكنها تنتهي إلى الشر المستطير. والناس لم ينسوا بعد أن وزير الحربية سجل عليه مرة في مجلس النواب أنه لا يوفق في الكلام.
فزملاؤه إذن هم الذين منعوه من أن يشهد مجلس الصلح الذي عقد أول أمس، حرصًا منهم على أن يتم هذا الصلح بالفعل، وخوفًا منهم أن يستحيل إلى خصام عنيف. وزعم قوم آخرون أن وزير المالية لم يشهد مجلس الصلح أول أمس خوفًا وإشفاقًا، فقد كان النواب الغاضبون يريدونه على أن يعتذر، ولا يرضون منه غير هذا. وهو لا يريد اعتذارًا، فخاف أن يشهد المجلس فيستدرج إلى ما لا يريد طوعًا أو كرهًا. والظريف أن خصومه من النواب حين دُعوا إلى مجلس الصلح ظنوا أنهم سيلقون خصمهم، فلما لم يروه سألوا عنه، وألحوا في حضوره. فأما رئيس الوزراء فآثر الصمت، وأما وزير الزراعة فاضطرب بعض الشيء. قال إن زميله مشغول في مجلس الشيوخ، وأما وزير الداخلية فهو أفصح من أن يلتزم الصمت، وأثبت من أن يضطر إلى الاضطراب، وأذكى من أن يُعبأ بالجواب. ولذلك رد على السائلين بأن رئيس الوزراء هو الذي دعا إلى هذا الصلح، ثم ارتقى في الرد، وانقلب سائلًا بعد أن كان مسئولًا، فقال: ألا يرضيكم أن يكون رئيس الوزراء نفسه القاضي في هذا الخصام؟ وأي النواب يستطيع أن يقول إن حكومة رئيس الوزراء لا ترضى؟
وكذلك اصطلى رئيس الوزراء حَرّ هذه الحرب، مع أنه لم يجنها ولم يدعُ إليها. وظل وزير المالية بعيدًا عن الميدان ينظر ويسمع ويبتسم وينشد قول الشاعر القديم:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
على أن الحرب لم تكن ضروسًا ولا عنيفة، ففي كلام رئيس الوزراء بركة، وفي صوت رئيس الوزراء عذوبة ترد القلوب إلى صفائها، والنفوس إلى نقائها. ولم يكد رئيس الوزراء يتحدث إلى النواب بكلمة من كلماته العِذاب حتى بلغ من إرضائهم ما كان يريد. فَتَمّ الصلح – ولكن بين مَن؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الجواب عليه. تَمّ الصلح بين النواب ورئيس الوزراء، ولكنهم لم يكونوا مختصمين، وإنما كانت الخصومة بين النواب ووزير المالية، فهل تم الصلح بينهم وبينه؟ وأي الفريقين نزل عن رأيه واعتذر إلى صاحبه؟ هل استرد وزير المالية منشوره من المديرين والمأمورين والعمد؟ هل اعترف وزير المالية بأن ليست هناك ضرائب متأخرة عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية؟ هل غير وزير المالية أمرَه للمديرين والمأمورين والعمد بأن يجبوا الضرائب من المصريين جميعًا، على قاعدة المساواة، وأن يحجزوا على الملتوين بالضرائب جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب، وأن يرفعوا إلى النيابة أمرَ المبددين جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب؟ كلا. لم يسترد وزير المالية منشورًا فيما نعلم، ولم يغير وزير المالية أمرًا من أوامره هذه فيما نعلم. ووزير المالية أنبغ وأذكى وأدنى إلى البطولة من أن ينهزم في هذا الموقف، أو يغير رأيًا لا يشك في أنه الحق. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي قاعدة أُقيم؟
ولا تصدق ما يُشاع ويُذاع ويملأ الأسماع من أن غضب الغاضبين لم يكن من هذا المنشور، وإنما كان من منشور آخر سري، فالغضب قد كان من هذا المنشور نفسه، فلما أُذيعت أنباء التعليمات السرية، اشتد الغضب حتى غلت مراجلُه في صدور الغاضبين. وقد لا يكون وزير المالية أصدر منشورًا سريًا غير هذا الذي أذاعته الأهرام وغضب منه الغاضبون، ولكن من المحقق أن هذا المنشور الذي أصدره وزير المالية قد انتهى إلى المديرين وصدرت التعليمات بتنفيذه إلى المأمورين ثم إلى العمد. ولم يخطئ من قال لرئيس الوزراء إنه رأى في دفتر بعض العمد إشارة تليفونية تمس هذا الأمر. وإذن فوزير المالية النابغة البطل مقيم في مكانه لا يريم ثابت في موقفه لا يتحول، مُعلن إلى الناس جميعًا أن هناك أموالًا للدولة قد تأخرت عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية، وأن هذه الأموال يجب أن تُجبى، وإن دعا ذلك إلى الحجز، وإلى رفع الأمر إلى النيابة. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي أساس أُقيم؟ كان بين النواب ورئيس الوزراء، الذين لم يختصموا قط. أو قل إن شئت، لم يكن هناك صلح، وإنما كانت هناك تسوية، وإعانة على تجرع الكأس، وقبول من الغاضبين لهذه الكأس المرة التي أهداها إليهم صبري بك، وأي غضاضة عليهم من أن يشربوا كأسًا مُرّة؟ أليست مرارتها تأتي من أن الشراب الذي تحتويه هو الحق والعدل والمساواة؟ نظن أن وزير المالية لم يُقدم على هذا الصلح الحرام، الذي يُضيع على الدولة حقًا أو يكلفها ما لا تطيق، ولكن هذا لا يغير موقفًا مؤلمًا حقًا، وهو أن وزيرًا أراد أن ينفذ القانون فثار به وتألب عليه نيف وثلاثون من حماة القانون.
