
مدرسة القضاء الشرعي
يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لامحالة وانها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون . فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه . ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرا وقد يكون شرا ولكن المنفعة كل المنفعة في الأيبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة والحت في اعراضها عما كتبت ( السياسة وغير «السياسة» . وابت الحكومة أن تحفل بالرأى العام في هذه المسألة كما ابت أن تحفل به فى غيرها من المسائل حتى انها لم تتنزل إلى اصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسا .
لم تحفل الحكومة بشيء وانما مضت فى المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصوراً على مدرسة القضاء الشرعى وانما تناولها وتناول الأزهر الشريف ايضاً فتناول أذن قسما عظيما جداً من أقسام التعليم القومى رأت فيه الحكومة رأيا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم فى ذات يوم من الايام أمام أمر واقع . وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء .
الحق انا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الانجليز فى أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في الغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات . ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة فى أمر مدرسة القضاء والازهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والازهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت فى مسائل أجل منها خطراً .
ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح فى الرجاء ألا تكون صحيحة . يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في اصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء . وإنما فكرت فى شيء اخر ، فكرت في أن تؤثر قوما على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفى أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس .
يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحا ، وأن يكون هذا الحديث كاذبا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين واجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان .
أن الحكومة بطيئة جدا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان ، ولها في ذلك الحق كله ، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق . فيكفي أن يدرس اصلاح التعليم وتعد مشروعات الاصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها
فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر ؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سراً وعملت سراً وأتمت عملها سراً ورفعته إلى مجلس المعاهد سراً ؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سراً وأقره سراً؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غداً أو بعد غداً؟
وبعد فما هذا الإصلاح الذى يراد بمدرسة القضاء ؟ زعموا انها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص فى الشريعة أو فى فقه أبى حنيفة . ولكنهم لم يضعوا برنامجا لهذا التخصيص ، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص . فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عاما يدرس فقه ابي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه ؟ ما الذى يراد به بعد هذه المشقة وعلى أى شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفى أى لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه ؟ وأي معنى لان يدرس الطالب فقه أبى حنيفة اثنى عشرة سنة فى الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان : أحدهما الغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر . الثانى أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون . وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعي . وقد توجد طريقة أخرى لافعام هذه الجيوب واشباع هذه البطون غير الغاء مدرسة القضاء الشرعي . واذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبا . ويقيننا أنه لم يكون أقل سخاء وجوداً على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الاعلى .
يظهر أنا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالى زملائه غير وزير الحقانية ، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين . وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطراً من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوى أو العالى . فاذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأى فيها وقد نعود .
طه حسین
السياسة ، ٢٦ أغسطس ١٩٢٣ .
رشد وغی
زعموا أن صلاح الجسم رهين بصلاح الرأس الذي يدبره ، فإذا فسد الرأس فسد الجسم ، واذا اضطرب الرأس اضطربت أمور الجسم ايضا . زعموا ذلك وقالوه واكثروا من قوله حتى أصبح حكمة عامة وحديثا معادًا . ثم زعموا أن صلاح المدارس رهين بصلاح وزارة المعارف التى تديرها وتشرف عليها . فاذا فسدت وزارة المعارف لم يصبح فساد المدارس أمراً نكراً ، واذا اضطربت وزارة المعارف لم يبق معنى للعجب حين يضطرب التعليم . زعموا ذلك وقالوه واكثروا من قوله حتى أصبح حكمة عامة وحديثا معاداً ، وأصبح من الحق علينا أن نقبله دون أن نناقشه أو نجادل فيه .
صلاح المدارس والتعليم اذن رهين بصلاح وزارة المعارف . وما صلاح وزارة المعارف؟ وأي معنى يدل عليه هذا اللفظ ؟ الحق أنه يدل على معاني كثيرة ، وأن هذه المعاني قد اخطأت لسوء الحظ وزارة المعارف ، فهذه الوزارة في حاجة شديدة إلى الاصلاح والى ضروب مختلفة من الاصلاح لابد منها إذا أردنا أن تصلح المدارس ويصلح التعليم ، ويظهر أننا نريد ذلك ، ويظهر أن وزارة المعارف تشعر بأننا نريد ذلك ، ولكنها لا تشعر بالصلة بين صلاح الوزارة وصلاح المدارس ، وهذا أول نوع من أنواع الفساد التي نشهدها في هذه الوزارة المسكينة
انما يقدر على الاصلاح من يفهمه ويشعر الحاجة اليه ، فاذا كانت وزارة المعارف لا تفهم هذا الاصلاح ولا تشعر بالحاجة اليه فهى عاجزة عنه ، غير منتهية اليه مهما تبذل من جهد ومهما تتكلف من مشقة . ونريد الآن أن نثبت بعمل وزارة المعارف في هذه الأيام الاخيرة أنها لا تفهم الاصلاح ولا تقدر حاجتنا اليه ولا تسلك السبيل التي من شأنها أن تصل بنا إلى الاصلاح .
