Tag: anniversary

  • الأزمة المنكورة | The Crisis Nobody Will Name

    حديث الوادي
    غدا . . .
    غدا يتبين الرشد من الغي، وينسل النور من الظلام، ويعلم قوم أين يكون الحق، وأين يكون الباطل، وأين يكون الذين يعللون أنفسهم بالآمال والأماني، وأين الذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يعملون إلا عن يقين.

    غدا يتبين أنصار الوزارة القائمة أنها إن كانت الآن شيئا، أو إن لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فستصبح في يوم من الأيام وهي حديث من الأحاديث، وخبر من الأخبار، وذكرى من الذكريات.

    في مثل هذه الأيام من العام الماضي كان صدقي باشا في باريس، يصطاف، ويستريح، وينشر في الجو أحاديث تدل على القوة التي لا حد لها، كما تدل على الضعف الذي لا حد له، تدل بالضبط على الاضطراب، وفقد الصواب، وضياع الاتزان السياسي الذي يجب أن يتمتع به رؤساء الوزارات.

    كان يتحدث إلى هؤلاء، بأنه عائد إلى مصر وقد يرفع استقالته، وكان يتحدث إلى أولئك بأنه عائد إلى مصر وقد لا يستقيل، وكان يقول لهذا المكاتب من مكاتب الصحف، إن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وكان يقول لمكاتب آخر إنه لا يفهم لماذا تستقيل الوزارة ما دامت مستمتعة بثقة البرلمان وعطف الملك. وكان يقول لهذه الصحيفة الأجنبية، إنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز من مشكلاتهم العامة ليتحدث إليهم في المشكلات الخاصة.

    وكان مكاتب الديلي تلغراف في القاهرة يبرق إلى صحيفته بأن وزارة صدقي باشا غير مرغوب فيها، وكان صدقي باشا يبرق إلى الديلي تلغراف، بأن مكاتبها كان قاسيا ظالما، متجاوزا للحق متجنبا للصواب.

    وكان الوزراء هنا يعلنون الثقة ببقائهم في مناصبهم، ويضمرون الخوف من نزولهم عن مناصبهم، وكانوا إذا تحدثوا إلى الناس أو خطبوا فيهم، أظهروا القوة والبأس وهاجموا الديلي تلغراف وما يشبهها من الصحف. كانوا إذا خلوا إلى أنفسهم أداروا أمورهم بينهم وجلين، واستعدوا لغدهم متحفظين. وكانت صحف الوزارة تذهب مذهب الوزارة، فتصور الأمر لقرائها على غير وجهه وتزعم أن الوزارة باقية في مناصبها، ما وثق بها البرلمان، حتى إذا خلا كتابها إلى أنفسهم دقوا يدا بيد، وأجهدوا أنفسهم ليتبينوا من أين تأتي الريح.

    ثم أقبل صدقي باشا فاستقال، وترك له جلالة الملك أن يقدر الأمر ويرى أتسمح له صحته بالعمل أم تريده على الراحة؟ فاستحيا، واستخذى، وتراجع، واستكان، وتكلف استشارة الأطباء، وأعلن أنه قادر على العمل، ومضى في الوزارة، وزعم أنه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان في تلك الأيام.

    ثم لم يمض أسبوعان حتى هوى صدقي باشا من القمة إلى الحضيض، كان كل شيء، فأصبح وهو لا شيء. كان قوة كله، فأصبح وهو ضعف كله، كان جبارا فأصبح خاضعا لأضعف الوزارات وأعجزها عن الجبروت. وهم أن يعتز بالنظام الذي وضعه والبرلمان الذي جمعه فخذله النظام، وتخلى عنه البرلمان. ثم تفرق عنه أعضاء حزبه، وأصبح طريدا من الهيئات السياسية كلها، لا يأوي إلى ركن، ولا يعتز بنصير.

    بدأت هذه السلسلة في مثل هذه الأيام من العام الماضي وكان رئيس وزرائنا الرجل الطيب، غائبا في باريس يصطاف ويستريح. فلما كان ذات صباح أو ذات مساء جاءه البرق بأنه قد أصبح رئيس وزراء. ولم يكن الرجل ينتظر هذا ولا يفكر فيه، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

    وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان اضطراب ظاهر في التمثيل السياسي لإنجلترا في مصر، مندوب ينقل، وآخر يختار، ثم يقال إن المندوب المنقول، سيعود إلى عمله حتى يأتي المندوب الجديد، وكان هذا كله يحدث في الجو المصري اضطرابا واختلاطا، ويملؤه بالأنباء والإشاعات وكان المخاصمون للوزارة يقرأون، ويسمعون، ويصورون الأمور لقرائهم كما يرونها لا يزيدون فيها وقد ينقصون منها، لأنهم كانوا يتحفظون، ويكرهون أن يقال إنهم يتعجلون الحوادث ويستحثون الأيام. فماذا يحدث الآن؟ وماذا يقال؟ وماذا ينشر هنا وهناك.

    كل شيء يصور وزارتنا القائمة ضعيفة أشد الضعف وإن زعمت أنها قوية أعظم القوة، عاجزة أشنع العجز وإن زعمت أنها قادرة أبرع القدرة. مضطربة أقبح الاضطراب، وإن زعمت أنها ثابتة أحسن الثبات، هي مؤمنة بقوتها، إذا تحدثت إلى الناس ولكن الله وحده يعلم، والراسخون في العلم يقولون، إنها إذا خلت إلى نفسها لم تجد حلاوة هذا الإيمان ولا حرارته، ولا ما يبعث الثقة في النفوس، والاطمئنان في القلوب.

    وصحف الوزارة تظهر الأمن والرضى، والثقة بغد وبعد غد، ولكن كتابها إذا خلوا إلى أنفسهم، أو تحدثوا إلى الناس سألوا أين هم، وماذا يراد بهم، وأين يكونون غدا. والمندوب السامي يسافر في إجازة كانت قصيرة فيما يقال فإذا هي تطول وكان يراد أن ينوب عنه رجل من أهل داره، فإذا الذي ينوب عنه رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية. والصحف الإنجليزية تكتب من عند نفسها أو من عند وزارة الخارجية، أو من عند مكاتبيها في مصر، إن طوارئ قد تطرأ، وملمات قد تلم، وإن التمثيل الإنجليزي في مصر يجب أن يكون قويا، حازما، عازما، قادرا على التصرف السريع حين تطرأ الطوارئ، أو تلم الملمات.

    والصحف الإنجليزية الكبرى تنشر لمكاتبيها في مصر كلاما عن ضعف الوزارة القائمة وشحوب لونها السياسي، وذهاب التضامن بين أعضائها، ووجوب التغيير والتبديل:
    إما غدا زعموا أو لا، فبعد غد.

    ثم يراد من المصريين بعد هذا كله أن يناموا، وأن يؤمنوا بأن الأمور كلها مستقيمة، وأن الأحوال كلها هادئة، وأن الحياة المصرية لم تكن في يوم من الأيام مستقرة كما هي الآن، لولا فيضان النيل، وفساد الآداب على ساحل البحر، وتأليف جماعة الشبان المصريين.

    هؤلاء الوزاريون أصحاب سذاجة لا حد لها، يحسبون أن أمتهم من البله والغفلة، بحيث يخدعها لعب الأطفال، وعبث الإغراء. لو أن الأمور هادئة مستقيمة، والحياة صالحة مستقرة لما اضطربت العقول إلى هذا الحد، ولما اختلطت أمور السياسة إلى هذا الحد، ولما نشأت هذه الأنباء من الهواء فليس المصريون هم الذين خلقوا الطوارئ وحديثها، وليس المصريون هم الذين ندبوا المستر بترسون لينوب عن المندوب السامي، وليس المصريون هم الذين قالوا للتيمس والديلي تلغراف وغيرهما من الصحف ما أذاعت وما لا تزال تذيعه من حين إلى حين، لم يفعل المصريون شيئا من هذا كما أنهم لم يدعوا العفاريت إلى تلك الدار التي ظهرت فيها العفاريت منذ أيام. وكما أنهم لم يأمروا النيل أن يسرف في الفيضان. فإذا كان الوزاريون يريدون أن يخفوا الحقائق الواقعة على أنفسهم ويحبون أن يخفوا رؤوسهم، حتى لا يروا ما قد تقبل به الأيام، لأنهم محتاجون إلى هذه الشجاعة التي تمكنهم من مواجهة الحقائق، ومن الإيمان بأن الأيام دول، وبأن المناصب تقليد لا تخليد، كما تعودت المقطم أن تقول. إذا كان الوزاريون على هذا النحو من الضعف والخوف والاضطراب فلينعموا بضعفهم وخوفهم، واضطرابهم ولكنهم يسرفون على أنفسهم إن ظنوا أن المصريين جميعا مثلهم يضعفون أمام الحقائق الواقعة ويخافون من الطوارئ الممكنة، ويضطربون أمام المفاجآت.

    كلا. إن المصريين ما زالوا يذكرون أمس القريب وقد فهموا دروسه أحسن الفهم وهم لذلك يرقبون غدا، وقلوبهم مطمئنة، وآمالهم مشرقة، ونفوسهم راضية، لا لأنهم يخدعون أنفسهم، ويظنون أن الغمة قد تنجلي مفاجأة وعلى غير انتظار، بل لأنهم أيقاظ غير نيام، وحذرون لن يؤخذوا على غرة، ولأنهم يعرفون حقهم، ويصرون على أن يستمسكوا به، ويأبون إلا أن ينتبهوا إليه.

    هم لا يخافون الغد، كما أنهم لم يفرقوا من أمس، هم واثقون بأن الأمة إذا أرادت شيئا فهي منتهية إلى ما تريد، سواء أرضى الطغاة والمستعمرون أم كانوا ساخطين.

