حديث الوادي
خطبة . . .
سيلقيها وزير التقاليد إن شاء الله حين يمضي من هذا الشهر ثلثاه ، وحين يستقبل الناس مساء اليوم الحادي والعشرين منه . هنالك في اجتماع كبير خطير ، يضم الأعلام وغير الأعلام من أعضاء الحزبين الشقيقين ، ومن أوليائهما وأصدقائهما ، ويزدان بهذه المصابيح المنيرة ، والكواكب المشرقة من وزراء الدولة ، على اختلاف أحزابهم وميولهم ، هنالك في هذا الاجتماع الكبير الخطير ، ستقبل هذه الخطبة على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالسيل ، نستغفر الله أن من الخطأ البياني والضعف الأدبي أن يشبه تدفق الخطب ، بتدفق السيل في هذه الأيام التي ينحدر فيها النيل هائلاً مخوفاً كأن في كل موجة من موجاته ، عفريتاً من الجن ، فهو لا يدع شيئاً مر به إلا اقتحمه اقتحاماً ، أو التهمه التهاماً ، أو التقمه التقاماً حتى أزعج الظاعن والمقيم ، وروع القريب والبعيد ، وأقام وزارات الأشغال والحرب والأمن وغيرها من الوزارات على قدم واحدة لا على قدمين .
إذن نستقبل خطبة وزير التقاليد ، على أهل الإسكندرية رائعة كالليل ، متدفقة كالنيل ، وهنا مشكلة أخرى . فإن السجع لا يستقيم بين الليل والنيل ، كما كان يستقيم بين الليل والسيل لأن نون النيل مكسورة ، فهل يأذن لنا المجمع اللغوي ، في فتحها ليستقيم الكلام فما ينبغي أن نتحدث عن خطبة يلقيها وزير التقاليد ، بكلام لا يستقيم مهما يكن من شيء فستكون هذه الخطبة رائعة ، بارعة ، وعنيفة مخيفة ، ورقيقة رشيقة ، ومفحمة ملزمة ، وسيؤمن الإسكندريون ثم يؤمن معهم المصريون ، ثم يؤمن معهم الشرقيون ، بأن عصر الفصاحة والبلاغة والبيان المعجز لم ينته بعد ، وأن الأمة العربية ما زالت بخير ، وأن من حقها أن تطمئن على أنها ما زالت لغة الضاد ، التي لا ينبغي الشك في أنها أفصح اللغات ، فوزير التقاليد أفصح من خطب ومن سيخطب ، وأبلغ من كتب ومن سيكتب ، وأبرع من دافع ومن سيدافع ، وأقدر من حاور ومن سيحاور على إفحام الخصوم .
والناس مختلفون في الموضوعات التي سيتناولها وزير التقاليد في خطبته السياسية الخطيرة حين يلقيها في اجتماعه السياسي الخطير . فمنهم من يزعم أنه سيثبت بالبرهان القاطع ، والدليل الساطع أن النظام مستقر ، وأن أمور الأمن تجري على ما يرام ، ومنهم من يظن أنه سيتنبأ بما ستجري به الحوادث : إذا جاء الشهر المقبل ، فسيكون شيء من تغيير ولكنه يسير ، يقف عند إخراج وزير وإدخال وزير . وقد يتجاوز ذلك إلى إقامة رئيس مكان رئيس . ومنهم من يقول إنه سيتحدث عن الصلة بين مصر وإنجلترا وسيزف إلى سامعيه أنباء مفاوضات لا ريب فيها ، ومعاهدات لا مفر منها ، وسينتهي من ذلك إلى إعلان أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن . .
أما أنا فلا أصدق شيئاً من هذا ولا أميل إليه ، وإنما الظن أن وزير التقاليد قد أحس أن غيبة البرلمان قد طالت ، وأن سكوت الوزارة قد اتصل ، وأن الحكومة قد أقدمت على أمور ، وأحجمت عن أمور ، وأن الشعب ، في حاجة إلى خطبة سياسية رائعة جامعة تبين له عما خفي من سياسة الوزارة ، وتفسر له من سيرتها الغامض والملتوي ، وإذن فستكون خطبة وزير التقاليد السياسية أشبه الأشياء بخطبة برلمانية ، يراد بها طمأنة البرلمان ، على ما كان ، وإذا اطمأن البرلمان ، فقد اطمأن الشعب ، لأن البرلمان صورة الشعب كما يقول فقهاء الدستور .
وعلى هذا فسيكون وزير التقاليد ، ترجمان الوزراء جميعاً ينطق بلسانهم ، ويعرب عما ظهر وبطن ، من أغراضهم ، وآمالهم ، وهو سيبدأ من غير شك بوزارة المعارف عملاً بالحكمة القديمة : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، وهو سيبين للناس كيف نقل الأستاذ مصطفى نظيف من مدرسة الهندسة العليا إلى مدرسة أسيوط الثانوية بعد أن شغل المنصب الذي كان الأستاذ يرشح له بأستاذ بريطاني عملاً بالحكمة القديمة القائلة : من تواضع لله رفعه ، لأنه يحس في المصريين شيئاً من الطموح والكبرياء فهو يريد أن يعلمهم كيف يتواضعون؟ . .