ونظن أن وزير المالية ورئيس الوزراء والذين يُعنون بأن تكون مصر بلدًا متحضرًا، حسن السمعة، نقيَّ الخلق، يوافقوننا على أن هذا كثير.
طه حسين
حديث الوادي، ١٤ يونية ١٩٣٤.
عيسويات …
ولم يكن بد من أن تكون لوزير التقاليد عظائم تنسب إليه، وتوسم بسمته، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أن لوزير المالية أعمالا جساما، وأمورا عظاما، تبقى على الدهر وتنبت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطراً، ولا أهون شأنا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية. وقد يجوز لوزير المالية أن يسبق زملاءه جميعاً ويتفوق عليهم جميعاً، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أن يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائما، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعاً، وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب، يعترفون في غير تردد ولا تحفظ، بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحق رضى الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقا أن يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق، بما لا بد منه، ليكون رئيسا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أن لوزير المالية، أو لواحد من زملائه، آية كهذه الآية الخالدة التي سجلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أن واحداً من هؤلاء الوزراء، يستطيع أن يزعم أنه سجل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم، قبل أن يطلبوها، بل دون أن يطلبوها، إلا أن تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد. ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أن نسجل السبق إلى رضى الإنجليز، وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيها أو نظيرا.
وقد يكون من الخير، أو من الشر لا أدري، أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة، فهي قد تغضب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئا، وغضبهم لا ينبغي أن يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي ترضي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون. والدليل على ذلك أن صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالا وألوانا، ومن الحرمان ضروباً وفنوناً، ومن الإذلال ما لم يذوقوا أمثلة في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أن يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أن هوى عن منصبه، أن يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يسأل عما عمل، ولا يسأل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يفق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضا أن صدقي باشا أرضى الإنجليز، فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.
فغضب المصريين لا يخيف مهما يعظم، ورضى الإنجليز لا يزهد فيه مهما يهن، فنستطيع إذن أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانا محمودا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أن الإنجليز ليسوا حمقا ولا بلها، ولا أغمارا ولا أغرارا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي، فيأبى كل الإباء، ويرفض كل الرفض، ويصدر من مكتبه كتابا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعين مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.
والأستاذ المصري كفء من غير شك، ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤا حقا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيا، أو قل إنه ليس بريطانيا كما يقول وزير التقاليد. أو قل إن ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضى الإنجليز في هذه الأيام. فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرض المصري بما قضي عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعا، ليظفر وزير من وزرائنا برضى الإنجليز وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.
ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك، بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقونا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة. ومن ذا الذي يستطيع أن يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أن تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟ أليس الإنجليز يمنون علينا بأن اللورد كرومر قد رد إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى. ولكن الإنجليز ينسون، نستغفر الله، بل يتناسون أن عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوا، وأفنى الشخصية المصرية إفناء، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء، مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية، وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني. يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أباة، فإذا نحن نفضل رضى الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصا على الحق فإذا نحن نحرص على رضى الإنجليز، أكثر مما نحرص على الحق. يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم، لأن رضى الإنجليز آثر عندهم من رضى أولئك جميعا. هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر. ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائما بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزناً وحسرة وأسى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة، قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نود ألف مرة ومرة أن نعيش رجالا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا، ونفضله على أن نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راع يعرف كيف يخضعنا للسوط والعصي.
إن الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود، خليقون أن ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة، ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ماذا يريدون؟ أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون. هم يريدون في مصر أرضاً خصبة، وأنعاما يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالا كراما مستقلين يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أن يعود.
طه حسين
الوادي، ١٥ يونية ١٩٣٤.
عيسويات…
– ٢ –
ولابد من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسوية الخالدة، فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أن ينقطع، لأن فيها من العبر والعظات، ما ينبغي للمصريين أن يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأن ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع. هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، درس في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أن ينفع نفسه، وأن ينفع وطنه، بما يقبل عليه من درس وتحصيل. حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نابه الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة قارح الأقدام.. كما يقول الشاعر القديم، مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشد الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تُحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أن يستقل بأمره، وأن يستقل أبناؤه بحاجاته وأن يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض. فلم يكد يبلغ وطنه ويستقر فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر، فإذا الحكومة المصرية ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أن ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أن يقنع به الشاب المصري، من أن يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أن يرضى به الشاب المصري، من أن يكون طالبًا مهما يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغِ فيه، ومن أن ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأن يقنع بما يجب أن يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة. ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همُّه، ولم تفل عزيمته، وإنما جد في العمل وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقل ما يرضون، وحملهم على أن يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون. وخيل إليه أنه بعد طول
العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أن ينهض بها منذ زمن بعيد. وما له لا ينتظر هذا، وقد طلب الأجانب أنفسهم له أن يشغل منصب الأستاذ. ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أن يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق ويطلب أن يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة – حسب التفهيم – ثم يكتب الرد – حسب التفهيم – فإذا التفهيم توافقَ بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف، لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أن ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أن يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإن كان كفؤًا ليس في كفايته شك. والذي يريد أن يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرجوا منه، ولم يشفقوا من شره، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين، لأن ظروف السياسة الحرجة تُريد المصريين على ألا يظلموا المصريين، وتُريد المصريين على أن يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.
لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة. فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليمية، وإدارية، نتيجتهما الطبيعية أن يصغر المصري أمام المصري، وأن يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال تأمر بأن يكون الموظف المصري، مهما يعظم أمره، مطيعًا للموظف الإنجليزي، مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسية في مصر ما يقرب من نصف قرنٍ، لم تُمحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.
ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يُحْيي في نفس المصري عزةً، ولا كرامةً، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمحَ آثاره يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء، بالتخويف والإغراء.
فلا تعجب إذًا حين ترى مصريين يتفقون فيما بينهم على أن يقصوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.
ولا تظن أن هذه القصة فذةً، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة، تقع للشبان المصريين جميعًا. سل من شئتَ من هؤلاء المصريين، الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصلوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته. سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أُخمِدت، أو كادت تخمد. صب عليها الوزراء، وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز، والشك في قيمة المصريين.
هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحن إليه الإنجليز، ويتمدحون بمحاسنه. أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخفناهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف. فأي غرابة في أن يحن الإنجليز إلى هذا العهد ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كَوَّنَ لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويكبرونهم كل الإكبار.