نريد أن نثبت هذا بعمل وزارة المعارف نفسها وهذه الأيام الأخيرة . فقد قرأت منذ أيام في الصحف تعينات وتنقلات كما يقولون حدثت في وزارة المعارف ، وهي لم تحدث عبث ، وإنما هناك رأى من الآراء أو نظرية من النظريات صدر عنها أولو الأمر في وزارة المعارف حين أرادوا أن يعينوا وحين أرادوا أن ينقلوا . ووزير المعارف وحده هو المسئول عن هذا الرأى وعن هذه النظرية ، وان كان وزير المعارف كغيره من الوزراء انما يعتمد في مثل هذه الاشياء على مشيريه وأعوانه الفنيين في الوزارة . فهو مسئول رسميا ولكن المسئولين حقا هم اولئك الاعوان والمشيرون فما هذا الرأى وما هذه النظرية وما هذه القواعد التي اتخذها المشرفون على التعليم فيما أحدثوا من نقل وفيما أحدثوا من تعيين؟ استطيع أن أقول ان مصلحة التعليم ومنفعة الاساتذة والتلاميذ ومنفعة مصر كلها لم تتخذ قاعدة لهذا النقل أو هذا التعيين ، بل صودرت هذه المنفعة مصادرة ظاهرة . نعم! لم تراع مصلحة التعليم ولا مصلحة المعلمين ولا المتعلمين فيما حدث من نقل وتعيين في وزارة المعارف . فلو أن هذه المصلحة روعيت مراعاة قليلة لاستدت المناصب إلى الاكفاء ، إلى القادرين على أن يملأوها ويديروها ويحسنوا فيها البلاء لخدمة العلم والتعليم . ولكنا نقرأ أسماء المعينين والمنقولين ونقرأ مناصبهم ونقارن بينهم وبين هذه المناصب فلا تجد صلة ما ، لا نجد صلة قصيرة ولا طويلة ، لا نجد صلة ضعيفة ولا قوية ، لا نجد عمله فنيه وانما نجد شيئا واحدا هو ارادة المشرفين على الأمر في وزارة المعارف . نريد أن يشعر المنقولون والمعينون بأنا لا نتهم كفايتهم الخاصة ولا ننال منها وانما ندفع عنها ونضن بها أن تضيع فى غير ما خلقت له . فهؤلاء المنقولون والمعينون من خيرة المصريين القادرين على أن ينفعوا مصر ، ولكن فكرة شيطانية خفية وضعت كل واحد منهم في حيث لا يستطيع أن يذهب ولا أن يجئ . وسنفسر لك سر هذه الفكرة الشيطانية الخفية
وضع صاحب العزة على حافظ بك مراقبا للتعليم الأولى ، وليس لصاحب العزة على حافظ بك من التجربة فى أمر التعليم الأولى حظ قليل ولا كثير ، وانما اشتغل طول حياته العامة بأشياء اخرى غير التعليم الأولى . ووضع صاحب العزة عوض بك ابراهيم مساعداً المراقب التعليم الأولى وليس اكثر حظا من صاحبه في تجربة التعليم الأولى وممارسة الاشراف عليه . ووضع المستر روب مراقبا للتعليم الابتدائى ، ولم يشتغل المستر روب» في أمر التعليم الابتدائى بشيء منذ جاء مصر . ووضع المستر ( سمسون» مراقبا للتعليم الثانوى ، ولم يشتغل المستر (سمسون» بالتعليم الثانوى منذ وفد إلى وادى النيل ، وإنما فتش على التعليم فى السودان وادار مدرسة المعلمين العليا في مصر .
ولست اشك فى أن هؤلاء الأساتذة جميعا من الكفاية بحيث يوفقون ان شاء الله إلى أن يتعلموا المهن التى كلفتهم اياها وزارة المعارف . ولكنهم سيتعلمون هذه المهن ان شاء الله بعد زمن طويل أو قصير ، بعد تجربة ، بعد تردد ، بعد اضطراب في الإدارة ينشأ عنه اضطراب فى أمر المدارس وفى أمر التعليم ، بعد أن يضيع على المدارس وعلى التعليم وعلى مصر وقت التجربة هذا الذى كان يجب ألا يضيع . وهنا اسأل نفسي : ماذا تريد وزارة المعارف حين تسند منصبا من المناصب إلى شخص من الاشخاص؟ اتريد أن ينتفع المنصب بالشخص الذى يشغله ، أم تريد أن ينتفع الشخص بالمنصب الذي يسند اليه ؟ فان كانت الأولى فمن الحق على وزارة المعارف أن تشغل المناصب بالقادرين على تدبيرها . وان كانت الثانية فهو الشر كل الشر لأنه اضاعة للوقت وعبث بالمنفعة ، فليس المطلوب من وزارة المعارف أن تعلم رجالها كيف يديرون التعليم الأولى أو التعليم الثانوى أو الابتدائي ، لان ديوانها ليس مدرسة لكبار الموظفين قبل كل شيء ، وإنما المطلوب من وزارة المعارف أن تضع في كل منصب أشد الناس قدرة على احتمال أعبائه وتدبير أموره .
وهؤلاء الناس موجودين قد عدلت عنهم وزارة المعارف لأمر نجهله أو نعلمه . ولكننا لا نذكره وليس يعنينا أن نذكره .