    فلننتظر غدا ولينتظره الوزاريون فما نشك في أن قوما سيضحكون من قوم، وما نشك في أن قوما سيشفقون على قوم إشفاقا تصحبه ابتسامة، فيها شيء كثير من الازدراء. . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٩/ ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موقف . . .
    أصبح منذ اليوم، بل أمسى منذ أمس واضحاً كل الوضوح، جلياً كل الجلاء، لا يثير حيرة ولا شكاً، ولا يغشاه غموض ولا إبهام، وبطل هذا الوضوح الواضح، وهذا الجلاء الجلي، هو رئيس الوزراء، وكم في الدنيا من أعاجيب، فقد أصبح رئيس وزرائنا الرجل الطيب بطلاً من أبطال الوضوح ومشرقاً من مشارق النور، ومصدراً من مصادر الاطمئنان، ومبعثاً للإيمان واليقين.
    لا تنكر شيئاً فليس ينبغي لك أن تنكر شيئاً، وإنما أنت رجل مصري، خلقت لتؤمن إن طلب إليك الإيمان، ولتطمئن إن طلب إليك الاطمئنان، كما أنك رجل مصري خلقت لتأتمر إن صدر إليك الأمر، ولتنتهِ إن وصل إليك النهي، فإن خالفت، فقد تلقى من الشطط ما تطيق وما لا تطيق.
    نعم أصبح موقف مصر السياسي واضحاً بعد أن كان غامضاً، وسهلاً بعد أن كان حرجاً، ويسيراً بعد أن كان دقيقاً، لأن رئيس وزرائنا الرجل الطيب أراد أن يكون هذا كله فكان. والناس الذين يعقلون ويفقهون، يعلمون حق العلم أن الأمور إذا تعقدت لا تحل بهذا اليسر، وأن المشكلات إذا ثارت لا تنتهي بهذه السهولة، وأن الحرج إذا اشتد لا ينفرج بكلمة يقولها رئيس الوزراء وإن كان رجلاً طيباً، وإن كان اسمه عبد الفتاح يحيى باشا، ولكن الأمور في مصر تجري كما قلنا لك ألف مرة ومرة، على غير ما تجري عليه في سائر البلاد. فلتتعقد الأمور وليشتد الحرج ولتزدحم المشكلات، وليمتلئ الجو بالأنباء والأحاديث، وليجرِ خيال الناس في غير طريق، وإلى غير أمد، ولتنطلق ألسنة الناس بالممكن والمستحيل، فكلمة واحدة يلقيها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، خليقة أن تمحو هذا كله، وأن ترد الجو صحواً صفواً، كأن شيئاً لم يكن؛ ذلك لأن رئيس وزرائنا رجل طيب، وفي كلماته بركة خليقة بأن تبدد الغيوم، وتذود السحاب، وتهدئ العواصف، وتقر القلوب في الصدور، والعقول في الرؤوس والألسنة في الأفواه، والغريب أن المصريين على اختلافهم لم يؤمنوا بهذه البركة إلى الآن، ولم يرفعوا رئيس وزرائهم الرجل الطيب إلى مرتبة القديسين وأصحاب الكرامات.
    وأغرب من هذا أن تتعرض حقوق مصر للخطر، وأن تعيش مصر أياماً، مملوءة بالحرج، لم تعشها منذ عهد بعيد في تاريخها الحديث، وأن تحدث، في مصر أحداث لم يعرف لها نظير أيام الحماية، ولا قبل أيام الحماية، وأن نجد رئيس الوزراء مع ذلك سبيلاً إلى أن يقول ويعمل، ما يدعو إلى المزاح، وما يثير الميل إلى الفكاهة، وما يكره الناس على أن يبتسموا، بل على أن يغرقوا في الضحك أي إغراق.
    فرئيس الوزراء يوافقنا على أن ما ألقاه إلى “المقطم” أمس من الحديث لم يكن جداً، وإنما كان لوناً من ألوان الدعابة لا يمحو شكاً ولا يزيل ريباً، ولا يرد الناس إلى ثقة ولا إلى اطمئنان، ورئيس الوزراء يعذر الناس من غير شك حين يعلم أنهم قرأوا هذا الحديث فرفعوا الأكتاف وهزوا الرؤوس، وقال عقلاؤهم ما أجدر الوزراء المصريين أن يذكروا أنهم لا يحكمون أطفالاً، ولا أغراراً، وإنما يحكمون رجالاً راشدين، ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه كان بين اثنتين حين تحدث إلى “المقطم” أمس؛ فإما أنه كان يسخر من الناس، ويعلم أنهم لم يؤمنوا لما يقول، وإما أنه كان سيئ الرأي في الناس، يراهم من السذاجة والبله بحيث يصدقون ما ليس إلى تصديقه سبيل.
    ما هذا الكلام الذي يلقى في غير تحقيق ولا احتياط؟ ليست في مصر أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذن ففيم نشاط الإنجليز الذي لم يعهد مثله من قبل، وفيم التفتيش على الشرطة في ثكناتها وأقسامها؟ وفيم زيارة نائب المندوب السامي لدولة توفيق نسيم باشا؟ وفيم غداء الأمير محمد علي على مائدة المندوب السامي؟ وفيم لقاء نائب المندوب السامي لرئيس الوزراء؟ وفيم سعي المستشار المالي بين دار المندوب السامي ورئاسة الوزراء؟ وفيم اجتماعات الوزراء على انتظار، وفيم اجتماعات الوزراء أحزاباً وشيعاً عند هذا الوزير أو ذاك؟ وفيم اتصال الرسائل البرقية بين دار المندوب السامي ووزارة الخارجية البريطانية؟ وفيم إلحاح بعض النواب من أنصار الوزارة عليها بالسؤال؟ وفيم اجتماع بعض النواب وإشفاق إدارة الأمن العام من هذا الاجتماع وتقدمها إلى بعض أصحاب الصحف ألا ينشروا ما قد يقره المجتمعون؟ وفيم سفر بعض النواب للقاء رئيس الوزراء، واعتذار رئيس الوزراء من لقائهم مكتفياً بما ألقاه إلى “المقطم” من حديث؟ فيم هذا كله، وفيم غير هذا كله مما لا نبيح لأنفسنا التحدث فيه، إذا لم تكن هناك أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذا لم يكن هناك خلاف بين الوزارة والإنجليز؟ ألم يكن أكرم لرئيس الوزراء وللشعب المصري أن ينظر رئيس الحكومة إلى الشعب كما ينظر الحاكم الرشيد إلى شعب رشيد، فينبئه بما يستطيع أن ينبئه به من حقيقة الأمر، ولا يخفي عليه الأمر إخفاءً، ولا يتحدث إليه كما يتحدث الكبار إلى الصغار، أو كما يتحدث الآباء إلى الأطفال؟ فما نظن رئيس الوزراء أرشد ولا أقدر على فهم السياسة والنهوض بأثقالها من كثير جداً من هؤلاء المصريين الذين يخفي رئيس الوزراء عليهم أمور السياسة إخفاءً، ويبعدهم عنها إبعاداً.
    ليست هناك أزمة، ولا شيء يشبه الأزمة، وإذاً فما هي هذه الجملة التي جاءت في آخر حديث رئيس الوزراء، والتي أضافها رئيس الوزراء إلى حديثه إضافة، واستوقف من أجلها مندوب “المقطم”، والتي يزعم فيها أنه سيعمل مع زملائه لصيانة حقوق الوطن والعرش؟ فحقوق الوطن والعرش معرضة إذاً للخطر، محتاجة إذاً إلى أن تصان. فما عسى أن يكون هذا الخطر؟ ومم يجب أن تصان هذه الحقوق؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن حديثه لم يجل غموضاً، ولم يمح شكاً، ولم يزد على أن أضحك الناس، وإن كان الضحك لا يحسن في مثل هذه الظروف؟، قد يكون رئيس الوزراء حريصاً على ألا يقول شيئاً في هذه الأيام، بحق أو بغير حق، فقد كان الأكرم له وللناس أن يعلن إلى مندوب “المقطم” أنه لا يستطيع الآن أن يقول شيئاً، أو أنه يرى أن المصلحة تقضي عليه الآن ألا يقول شيئاً. كان هذا أكرم لرئيس الوزراء، وأكرم للناس من هذا الحديث الذي لم يتحدث بشيء. متى يعرف الحكم أن وقت الاستخفاف بأحلام الشعب قد انقضى وأن الشعوب لا ترضى من وزرائها في هذا العصر إلا الجد والصراحة والإخلاص؟ الناس إذاً يعلمون حق العلم أن الموقف ما زال دقيقاً أشد الدقة، حرجاً أشد الحرج، والناس إذاً يقدرون أن حفلات العيد ستنقضي اليوم، وأن الأيام القليلة المقبلة ستلقي على الموقف من الضوء ما لم يلقه حديث رئيس الوزراء.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موقف…
    وما يزال موقفنا غريباً أشد الغرابة، شاذاً أعظم الشذوذ، نابياً أشنع النبو، عن كل ما ألفته البلاد التي تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً منظماً في القرن العشرين.
    لم يجد فيه شيئاً يزيل غرابته، أو يخففها، أو يدنيه من أن يكون معقولاً بعض الشيء، ولعل الذي جد فيه منذ أمس يزيده غرابة وشذوذاً، كما يزيده عسراً وتعقيداً، فأما الإنجليز فنشاطهم لا ينقطع ولا يفتر، ولكنه متصل يشتد من حين إلى حين، فأما يوم الخميس فنائب المندوب السامي يفتش على الشرطة في الثكنات والأقسام، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات السابقين فيقضي معه وقتاً غير قصير، وفيما بين ذلك يزور المطافئ، ويزور قيادة الجيش المحتل، وهذه الحركات كلها تنبئ بأمرين خطيرين: أحدهما أنه يجاهر المصريين بالدخول في أمورهم الخاصة، في غير تحفظ ولا احتياط، والثاني أنه تهيأ لأمر لا يعرفه، ويريد أن يستيقن أنه إن أقدم فستواتيه الظروف، وسيكون قابضاً على ناصية الحال كما يقولون، فإذا كان يوم الجمعة رد له رئيس الوزارة السابق زيارته في الإسكندرية، بين قطارين كما يقول الفرنسيون، فإذا كان يوم السبت، وصلت الأنباء إلى رئاسة مجلس الوزراء بأن نائب المندوب السامي سيزور الرئيس، ثم أجلت الزيارة في غير تحديد، ثم كانت الزيارة مساءً في دار الرئيس، والناس يتحدثون في أثناء هذا كله بأن الرسائل البرقية الرمزية، متصلة بين دار المندوب السامي، وبين وزارة الخارجية البريطانية والسير مايلز لمبسون.
    هذا إلى ألوان أخرى من النشاط منها المعروف الذي يتحدث به الناس ومنها المجهول، الذي لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وأما الوزراء فيجتمعون ويفترقون ويقيم بعضهم في القاهرة أياماً فإذا دعي إلى الإسكندرية أبطأ في الاستجابة لهذا الدعاء، حتى يكون الإلحاح.
    والوزراء يلتقون أفراداً وجماعات في مكاتبهم وفي دورهم، وناظر الخاصة الملكية، والسكرتير الخاص لجلالة الملك، يلقيان رئيس الوزراء في الصباح والمساء، كما يلقيان غيره من زملائه، وأما النواب فبعضهم يسأل عن تفتيش المندوب السامي على الشرطة، وبعضهم يسأل عن صمت الحكومة وإغراقها فيه، والوزارة لا ترد على هذا ولا على ذاك، فيجتمع فريق من النواب والشيوخ، ويتدابروا ليتشاوروا ويتخذوا قراراً، ولكن مدير الأمن العام يقظان، غير نائم، فهو لا يمنح طرفه الجامعة وكلية الحقوق ودار بعض الطلاب وحدها، وإنما يمنح طرفه أيضاً دار البرلمان، ليرى من يذهب إليها، ومن يخرج منها، ومن يجتمع فيها. ثم يمنح طرفه الصحف، ليرى من يزورها، ومن ينصرف عنها، ثم يتحدث إلى أصحاب الصحف ليطلب إليهم ألا ينشروا ما قد يرسله إليهم النواب من عرائض تنير الخواطر، وفي أثناء ذلك تراقب المحطات في الإسكندرية وفي سيدي جابر، لتعرف الوزارة من يقدم على الثغر، ومن يخرج من الثغر، ثم تشتد المراقبة حول دار رئيس الوفد، وحول الكازينو، وحول الدور التي ينزل فيها أعضاء الوفد المقيمون في الإسكندرية.
    هذا هو موقف مصر الرسمية بالضبط، فأما موقف الشعب فهو كما صورناه أمس، موقف قلق واضطراب، بل موقف إمعان في القلق والاضطراب، ما يزال الناس يتساءلون إذا لقي بعضهم بعضاً عما كان أمس، وعما هو كائن اليوم، وعما سيكون غداً، بل عما كان في الصباح، وعما هو كائن في المساء، وعما سيكون إذا جن الليل – والخيال يذهب إلى أبعد الآماد، والألسنة تنطق بأغرب الأحاديث، وفي أثناء هذا كله يجتمع مجلس الوزراء فجأة، ثم يتفرق الوزراء المجتمعون، ثم يسأل بعض الصحفيين رئيس الوزراء عن هذا الاجتماع، فيجيب أنه اجتماع عادي ليس فيه شيء غير مألوف.
    وتنشر بعض الصحف مساء أمس أن الوزارة لا ترى بأساً من إصدار بلاغ تبعث به الطمأنينة في نفوس الناس على صحة جلالة الملك. وإذا كان الصباح لم يصدر البلاغ، وإنما قالت الصحف إنه قد يصدر وأن أولياء الأمر يترددون في أمره، أيصدره مجلس الوزراء أم يصدره الأطباء الذين يعنون بالمليك؟ فإلحاح الناس إذن على الوزارة في إصدار نشرات طبية لم ينته إلى إصدار هذه النشرات بل إلى الوعد بإصدارها.
    نظن أننا قد صورنا موقف المصريين الرسميين، وموقف الشعب وموقف الإنجليز أدق تصوير ممكن في هذه الأيام، ونحب أن نعلم بعد ذلك كيف تستقيم هذه المواقف كلها وكيف تتفق مع النظام، الذي تحكم به مصر، وهو النظام الديمقراطي. ومن الذي جعل أمور الشعب المصري الحر المستقل بأموره الخاصة على أقل تقدير وقفاً على الوزارة وعلى دار المندوب السامي وعلى رجل أو رجلين، من كبار الموظفين في القصر الملكي؟ وكيف يفهم أن تصبح حياة أربعة عشر مليوناً من الناس سراً مكتوماً على كل هذه الملايين، على خاصتها وعامتها، على ساستها ومثقفيها، على قادتها وزعمائها، سراً لا يعرفه إلا اثنا عشر رجلاً يستأثرون به، ويدبرون أمره، ويتصرفون فيه دون أن يقولوا لهذه الملايين شيئاً، أو يشركوا قادتها وزعماءها في شيء.
    ثم كيف يفهم أن تكون مصر فيما يقال دولة مستقلة ذات سيادة تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً، وأن يكون أشد الأشياء مساساً بحياتها شركة بين الإنجليز وبين اثني عشر رجلاً من المصريين دون أن يكون لهذا الشعب كلمة تسمع أو رأي يلتفت إليه.
    هذا كثير وأكثر منه أن يمضي الوزراء فيه، وأكثر منه أن يلح الناس على الوزراء في الخروج من هذا الصمت، فإذا الوزراء لا يزيدون إلا إغراقاً في الصمت، نظن أن الوقت قد آن ليخرج الوزراء من صمتهم وليعرف المصريون إلى أين يدفعون، ونظن أنه لا ينبغي للمصريين أن يريحوا الوزارة من الإلحاح والمطالبة في كل لحظة ومن كل هيئة، حتى تخرج الوزارة من هذا الصمت الثقيل، ومن هذا النوم العميق، أو تقيل إذا كانت عاجزة عن أن تعمل أو عن أن تقول.
    طه حسين
    (٢) الوادي، ٧ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أدب . . .
    يظهر أن الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد في الإسكندرية أثناء الشهر الماضي قد أثمرت وآتت أكلها طيباً لذيذاً، وتعلم منها بعض الناس ما يجب أن يتعلموا من وزير التعليم، فعفت ألسنتهم وأقلامهم عن الإثم، وبرئت نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من العيب والأذى، فأصبحوا ملائكة كراماً يذودون عن ملائكة كرام.