إلى أي حد ينبغي أن يُلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسوية؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر، فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري مهما يكبر ملزمًا فيه أن يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصرية فيه تكون التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب…
طه حسين
الوادي، ١٦ يونيو ١٩٣٤.
زهرات…
رئيس وزرائنا، رجل طيب، هذا شيء لا يرقى إليه الشك، ولا يتأتى فيه الجدال. ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك رجل مترف منعم دقيق الحس، رقيق المزاج، يؤذيه الكلام الغليظ ولا تنفذ إلى سمعه هذه اللغة التي تعود المعارضون السياسيون أن يتحدثوا بها إلى سلفه الدكتاتور العظيم صدقي باشا لأن في هذه اللغة خشونة وجفوة، وحدة لا تلائم سمع المترفين، ولا أذواقهم الحلوة المهذبة. وأكثر الظن أن هذا الخطأ النفسي إن صح هذا التعبير هو الذي حال بين المعارضة وبين أن تبلغ من رئيس الوزراء شيئًا أو تقنعه بشيء، أو تصرفه عن شيء، أو تحمله على شيء، فهي تتحدث إليه بلغة لا يفهمها، ولا يذوقها، وإذن فهي لا تجد إلى نفسه سبيلاً. تتحدث إليه بلغة الشعب وأبناء الشوارع، هؤلاء الذين يمشون في الأسواق ويجلسون في الأندية، ويتحاورون بلغة العامة أو بلغة الخاصة، ولكن بلغة ديمقراطية على كل حال. والخير كل الخير للمعترضين إن أرادوا أن تصل أصواتهم إلى رئيس الوزراء وأن تقع أحاديثهم من نفسه موقعًا حسنًا، أن يغيروا لهجتهم ويصطنعوا لغة حلوة عذبة رقيقة، رشيقة موفقة، تشبه ما يضطرب فيه الرئيس المترف العظيم من ألوان الترف والنعيم. ونحن نعلم أن هذا ليس شيئًا يسيرًا، ولا قريب المنال. فقد خُلقنا جميعًا شعبيين ديمقراطيين، نتحدث بلغة الشعب، ونصطنع لهجته الديمقراطية، وليس يتاح لنا في سهولة ويسر أن ننقلب مترفين أرستقراطيين نستعير في أحاديثنا لغة النسيم والأزهار، ولكن لنحاول مع ذلك، فقد يتاح لنا التوفيق، وقد يقرب الله ما بين رئيس الوزراء وبيننا من الآماد، فيسمع لنا، ويفهم عنا، ويعني بالتفكير المترف فيما نقول. وقد يخيل إلينا أن من أقرب الوسائل إلى رئيس الوزراء، أن تؤلف له من بعض أعمال الوزارة، طاقة من الزهر الجميل ننسقها تنسيقًا، وننمقها تنميقًا، ونقدمها إليه باسمين، ابتسامة الإعجاب به والإكبار له وابتغاء الوسيلة إليه. فقد يلقي على هذه الطاقة نظرة من نظراته المترفة فتروقه. ولعلها تروعه، ولعله يعيد النظر إليها، ولعله يطيل التفكير فيها، ولعله يستيقن بعد ذلك أن هذه الطاقة الجميلة البشعة، الرائعة المروعة، إنما ألفت من زهرات الشر، لا من زهرات الخير، ونسقت من هذا الجمال المنكر الذي تشمئز له النفوس وتهلع له القلوب، لا من ذلك الجمال الحلو، الذي تستريح إليه النفوس، وتمتلئ له الأفئدة بشرًا وغبطة وسرورًا.
وقديمًا استطاع بعض الشعراء الفرنسيين الذين قرأهم رئيس الوزراء من غير شك، أن يجعل للشر أزهارًا، وأن يؤلف منها طاقة رائعة مخيفة خالدة على الدهر، ستنظر إليها الأجيال الإنسانية كلها، فلا ترى فيها إلا نكرًا وإثمًا. وربما كان الزهر العيسوي الذي يُعنَى به وزير التقاليد في وزارة المعارف أحق ألوان الزهر الوزاري بالعناية، وأجدرها أن نقصد إليه حين نريد تنسيق هذه الطاقة البديعة لنهديها إلى رئيس الوزراء.