في وزارة المعارف رجال خبروا فى التعليم الأولى وداروه وأحسنوا البلاء في الاشراف عليه أعواما طوالا . وفى وزارة المعارف رجال خبروا التعليم الابتدائي والثانوي وأحسنوا درسهما وتجربتهما . ولكن وزارة المعارف عدلت عن هؤلاء الناس إلى غيرهم ووضعت كفايتها المختلفة فى حيث لا تنفع ولا تفيد الا بعد زمن طويل أو قصير .
لم تعمل وزارة المعارف هذا عبثا . فلكل وزارة من وزارات الحكومة المصرية سرها .. وسر وزارة المعارف واضح جلى لا يخفى على أحد ، ولكنه لا ينفع التعليم ولا يلائم المصلحة العامة . وزارة المعارف من أشد الوزارات حرصا على قاعدة المركزية وجمع السلطان في يد واحدة ، من أشد الوزارات حرصا على أن تختلف مصالحها وتتعدد وعلى أن تكون رغم هذا الاختلاف والتعدد متلائمة متحدة يشرف عليها رأس واحد وتديرها يد واحدة . فاذا وضع فى التعليم الأولى من يفهم التعليم الأولى ، وفي التعليم الابتدائي من يحسن القيام على التعليم الابتدائى ، وفى التعليم الثانوى من يتقن الاشراف على التعليم الثانوى تعرضت المركزية وسلطة الفرد للخطر الشديد . أوشك هؤلاء الاكفاء أن يستقلوا بمصالحهم استقلالا تاما أو ناقصا ، وهذا شر . فوزارة المعارف تريد المركزية ، وسبيلها إلى المركزية أن تسند كبار المناصب إلى من لا علم لهم بها . فاذا تم لهم تبوء هذه المناصب أدركتهم الحيرة فى أمورهم واضطروا في كل لحظة إلى أن يرجعوا إلى السلطة المركزية فى الدقيق والجليل من أعمالهم . واذن فيد هذه السلطة المركزية مبسوطة على اطراف الوزارة في كل فن من فنون الادارة وفى كل لون من ألوان التعليم . النظرية في نفسها معقولة منتجة ولكنها خطرة شديدة الخطر حين تتخذ أصلاً في وزارة المعارف . خطرة شديدة الخطر لأنها تقتل الكفايات العلمية ، ومصلحة مصر في تقوية هذه الكفايات لا فى قتلها . خطرة شديدة الخطر لأنها تستذل المشرفين على التعليم ، ومصلحة مصر بمصلحة التعليم في أن يكون المشرفون على التعليم أحراراً . خطرة شديدة الخطر لأنها تقيم التعليم فى مصر على سلطة الفرد ، ومصلحة مصر ولاسيما في عهد الاستقلال والدستور أن يقوم التعليم على سلطة الجماعة والديمقراطية . ثم خطرة شديدة الخطر لأنها تشعر المعلمين جميعا بأنهم خاضعون السلطان الفرد وتحكم الفرد فما أسرع ما تفسد الاخلاق وما أسرع ما تنمحى الشخصيات وما أسرع ما يصبح المعلمون أدوات مسخرة لا رؤوسا مفكرة ، وحسبك بهذه شراً على مصر وأبناء مصر ومستقبل مصر .
هذه نظرية المركزية وآثارها فى وزارة المعارف . وقد تكون هذه النظرية معقولة كما قلنا ، قابلة للبحث والمناقشة ، ولكن هناك نظرية أخرى تعمل فى وزارة المعارف واكره أن اسميها لأني أحب أن اجل وزارة العلم والتعليم عن أن تضاف اليها هذه النظرية لا اسميها اذن واترك لك فهمها وتسميتها بعد أن أظهرك على شيء قليل من آثارها فيما حدث في هذه الايام الاخيرة من نقل وتعيين .
في مصر مدارس ثانوية ، ولهذه المدارس الثانوية وكلاء مصريون قد اشتغلوا فيها فبلوها وأحسنوا ادارتها وكان من المعقول ان تسند اليهم نظارة هذه المدارس وأن يرقى نظار المدارس الابتدائية إلى وكالة المدارس الثانوية حتى إذا اشتغلوا في هذه الوكالة اعواما فجربوها وأحسنوا التصرف فيها رقوا إلى نظارة المدارس الثانوية . هذا هو المعقول الملائم للمصلحة ، لمصلحة الاساتذة والتلاميذ والنظار والوكلاء والتعليم بوجه عام ، ولكن المعقول شيء ووزارة المعارف شيء أخر . فهناك مدارس ثانوية رقى إلى نظارتها نظار مدارس ابتدائية ليس لهم فى التعليم الثانوى تجربة ولا بلاء . ويقال في هذه الترقية ما يقال ، ولكني لا أحفل بما يقال ، وانما أحفل بالنظريات الفنية نفسها وهي متشابهة في ديوان المعارف وفى مدارس المعارف ، تدور حول شيء واحد هو وضع الكفايات في حيث لا تنفع ولا تفيد إلا بعد تجربة ودرس وزمن طويل أو قصير . ونتيجة هذا ظاهرة وهى اضطراب الأمر وفساده وتعرض التعليم فى نفسه لألوان العبث وضروب الخطر .