    وما كان ينبغي أن يخرج وزير التقاليد في خطبته عن طوره ويتجاوز ما لا ينبغي أن يتجاوزه الرجل المثقف العادي فضلاً عن وزير التعليم من أدب الحوار، ومن نزاهة اللفظ حين يتحدث عن الخصوم وإليهم. ما كان ينبغي أن يتجاوز وزير التقاليد هذا كله وأن يلزمه المتصلون به، واللاجئون إليه، والناطقون بلسانه ولسان حزبه من الكتاب والصحفيين. فقد تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بالجبن والخيانة والاضطراب والتردد وما إلى ذلك من تلك الألفاظ البشعة التي نريد أن نعف حتى عن نقلها في هذا الحديث، تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بهذه الصفات وأن يعلن هذا الوصف في خطبة يسمعها الوزراء وتذيعها الصحف، ويعجب لها الأجانب حين تُترجم لهم بعضها، فلم يبق بد من أن يكون الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد نافعاً مفيداً، ومن أن يكون أسرع الناس إلى الانتفاع به والاستفادة منه، هؤلاء الذين يزعمون أنهم مرآة لوزير التقاليد ولحزبه القوي، يصورون للناس في كل يوم ما يمتاز به الوزير وحزبه من نزاهة الأيدي والألسنة وطهارة الضمائر والقلوب. وكل ما نتمناه الآن أن تقف العدوى من وزير التقاليد عند هؤلاء الكتاب والصحفيين وألا تتجاوزهم إلى الطلاب والتلاميذ، فيعظم الشر، ويشتد الخطر، ويجر وزير التقاليد على وطنه كارثة في الأخلاق ما ينبغي أن يجرها وزير التعليم.

    هذه الصحيفة الفرنسية التي تنطق عن وزير التقاليد وعن حزب الاتحاد قد أرادت اليوم أن تدافع عن الإبراشي باشا، وأن تقف منه موقف المناضل الذي يحميه من هجمات الخصوم، فأمعنت في سخف كثير، ودفعت إلى لغو لا خير فيه، ولا حاجة بنا إلى الوقوف عنده، ولكنها أحسنت تقليد وزير التقاليد وأجادت تأثره واتباعه والانتفاع بدرسه القيم المفيد. فهي تصف الصحفيين الذين عرضوا للإبراشي باشا بأنهم جبناء، يحتمون بصحفي أجنبي صغير هو مكاتب “التيمس”.

    نعم هي تصف الصحفيين المصريين الذين عرضوا لناظر الخاصة الملكية فنقدوا دخوله فيما ليس له أن يدخل فيه، بأنهم جبناء، وهي تعلم من هم هؤلاء الصحفيون. تعرفهم بأسمائهم وتعرفهم بأشخاصهم، وتعرفهم بأقدارهم وتعرفهم بأعمالهم، وتعرفهم بما احتملوا في سبيل الاستقلال المصري من أذى وبما لقوا من مكروه، وتعرفهم بصفاتهم التي قد تستطيع أن تبحث عنها أو عما يشبهها أو عما يمكن أن نذكر معها في حزب الاتحاد فلا تظفر بشيء، فقد يكون من الغريب أن تكون هذه الصحيفة التي تنطق عن حزب الاتحاد هي التي تصف بالجبن قادة الرأي المصري في السياسة والأدب وفي كل أنحاء التفكير.

    من الغريب حقاً أن يكون أحمد ماهر ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد وتوفيق دياب وطه حسين جبناء، وأن تكون الشجاعة في حزب الاتحاد عند هؤلاء الذين يعيشون من حوله وينطقون بلسانه من المحدثين، لا أقول في الكتابة ولا أقول في الأدب، وإنما أقول في المصرية نفسها، هؤلاء الطارئون على الحياة المصرية طروءاً، الداخلون فيها دخولاً، هم الذين يصفون قادة الرأي في مصر بالجبن والخوف، والاحتماء بصحفي إنجليزي صغير هو مكاتب “التيمس”..

    على أن هذا ليس كل شيء، فالصحيفة الفرنسية لا تقف عنده ولا تكتفي بأن تصف قادة الرأي المصري بالجبن، وإنما هي تمعن في الانتفاع بدرس وزير التقاليد حتى تتفوق عليه، وتصل من ارتفاع الأدب وسمو الخلق، ونزاهة اللفظ، إلى ما عجز الوزير عن أن يصل إليه، فتطلب إلى هؤلاء الكتاب من قادة الرأي المصري أن يحطموا أقلامهم وأن يفتحوا متاجر «للمودة» يختلف إليها النساء. لا تعجب أيها القارئ ولا تدهش فقد ترجمنا لك ما قالته صحيفة وزير التقاليد ترجمة حرفية، وهي تدافع عن زكي الإبراشي باشا وتريد أن تحميه من هجوم الخصوم.

    هي تطلب إلى هؤلاء الكتاب من المصريين أن يدعوا الصحافة والكتابة وأن يقفوا حياتهم على المودة وعلى تزيينها للنساء. وهي تظن أنها قد بلغتهم، وآذتهم ونالت منهم، وأرضت المثل الصحفي الأعلى الذي تحبه “الأجبشيان جازيت” والتي كانت تزعم أن الصحافة المصرية لم تبلغه بعد، فلتنظر “الأجبشيان جازيت” فلعل صحيفة حزب الاتحاد ومرآة وزير التقاليد قد بلغته، ولعلها قد جاوزته، ولعلها قد ضربت للصحافة العليا مثلاً جديداً في الأدب، وفي نزاهة اللفظ وسمو الأخلاق.

    ليس من شك في أن كاتب هذا المقال «جنتلمان» عند “الأجبشيان جازيت” فهو ملازم لوزير التقاليد، مصور لآرائه، ولعله تغدى معه منذ حين على مائدة المندوب السامي، فعرف كيف يكون الرجل الصحفي «جنتلمان».

    أما بعد فإن دفاع مثل هذا الكاتب عن الإبراشي باشا لا يشرف الإبراشي باشا، وانتماء مثل هذا الكاتب إلى وزير التقاليد وحزب الاتحاد لا يشرف وزير التقاليد ولا حزب الاتحاد، ولو لم يكن من آثار حزب الاتحاد إلا أن تعيش في مصر مثل هذه الكائنات، وأن تنمو وأن تتخذ صناعة القلم تجارة وأن تؤجر آخر الشهر على إيذاء الأدب والإساءة إلى الأخلاق، لكان هذا كافياً لأن يؤمن المصريون بأن بلادهم لا تنتظر من حزب الاتحاد خيراً كثيراً، فلعلها تنتظر منه شيئاً آخر غير الخير الكثير.

    أما بعد فقد يحسن بالصحفيين المصريين أن ينظروا إلى أنفسهم وأن يحكموا أمورهم وأن يبينوا للناس أنهم يبرأون من كل من يتخذ القلم وليس له بآداب القلم علم، وينهض بالصحافة وليس له بواجب الصحافة شعور.