فنحن نستطيع اليوم أن نقتطف من هذه الحديقة الغناء، حديقة وزارة المعارف، زهرات ثلاثًا، لا نرى أجمل منها، ولا أروع، ولا أقدر منها على أن تعجب رئيس الوزراء. فأما أولى هذه الزهرات، فزهرة مدرسة الهندسة التي يتأرج عبيرها الحلو في الأجواء المصرية كلها، والتي أبت أن يرقى عالم مصري إلى منصب الأستاذ لأن هذا المنصب يجب أن يقدم هدية إلى الإنجليز والتي أبت أن يبقى هذا العالم المصري في مدرسة الهندسة، رفقًا به وإشفاقًا عليه من أن يتأذى بمنظر هذا الأستاذ الإنجليزي الذي اغتصب منصبه اغتصابًا واحتله قسرًا واقتدارًا. فنفته بإذن الله وبقوة التقاليد إلى أسيوط.
والزهرة الثانية من زهرات هذه الحديقة الغناء، هذا الكتاب الذي صدر من وزارة التقاليد إلى مصلحة السكك الحديدية يطلب إليها إلغاء قطار الآثار لأن إظهار المصريين على آثار آبائهم يؤذي موظفي مصلحة الآثار، ويكلفهم مشقة لا يقدرون عليها. ثم لأن هذه الجماهير الشعبية تؤذي السائحين والسائحات من الأجانب الذين يجب أن يصفو لهم جو الصعيد فلا تكدره أنفاس المصريين ولا أشكال المصريين، ولا أي مظهر من مظاهر المصريين.
والزهرة الثالثة هي هذه العناية القصوى التي تبذلها وزارة التقاليد لإرضاء البريطانيين، وتعيين البريطانيين وتقديمهم لا على المصريين وحدهم بل على الأجانب أيضًا. ولعلك قرأت ما نشرناه أمس من حاجة الوزارة إلى أستاذ في مدرسة الصناعات البحرية في السويس ومن حرص الوزارة على أن يكون هذا الأستاذ بريطانيًا ليس غير.
فإذا قطفنا هذه الزهرات من حديقة وزير التقاليد، فعند وزير ماليتنا زهر كثير يحار الطرف فيه، وتعجز النفس عن الاختيار بينه، تستطيع أن تأخذ من زهر الاستبدالات في مصلحة الأملاك ما شئت، وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العام ومفاوضاته وقضيته ما أحببت. وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العقاري ما أردت، وتستطيع أن تأخذ فوق هذا كله وذاك من صمت الوزير وكلامه، ومن كره ووفره، ومن إقدامه وإحجامه، زهرًا لا يُحاكي وليس إلى تقليده من سبيل.
فإذا جمعت الزهر الصبري إلى الزهر العيسوي، ففي الزهر القيسي ما يتمم الطاقة، ويجعلها فتنة للأبصار والنفوس. وأنت واجد في حديقة القيسي باشا ما شاء الله أن تجد مما يروعك ويروعُك بتسكين الواو في الفعل الأول، وتشديدها في الفعل الثاني. وأنت واجد من هذا الزهر في حديقة القيسي باشا ألوانًا مختلفة منها الأحمر القاني، والشاحب الممتقع، ومنها الأسود القاتم، ومنها الأبيض الناصع، ومنها غير هذا كله من الألوان.