أفيرى وزير المعارف في هذا رشداً ؟ أفيرى وزير المعارف في هذا منفعة؟ أفلا يشعر وزير المعارف كما نشعر نحن بأنه ان تكن فى مصر وزارة من الحق عليها أن تضن بالوقت وبالقوة وان تستثمر الكفايات فى عدل وفى انصاف وأن تتخذ المنفعة الفنية وحدها قاعدة لما تحدث من نقل وتعيين ؟ نقول إذا كان هناك وزارة خليقة بهذا كله فهى وزارة المعارف التي وكل اليها تربية مصر وتكوين مستقبل مصر .
طه حسین
السياسة ، ١٧ يولية ۱۹۲۳ .
التعليم الأولى
يجب أن نحمد الله . فقد اصبحت وزارة المعارف تشعر بأن من الحق عليها أن تحفل ولو قليلا بنقد الناقدين ، وتؤبه ولو قليلا لنصح الناصحين . فلعلك تذكر انا كتبنا منذ أيام ننقد الطريقة التي اتخذتها الوزارة فى تأليف اللجان التي ألفتها لإصلاح التعليم ، وقد نقدنا هذه الطريقة من وجوه مختلفة ، نقدنا خلوها من المعلمين الذين هم أقدر الناس على فهم التعليم ثم على صلاحه ، ونقدنا احتكار هذه اللجان للموظفين في وزارة المعارف حين تقتضى المنفعة أن يشترك فى هذه اللجان الاكفاء من وزارة المعارف وغيرها من وزارات الحكومة بل من موظفى الحكومة وغيرهم من الذين يعنون بالتعليم من المصريين بل من اكفاء المصريين والأجانب بنوع عام .
نقدنا هذه الطريقة من هذين الوجهين ومن غيرهما ، ويسرنا الآن أن وزارة المعارف قد نشرت أو وعدت بأن تنشر على الناس قرار فيه تأليف لجنة للنظر في تعميم التعليم الأولى أو للنظر في المشروع الذى كان قد وضع لهذا التعميم . وقد قرأنا أسماء الاعضاء الذين تتألف منهم هذه اللجنة . فيجب أن نلاحظ مسرورين أن هذه اللجنة ليست محتكرة للموظفين في وزارة المعارف ، بل هى شائعة بين الموظفين في هذه الوزارة وبين الموظفين في غيرها من الوزارات ، بل فيها شخصان ليسوا موظفين في الحكومة أحدهما استاذ في الجامعة والاخر من رجال المحاماه . هذه خطوة قصيرة ولكنها خطوة إلى الدول عن الاحتكار ، وقد يحسن ان نلاحظ أن هذه الخطوة القصيرة ليست جديدة فان اللجنة التي الفت لدرس تعميم التعليم الأولى ووضع مشروعه في سنة ١٩١٧ لم تكن مقصورة على رجال المعارف وأنماء كانت تتعدهم إلى غيرهم فكان فيهم المديرون وكان فيهم قوم آخر من يعملون في غير وزارة المعارف . الخطوة اذن قصيرة وهى غير جديدة ولكن ذلك لا يمنع أن نقدرها ونعترف بأن فيها شيئا من الخير . فيها شيء من الخير . وليس فيها الخير كله ، لان هذه اللجنة التي تتألف من قوم اكثرهم كفء شديد الذكاء قادر كل القدرة على فهم التعليم والتصرف فيه ننقصها مع ذلك أمور كثيرة ويتعرض تأليفها النقد من وجوه عدة .
فهي قبل كل شيء تخلو من المعلمين . تخلو منهم خلواً تاما . فليس فيها إلا استاذ واحد هو الاستاذ الدكتور على العناني الاستاذ بالجامعة المصرية ، وهو على كفايته وحسن اختيار الوزارة له يمثل التعليم العالى من جهة والتعليم الحر من جهة أخرى ، هو استاذ في الجامعة لا في مدرسة من مدارس المعلمين الاولين ولا في مدرسة أولية ، وهو استاذ في معهد حر فأساتذة وزارة المعارف جميعها سواء منهم اساتذة التعليم الأولى على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم واساتذة التعليم الابتدائي والثانوي والعالى قد عدل عنهم عندما ألفت هذه اللجنة كأنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى الخير أو أن ينفعوا في وضع نظام لتعميم التعليم الأولى على طريقة نافعة منتجة في أقرب وقت عدد عن هؤلاء المعلمين واستغنى عنهم بطائفة من الموظفين في وزارة المعارف لا نشك في كفاية أكثرهم وأظننا لا نشك فى أن المعلمين الذين يباشرون التعليم بالفعل ويبلون حلوه ومره ويعرفون بواسطة الحياه نعمه ما فيه من وجوه النقص وما يحتاج اليه من ضروب الاصلاح هم أقدر على العمل النافع في هذه اللجنة من غيرهم ، فلم يكن بعد من اشتراكهم في هذا العمل الجليل
عدل اذن عن المعلمين وليس يعنينا ان نبحث عن الأسباب المعقولة أو غير المعقولة التي اضطرت وزارة المعارف إلى ان تعدل عن المعلمين ، ولكن لنا أن نقول أن تأليف هذه اللجنة ليس أمراً مقضيا وان من الممكن بل من الواجب أن تعيد وزارة المعارف النظر في هذا التأليف وأن تضم إلى هذه اللجنة نفراً من المعلمين . ففي هذا الخير للمشروع في نفسه ، في هذا رد الحق إلى أهله وانصاف معنوى للمعلمين إذا لم يكن إلى انصافهم المادى من سبيل ، بل هناك شيء آخر ، هناك كفايات في وزارة المعارف عنيت بالتعليم الأولى عناية عملية منتجة وأظهرت في هذه العناية مقدرة وحسن بلاء ، ولسنا نريد أن نسمى هذه الكفايات فوزارة المعارف تعرفها حق المعرفة ، وهي تعلم أن العدول عنها لا يلائم منفعة التعليم الأولى . فمن الواجب على وزارة المعارف ألا تهمل هذه الكفايات وان تضمها إلى الجماعة التي تتألف منها اللجنة .