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ١٠/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وطنية. . .
    كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام حتى أصبح شيئاً يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية بحمد الله أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها أو يدلوا عليها أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والآباء، لولا أن مما يدعو إلى الضحك حقاً ويدعو إلى الحزن حقاً أن تتخذ الوطنية تجارة ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسوا حديث الوطنية وزعموا أن الذين يتحدثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض.
    هؤلاء أنصار الوزارة القائمة يذكرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، وينكرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية وأين كان سادتها الوزراء وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون، أن يبحث عنه أو أن يعلمه أو أن يتحراه.
    في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئاً ولا تنطق حرفاً ولا تأتي حركة وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حيناً، وفي النهار حيناً آخر، في الصحراء مرة وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتاً لم يكن من ذهب، ولم يكن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.
    فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أهينت في أرضها واحتقرت في وطنها؟ وكيف أرضيت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحفظة للكرامة القومية.
    تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس إن طال الانتظار فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أن وزاراتهم قد تستقيل أو تقال.
    إن الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدين بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أنشئت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة ولا يجرؤون على أن يواجهوها بأنفسهم ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا ولا يسعون إليه إلا أن يظلهم تأييد الإنجليز أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يؤثرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إن الذين يقصون أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى أسيوط ويضعون مكانه أستاذاً إنجليزياً، إن الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية، لأنه أجنبي ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يشقون على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب يتقاضونها منهم في أيامها وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملأوا بها أفواههم وهم جادون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يقبلون من الأجانب ضيماً، ولا يرضون من الإنجليز تدخلاً في شؤون الشرطة ولا في شؤون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأذلاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم والحق يفرض عليهم والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.
    هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حساباً لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.
    . طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١٨ .

    حديث الوادي
    اعترافات. . .
    من زعم لك أن الرجل الطيب، هادئ النفس مطمئن القلب، فارغ البال، ينام ملء جفونه إذا كان الليل ويضحك ملء شدقيه إذا كان النهار فلا تصدقه ولا تسمع لما يقول. فرئيس الوزراء بعيد كل البعد عن هدوء النفس، ناءٍ كل النأي عن اطمئنان القلب، محروم كل الحرمان ما يحب من فراغ البال، وليست المشكلات العادية هي التي تنغص نهاره وتؤرق ليله، فالرجل قد عاش مع هذه المشكلات منذ أسندت إليه أمور الحكم، وهو قد عاش معها كما يعيش الصديق مع الصديق، عيشة كلها صفو ومودة، لا ينغصها ملل ولا سأم ولا يفسدها ضجر ولا ضيق – ولعل رئيس الوزراء لم ينتهِ إلى حل المشكلات لأنه يألف أن يعيش مع المشكلات ويرى في عشرتها المتصلة لذة ومتاعًا لا لأنه يعجز عن حل هذه المشكلات – فالرجل طيب ولكنه ذكي، والرجل طيب ولكنه قوي، ولو أنه أراد أن يحل هذه المشكلات لما أعجزه ذلك، ولكنه استبقاها حتى لا تصبح حياته كلها سهلة يسيرة ممهدة. هو إذن مشغول البال بغير هذه المشكلات العادية؛ لأن هذه المشكلات العادية لا تشغل باله، إنما هي المشكلات الطارئة التي تحدث الناس بها في أول الصيف، ثم أخذوا يلحون في الحديث بها شيئًا فشيئًا كلما تقدم الصيف، ثم امتلأ بها الجو المصري امتلاءً، منذ أقبل نائب المندوب السامي. وقد انتشرت الإشاعات واختلفت واصطدمت فيما بينها اصطدامًا عنيفًا حتى شغلت الناس عن كل شيء أثناء هذه الأسابيع الماضية، وكان رئيس الوزراء شجاعًا جلدًا وحازمًا جريئًا، فثبت لهذه الإشاعات وقاومها بالصمت العميق، ثم خرج عن المقاومة إلى المهاجمة، فتحدث وأكثر من الحديث، وتبعته الصحف الوزارية فهاجمت كما هاجم وتحدثت كما تحدث، ولجت في النفي والتكذيب كما لج الرجل الطيب نفسه في النفي والتكذيب، ولكن الإشاعات فيما يظهر لا تريد أن تخاف، ولا أن تعرف الخوف، ولا تحب أن تفر ولا أن تفكر في الفرار، وإنما تثبت لرئيس الوزراء كما يثبت لها رئيس الوزراء، وقد آثرت الإشاعات أن تسكت أيامًا لتتيح لرئيس الوزراء وأنصاره أن يفرغوا جعبتهم وأن يقولوا كل ما عندهم. ثم بدا لها فعادت إلى الحركة والنشاط، وإلى الانتشار والإلحاح فيه، وهذه المقطم التي كانت تنفي وتسرف في النفي، والتي كانت تكذب وتغلو في التكذيب، والتي كانت تتخذ الشعر ولغته وسيلة إلى النفي والتكذيب، قد عادت أمس تسجل بعض ما كانت تنفي من الإشاعات فتتحدث بأن للإنجليز رغبات قد تحدثت بها بعض نواحيهم لتبلغ جهة مصرية ما، وتتحدث بما يقال من رئاسة الديوان الملكي قد تسند إلى رئيس بعد أن ظلت خالية وقتًا طويلاً، ولم يكد الناس يقرأون المقطم ويفقهونه ويتبينون ما أراد المقطم أن يشير إليه حتى أسفر صبح اليوم، وإذا صحيفة من صحف الوزارة تصدر بالفرنسية قد كتبت فصلاً غريبًا، لم تتعود أن تكتب مثله، ولم يكن ينتظر منها أن تكتب مثله، فهي تثني على الصحافة المصرية كلها، وهي تثني على الصحافة المعارضة خاصة، وهي تثني على رؤساء التحرير في صحف المعارضة بعد أن كانت يوم الأحد الماضي، تنصح لهم بأن يحطموا أقلامهم ويشتغلوا بتجارة «المودة» وبعد أن كانت تصفهم بالجبن والخوف.
    نعم هي تثني على صحف المعارضة ومحرريها لأن هذه الصحف نسيت ما كان يملأ قلب أصحابها وأحزابها من الحقد والموجدة وأعرضت عن الخصومات الداخلية كلها، فاتفقت مع غيرها من الصحف الموالية على شيء واحد تأمر به الوطنية الصادقة وهو حماية الاستقلال، ومقاومة التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية الخاصة. ومن المحقق أن صحف المعارضة قد استجابت اليوم كما استجابت من قبل، وكما ستستجيب دائمًا لدعوة الوطنية الصادقة، وقاومت وستقاوم دائمًا كل تدخل أجنبي في الشؤون المصرية الخاصة لأنها لم تنشأ إلا لهذا ولأنها لا تفهم الحياة إلا على هذا، ولكن قومًا آخرين تعرفهم هذه الصحيفة يحسنون جدًا وضع أصابعهم في آذانهم حين تدعوهم الوطنية الصادقة إلى حماية الاستقلال، وإنكار التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية، والاحتجاج على التفتيش الذي قام به نائب المندوب السامي على الشرطة والمطالبة بترضية مصر والمصريين عن اعتداء الجند البريطانيين على أبناء الشعب اعتداءً كان من نتائجه الموت.
    هؤلاء الناس يتجرون بالوطنية يلوذون بها حين يرون في ظلها أملًا في البقاء، ويعرضون عنها حين يرون في ظلها تعرضًا للخطر. مهما يكن من شيء فصحيفة الوزارة هذه تسجل كما سجلت المقطم أمس أن الموقف السياسي دقيق وأن الاستقلال المصري معرض للخطر وأن الوطن في حاجة إلى اتحاد أبنائه، وإذن ففي الجو شيء، وفي الجو شيء خطير، وقد كانت نفس هذه الصحيفة منذ يوم أو يومين تنكر أن يكون في الجو شيء كما كانت صحيفة المقطم تنكر أن يكون في الجو شيء. وإذن فهل طرأ طارئ جديد؟ وهل حدث حادث لم يكن يعرفه الناس وما يزالون يجهلونه؟ وصحيفة رئيس الوزراء نفسها تسجل أن في الجو شيئًا صباح اليوم فهي تشتم المعارضة كما تعودت ولكنها تتحدث عن الساعة الرهيبة وتذكر أن الوزارة لا تستطيع أن تفرغ للمعارضة لأن عليها واجبًا جليل الخطر هو إنقاذ الوطن، إنقاذ الوطن من ماذا؟ لقد كان كل شيء هادئًا في رأي الوزارة وصحفها إلى أمس فهل حدث شيء منذ أمس؟ وماذا عسى أن يكون هذا الشيء؟ كلا لم يكن كل شيء هادئًا، وإنما كان كل شيء مضطربًا أشد الاضطراب، ولكن الوزراء وأنصار الوزراء كانوا يتكلفون المقاومة ثم أدركهم العجز عن هذه المقاومة فأخذت صحفهم تعترف ببعض الحق لن تنقضي أيام حتى تعترف هذه الصحف ويعترف الوزراء معها بالحق كله وحتى يعلم الناس علم اليقين أن هذه الإشاعات التي حدثتهم عن الأزمة لم تكذبهم وإنما صدقتهم كل الصدق، وحدثتهم بالحق الذي لا شك فيه. ولو أن الوزراء يقدرون ما يحملون أمام وطنهم من تبعات لما ترددوا في أن يظهروا مصر على ما يمكن أن تظهر عليه من أمور هذه الأزمة، ولما تركوا هذا الشعب كله في هذه الحيرة وفي هذا الاضطراب ولكنهم منحوا أنفسهم من العصمة ما لا يملكون فاستأثروا بأمور الشعب من دون الشعب وظنوا أنهم قادرون على أن ينهضوا بالأثقال وحدهم، ثم لم يلبثوا أن أحسوا العجز وتبينوا أنهم أضعف من أن ينهضوا بهذه التبعات وهاهم أولاء الآن يلتمسون عون الشعب وتأييده وما كان الشعب ليبخل بالعون والتأييد ولكن على قوم يحبهم ويحبونه، يثق بهم ويثقون به، يطمئن إليهم ويطمئنون إليه. والوزراء يعلمون حق العلم مكانهم الصحيح من حب الشعب وثقته واطمئنانه ونظنهم يعلمون حق العلم أيضًا أن الواجب الوطني يكلفهم في هذه الأيام العصيبة أن يستقيلوا وأن يدعوا مكانهم لقوم آخرين يجدون من نصر الشعب لهم وتأييده إياهم قوة تمكنهم من أن يحققوا للوطن ما يجب له من حقوق. فالشعب أكرم من أن يهن في المطالبة بما يجب له من حق، فالذين ينتظرون تأييد الشعب، يجب عليهم أن يرضوا الشعب، والذين يعتمدون على حب الشعب، يجب عليهم أن يعلموا أن الشعوب لا تحب بالإكراه وإنما تحب بالرضى. والشعب المصري لا يحب إلا الذين يعترفون له بحقه الكامل في الحرية والكرامة والعزة والاستقلال، فعلى الذين يريدون هذا الشعب على أن يؤيدهم وينصرهم، أن ينزلوا قبل كل شيء لهذا الشعب عن حريته وأن يحفظوا له كرامته وعزته، وأن يعترفوا بأن أمور الشعب يجب أن يديرها وكلاء الشعب الذين يربطهم به الرضى والحب، لا القهر والعنف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • خطب جوفاء: بلاغة بلا معنى | Hollow Speeches: Eloquence Without Meaning