تستطيع أن تقتطف بعض هذا الزهر الذي ينبته الجند والشرطة، ويتعهدونه بدماء المصريين حين يحطمون الرؤوس ويهشمون العظام، ويشققون الجلود تشقيقًا. وتستطيع أن تقتطف من هذا الزهر الذي ينبته رجال الإدارة في الأقاليم، ويشقونه بدموع المصريين حين يسلكونهم في الأغلال، ويضعونهم في القيود، ويأخذونهم بالمشي الطويل المضني، ساعات وساعات، ويلقونهم في غيابات السجن، لا يذوقون طعامًا ولا شرابًا، ثم يردونهم بعد ذلك إلى الحرية والحياة. فإذا أخذت من زهرات القيسي باشا ما يزيد الطاقة جمالاً إلى جمال، وروعة إلى روعة، فلا تنسَ أن تمر بحديقة وزير الحقانية، فتقتطف زهرة أو زهرتين من زهرات المحاكم المختلطة، فقد نظن أن جمال الطاقة لا يتم إلا إذا أضفت إليها بعض هذا الزهر المونق البديع. ورئيس الوزراء كما قلت لك، رجل مترف يحسن أن تقدم إليه طاقات الزهر، ولكن يجب أن تكون هذه الطاقات رشيقة ليست مسرفة في الضخامة، كهذه الطاقات التي يحبها أمثالك وأمثالي، من أبناء الفلاحين. ولذلك أنصح لك ألا تقصد إلى حدائق الوزارات الأخرى، ولا إلى حديقة البرلمان، بل يكفي ما قطفت من هذه الحدائق التي مررت بها، ولكن قف على رئاسة الوزارة فخذ منها شريطًا ظريفًا جميل اللون كما يقولون واحزم به هذه الطاقة قبل أن ترفعها إلى الرئيس العظيم. وأنت واجد من الشرائط فنونًا وضروبًا وأشكالًا وألوانًا، فتستطيع مثلًا أن تختار لهذه الطاقة شريطًا متردد اللون لا يحزم بنحو من أنحاء اللون دون نحو آخر.
خذ مثلًا هذا الشريط الذي رسمت عليه الأزمة الأولى بين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، وبين المندوب السامي الجديد. وهي التي يسمونها أزمة الزيارة، والتي قال الناس فيها فأطالوا القول وبحث الناس عن سرها، فأكثروا البحث، والتمس الناس نتائجها فأسرفوا في الالتماس.
خذ هذا الشريط الجميل فأدره حول هذه الطاقة الجميلة، ثم اتخذ لنفسك زيًا جميلًا، وشكلًا جميلًا، وأفض على وجهك ابتسامة حلوة، واطبع على شخصك حركة رشيقة، واستأذن على رئيس الوزراء، فإذا ظفرت بالإذن، فادخل ظريفًا رشيقًا، وحيِّ تحية ملؤها الإكبار والإعجاب، وقدم الطاقة إلى الرجل العظيم وانصرف. لا تقل كلمة، ولا تنطق بحرف، فإن صوتك قد يؤذي الرئيس، وإن في هذه الطاقة الجميلة ما يغني عن الكلام. فقد ينظر إليها صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا فيرتاع لها ضميره الحي ويؤثر أن يدع الحكم على أن تُقدم له إذا كان الغد طاقة أخرى مثل هذه الطاقة أو أشد منها روعة وترويعًا. وما أكثر ما في حدائق الوزارة القائمة من أمثال هذه الزهرات الحسان.
طه حسين
حديث الوادي، ٢٥ يونية ١٩٣٤.
صبريات
ليست غريبة ولا جديدة، فليس من وزير ماليتنا جديد لأن الناس قد تعودوا منه الطرائف وانتظروا منه الأعاجيب. والناس يعلمون من أمر هذه الصبريات التي نريد أن نحدثهم عنها كل شيء. فقد أذاعتها الصحف، وتحدثت بها الأندية، ولكن علم الناس بها لا يستتبع فهمهم لها. وما أكثر الأشياء التي تُعلَم ثم لا نفهم حتى يؤول لهم الراسخون في العلم، والقادرون على التأويل. ولسنا والحمد لله من الراسخين في العلم، ولا من القادرين على التأويل، ولسنا لذلك نريد تأويلاً أو تعليلاً لهذه الصبريات التي تعجز المؤولين والمعللين، إنما نحن من عامة الناس نريد أن نفهم، ولا نستطيع أن نفهم. فنحن نتوسل إلى القادرين على التفسير أن يفسروا لنا، وإلى البارعين في التأويل أن يؤولوا هذه الأعاجيب.