ثم هناك شيء آخر وهو أن وزارة المعارف ارادت أن تشترك في هذه اللجنة قوما ليسوا من رجال المعارف فأحسنت الاختيار حينا وأساءته حينا آخر وضمت إلى هذه اللجنة من لا يعرف من أين يؤكل التعليم أو من أين يشرب ومن لا ينبغى أن يلجأ اليه في مثل هذه المسائل ذات الخطر الفني الخاص .
اذكرتنا بذلك شيئا وقع في الأزهر الشريف عند أول عهده بالإصلاح الجديد بعد أن تركه الاستاذ الأمام الشيخ محمد عبده ، فقد وكل نظام الاصلاح الجديد في يوم من الايام درس الاملاء إلى استاذ من اساتذة الأزهر مكفوف لم يكتب قط ولم يقرأ قط . كذلك فعلت وزارة المعارف فضمت إلى لجنة فنية لإصلاح التعليم من ليست له بالتعليم صلة إلا أنه متعلم يقرأ ويكتب ، وهذا شيء واصلاح التعليم شيء آخر .
ثم هناك أمور اخرى يجب أن نلفت الوزارة اليها ، منها أن الاستقلال لا يستلزم الاحتكار ، وانما يستلزم العمل في سبيل الخير والمنفعة بعزيمة وحسن بصر في الامور . وليس من شك فى أن الاجانب أكفاء قادرون على فهم التعليم وعلى المشورة النافعة في اصلاح التعليم ، ولم تلجأ وزارة المعارف إلى الاجانب فى تأليف لجنتها هذه ، وانما ضمت اليها المستر روب وهو من موظفى المعارف وضمت اليها انجليزيا مفتشا في مصلحة من مصالح المبانى . وكنا نحب أن تستعين وزارة المعارف برجال التعليم الحر من الأجانب المقيمين فى مصر . فللفرنسيين بعثات دينية ومدنية تشتغل بالتعليم على اختلاف منازله ، وللإيطاليين كذلك بعثات تشتغل بالتعليم ، وقل مثل ذلك في الانجليز وقل مثل ذلك فى الأمريكيين . وليس من جدال فى أن المشرفين على هذه البعثات الاجنبية المختلفة أكفاء ان لم تنفع آراؤهم فلن تضر . ويقيننا أنها ستنفع كثيراً . فهم بهذا التعليم فى بلادهم وفى بلادنا خبرة قد نأسف بأنها لا تتاح لرجال التعليم المصريين . واذن فما الذى يمنع وزارة المعارف أن تضم نفرًا من هؤلاء العلماء الاخصائيين للجنتها ؟
وجملة ما نقول انا نقترح على وزارة المعارف أن تعيد النظر في تأليف هذه اللجنة فتضم اليها نفراً من المعلمين أولا ، وتضم اليها هذه الكفايات التي أهملت في وزارة المعارف ثانيا ، وتحسن اختيار من تضمهم إلى اللجنة من غير رجال التعليم ثالثا ، ثم تضم إلى اللجنة نفرًا من الأجانب المشتغلين بالتعليم فى مصر رابعا . فهي أن تفعل ذلك تدن من الخير والمنفعة . وسواء أسمعت لنا وزارة المعارف أم لم تسمع فنحن مغتبطون بتأليف هذه اللجنة . وسندرس مشروع التعليم الأولى الذي كلفت اللجنة درسه وننشر أراءنا في هذا المشروع . ويقيننا أن هذه اللجنة ستقدر نقد الناقدين خيرا مما تقدره وزارة المعارف .
طه حسين
السياسة ، ٥ أغسطس ١٩٢٣ .