    حديث الوادي
    خطبة . . .
    سيلقيها وزير التقاليد إن شاء الله حين يمضي من هذا الشهر ثلثاه ، وحين يستقبل الناس مساء اليوم الحادي والعشرين منه . هنالك في اجتماع كبير خطير ، يضم الأعلام وغير الأعلام من أعضاء الحزبين الشقيقين ، ومن أوليائهما وأصدقائهما ، ويزدان بهذه المصابيح المنيرة ، والكواكب المشرقة من وزراء الدولة ، على اختلاف أحزابهم وميولهم ، هنالك في هذا الاجتماع الكبير الخطير ، ستقبل هذه الخطبة على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالسيل ، نستغفر الله أن من الخطأ البياني والضعف الأدبي أن يشبه تدفق الخطب ، بتدفق السيل في هذه الأيام التي ينحدر فيها النيل هائلاً مخوفاً كأن في كل موجة من موجاته ، عفريتاً من الجن ، فهو لا يدع شيئاً مر به إلا اقتحمه اقتحاماً ، أو التهمه التهاماً ، أو التقمه التقاماً حتى أزعج الظاعن والمقيم ، وروع القريب والبعيد ، وأقام وزارات الأشغال والحرب والأمن وغيرها من الوزارات على قدم واحدة لا على قدمين .

    إذن نستقبل خطبة وزير التقاليد ، على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالنيل ، وهنا مشكلة أخرى . فإن السجع لا يستقيم بين الليل والنيل ، كما كان يستقيم بين الليل والسيل لأن نون النيل مكسورة ، فهل يأذن لنا المجمع اللغوي ، في فتحها ليستقيم الكلام فما ينبغي أن نتحدث عن خطبة يلقيها وزير التقاليد ، بكلام لا يستقيم مهما يكن من شيء فستكون هذه الخطبة رائعة ، بارعة ، وعنيفة مخيفة ، ورقيقة رشيقة ، ومفحمة ملزمة ، وسيؤمن الإسكندريون ثم يؤمن معهم المصريون ، ثم يؤمن معهم الشرقيون ، بأن عصر الفصاحة والبلاغة والبيان المعجز لم ينته بعد ، وأن الأمة العربية ما زالت بخير ، وأن من حقها أن تطمئن على أنها ما زالت لغة الضاد ، التي لا ينبغي الشك في أنها أفصح اللغات ، فوزير التقاليد أفصح من خطب ومن سيخطب ، وأبلغ من كتب ومن سيكتب ، وأبرع من دافع ومن سيدافع ، وأقدر من حاور ومن سيحاور على إفحام الخصوم .

    والناس مختلفون في الموضوعات التي سيتناولها وزير التقاليد في خطبته السياسية الخطيرة حين يلقيها في اجتماعه السياسي الخطير . فمنهم من يزعم أنه سيثبت بالبرهان القاطع ، والدليل الساطع أن النظام مستقر ، وأن أمور الأمن تجري على ما يرام ، ومنهم من يظن أنه سيتنبأ بما ستجري به الحوادث : إذا جاء الشهر المقبل ، فسيكون شيء من تغيير ولكنه يسير ، يقف عند إخراج وزير وإدخال وزير . وقد يتجاوز ذلك إلى إقامة رئيس مكان رئيس . ومنهم من يقول إنه سيتحدث عن الصلة بين مصر وإنجلترا وسيزف إلى سامعيه أنباء مفاوضات لا ريب فيها ، ومعاهدات لا مفر منها ، وسينتهي من ذلك إلى إعلان أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن . .

    أما أنا فلا أصدق شيئاً من هذا ولا أميل إليه ، وإنما الظن أن وزير التقاليد قد أحس أن غيبة البرلمان قد طالت ، وأن سكوت الوزارة قد اتصل ، وأن الحكومة قد أقدمت على أمور ، وأحجمت عن أمور ، وأن الشعب ، في حاجة إلى خطبة سياسية رائعة جامعة تبين له عما خفي من سياسة الوزارة ، وتفسر له من سيرتها الغامض والملتوي ، وإذن فستكون خطبة وزير التقاليد السياسية أشبه الأشياء بخطبة برلمانية ، يراد بها طمأنة البرلمان ، على ما كان ، وإذا اطمأن البرلمان ، فقد اطمأن الشعب ، لأن البرلمان صورة الشعب كما يقول فقهاء الدستور .

    وعلى هذا فسيكون وزير التقاليد ، ترجمان الوزراء جميعاً ينطق بلسانهم ، ويعرب عما ظهر وبطن ، من أغراضهم ، وآمالهم ، وهو سيبدأ من غير شك بوزارة المعارف عملاً بالحكمة القديمة : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، وهو سيبين للناس كيف نقل الأستاذ مصطفى نظيف من مدرسة الهندسة العليا إلى مدرسة أسيوط الثانوية بعد أن شغل المنصب الذي كان الأستاذ يرشح له بأستاذ بريطاني عملاً بالحكمة القديمة القائلة : من تواضع لله رفعه ، لأنه يحس في المصريين شيئاً من الطموح والكبرياء فهو يريد أن يعلمهم كيف يتواضعون؟ . .

    وسيبين للناس كيف فصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق بقرار من مجلس الوزراء ، في غير تحقيق ولا سؤال ، لأسباب منها ما هو مكذوب من غير شك ، وإن لم يعرف بالضبط ذلك الكاذب الذي اختلقه وضلل به الوزراء . ومنها ما هو في حاجة إلى البحث والاستقصاء ، لأنه لا يعدو أن يكون شبهة يدل كل شيء على أنها باطلة ، عملاً بما أوصى به الحكماء من أن الغلو في الحذر خير من الركون إلى الثقة . ومن أنه يباح للوزراء في أوقات الاضطراب أن يأخذوا بالظنة ويعاقبوا على الشبهة ، ويسيروا سيرة زياد حين أخذ له أعرابي يسير في الليل بمدينة البصرة ، فلما سئل عن ذلك أنبأ بأنه قادم من سفر بعيد ، ولم يعلم بما تقدم الأمير فيه إلى الناس ، ألا يخرجوا إذا جنهم الليل ، فقال زياد للأعرابي : إنك لصادق ولكن في قتلك صلاح الرعية ، ثم أمر به فأذيق الموت .

    وسيبين للناس كيف اتخذ قانون التعليم الحر وسيلة إلى إنشاء مراقبة جديدة ينفق فيها المال على بعض الرجال ويفسد بها النظام ، وتختلط فيها أمور التعليم ، وسيبين للناس كيف بسط سلطانه على المصريين الذين يتعلمون في أوروبا ، فهو يراقبهم جميعاً ، ويأمر الوزارات ألا تعين منهم أحداً إلا إذا أذن بتعيينه ، وسيبين للناس كيف مثل مصر في مؤتمر التعليم برجل لا يحسن لغة أجنبية ، ولا يلم من أمور التعليم بشيء ذي بال ، إذا قيس إلى الأخصائيين في الوزارة وفي معهد التربية ، وكيف كلف هذا الرجل الذي لا يحسن لغة أجنبية أن يلم بالعواصم الكبرى ليبحث في مكتباتها عن الكتب العربية المخطوطة مع أن البحث عن هذه الكتب ميسور في غير سفر ولا ارتحال .

    وسيبين للناس أشياء كثيرة أخرى حتى إذا أشبعهم من وزارة المعارف انتقل إلى وزارة الداخلية ، فنوه ببراعة وزيرها الخطير ، في حماية الأمن ، وإقرار النظام ، ومحاربة الوفد ، ومطاردة الوفديين ومراقبة رئيس الوفد ، ومحاصرته ، وحشد الجند له إن سافر أو أقام ، ولن يهمل تبسيط الإجراءات ولا حماية الآداب على السواحل ولا جباية الضرائب في غير احترام للقانون . فإذا أشبع الناس من وزارة الداخلية انتقل إلى وزارة المالية فأثنى على وزيرها النابغة بما هو أهله ، وذكر استقباله للمندوب السامي في الصبرية ، وذكر جهوده في حل مشكلة الدين العقاري التي لم تحل بعد ، وفي تفريج أزمة الدين العام التي ترك تفريجها للإنجليز فإذا أشبع الناس من وزارة المالية انتقل إلى وزارة الحقانية ، فذكر أزمة المحامين وكيف اختلست من البرلمان اختلاساً ، وذكر تشريع الصحافيين ، وكيف يراد أن يسبق به البرلمان مسبقاً ، وذكر أزمة المحاكم المختلطة وكيف أهديت إلى الإنجليز إهداءً .

    ثم ينتقل إلى وزارة الأشغال ، فيذكر براعتها في حماية مصر من الغرق ومهاراتها في الإجابة على مذكرات المندوب السامي ، حين يكتب إليها المذكرات ، ولياقتها في الإعراض عن المصريين حين يسألونها عن بعض ما يعنيهم من الأمر .

    وقد ينتقل إلى وزارة الأوقاف إن سمح له الوقت ، ولم تصب التخمة أعضاء الحزبين الشقيقين . فيذكر عزمها على تغيير قصة المولد النبوي ويثني على وزيرها ويسجل له هذه التضحية البالغة التي أقدم عليها في أغسطس الماضي ، حين ذكر سعداً وحده ، في غرفة من غرف داره ، لم يشارك في هذه الذكرى أحداً لأول مرة منذ مات سعد رحمه الله .