منذ أيام دعا وزير المالية صبري بك زملاءه للوزارة إلى وليمة بحرية، ثم إلى نزهة بحرية بعد الغداء ثم إلى شاي بعد النزهة، ولم تكن الوليمة في سفينة يملكها الوزير، أو في يخت يعده الوزير لراحته ونزهته، وإنما كانت في طوافة من طوافات الدولة، يقال إنها أعدت لخفارة الساحل، وحمايته من المهربين.
فقد نحب أن نفهم معنى هذه الوليمة ومغزى هذه النزهة، ومرمى هذا الشاي؟ ومن حقنا أن نفهم هذا وأن نلتمس فهمه ونتشدد فيه، فليس حظ الوزير الخطير وزملائه من هذه الطوافة بأعظم من حظنا، وليس حق الوزير الخطير وزملائه في الانتفاع بهذه الطوافة بأعظم من حقنا، وكل ما بينه وبيننا من الفرق هو أننا أنبناه عنا في العناية بهذه الطوافة واستخدامها لما هيئت له من حماية السواحل من المهربين والمعتدين. ومن المحقق أننا لم ننبه عنا في أن يتخذ الطوافة أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. ومن المحقق أيضاً أنك لا تستطيع، وأني لا أستطيع أن تتخذ هذه الطوافة التي نملكها كما يملكها الوزير أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. وإذن فقد نحب أن نفهم، ومن حقنا أن نفهم، كيف استطاع وزير المالية صبري بك أن يدعو زملاءه الوزراء إلى الغداء، ثم إلى النزهة، ثم إلى الشاي على ظهر هذه الطوافة؟ وعلى أي حق من حقوق الوزراء اعتمد في هذه الدعوة؟ ولا نقل أننا نتعلق بشيء صغير، ونقف عند التافه من الأشياء. فليس في حقوق الدولة حق صغير وآخر كبير، وإنما حقوق الدولة كلها كبار.
ومن أباح لنفسه أن يستهين بواحد منها فهو خليق أن يبيح لنفسه الاستهانة بها جميعاً. ومن حقنا أيضاً أن نفهم وأن نتشدد في الفهم وأن نعلم على حساب من كان هذا الغداء، وعلى حساب من كانت هذه النزهة، وعلى حساب من كان هذا الشاي، أكان الإنفاق على هذا كله من مال الوزير الخاص، وإذن فهل دفع للدولة أجرًا لهذه السفينة، أم كان الإنفاق عليها من مال الدولة، وإذن فمن الذي زعم أن من حق الوزراء على الدولة أن تغديهم في سفنها وتمكنهم من النزهة، وتقدم لهم الشاي بعد ذلك؟ أفيدخل هذا في واجبات الاصطياف التي تنهض بها الدولة للوزراء حين ينتقلون من القاهرة إلى الإسكندرية في غير موجب للانتقال. وإذا أباحت الدولة للوزراء أن ينفقوا من أموالها في طعامهم وشرابهم ونزهتهم فما بالها لا تبيح هذا لغير الوزراء؟
كل هذه مسائل لا يحفل الناس بها ولكننا نحن نحفل بها كل الحفل، ونسأل عنها ونلح في السؤال. لأننا نحب لوزرائنا أن يكونوا مثلاً علياً في الدقة ونقاء اليد وصفاء الضمير، والتحرج من إنفاق أموال الدولة مهما تكن قليلة ضئيلة، في غير حق، ومن بذل أموال الدولة مهما تكن يسيرة هينة، في غير وجوه البذل المعروفة التي تدعو إليها المنفعة، ويبيحها القانون.