الأزهر ومدرسة القضاء
تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفى الذي يعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء ، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء . تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة فى أمرين لا نزال نرغب اليها فيهما ملحين . الاول الا تتجاوز اعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه . الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين . رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين ، وما زلنا أرغب اليها فيهما ملحين . ولكن الحكومة عرضت ويظهر انها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه ، وانما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع . وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به . ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور ، فما أسرع ما احس الناس أن شيئا يجرى وراء ستار ، وما اسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والاشفاق . نال منهم الخوف والاشفاق لان اصلاح الأزهر والغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا اليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير فى هذه الأيام . وانما اصلاح الأزهر والغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس اكبر معهد للعلوم الاسلامية فى الدنيا ، ويمس مدرسة دلت التجربة على انها لم تخل من نفع كثير ، ويمس نظاما من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي . وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس . فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور اليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعى والمحاكم الشرعية . ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولا وبانتظار البرلمان ثانيا . والحق انا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر . فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سراً من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الاسرار . وانما هو أمر عادى بل قل انه أمر من يمس التعليم وأمور التعليم تنتهى إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء . وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهراً حتى يتم اجتماع البرلمان . فليس فى الاناه خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس . وانما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن . فان يكن هذا المشروع خيراً فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ أن يكن هذا المشروع شراً فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان ؟
يقال أن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقساما للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثنى عشر عاما في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم . ويقال ان مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الاقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثا . ثم يقال أن هناك رأيا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضى بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا فى المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة . ويقال مع هذا ان قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الاقسام الاخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الازهريين الذين لم يدخلوها . وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الاصلاح ولا انشاء قسم للاختصاص في القضاء . ويقال ان في اللجنة خلافا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعى على نظامها الجديد . ويرى قوم آخرون ان يؤخذوا من حملة البكالوريا على ان يمروا بمدرسة القضاء حيناً طويلا أو قصيراً .
كل هذا يقال . وكل هذا حق أو أكثره حق . ولكن أكل هذا حسن؟ أكل هذا سي؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله فى كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع ان نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها واذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانا وان تنشر هذا المشروع . ومن الخير بوجه خاص الا تتعجل الحكومة فى تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأى البرلمان . ولسنا نشك فى أن الأزهر فى حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء . وأى شيء فى مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد اليها وان رأى البرلمان فى اصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأى حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون .. فمن الناس من يرى فى هذا المشروع حركة سياسية يراد بها ارضاء قوم على حساب قوم آخرين … وقد نتمنى ألا يكون هذا حقا . ولكنا نعلم أن هناك سبيلا واحدة لإثبات أن هذا باطل وانه اشاعات لا قيمة لها . وهذه السبيل هى ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه .
طه حسین
السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣ .
العبث بالعلم والتعليم والمعلمين