    ثم ينتقل من هذه الوزارة إلى وزارة أخرى ، ثم إلى وزارة أخرى ، حتى يصور حياة الوزارات كلها أروع تصوير ، وأبلغه ، وأشده اختلاباً للعقول ، وللقلوب ، ثم ينظر فإذا رأى السامعين قد تعلقوا بشفتيه وأفنوا أنفسهم في شخصه وأصبحوا ملكاً له ، يصرفهم كما يريد ، صاح فيهم صيحة ، تزلزل لها الأرض ، وتضطرب السماء وتنخلع لها القلوب :

    هذه سيرتنا أثناء غيبة البرلمان ، فهي صورة لسيرتنا أثناء حضور البرلمان وهي مقدمة لسيرتنا حين يحضر البرلمان في العام المقبل ، فهل أنتم لها منكرون؟ هنالك يجيب المجتمعون بصوت واحد .
    كلا . فيقول الوزير في صيحته العنيفة المخيفة ، فهل أنتم راضون ، فيجيب المجتمعون بصوت واحد نعم . فيصيح الوزير وقد امتلأ حماسة وقوة وبأساً ويقيناً وثقة ، فليسمع الإنجليز الذين يريدون التغيير ، ولكن الإنجليز قوم ينامون أحياناً فيغرقون في النوم ، ولا تزعجهم مثل هذه الصيحة ، ولا يوقظهم مثل هذا الاجتماع
    طه حسين
    الوادي ، ٩/١٠/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    صبريات…
    يعجبني من وزير ماليتنا العظيم، أنه حازم جداً، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقرن إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلاً عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبد بالعزم، قوي قد استأثر بالقوة.
    ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده، فوزير المالية إذا قال، زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشد اضطراب، وامتلأت النفوس هلعاً وفزعاً وجزعاً، ولكنه إذا هم بالعمل لم يعمل شيئاً، فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه. وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفاً مؤسفاً حقاً، فما أسرع ما يأمن الخائف، وما أسرع ما يطمئن القلق، وما أسرع ما يبسم هذا وذاك، وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطراً على وزارة المال.
    منذ عام صرح وزير المالية، بأنه ما دام وزيراً فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقاً، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولاً، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يكره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.
    ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك أنه ما دام وزيراً فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف، أن تشتط على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئاً أو التي تحل نصف الأزمة، وتدع نصفها الآخر معقداً غير محلول، وقد مضى العام، والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتد على المدينين، والوزارة لا تقدم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيراً للمالية، لم يستقل ولم يكره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يصرح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.
    ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كباراً وصغاراً، وصرح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيراً، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كباراً وصغاراً بأن ينسوا أن لهم وزيراً يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.
    ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيراً، ولكن صبري بك خُيّل إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يشرف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيراً يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلاً للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلاً آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرفون الأمور، كما كانوا يصرفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئاً، أو لم يحاول أن يغير شيئاً على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.
    ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيراً فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل، فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.
    وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:
    «إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.
    إنني ما دمت وزيراً للمالية – فلن أسمح مطلقاً بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها. ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليماً واحداً من الأموال الأميرية. ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أي التفات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية».
    أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف، أنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحاً كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك، جو مصر منذ عام، فهو ما دام وزيراً لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيراً. وهو ما دام وزيراً لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيراً، لأنه سمح بأشياء، ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء، ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي عليهما بأن نظهر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خفنا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضاً أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه، فعفوه آت لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نزاع فيه.
    وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يظهرون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيراً.
    لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له، فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث، هو سمعتها المالية. وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة، تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.
    وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئاً آخر صحيحاً، لا ينبغي لمثله أن يجهله، فحسن السمعة ليس رهيناً بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء، بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصاً حقاً على جمع المال احتفاظاً بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصاً حقاً، على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظاً بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه، بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني، والعمارات ومنح الإعانات وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تقدم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.
    من الخير جداً يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جداً كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيراً للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.
    نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك ولعلك قلته، ولكنه كلام كغيره من الكلام يخيف من يسمعه أو يقرؤه ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافاً، ولا يكف عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.
    قل ما شئت يا سيدي الوزير فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٣.

    حديث الوادي
    فكاهة..
    كان الناس محتاجين إليها في هذه الأيام، التي قلت فيها الفكاهات، لأن الناس يأبون إلا أن يتكلفوا الجد حين يقولون، وحين يعملون، بل هم يأبون مع الأسف الشديد، إلا أن يخدعوا أنفسهم فينخدعوا ويتكلفوا الجد حين يفكرون.
    وكان المعقول أن يقسم الناس حياتهم العاملة تقسيماً معتدلاً، بين الجد والهزل، فمن الحق أن الإغراق في الهزل مميت للقلوب، ولكن من الحق أيضاً أن الإغراق في الجد، منهك للقوى، مثبط للهمم، مزهد في الحياة ولا سيما حين تكون الحياة الاجتماعية والعقلية، والسياسية فارغة إلى حد بعيد كحياة المصريين في هذا العهد السعيد. فالحياة الفارغة لا تستحق الجد لأنها حينئذ تكون، أشبه بالرحى التي تدور وتدور، وتقعقع وتقعقع، ثم لا تنتج شيئاً ولا تعطي طحناً.
    ولكن المصريين على هذا كله ما زالوا يجدون إذا قالوا ويجدون إذا عملوا ويجدون إذا فكروا، لا يفترون عن الجد، وإن لم ينتج لهم شيئاً ولا يزهدون في الجد، وإن لم ينته بهم إلى شيء.
    هم يظنون أنهم يعيشون الآن كما كانوا يعيشون من قبل في بلد ينتج فيه العمل ويفيد فيه الجد، ويجب على الناس فيه ألا يتخذوا الحياة العامة لهواً وهزءاً. ومع أن الظروف تقيم لهم في كل يوم أوضح الأدلة وأسطع البراهين، على أنهم يحلمون وعلى أن أيام الجد قد مضت وانقضت، ولم يأذن الله لها بعد في أن تعود، مع هذا كله فهم يأبون أن يعبثوا ويأبون أن يتفكهوا، وينظرون إلى الحياة نظراً فيه كثير من التشاؤم وقليل من التفاؤل، وفيه حزن كثير لما صارت إليه أمورهم، وهم كثير لما فسد من أحوالهم.
    لهذا كله يجب أن تحمد الفكاهة إذا جاءت للمصريين عفواً دون أن يطلبوها أو يسعوا إليها. فهي حينئذ تكون أشبه شيء بالنسيم الخفيف الحلو الذي يهب فجأة أثناء الحر الثقيل المحرق، وأشبه شيء بقطرات الغيث تسقط فجأة على أرض قد أحرقها القيظ وبعد عهدها بالماء، وأشبه شيء بالخبر السار يبلغك فجأة بعد أن اصطلحت عليك الأخبار المحزنة المقلقة، وأشبه شيء بالحلم اللذيذ يزورك في ليلة طويلة وثقيلة قد سلطت عليك نوماً عميقاً ثقيلاً كثرت فيه الأحلام المروعة التي تضطرب من هولها القلوب والنفوس.
    لست أخفي عليك أني وجدت لهذه الفكاهة شيئاً يشبه كل هذه الصور التي عرضتها عليك آنفاً، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنك لم تعرف بعد هذه الفكاهة التي أريد أن أحدثك عنها وأريد أن ألفتك إليها، لتذوقها كما ينبغي ولتنعم بها كما ينبغي ولتنصرف إليها لحظة عما يكتنفك من جد الأمر، وعن هذه الإشاعات التي لا تحصى، والأنباء التي لا تنقضي، والفروض التي لا تنتهي، وكل هذا الهم الثقيل، الذي يملأ أحاديث المصريين وقلوبهم ورؤوسهم في هذه الأيام التي اضطرب فيها كل شيء، وخفي فيها على الناس كل شيء وترك فيها للناس أن يفهموا إن استطاعوا الفهم وأن يفسروا إن استطاعوا التفسير، وأن يتنبأوا إن استطاعوا التنبؤ بما سيكون.
    أنت من غير شك لم تفطن لهذه الفكاهة، وقد ذهبت بك الظنون إلى فكاهات كثيرة، ولعلك فكرت في هذه الولائم التي تقام للوزراء، أو يقيمها الوزراء لأنفسهم، أو يقيمها نائب المندوب السامي فيدعو إلى بعضها وزراء لا يشاركهم أحد من غير طبقتهم، ويدعو إلى بعضها الآخر وزراء يشاركهم الموظفون والصحفيون، ولعلك فكرت في فكاهات وزير ماليتنا العظيم، وما نثيره من خلاف بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، ولعلك فكرت في العيسويات، وما أكثرها وما أكثر ما خفي منها، ولعلك فكرت فيما سيلقى غداً من الخطب في هذا الاجتماع الخطير الذي سيعقده حزب الاتحاد.
    ولعلك فكرت في غير هذا من هذه الفكاهات الكثيرة التي تتصل بالوزارة وحياتها، ولكني لم أقصد إلى شيء من هذه الفكاهات، لأني أردت أن أصرفك عن الجد، وحياة وزارتنا وما يتصل بها جد كلها، لا يمكن أن يبلغها الهزل، ولا أن ترقى إليها الفكاهات إنما أفكر في هذا الأستاذ المحامي الذي أنفق من عمره أعواماً وهو يعتقد فيما بينه وبين نفسه أنه أحق الناس برئاسة الوزارة، وأقدر الناس على تصريف الأمور، وكان هذا الأستاذ في أكبر الظن قد أنكر من أعمال بعض الوزارات شيئاً أو أشياء. وفكر في أن الأمر لو كان إليه لذهب في تدبير شؤون الدولة مذهباً آخر، ثم اتصل تفكيره في ذلك وألح عليه فما هي إلا أن اعتقد أن رئاسة الوزراء يجب أن تسند إليه، ثم اتصل تفكيره في ذلك وطال اتصاله فما هي إلا أن اعتقد أن رئاسة الوزراء قد أسندت إليه، ثم انتظر أن تصل إليه الآيات التي تدل على أنه قد أصبح رئيساً للوزراء، وطال انتظاره. ثم لم يتردد لأنه رجل مخلص في أن يضع الخطط والمناهج ويهيئ اللوائح والقوانين، ويعد الأوامر والنواهي حتى إذا انتهى إليه المرسوم بإسناد الرئاسة إليه لم يؤخذ على غرة، وإنما كان قد استعد للأمر. ثم يقبل على العمل، فما هي إلا أن يظهر ما كان قد جهز وأعد، وإذا الأمور كلها قد تغيرت، وإذا النظام كله قد استحال، وإذا حياة المصريين قد انتقلت من طور إلى طور.
    ثم اتصل تفكير الرجل في الوزارة واستعداده لها، وانتظاره إياها، حتى ظن آخر الأمر أنه قد أصبح وزيراً بالفعل، وأن استعداده للحكم تصريف لأمور الحكم، وأن انتظاره للوزارة نهوض بأعباء الوزارة. ولكنه كان يحس أن شيئين ينقصانه وهما مرتب رئيس الوزراء، والمرسوم الذي يعترف برئاسته للوزراء، ثم هتف به هاتف في ساعة من ساعات الليل أو في ساعة من ساعات النهار، بأن المرسوم قد صدر وبأن قبض المرتب قد آن أوانه، فلم يشك في أن أول ما يجب عليه إنما هو أن يرفع الشكر إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ويتلقى أوامره السامية ونصائحه الغالية فيما يتصل بشؤون الدولة. فذهب إلى قصر رأس التين وهناك لقيته الحياة بوجهها الجاد المستيقظ الذي لا يبيح للناس حلماً ولا فكاهة ولا خيالاً، وإنما يأخذهم بالجد، وبالجد المر الدقيق، وهنالك كانت الإحالة على النيابة ثم البدء في التحقيق، ثم الطبيب الشرعي، ثم إثبات المرض العقلي، ثم الإرسال إلى مستشفى المجاذيب.
    ومع ذلك فما أكثر الذين يشبهون هذا الرجل ويحدثون أنفسهم بمثل ما حدث به نفسه، ويؤمنون بأنهم أحق الناس برئاسة الوزارة وينتظرون أن تسند إليهم رئاسة الوزارة ويسعون في ذلك ألواناً من السعي، ولكنهم لا يرسلون إلى النيابة، ولا يؤخذ معهم في التحقيق ولا يكرهون على مستشفى المجاذيب لأنهم لم يذهبوا إلى مكان رسمي كالقصر أو كديوان الرئاسة. فلهم أن يتحدثوا إذن بما يشاؤون إلى أنفسهم وإلى الناس. ألست توافقني على أن هذه الفكاهة تستحيل كغيرها من فكاهات المصريين كلها إلى الجد، وإلى الجد المر المؤلم؟
    ألست توافقني على أن هذا الوزير الوهمي أو المزيف ليس وحيداً ولا نادراً في مصر، وأن من الممكن أن يخلي بينه وبين حريته، إذا أمن شره على الأبرياء أو أن يرسل معه كثيرون جداً من أمثاله، الذين لم يذهبوا كما ذهب إلى القصر، أو إلى رئاسة الوزراء؟..
    طه حسين
    الوادي، ٢٨ سبتمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ساقية …
    ليست إحدى السواقي السبع التي يتغنى بها الأستاذ عبد الوهاب، بعد أن تغنى بها شباب الأحياء الوطنية في القاهرة. فإن هذه السواقي السبع تستطيع فيما يظهر أن تخرج الماء وتنفع به الناس، إنما الساقية التي أريد أن أتحدث عنها هي ساقية جحا. أتعرفها؟ فقد زعم الناس أنها ساقية تدور وتدور ولكنها لا تروي أرضاً ولا حيواناً ولا إنساناً. لا تكاد تخرج الماء حتى تسترده، هي تدور لتروي نفسها، وهي لا تروي أبداً، لأنها لا تنقطع عن الدوران. أظنك تعرف هذه الساقية، فالكلام عنها كثير، والأحاديث فيها متصلة، والأمثال التي تضرب بها سائرة. فأنا أريد اليوم أن أحدثك عن ساقية جحا لأني وجدت لها صورة رائعة بارعة، ناصعة، ساطعة، جامعة، بعد أن كنا نظن أنها كالعنقاء، يتحدث عنها الناس ولا يجدون لها أثراً. وهذه الصورة البديعة التي تمثل ساقية جحا منشورة صباح اليوم في زميلتنا الأهرام. وما أحق الأهرام أن ترثي لها وما أحق الأهرام أن تعطف عليها، فإن صناعة الصحافة تكلفها شطفاً. وتأخذها أحياناً بنشر أشياء لعلها لو خفي بينها وبين ما تريد حقاً، أو قل لو خفي بينها وبين ما تحب، لما نشرتها، ولا أشارت إليها، ولكن للصناعة حكمها والأهرام مضطرة بحكم هذه الصناعة، إلى أن تذيع في قرائها ما يقوله الساسة، وأشباه الساسة والذين ينتحلون السياسة ويتكلفونها تكلفاً، ويتخذونها وسيلة إلى الحياة.

