
ثورة حية وحياة ثائرة
أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون فى جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون فى جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوى عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات فى كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم فى الحياة . يمس الموظف فى ديوانه ، والعامل فى مكتبه أو معمله والزارع فى حقله ، والعامل فى مصنعه .
أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته فى أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع فى شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شى.
كذلك أريد أن أرى المصريين فى هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون فى أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
بل هم يعيشون فى أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذى يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – 11 ١ ٠٠٤٠٠ أن كهن غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو فى القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة فى النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم فى غمرة ساهون لا هون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرين منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذى لا طائل فيه ، وهم العاجزين منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
قوم يضيعون حياتهم فى البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم فى السخط والشكوى وفى البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس فى أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة فى شى بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة فى شى .
أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هى واضحة مستقيمة قريبة يكفى أن نقصد اليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هى تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذى يقتضى أن تستقر الثورة فى كل ضمير وأن تضطرم جذوتها فى كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر فى تدبير أمرها كل عقل ويدعوا إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
هذه السبيل هى ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من
المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع فى أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذى يمكن من الأخذ فى تنفيد المشروعات الكثيرة التى تهيئ للإصلاح الصناعى والزراعى وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكنى أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد فى تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهى معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هى قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغى أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغى أن تكون جريئة بطبعها .
ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ فى مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شى من الثقة والثقة لا تأتى وحدها إنما تأتى حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
أنى أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم فى مصر ، وهذا خير ما فى ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر فى مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم فى قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
إحدى اثنتين أما أن يكون فى مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق فى إصلاح مصر! وإما ألا يكون فى مصر مال، وإذن فمن أين يأتى هذا المال الذى ينفق فى ألوان من الترف السخيف الذى لا يغنى؟ .
ليصدقنى رجال الثورة أنهم فى حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا
إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم فى إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
وما أشك فى أن هذا الامتحان سينتهى بأصحابه إلى النجح .
وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر فى إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم فى مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
طه حسين
الأهرام١٩٥٣/٢/٧
بين الرضى والسخط . . .
ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل ، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق . يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل فى نظم جديدة يجب أن تستقر .
والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل . تشاؤم بما كان قائما وما لايزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغى أن يكون ، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع اليه . ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها ، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن فى طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم ، وقعودا عن العمل ، واستسلاما للأحداث ، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل ، لأن فى طغيان هذه الخصال ، استراحة إلى الوهم ، واطمئنان إلى الخيال وفتورا فى النشاط .
والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغى أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة ، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف فى الأمل الذى ينتهى أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.
أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت فى هذه الأيام حول شؤون التعليم فى مصر. فليس من الحق فى شى ء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح ، ولا مكان فيه للسخط ، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.
وليس من الحق فى شى أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء . فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن . ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام ، فهى فى هذا القرن خير مما كانت فى القرن الماضى ، وهى بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك . ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم ، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه ، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة ، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها .
ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسى الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل ، ففتحت المدارس والجامعات ، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء ، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد ، ومضت فى سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم فى عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم .
والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح ، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا .
ولو قد سألت أى وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا ، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم ، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذى لا ينقضى ، والذى يملأ الحياة أمامهم ظلاما . وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب ، ناسيا لنفسه ، جادا فى الإصلاح ، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصى عليه من المشكلات .
ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون فى الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس ، وإنما يضيعون أوقاتهم، وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق فى تعليمهم من المال الذى يحصى بالملايين الكثيرة ، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا فى الصباح ذلك أجدر أن يفسد رأيهم فى معاهدهم ومدارسهم ، ويهدر ثقتهم بأنفسهم ، ويسى ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد . فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة ، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفى نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم ، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التى يتقاضونها والتى لا تكاد تغنى عن أكثرهم شيئا ، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون فى غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه ، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر فى مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا إنما الحق علي الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأى أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذى يرغب فى الإصلاح ويحبب التقدم والرقى . وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما فى أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.
ليس من شك فى أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة فى وقت يقصر أو يطول . وقد قبلت وزارة المعارف فى هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت فى العام الماضى كما يقال . فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه فى القلة . ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس فى هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة فى مثل هذا بالقياس إلى الجامعات .
أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم ان قليلا من العلم خير من الجهل ، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التى يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها .
وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا استثنى منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضى فى سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذى اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة فى ذلك توسعا عظيما وليس لمشكلات التعليم فى مصر حل إلا هذا يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية .
بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادى الآن وبذلك سأنادى ما وسعنى النداء ، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء ، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا فى غير مشقة ولا عناء .
وأمر الجامعات كأمر المدارس هى أقل مما ينبغى ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم ، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شى .
فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التى لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره .
ولست أخفى علي وزير المعارف أنى ضقت أشد الضيق بما قاله فى إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية هذا كثير مسرف فى الكثرة لأنه ليس صحيحا فقد يكون فى كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة ، وإنما هى كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس فى كثير من الجامعات الأجنبية ، وهى بعد ذلك فى حاجة إلى الإصلاح شأنها فى ذلك شأن كل شى فى مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح فى يوم من الأيام لأن الكمال شى لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه .
وبين يدى كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التى ظلمها وزير المعارف فى خطبته تلك . وهى كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث ، وتفوقا فيه ، ولا تقل عن الكتب التى يصدرها الجامعيون فى غير مصر . وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم ، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا .
وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم ، ولا يتابعون نشاطهم ، ولا يستقصون بحوثهم ، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات .
وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا فى حاجة وستكون دائما فى حاجة إلى الإصلاح ، وليس لها أن ترضي عن نفسها ، فليس يرضى عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود ، فأما الذين يطلبون الرقى ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال ، فهم ساخطون دائما ، راضون عن أنفسهم أحيانا، يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقى، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج .
وإنى لأرجو ملحا فى الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتى اتخذتها بشأن التعليم العام . فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث فى وقت ملائم ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح ، والشى الذى لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شى كما تشكو من الكظة والازدحام .
فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا .
طه حسين
ثم ماذا . . .
لم يسئنى سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال ، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه ، ويعبثوا به ، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل ، وقيام الوهم سخف من السخف ، ولون من ألوان التضليل ، وسقوطه تحرر من الخرافة ، وتبرؤ من عبادة الأصنام التى لا تغنى عن الذين يعبدونها شيئا .
لم يسئنى إذن سقوط الدستور ولم يسرني ، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم ، مهما يكن ، طائفة من حقوق الشعب ، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا ، مع أن الدستور ينصفهم ، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء . وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذى ظلمهم أو سامهم الضيم ، وأن يظفروا بالنصفة . وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه ، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور .
من أجل هذا لم يسرنى سقوط الدستور ، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه .
ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة ، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد ، فالحياة التى نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدرى أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن ، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد فى إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه .
والناس يختلفون فى هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذى يضعه ولأى نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم فى هذا الأمر كهذا الوقت الذى ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور . فهو الوقت
الذى يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه ، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتى وبما يحسن أن يدع .
وكان الدستور الذي ألغى قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون . أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذى لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل ، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه ، ومن قلبه وعقله ، ومن آماله وآلامه وحاجاته . وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التى مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء . ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضى عنه الناس ، وآمنوا به ، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود فى سبيل صيانته ، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل ، ثم ألغى ، ووضع مكانه دستور آخر ، وقيل أن الدستور منحة من الملك ، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل . ثم قويت هذه النظرية فى نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه فى غير موقف ، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه ، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء فى مناصب الحكم . حتى لم يبق شك آخر الأمر فى أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان .
وإذن فأول ما يجب حين نفكر فى وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله ، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب . فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات ، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال ، إنما وضع للشعب كله الذى يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول فى أن يختار لنفسه نظام الحكم ، وفى أن يضع لنفسه أصول النظام الذى يختاره ، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التى تتعاقب عليها . وإذن فأول ما ينبغى هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب ، فليست فى مصر قوة تستطيع أن تهدى إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذى يعطى نفسه الدستور الذى يريد ، وهو الذى يعطى كل هيئة من هيئاته ، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط فى الخطأ ويهيأ المشكلات التى
لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل . والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد ، وليس من شك فى أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد ، ولكنه فيم أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل .
وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة ، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة . أو من أقل من مئة . وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف فى أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذى يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب فى درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا . فقد ينبغى أن يكون الوقت الذى يمضى بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف فى الطول .
وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمى إلى استفتاء الشعب فورا فى الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة . وأنا أشارك صديقنا فى هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهى إلى تقرير النظام الجمهورى الذى يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه . فقد عاشت مصر على النظام الملكى منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هى التاريخ إلى الآن . وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا ، كان لها فى العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا . ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد . وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمى الذى ينزلونه على أنفسهم من السماء ، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم ، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتى منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التى تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون ، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التى يرسمها لهم الدستور ، يرزقهم على ذلك أجورهم ، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون . وقد
سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعى والرعية ، والسيد والمسود ، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء :
مل المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها امراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذى ارتقي فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا فى الوهم من توارث الملك لا لشى إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا .
كل هذا كان يساغ فى العهود الماضية ، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أى شى آخر .
ولم ينكر المسلمون فى أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التى استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم . وفى وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم ، والحكمة والحلم ، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة فى بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذى هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشى إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها .
لا أشك إذن فى اتجاه الشعب المصرى الآن إلى النظام الجمهورى . فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة امرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما . فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغى ألا تدفع إلى الإسراع الذى يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التى تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلى الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها ، وعرض عليها المشروع الذى أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها .
فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وانفذ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم ، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدرى إلى أى وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذى أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع فى غير طائل فسينفقه الشعب فى نوعين من النشاط الخصب النافع الذى هو فى أشد الحاجة إليه والذى من أجله كانت الثورة .
أحد هذين النوعين هو النشاط فى إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه ، والآخر هو نشاط النهضة فى التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح فى حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات .
كذلك أفكر فى حياتنا الجديدة التى بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم ، ولست أدرى أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسى من أمر المستقبل؟ ولكنى أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا.
طه حسين
الأهرام ، ١٣\١٢\١٩٥٢
صورة …
لن أبيح لنفسى أن اتعمق الأحداث الطارئة فى مصر وبينى وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وانما أصور ما تأثرت به فى هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هى الا ساعات حتى استحال هذا القلق والاشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغنى اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو.
وما هى إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الامل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وانما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت فى طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها فى شيء.
ثم أصبح ذات يوم فاقرأ فى الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار فى نفسى من العواطف وما دار فى عقلى من الخواطر وما خفق به قلبى من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر فى طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا فى ذلك العهد لم يكن الجيش فى حاجة إلى أن يتدخل فى أمر من الأمور فظل فى مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما فى هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة فى منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
فقد كان الجيش هذه الأمة التى دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت فى الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التى خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدى وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون فى الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة فى رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا فى الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقى حين تحركت بى السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتى حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دونى أثناء أجازة الصيف التى أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التى تنشر ما أرسله اليها من فصول .
وقد وصلت إلى ايطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس فى روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته فى هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذونى فى ذات وطنى يقولون لى قليلا ويضمرون فى أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن فى الحياة حتى يضطرب قلبى ويضطرب لسانى قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم فى مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون فى ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكرى يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكرى قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر فى بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ فى إجابتى كما كانوا يتحفظون فى أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بى ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت اليه الأمور فى وطننا .
أما قراءة الصحف فكانت عذابا أى عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة فى أوروبا كما كانت منغصة فى مصر . ولم أشعر بشى ء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التى لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفنى فيها أحد والتى لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. فى هذه القرية كظمت غيظى وجعلت أجيله بينى وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا فى الصحف وأقرأ كثيرا فى الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة .
ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير فى مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور فى مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير .
تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلى وإذا نور اليقين يغمرنى من جميع أقطارى وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها فى ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجى فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلى ذلك أن فساد الأمر فى داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أى خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها .
بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر فى الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا فى الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما فى نفوسهم من غل وجشع وحقد.
لقد ثابت مصر إلي نفسها فى هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هى سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هى آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق فى مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة .
بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب .
طه حسين
الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢
كلمة . . .
ذهب كاتب فرنسى معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التى يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغى للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير فى نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم فى الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغى للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس . ولا ينبغى له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية فى بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع فى مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذى يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام .
ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسى أثناء هذا الصيف . ولست أدرى اذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا فى شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الانتاج حيث استطاع إليه سبيلا ، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة ، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج فى هذه البيئة الفنية المترفة التى يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتى تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغنى عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض ، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
رأى وأنكره أشد الانكار وصور ضيقه وإنكاره فى هذه الكلمة التى ذاعت عنه فى إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم ، قال لبعض رفاقه يكفى أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدرى الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء ، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدرى أكان وجوه المترفين فى تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت فى نفسى كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيرى من الناس ، وليس يضنينى أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم فى الترف ناضرة أو عابسة ، حسنة أو قبيحة وإنما الذى يعنينى وما أشك في أنه يعنى هذا الكاتب الفرنسى أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراض هذا الضمير أم ساخط ، أمطمئن هو أم قلق ، أباسم هو أم عابس! أمتعب هو أم مستريح ، ولست أدرى كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق فى النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا فى البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
ولست أدرى كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعر ف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم فى الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
ولست أدرى كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق فى ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد ، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة .
ولست أدرى آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسى لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما فى العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون .
نعم لست أدرى كيف يستمتع ضمير الرجل . الحر بالرضي والطمأنينة ، والابتسام والراحة ، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال ، وغرقوا فى شقاء لا يعرفون له قرارا . فهذه الوجوه التى رآها كاتبنا هذا الفرنسى قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما فى نفوس أصحابها من البشاعة والقبح ، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعى بالتضامن بينه وبين نظرائه فى هذه الحياة أنه يفزع اليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمى الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء فى إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذى يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذى يقرون النظام ويحفظون الأمن فى أوقات للسلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون فى ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه ، يعملون له فى أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له فى مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفى تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفى تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة ، لا يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف وليستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التى يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها ، وما أعرف أنى ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة فى قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسى بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة فى البر والبحر وما أذكر أنى آويت إلى فندق فى السفر، أو آويت إلى دارى فى الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسى بشى من أمر هؤلاء الذين يتيحون لى بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لى الراحة ويبتسمون ليعدوا لى شيئا من نعيم.
وما أكثر ما نقرأ فى الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا ، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر فى نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون فى قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون فى عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون فى سيرتهم مع الناس بما يجدون فى قلوبهم من
شعور وما يدبرون فى عقولهم من تفكير ، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذى ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعى فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح .
فكرت فى هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسى بل فكرت فى أكثر من هذا كله وفكر ت في ثورتنا المصرية التى جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتى أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها فى حزم وعزم لا تردد فيهما وفى جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسى أيتاح لى ولأمثالى من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعى الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم فى الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلى بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعى صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان ، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد انصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما فى أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا .
أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا ، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
طه حسين
البلاغ ، ٤\٩\١٩٥٢
نسيان ا لنفس …
ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمنى ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس فى هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص فى القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا . والرجل الشجاع حقا هو الذى يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذى يستطيع أن يضبط نفسه فى مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجنى ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم فى ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به فى ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه فى هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذى يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل. شى ء محتاطا لكل طارئ ، كان المصرى الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها فى كل ما تستقبل من الإصلاح .
أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التى نطمح إليها وأمانينا التى نحرص على تحقيقها وآفاتنا التى نريد أن نخلص منها .
وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفى والانتقام .
وأحب أن أسجل قبل كل شى أنى قرأت أحاديث فى هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفى ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة فى تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجى أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هى لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا .
ولكنى قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلي الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسى إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم فى أن يسيئوا إليه .
والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التى تحدث فى بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة . وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم . فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم .
وما أشك فى أن العهد الذى سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم ، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك . ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزى الآثم والمسى بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة . فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك فى قليل أو كثير.
ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها ، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه . فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقى الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا .
وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها فى الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأى ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا .
فلسنا إذن فى حاجة إلي أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى . والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذى أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا . ولهم فى بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتى وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم فى بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلي صحفهم من ذلك ما يحبون ، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطأهم فى الحكم علينا وفى تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجتنياً .
وأى منفعة للمصريين فى أن يتهم بعضهم بعضا فى الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة فى حقوق الوطن والممالأة عليه . كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه فى صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء .
أؤكد للقراء أنى لا أفكر الآن فى نصر مصرى على مصرى ولا فى تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أنى مصرى ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت ، أبيح لنفسى ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها .
والأيام التى نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هى أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلي الكرامة التى يطلبها والعزة التى يرجوها والعدل الذى يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفى بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجى الذى نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن فى مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغى والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب فى سبيل الأهواء والشهوات .
كم أتمنى أن يتخذ كل مصرى من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحيفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم فى شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا .
وكم أتمنى أن يظهر الرأى العام المصرى على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة .
وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن فى نسيان المرء نفسه فى مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أى صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينس نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال.
طه حسين
البلاغ ، ٢٥\٨\١٩٥٢
هزل وجد . . .
أنفقت أياما عشرة لا تصل إلى فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إلى الصحف الفرنسية أو الإيطالية . وأرادت الظروف ألا يكون فى الفندق الذى أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد فى مصر من الأحداث . فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هى طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التى لا تقنع ولا ترضى ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة . وجعلت أظن الظنون وأقدر فى نفسى ألوانا من الفروض تصور لى الحياة الواقعة فى مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلى على الأنباء ، وكنت مشغولا عن كل شى، بالتفكير فى ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله فى حياتنا التى نحياها اليوم وفى حياتنا التى سنحياها غدا أو بعد غد .
ولم أكن أشك فى أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلى عن كل شى بهذا التفكير وكنت لا أفكر فى أمس القريب أو البعيد إلا لأوزان بينه وبين اليوم أو لإوزان بينه وبين غد أو بعد غد . وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلى قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة . وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغى ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسى أن الزمان قد استدار فى مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغى ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره .
كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا . ولكن الصحف المصرية تصل إلى ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة .
رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغى البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شى لا فى الظاهر ولا فيما ورائه من خفى الأشياء والأسرار . كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع ، وتتبع للصغائر وإغراق فى البحث عنها ومضى فى الجدال الذى لا يغنى عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
الأحزاب ماضية فى خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية فى تلقط النوادر التى يتفكه بها الناس حين يلقى بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإنى لفى ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت فى ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض . فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمى باللغة العربية وسوء تصرفي فيها . وما رأى القارئ فى أنى لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط فى حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف فى هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء فى مغنى اللبيب لابن هشام . وقد أغرقت فى هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأنى أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال . فالناس جميعا يعلمون أنى لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها . والناس جميعا يعلمون أنى لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع فى شى ، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهى ولا أعرف كيف أقول . الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا . ولست أنا الذى طلب إلى الناس أن يسمونى بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبونى بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه .
لم أمعن فى الضحك إذن لأنى أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت فى الضحك العميق العريض الطويل الممض لأنى ذكرت تلك الصورة التى استقرت فى نفسى لمصر قبل أن تصل إلى الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شى من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها . ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير . وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والابصار والاسماع كل هذا فى ناحية وأمامه فى ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها ، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا . ولكن له أمثالا كثيرة فى صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسنى من قريب أو بعيد وإنما تمس غيرى من الناس . وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغى أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث .
لقد كانت بينى وبين قوم من المصريين خصومة فى شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إلى أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتنى إليه الأحداث اضطرارا . فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل فى بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
وقد ساءلت نفسى دائما وفى كثير من الالحاح عن بيت المتنبى :
وإذا كانت النفس كبارا
تعبت فى مرادها الأجسام
كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذى طالما ألقيته على نفسى حين قرأت الصحف التى وصلت إلى من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذى غير حياة مصر فى أيام قليلة بل فى ساعات قليلة فرد اليها شرفها وكرامتها فى داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصرى بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع فى عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول فى أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا .
ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذى يمعنون فيه ، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأى خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هى مقبلة عليه من عظائم الأمور .
أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا . ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب :
والشيخ إن قومته من زيغه
لم يقم التثقيف منه ما انحنى
فأى غرابة فى أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأى غرابة فى أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التى مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شؤون الإصلاح السياسى والاجتماعى والعقلى أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعى فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهى تفكر فى تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء . يسمعون هذا كله فلا تصغى إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم فى غير موضع للابتسام . ولابد من أن يأتى يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين . وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعنىبالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر واللامعان فى السخف . نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة . ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون مازال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول . فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتى يومهم الذى يوعدون .
طه حسين
لأهرام ٦\٩\١٩٥٢
الفئة الضائعة
هى هذه الفئة التى تفكر بعقولها وتهدى الناس بتفكيرها والتى تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتى تصفى الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية ، تزكى فى نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال . هى فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بهاما لم يذوقوا ، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال .
هذه الفئة التى تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى فى روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا فى الأرض عن علم بها وقدرة على السير فى مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس ، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها ، وتيسير مصاعبها ، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب .
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد . . فى أقرب حقوقها إليها ، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين .
وما اكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم ، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا ، فهم بين هاتين – المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها .
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن ، لا يحفل بهم أحد ، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى فى أمورهم وهم
غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى فى أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم :
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام فى قانون حقوق المؤلفين هذا ، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذى مهد طريقه إلى البرلمان فى العهد القديم . ثم قيا . إنه بعث فى العهد الجديد بعد أن أغرق فى النوم ، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك ان يستوى قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم . ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء .
وتكلم الأدباء فى شأنه من بعيد ، من بعيد جدا ، دون أن يسألهم عنه سائل ، أو يؤامرهم فيه مؤامر ، ثم قيل فى هذه الأيام أن نشاطه قد عاد اليه وانه يسعى فى طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدرى أهى الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون لم يسعوا إلى . الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعى ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت ، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم فى هذه الحياة الحديثة التى لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون ان يسلكهم نظام ، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الاشياء تقتضى أن يسألوا ويستأمروا ، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة أودعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى فى أمرهم دون مشورة منهم ، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب . . فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها ، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذى أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فاهملهم الناس .
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمى غيرهم من عامة الناس .
وهم بذلك قانعون واليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم فى هذا القانون الذى يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شى ينكرونه فلا ينبغى لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا فى أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم ، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد ، أثيرت بعض مشكلاته فى الصحف فقال فيه بعضهم ما قال فى هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات . . لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون .
ومن يدرى لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمى آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء فى العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدباءنا وعلماؤنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعنى الحكومة بحماية هذه الحقوق . . . لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل ، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه ، إنما هو كلام يقال ويحمى بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية . فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شى جديد لم يكن يخطر لهم ببال . وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة .
فالأديب صاحب فن ، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء ، كأن الموسيقى ليست فنا ، وكأن الغناء ليس فنا ، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشى آخر، كذلك يفكر كثير من أدباءنا وعلمائنا.
هم يعيشون فى العصور القديمة ، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه . فللأدباء والعلماء فى البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما
وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء فى أقطار الأرض ، على تباعدها وتنائيها ، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم فى شى .
وقد تغيرت حياة الأديب فى الشرق كما تغيرت حياة الأديب فى الغرب ، فليس فى الشرق ولا فى الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما . وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح فى سبيله ويجد فى الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم .
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها ، وإنما ينتجه للإنسانية كلها ، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى . ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر فى حمايتهما بعد ذلك ، ولا يقصر فى الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا .
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى ، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما ، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادى المشهور؛ قانون العرض والطلب ، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان .
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع فى بيئة العالم والأديب إلا بالقانون ، ولا سبيل إلى حمايتها فى البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمى تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا .
كل هذه أوليات استقرت فى نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدباءنا وعلماءنا يجهلونها ، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها ، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما . . ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من انتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا ، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا . ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعنى بهم
ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة . وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها ، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس ، وأن يعنوا بها لتعنى بها الحكومة ، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم ، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق . فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون فى غيره من الفنون .
والزمان لا يحفل بشكواهم ، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فتحيى فيها ألوانا من الجمال . وقديما قيل : «أعن نفسك تعنك السماء» .
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم ، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التى إن صدق فيها شى فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم :
صرت كأنى ذبالة نصبت تضئ للناس وهى تحترق
طه حسين
الجمهورية ، ١٨\١\١٩٥٤