نكتب في إصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف لأننا ننتظر الخير العاجل مما نكتب ، فنحن يائسون من هذا الخير العاجل ، مقتنعون بأن الأمور كلها قد تتغير وتتبدل وبأن الأرض قد تندك من حول وزارة المعارف دون أن تشعر وزارة المعارف بشيء أو تحفل بشيء في هذه الأيام . ذلك لأن وزير المعارف فى شغل عن وزارة المعارف بهذه الحوادث الجسام والنكبات المختلفة التى تنال مصر من يوم إلى يوم ، هو عن وزارة المعارف في شغل بما يدبر في مجلس الوزراء من تضمينات وتعويضات واجتماعات إلى آخر هذه القوانين المختلفة ، هو فى شغل بالسياسة عن التعليم . ولست اقول هذا منتحلا له أو متكلفا اياه ، ولكني اذكر إنى تحدثت إلى وزير المعارف فى يوم من الايام فلما الححت عليه في مراقبة المدارس الحرة أجابنى بأن هذا خير وبأنه معنى به ولكن الوزارة الآن في شغل عن هذا كله … وأذكر أني لم أكن فى ذلك الوقت فطنا ولا حسن الرعاية لمقتضى الحال … فسألت وزير المعارف : وما شأن وزارة المعارف فيما يقع في مصر مما لا يمس التعليم؟ اجابني الوزير فى لطف وسخرية وشيء من الغضب قليل : أظن أن لوزير المعارف صلة بمجلس الوزراء ! .
نعم . كان وزير المعارف محقا في هذا الجواب . فله صلة بمجلس الوزراء لأنه عضو من اعضائه ، ومجلس الوزراء فى شغل عن التعليم وما يشبه التعليم بأشياء أخرى ليس من شأنها أن تعين على اصلاح التعليم لأنها توجه أموال الدولة إلى حيث لا يستطيع أن يستفيد بها التعليم . كان وزير المعارف محقا ولكنه كان مخطئا أيضا . فليست وزارة المعارف محصورة في شخص الوزير ، وانما فيها الفنيون والمشيرون والمديرون لأمور التعليم . وهؤلاء مقصورة جهودهم على التعليم ، ليس لهم أن يتجاوزوه إلى غيره ولا أن يشتغلوا عنه بالسياسة العامة واخطارها . فاذا شغل وزير المعارف عن التعليم فليس لرجال المعارف أن يشغلوا عن التعليم . وفى الحق أن رجال المعارف ليسوا مشغولين عن التعليم وانما يعنون به ويفكرون فيه ويعملون له ، ولكن الرحى في وزارة المعارف تدور إلى الشمال لا إلى اليمين فتسمع لها جعجعة ولها ترى طحنا . نعم . رجال المعارف يشتغلون بالتعليم ولكن على غير وجهه . لان رجال المعارف قد أخذوا بنوع من أنواع العمل والتفكير ، هم عاجزون عن أن يتجاوزوه إلى غيره ، قد ألفوا سياسة تعليمية خاصة وضعها دنلوب فليس من اليسير عليهم بل ليس من المتاح لهم ان يتبدلوا من هذه السياسة سياسة أخرى مهما تتبدل الظروف وتتغير الاحوال ، ومهما يقتض استقلال مصر ودستور مصر أن يقوم التعليم على أساس الاستقلال والديمقراطية لا على أساس الاستعمار والاستبداد . وزير المعارف مشغول عن التعليم ورجال المعارف قاصرون عن أن يفهموا التعليم كما ينبغى أن يفهم الآن . واذن فنحن يأسون من الخير العاجل حين نطالب إصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف . نحن يائسون من هذا الخير ولكننا نرجو خيراً كثيراً من البرلمان . فستعرض على البرلمان أمور وزارة المعارف جليلها ودقيقها وسيشعر البرلمان بما بين هذه الوزارة وبين أمال الامة ومستقبلها من البون الشاسع والبعد العظيم فيفكر في اصلاح هذه الوزارة ويعمل ليلائم بينها وبين حياة أمة مستقلة ديمقراطية وأملنا في البرلمان هو الذي يحملنا على أن نكتب وعلى أن نلح في الكتابة . فان الواجب الوطني يقضى على كل مصرى بأن يظهر ما يشعر به من عيوب التعليم والنظام في هذه الوزارة ليعد الرأى العام إلى ما ليس منه بد قريبا أو بعيداً من اصلاح هذه الوزارة . وقد رأينا في مقال سابق ان نظرية المركزية في وزارة المعارف قد أفسدت فيها شيئا كثيراً وأضاعت فيها كفايات مختلفة كان من الحق والمنفعة ألا تضيع . فكلفت رجال التعليم الثانوى العناية بالتعليم الأولى وأهملت رجال التعليم الأولى الاهمال كله . بل كلفت أمر التعليم من ليس لهم صلة بالتعليم ووكلت نظار المدارس الثانوية إلى من لم يعرفوا المدارس الثانوية ، وخالفت فى هذا كله مصلحة الأفراد ومصلحة الأمة ومصلحة العلم نفسه . فرغنا من هذا في مقال مضى ، ويظهر ان رجال التعليم الذين ليس لهم في الوزارة حول ولا طول يشعرون بنفس ما نشعر به ويشكون من نفس ما نشكو منه . ولكن الرقابة عليهم شديدة . فهم لا يستطيعون أن يجهروا بما يشعرون لأن السلطة المركزية لهم بالمرصاد وهي تبث عليهم الجواسيس ويأخذ عليهم الطرق حتى أن أحد أصدقائي من المعلمين طلب لي ذات يوم أن أكف عن نقد وزارة المعارف إذا كنت أريد حقا أن تظل الصلة بينه وبيني قائمة متينة لأنه يخشى عواقب هذه الصلة أن مضيت أنا في هذا النقد . وربما كان ميلي إلى هذا الصديق شديداً وحرصى على منفعته عظيما . ولكني أشد ميلا إلى التعليم وحرصا على منفعة التعليم منى إلى هذا الصديق ومنفعة هذا الصديق . فسأمضى في هذا النقد والله يتولى أصدقائى المعلمين بشيء من الحياطة والرعاية .
هذه المركزية التي بينت آثارها فى مقال مضى قد أنتجت آثاراً أخرى شديدة الشر على التعليم لم أتمكن من الاشارة اليها . وأريد اليوم أن أذكرها في أسطر قليلة لأنها لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفصيل ولأنها تنطق بأنها شر ليس فوقه شر . فكرت وزارة المعارف – فيما يظهر – فى اصلاح التعليم على اختلاف درجاته ومنازله ، وليس في هذا التفكير إلا الخير . فالتعليم فى حاجة إلى الاصلاح ووزارة المعارف أحق الوزارات بالأعداد لهذا الاصلاح ، ولكنها سلكت إلى هذا الإصلاح غير سبيله ، فأنت لا تطلب إلى الحداد القيام بصناعة الخباز ولا إلى الخباز القيام بصناعة الحداد ، ولكن لكل صانع صناعته ولكل اختصاصى فنه واختصاصه . ذلك شيء لا معنى للإطالة فيه ، ولكنه غير مفهوم في وزارة المعارف ، أو هو مفهوم ولكن أحدا لا يحفل به لأنه يناقض المركزية التي هي أساس كل شيء فى هذه الوزارة . إذا أردت أن تصلح التعليم وجب عليك أن تؤلف لإصلاح التعليم لجانا من الاخصائيين . أول هؤلاء الاخصائيين هم المعلمون الذين مارسوا التعليم فبلوا حلوه ومره وعرفوا خيره وشره – وقد ألفت وزارة المعارف لجانا لإصلاح التعليم ، ولكن ما رأيك في أن هذه اللجان تخلو خلوا تامًا أو تكاد تخلو خلوا تاما من المعلمين ، هي مقصورة على المفتشين ورجال المعارف الذين لم يمارس أكثرهم التعليم إلا قليل . ولعل منهم من لم يمارسه قط .