    أما أنا فقد أعجبت بساقية جحا، وأعجبت بها أكثر مما تظن، وحسبك أني قرأتها مرتين، وأقسم بالله لقد قرأتها مرتين، ولكني لم أحصل منها شيئاً، ولم أخرج منها بشيء، ولم أنته منها إلى شيء، إلا أنها ساقية جحا، لا تريد ولا تستطيع أن تنفع أحداً، أو تروي ظمأً، وإنما تريد أن تنفع نفسها وأن تروي نفسها، ولولا أن وقت الصحفي محدود، لقرأت ساقية جحا مرات ولقرأتها على وجوه مختلفة فأخذتها من آخرها إلى أولها، بعد أن أخذتها من أولها إلى آخرها، ثم أخذتها من وسطها إلى أولها، ومن وسطها إلى آخرها، لعلي أجد فيها شيئاً أو أستخرج منها شيئاً، يستحق أن يقف عنده الكاتب أو يحاور فيه السياسي، أو يستمتع به الأديب، وأنا أعد نفسي بإعادة النظر في الساقية من أولها ومن آخرها ومن أوساطها وأعد القارئ صادقاً بأني إن وجدت في هذه الساقية شيئاً أو استخرجت منها نفعاً فلن أستأثر به ولن أبخل بإشراك القارئ فيه، أظنك قد عرفت الآن ساقية جحا، وأظنك قد قرأتها في الأهرام صباح اليوم، كما قرأتها أنا أيضاً وأظنك قد سألت نفسك عما فيها وأظنك قد تكلفت أن تستخلص منها غرضاً من الأغراض أو تنتهي بها إلى نتيجة من النتائج، وأظنك قد انتهيت إلى مثل ما انتهيت أنا إليه، من اليأس والإخفاق وأظنك قد ذكرت ما ذكرته أنا من أمر هذه الساقية الجميلة البديعة التي ما يزال الناس يتحدثون عنها، ويضربون بها الأمثال، وهي ساقية جحا.

    ومع ذلك فقد تحدث الناس عن هذه الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد أمس في نادي حزب الاتحاد على الحزبين الشقيقين أحاديث طويلة، منذ زمن بعيد وإذا لم تكذبني الذاكرة فأنا قد رسمت لوزير التقاليد منذ حين برنامج هذه الخطبة، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يجب أن يطرقها ليعرض على الشعب صورة صادقة من سياسة الوزارة وأظن أن زميلتنا السياسة رسمت لوزير التقاليد منذ أيام قليلة جداً برنامجاً لهذه الخطبة أيضاً، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يحسن أن يتحدث فيها إلى سامعيه. وما أشك في أن وزير التقاليد لو أنه استمع لنصيحتي منذ أسابيع، ولنصيحة السياسة منذ أيام لاستطاع أن يخرج خطبة إن لم تكن رائعة بارعة، فهي مقبولة محتملة، تستحق خمساً من عشر، أو ستاً من عشر، كما يقول الأساتذة في وزارة التعليم.

    ولكن وزير التقاليد فيما يظهر أكبر من أن يستمع للنصح، وأبلغ من أن يحتاج إلى من يعلمه البيان، فهو لم يحفل بما قدمنا له من نصيحة، ولم ينتفع بما رسمنا له من برنامج، وإنما أراد أن يبتكر، وأن يخطب دون أن يستعين بمعين، وحسناً فعل، فلو قد استمع لنا لأخرج للناس خطبة سياسية من هذه الخطب المألوفة، التي تحسن حيناً وتسوء حيناً، والتي يمكن أن تقدر بالدرجات. أما الآن وقد ركب رأسه، واستوحى نفسه، ونفسه وحدها، فقد أخرج للناس آية من آيات البيان، وحسبك أنه صور للناس ما عجز الخطباء جميعاً عن تصويره إلى الآن، صور لهم ساقية جحا في أجمل مظاهرها وأبدع أشكالها. وليس هذا بالشئ القليل، ولا سيما في هذا العصر الذي أفلس فيه الأدب، وأجدب فيه البيان، وقل فيه الإنتاج القيم، وأجمل ما في الأمر أن وزير التقاليد قد أخرج للناس هذه الآية البيانية الرائعة في اليوم الذي افتتح فيه العام الدراسي فكان ذلك رمزاً لهذه النهضة الأدبية التي سيستقبلها الناس في هذا العام الجديد، فليس من شك في أن هذه الآية البيانية خليقة أن تطبع وتذاع وتلقى في أيدي الطلاب والتلاميذ، ويدرسها أساتذة الإنشاء في فصول الدرس ليتعلم الشباب كيف يستطيع الخطيب المصقع، والمقول المفوه، أن يتكلم ويتكلم، ويتكلم ثم لا يقول بعد هذا كله شيئاً.

    فقد ألح الأدباء والمعلمون على التلاميذ والطلاب، في أن لا يتكلموا إلا إذا كان عندهم ما يقولون وفي أن الصمت خير من الكلام الذي لا يغني، وما زال الأدباء والمعلمون يلحون على التلاميذ والطلاب في هذا المعنى حتى آثر الشباب ألا يقولوا شيئاً، لأنهم لم يكونوا يجدون ما يقولون. فأما الآن فقد فتح لهم وزير التقاليد باباً حديثاً في البيان واخترع لهم فناً طريفاً من فنون الأدب، وعلمهم أن الخطيب يستطيع أن يخطب فلا يقول شيئاً، ويظفر مع ذلك بالتصفيق والهتاف والإعجاب، ويظفر مع ذلك بأن تنشر له الصحف خطبته وتذيعها بين القراء. وكان لنا في الأزهر الشريف حين كنا نطلب العلم فيه، أستاذ بارع فصيح بليغ فكان يتحدث بنعم الله عليه فيقول إن مما من الله علي به أن أتحدث إليكم ساعتين فإذا أنتم لا تفهمون عني شيئاً، ولا تستطيعون أن تنقلوا عني بعض ما قلت، لأنكم لم تفهموه. وكان أستاذنا هذا يتحدث إلينا ساعتين في المنطق أو في الفلسفة، فيخوض في كل شيء إلا المنطق والفلسفة، حتى إذا تفرقنا عنه والتقينا لنحصل ما سمعناه منه لم نجد شيئاً. وكنا نعجب بالأستاذ نروي أحاديثه مكبرين وما أظن أن الجيل الذي كان يختلف معنا إلى الأستاذ وهو الآن من علماء الأزهر الشريف، قد نسي الأستاذ العظيم وبراعته، فقد كنا جميعاً نراه آية بين علماء الأزهر وفذاً بين أعلام البيان، أما الآن فلم يبق الأستاذ آية ولا فذاً، وإنما بعث الله له من وزير التقاليد آية أخرى تنسخ آيته نسخاً.

    فوزير التقاليد يستطيع أن يخطب في السياسة كما كان أستاذنا يستطيع أن يتكلم في المنطق، ولكن الذين يسمعون أو يقرأون خطبة وزير التقاليد في السياسة يفهمون منها إلى مثل ما كنا ننتهي إليه، من درس أستاذنا في المنطق.

    فالدنيا بخير إذن والبيان الصحيح بمأمن من الضعف والفساد، ما دام في أمة محمد ﷺ من يستطيع أن يصور ساقية جحا، في الأزهر حيناً وفي نادي الاتحاد حيناً آخر، والله عز وجل أرأف بهذه الأمة وأعطف على هذه اللغة من أن يحرمهما ممثلاً لهذا البيان الرائع يصور ساقية جحا أجمل تصوير، لأن هذه الساقية خالدة يجب ألا تحرم جمالها الأجيال.