ثم للمسألة وجه آخر خليق أن نتبينه وأن نعرف رأي وزيرنا الخطير فيه، فما الذي حمله على أن يقيم هذه الوليمة ويدعو إلى هذه المأدبة؟ وأين الظرف السعيد الذي يبيح للوزراء أن يتوسعوا بعض الشيء في الإنفاق ويخرجوا بعض الشيء عما يجب أن يأخذوا أنفسهم به من التحرج في البذل والإنفاق؟ أوفق وزير ماليتنا الخطير إلى حل مشكلة من مشكلات الدولة في الدين العقاري أو في الدين العام، أو في الاستبدالات، أو في أزمات الموظفين التي لا تنقضي، أو في تخفيض الضرائب التي لا تريد أن تخفض، أو في تفريج الكرب الذي لا يريد أن يزول. فهو مغتبط بهذا التوفيق، وهو يريد أن يشرك زملاءه في هذا الاغتياط، وهو يرى أن من حقه على الدولة أن تبيح له فضلاً من سعة لما أدى إليها من خدمة، ولما رد عنها من هم، وأن تتيح له ولزملائه ساعات من نهار يتأرجحون فيها على موج البحر، ويستمتعون فيها بمناظر الشمس حين تلقي أشعتها الشاحبة على الأمواج الصاخبة في وقت الغروب، ويستحضرون فيها هذه الخواطر الفلسفية العليا التي يستحضرها الشعراء والرجال المثقفون حين يرون الأمواج العنيفة، تضطرب اضطراباً عنيفاً بصور السماء التي تعكسها عليها أضواء الشمس آخر النهار.!
كلا لم يوفق الوزير إلى شيء، ولم يحل الوزير مشكلة ولم يستوجب الوزير على الدولة شيئاً، وإذن ففيم هذه المأدبة؟ وفيم هذه النزهة؟ وفيم هذا الشاي؟
صبرية من الصبريات التي يعجز الناس عن فهمها، ويعيا الراسخون في العلم عن تأويلها، إلا أن تكون تمهيداً لشيء، لم ينكشف عن الغيب بعد، وقد ينكشف عنه في يوم من الأيام. فمن يدري ماذا يكن الغد في ضميره وماذا يضمر الزمان بين خفاياه؟
والغريب أن نشاط وزير المالية لم يقف عند هذه الصبرية الرائعة منذ ذهب إلى الإسكندرية، فلم يكد الناس يتحدثون بهذه المأدبة البحرية وهذه النزهة البحرية، وهذا الشاي البحري، ولم يكد الناس يفرغون من هذا الحديث، ويعلنون عجزهم عن فهمه وتأويله، حتى فتح لهم الوزير الخطير باباً جديداً من أبواب الحديث. فأعلنت الصحف أنه يدعو المندوب السامي إلى وليمة يقيمها له في البر لا في البحر، وفي داره الخاصة لا في دار من دور الدولة، بل في قريته الخاصة، التي تسمى باسمه، والتي اشتققنا منها اسم الصبريات. نعم إذا كان يوم الأربعاء المقبل فسيكون وزير المالية في الصبرية، وسيذهب المندوب السامي إلى الصبرية، وسيقام في الصبرية غداء فخم يطعم فيه المندوب السامي ويشرب، ويؤكل فيه العيش والملح بين وزيرنا النابغة، وممثل بريطانيا العظمى. وأكبر الظن أن وزراءنا سيشتركون في هذه المأدبة، وسيدعون إليها. ولا غرابة في ذلك فقد دُعي وزير ماليتنا إلى الغداء في قصر الدوبارة، ولكل دعوة رد، كما أن لكل سؤال جواباً. ولكن حدثني عما سيقول الناس حين يسعى المندوب من الإسكندرية إلى الصبرية ليتناول الغداء على مائدة الوزير الخطير. سينتظرون أن يصبح الوزير الخطير في يوم من الأيام قريب أو بعيد رئيساً خطيراً. ليسهر القنصلان كما كان يقول الرومان، فإن الأمر في حاجة إلى السهر. والقنصلان هنا هما الرجل الطيب، ووزير التقاليد، أحدهما في يده الرياسة، والآخر ينظر إليها، من بعد. قال صاحبي ولم لا تقول ليسهر القناصل فقد يكون وزير داخليتنا قنصلاً ثالثاً..؟ لا يقل حظاً من القنصلية عن وزير التقاليد، وماذا يمنع المندوب السامي أن يتناول الغداء في القيس كما سيتناوله في الصبرية؟
أرأيت إلى أننا لم نفرغ ولا ينتظر أن نفرغ من الصبريات، فستتكشف لنا براعة وزير ماليتنا كل يوم عن إحدى الأعاجيب؟
طه حسين
الوادي، ١٥ يوليو ١٩٣٤.
Leave a Reply