ما رأيك فى هذه اللجان التي ستصلح التعليم وهى لا تعرف التعليم إلا معرفة نظرية تؤخذ من الكتب والاسفار والتقارير لا من معالجة الطلاب والتلاميذ والوقوف على نفسيتهم وملكاتهم وما ينبغى أن يسلك معهم من المناهج المختلفة المتباينة . أتظن أن هذه اللجان تستطيع أن تصلح التعليم حقا ، كلا . فان اصلاح التعليم موقوف على فهم التعليم وعلى فهمه فهما عمليًا فإنما على التجربة وطول المراس . ولكن وزارة المعارف لا تستطيع أن تستشير المعلمين فى اصلاح التعليم ، فان استشارتها للمعلمين رفع لأقدارهم واعترف بمكانتهم وهى لا ترفع للمعلمين قدراً ولا تعترف لهم بمكانه وانما تنظر اليهم كما تنظر إلى قوم يعملون لان من الحق عليهم ان يعملوا فليس لهم أن يفكروا ولا أن يبتكروا ولا أن يشيروا ، وهم ان فكروا أو ابتكروا أو شاروا فقد تجاوز الحدود ، وأى تجاوز للحدود شيء من التطاول على السلطة المركزية التي لا ينبغي ان يعرض لها انسان إلا بالحمد والثناء وضروب الاعجاب والتمليق ؟ …
في وزارة المعارف مضحكات كثيرة . منها أنها خالفت هذه القاعدة التي ذكرتها لك فأدخلت بعض المعلمين فى لجنة من لجان اصلاح التعليم ، ولكن انظر على أى وجه . ألفت لجنة لوضع مناهج التعليم المدرسة دار العلوم وأدخلت فيها معلما . فهل تظن أنها اختارت هذا المعلم من دار العلوم؟ من الذين بلوا تلاميذ دار العلوم وعرفوا قوتهم ونفسيتهم وملكاتهم وميولهم؟ كلا اختارت معلمها من مدرسة المعلمين العليا ! من الاساتذة الذين قد يسألون عن حملة الشهادة الثانوية فيحسنون الجواب لانهم عاشروهم ودرسوا لهم ، ولكنهم إذا سئلوا عن الشيوخ من طلاب الأزهر لم يحيروا جوابا لانهم لا يعرفون من أمر هؤلاء الشيوخ أمراً . أتستطيع أن تفسر هذا العمل الغريب؟ أما أنا فأفسره بإحدى اثنتين : الأولى وهى التى أرجحها لأنى حسن الظن بوزارة المعارف أنها تعمل دون تفكير ولا نظام وانما تترك الأمر للمصادفة وحدها . الثانية الاغراض والاهواء والميل إلى التفريق بين المعلمين وتأليب بعضهم على بعض . وقد تكون هذه الثانية شيئا لم تقصد اليه وزارة المعارف ، ولكنها من غير شك شيء تورطت فيه وزارة المعارف فلماذا يسكت أساتذة دار العلوم وغيرهم يقضى فى أمورهم ويستشار فى مدرستهم وفيهم الكفء وفيهم الخبير بأمر هذه المدرسة وفيهم القادر على أن يشير في أمرها بالخير .
تحدثت منذ حين إلى وزير المعارف فأنبأني بأنه حريص كل الحرص على أن يشترك في اصلاح التعليم رجال من الاخصائيين وبالغ فى ذلك حتى طلب إلى أن اسمى له ناسا يقدرون على الخير فى هذا وان لم يكونوا من وزارة المعارف وبالغ في هذا فاعلن إلى أنه يتمنى أن يستعين بالأخصائيين من أهل على اصلاح التعليم يندبهم لذلك خاصة . فحمدت للوزير هذا القول الحسن الذى يدل على فطنه وذكاءه وحسن رأى في التعليم . ولكنني بحثت عن الاخصائيين فى رجال الاصلاح فرأيت أن الاجانب لم يدعو ، وأن المصريين الخارجين عن وزارة المعارف لم يدعوا ، وأن المعلمين أنفسهم لم يهتموا ، بل رأيت شراً من هذا ، رأيت أن لجنة قد ألفت لوضع مناهج التعليم في دار العلوم وجمعت بين رجال المعارف ومعلمى المدرسة وآخرين ليسوا من المعارف ولا من المدرسة . فعدل عن هذه اللجنة لأنها كانت سيئة التأليف على لجنة أخرى حسن التأليف ليس فيها اجنبى عن الوزارة لان ثياب الوزير يجب أن تغسل في الوزارة ، وليس فيها معلم من المدرسة لان اساتذة المدرسة يجب أن يشعروا بأنهم جنود في هذه المدرسة يؤمرون فيأمرون دون أن يستشاروا أو يشيروا أو يحفل لهم برأى .
أقرأ هذا وفكر فيه وحدثنى عما يمكن أن ينتج من خير ، وحدثنى عن الوزارة التي تسلك هذا السبيل ملحة في سلوكها مهما يشير عليها المشيرون وينصح لها الناصحون . اتستطيع أن تنتهى بالتعليم إلى الخير؟ ثم حدثنى الست محقاً حين انبئك في أول هذا المقال بأنى يائس من الخير العاجل حين أكتب فى نقد هذه الوزارة ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى ما هو شر منه ، فقد احدثك بقيمة المعلم في وزارة المعارف ولكن في غير هذا المقال .
طه حسین
السياسة ، ٣١ يولية ١٩٢٣ .