    وما دام وزير التقاليد قد ورث أستاذنا في تصوير ساقية جحا، وما دام تقليد الوزراء ولا سيما وزراء التعليم شيئاً مستحباً، فليس على الأمة المصرية بأس وليس على اللغة العربية بأس، ولا يزال بين أساتذة الأدب من يعلمون، وبين طلاب الأدب من يتعلمون، وبفضل هذا التعليم والتعلم، سنضمن للجيل المقبل خليفة لوزير التقاليد في تصوير ساقية جحا.
    لقد قال الحكيم في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه
    وكنا نظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، قد قرأ هذه الحكمة فيما قرأ من حكمة الأمم، ولكن خطبة وزير التقاليد أمس دلت على أن هذه الحكمة قد أفلتت من رئيس الوزراء، فهو يوافقنا من غير شك على أن وزير التقاليد لم يكن هو الذي يستطيع أن يحمل رسالة الوزارة في ظروفها الحاضرة إلى المصريين، ولا إلى الإنجليز، لأن المصريين والإنجليز، قد يسرهم ويرضيهم أن يروا ساقية جحا، وأن يسمعوها ولكنهم لا يعتمدون عليها حين يريدون أن ينقعوا غلة أو يرووا ظمأً لأنهم يعلمون حق العلم أن ساقية جحا، جميلة رائعة ولكنها على ذلك لا تنفع ولا تفيد …

    طه حسين
    الوادي، ٣٠ سبتمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موعد . . .
    ضرب وزير التقاليد أول أمس للمفاوضين، وسجل فيه أن الوزارة لقائمه، وهو من أعضائها بالطبع، باقية في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، فإذا أقبلت هذه السنة احتكمت الوزارة إلى الشعب، لترى أراضٍ هو عنها، أم ساخط هو عليها؟.
    ولسنا نكتب في هذا لنناقش وزير التقاليد أو لنحاوره، فقد وهب الله وزير التقاليد من الذكاء والفطنة، ومن المهارة والحكمة، ومن نفاذ البصيرة وحصافة الرأي، ومن قوة الحجة ووضوح الدليل، ما يجعله فوق المناقشة والمحاورة.
    وما يحملنا على أن نرفق لأنفسنا ونشفق عليها، من أن نقف منه موقف الحوار والجدال، فنحن في هذا الموقف مع وزير التقاليد، معاونون دائماً، ومن ذا الذي يستطيع أن يقاوم البحر إذا زخر، والليث إذا زأر، والغيث إذا انهمر؟ كلا. لم نكتب لنحاور وزير التقاليد. فوزير التقاليد فوق الحوار. ومن المحقق أن وزير التقاليد سيبقى في الحكم عاماً وعاماً، نستغفر الله، بل أعواماً وأعواماً، فوزير التقاليد مفروض على مصر، سيحكمها حتى يعجز عن الحكم، وسيقهرها حتى يعيا عن القهر، لأنه يريد ذلك قبل كل شيء، ومتى أراد وزير التقاليد، فلا مرد لما يريد، ولأن عبقريته، وملكاته الخارقة، وتفوقه الذي يعجز الوصف، ويفوت الواصفين، كل ذلك يؤهله للحكم المتصل، والسلطان الذي لا أمد له، وإن مصر لأحب لنفسها، وأحرص على مصالحها، من أن تعدل بوزير التقاليد وزيراً آخر، وهو الوزير الرشيد الذي لم ترَ مصر وزيراً مثله رشداً وسداداً، وفطنة وذكاء، وحلماً وأناة، فهو إذن باقٍ في الحكم إلى ما شاء الله وهو باقٍ في الحكم برضى مصر وإرادتها، بل بإلحاح مصر واستعطافها، وهو باقٍ في الحكم مع ذلك يرضي الإنجليز عنه واطمئنانهم إليه وثقتهم به، وأملهم فيه، فوزير التقاليد رجل قوي، ولكنه مع ذلك مرن يستطيع أن يظفر بأمرين لا يظفر بهما إلا النابغون الذين لم يعرفهم التاريخ المصري بعد، فيرضي الإنجليز ويرضي المصريين ويكره أولئك وهؤلاء على أن يريدوه وزيراً للمعارف، وعلى ألا يعدلوا به وزيراً آخر، وهو يقيم الدليل في كل لحظة على قدرته هذه الفائقة، وبراعته هذه الخارقة، تقترح عليه مدرسة الهندسة ترقية أستاذ مصري، فيقصيه إلى الصعيد ليرضي المصريين، ويأمر باختيار أستاذ بريطاني ليرضي الإنجليز. وهو على هذا النحو جامع بين ما لا يمكن الجمع بينه من النقائض والأضداد، فويل للإنجليز إن ضاقوا به أو سخطوا عليه، وويل للمصريين إن رغبوا عنه أو زهدوا فيه. هو وزير المعارف، خلق للمعارف، وخلقت المعارف له، ليس في ذلك شك، وليس إلى الريب فيه سبيل. ولكن وزير المعارف بطبعه قدوة لعشرات الألوف، بل لمئات الألوف من الأساتذة والمعلمين، ومن الطلاب والتلاميذ، ومن أسر الطلاب والتلاميذ. هو المثل الأعلى لهؤلاء جميعاً: في الإخلاص إذا عمل، والاعتدال إذا فكر، والصواب إذا حكم، والرفق إذا قضى. وقد اكتملت هذه الخصال كلها لوزير التقاليد كما لم تكتمل لوزير من قبله، وكما لن تكتمل لوزير من بعده. وهو من أجل هذا قد ظفر بحب المصريين وتأييدهم، وحرصهم على أن يظل فيهم وزير التعليم ما كانت لهم وزارة للتعليم.
    وزير المعارف صادق دائماً، لأنه مثال الصدق ومصدره، وقدوة الأساتذة والطلاب فيه، وهو من أجل هذا لا يقول إلا الحق، ولا يرفع إلى مجلس الوزراء إلا الصدق، وهو من أجل هذا لم يتردد في أن يطلب إلى مجلس الوزراء فصل أستاذ من أساتذة الحقوق، وفي أن يطلب ذلك في مذكرة رسمية كانت كلها حقاً وصدقاً، حتى لم يتردد مجلس الوزراء في أن يأخذ بها، ويعتمد عليها ويفصل الأستاذ الذي أراد وزير التقاليد فصله، ثم تبين له بعد ذلك أن في المذكرة شيئاً ليس بينه وبين الصدق سبب، وليس بينه وبين الحق سبيل، قد أنكره من نسب إليه، وكذبه في الصحف من حمل عليه.
    ووزير المعارف قدوة في الصواب إذا فكر، وهو من أجل هذا لا يشك أو لا يتحرج من أن يرى أن موسوليني وهتلر ودومرج إنما يتأثرون بالنظام المصري الحاضر، حين يغيرون ما كان في بلادهم من نظام، فإذا ظهر بعد ذلك أن موسوليني قد أنشأ نظامه قبل أن ينشأ النظام المصري، وأن هتلر قد فكر في نظامه وجد في الدعوة إليه، حين لم يكن صدقي باشا يحلم بأنه سينهض برئاسة الوزراء، وحين كان وزير التقاليد نفسه ينفق خير أوقاته في الكونتننتال، وإذا ظهر أن دومرج لا يريد قلباً للنظام، ولا خروجاً على الدستور، ولا تجاوزاً للقانون، ولا إكراهاً للشعب على ما لا يريد، فليس بشيء من ذلك بأس على وزير التقاليد لأنه لم يقل إلا حقاً، ولم يرَ إلا صواباً، ولأن ما يعرفه الناس كلهم خطأ، وما يعرفه هو وحده صواب. ووزير التقاليد قدوة في نزاهة اللسان، لا يحب المماراة ولا ترضى له أخلاقه أن يصطنع الألفاظ المبتذلة، والكلام البذيء، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يصف خصومه بالتغرير، والغرور، وبالتضليل، والضلال، وبالخيانة والإثم وبغير ذلك من الأوصاف التي لا ينبغي أن تصدر عن المثقفين فضلاً عن الوزراء، وفضلاً عن وزراء التعليم، وفضلاً عن رؤساء الجامعة الأعلين، وفضلاً عن الذين كانوا مستشارين، يعاقبون على السب ويحاسبون على الإهانة، ويأخذون الناس بنزاهة اليد والضمير واللسان، فليس على وزير التقاليد من ذلك بأس لأن هذه الألفاظ القذرة والكلمات البذيئة تطهر ويملؤها النقاء إذا جرت على لسانه العف وانطلقت من فمه النقي، وخطرت لضميره الكريم.
    ووزير المعارف قدوة في الاعتدال ورفض الغرور والإيمان بأن الرجل الحازم العاقل ذا العقل المتزن والرأي الحصيف، هو الذي لا يغتر بالأيام، ولا ينخدع بالظروف، ولا يسترسل مع الأمل، ولا يطير مع الخيال، ولا يمني نفسه بما لا سبيل إلى أن يأخذ به على الأيام عهداً، أو يكتب به على الحوادث كتاباً، وهو من أجل ذلك يعمل لدنياه، كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يتحكم في الأيام ويتسلط على الحوادث ويستطيل بقوته وسلطانه، ويزعم أنه باقٍ في الحكم إلى سنة ١٩٣٦ مهما تزلزل من تحته الأرض، ومهما تضطرب من فوقه السماء، ومهما يفسد من حوله الجو، فليس عليه من ذلك بأس، لأن الغرور يستحيل إلى اعتدال حين يمسه، أو يخطر له، ولأن الإسراف في الثقة والاستهزاء بالدهر، يستحيلان إلى تواضع واتزان، حين يخطران له، فهو كما ترى قدوة في كل شيء، وهو كما ترى خليق أن يكون وزير المعارف، وأن يظل وزير المعارف، وهو كما ترى حري أن يكون أبناءنا أحسن تكوين، ويهذبهم أحسن تهذيب، ويعلمهم كيف يكونون رجالاً، صادقين، مخلصين، يؤثرون الحق، ويحرصون على الصواب، ويرتفعون عن الدنيات، ويبرأون من الشهوات، ويجنبون أنفسهم الغرور وإذا ظفرت مصر برجل صادق نزيه نقي طاهر القلب، والضمير، واللسان كوزير التقاليد، فويل لها إن عدلت به وزيراً، وويل لها إن لم ترشحه لرئاسة الوزراء. وأنا من أجل هذا كله واثق كل الثقة بأن وزير التقاليد، كان موفقاً في الموعد الذي ضربه أول أمس، فسيبقى في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، ولكن بعد أن يرقى إلى رئاسة الوزراء، وأنا أبشره بأنه يوم تسند إليه الرئاسة سيقف موقفاً كله حيرة، لأن الوزارات جميعاً ستتضرع إليه في أن يكون لها وزيراً، ومن يدري؟ لعل الأمة المصرية، وقد أعجبها وزير التقاليد، وسحرتها خلاله وخصاله، ترى أن يكون هو رئيس الوزارة. وهو الوزير لكل وزارة، فنجعل إليه تدبير أمرها كله، لا يشاركه في ذلك أحد، ولا يعينه على ذلك زميل، يقضي في كل وزارة ساعة أو بعض ساعة، ثم يقبض آخر الشهر إلى مرتب الرياسة مرتبات الوزراء جميعاً. وأنا أؤكد لك أنه أهل لذلك، وخليق به، وقادر على أن يتمناه وينتظره، وأي شيء يعجز الأماني، وأي شيء يفوت الأمل العريض، حين يمتلئ به العقل العريض؟

    طه حسين
    الوادي، ١ أكتوبر ١٩٣٤.