وسيبين للناس كيف فصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق بقرار من مجلس الوزراء ، في غير تحقيق ولا سؤال ، لأسباب منها ما هو مكذوب من غير شك ، وإن لم يعرف بالضبط ذلك الكاذب الذي اختلقه وضلل به الوزراء . ومنها ما هو في حاجة إلى البحث والاستقصاء ، لأنه لا يعدو أن يكون شبهة يدل كل شيء على أنها باطلة ، عملاً بما أوصى به الحكماء من أن الغلو في الحذر خير من الركون إلى الثقة . ومن أنه يباح للوزراء في أوقات الاضطراب أن يأخذوا بالظنة ويعاقبوا على الشبهة ، ويسيروا سيرة زياد حين أخذ له أعرابي يسير في الليل بمدينة البصرة ، فلما سئل عن ذلك أنبأ بأنه قادم من سفر بعيد ، ولم يعلم بما تقدم الأمير فيه إلى الناس ، ألا يخرجوا إذا جنهم الليل ، فقال زياد للأعرابي : إنك لصادق ولكن في قتلك صلاح الرعية ، ثم أمر به فأذيق الموت .
وسيبين للناس كيف اتخذ قانون التعليم الحر وسيلة إلى إنشاء مراقبة جديدة ينفق فيها المال على بعض الرجال ويفسد بها النظام ، وتختلط فيها أمور التعليم ، وسيبين للناس كيف بسط سلطانه على المصريين الذين يتعلمون في أوروبا ، فهو يراقبهم جميعاً ، ويأمر الوزارات ألا تعين منهم أحداً إلا إذا أذن بتعيينه ، وسيبين للناس كيف مثل مصر في مؤتمر التعليم برجل لا يحسن لغة أجنبية ، ولا يلم من أمور التعليم بشيء ذي بال ، إذا قيس إلى الأخصائيين في الوزارة وفي معهد التربية ، وكيف كلف هذا الرجل الذي لا يحسن لغة أجنبية أن يلم بالعواصم الكبرى ليبحث في مكتباتها عن الكتب العربية المخطوطة مع أن البحث عن هذه الكتب ميسور في غير سفر ولا ارتحال .
وسيبين للناس أشياء كثيرة أخرى حتى إذا أشبعهم من وزارة المعارف انتقل إلى وزارة الداخلية ، فنوه ببراعة وزيرها الخطير ، في حماية الأمن ، وإقرار النظام ، ومحاربة الوفد ، ومطاردة الوفديين ومراقبة رئيس الوفد ، ومحاصرته ، وحشد الجند له إن سافر أو أقام ، ولن يهمل تبسيط الإجراءات ولا حماية الآداب على السواحل ولا جباية الضرائب في غير احترام للقانون . فإذا أشبع الناس من وزارة الداخلية انتقل إلى وزارة المالية فأثنى على وزيرها النابغة بما هو أهله ، وذكر استقباله للمندوب السامي في الصبرية ، وذكر جهوده في حل مشكلة الدين العقاري التي لم تحل بعد ، وفي تفريج أزمة الدين العام التي ترك تفريجها للإنجليز فإذا أشبع الناس من وزارة المالية انتقل إلى وزارة الحقانية ، فذكر أزمة المحامين وكيف اختلست من البرلمان اختلاساً ، وذكر تشريع الصحافيين ، وكيف يراد أن يسبق به البرلمان مسبقاً ، وذكر أزمة المحاكم المختلطة وكيف أهديت إلى الإنجليز إهداءً .
ثم ينتقل إلى وزارة الأشغال ، فيذكر براعتها في حماية مصر من الغرق ومهاراتها في الإجابة على مذكرات المندوب السامي ، حين يكتب إليها المذكرات ، ولياقتها في الإعراض عن المصريين حين يسألونها عن بعض ما يعنيهم من الأمر .
وقد ينتقل إلى وزارة الأوقاف إن سمح له الوقت ، ولم تصب التخمة أعضاء الحزبين الشقيقين . فيذكر عزمها على تغيير قصة المولد النبوي ويثني على وزيرها ويسجل له هذه التضحية البالغة التي أقدم عليها في أغسطس الماضي ، حين ذكر سعداً وحده ، في غرفة من غرف داره ، لم يشارك في هذه الذكرى أحداً لأول مرة منذ مات سعد رحمه الله .
ثم ينتقل من هذه الوزارة إلى وزارة أخرى ، ثم إلى وزارة أخرى ، حتى يصور حياة الوزارات كلها أروع تصوير ، وأبلغه ، وأشده اختلاباً للعقول ، وللقلوب ، ثم ينظر فإذا رأى السامعين قد تعلقوا بشفتيه وأفنوا أنفسهم في شخصه وأصبحوا ملكاً له ، يصرفهم كما يريد ، صاح فيهم صيحة ، تزلزل لها الأرض ، وتضطرب السماء وتنخلع لها القلوب :
هذه سيرتنا أثناء غيبة البرلمان ، فهي صورة لسيرتنا أثناء حضور البرلمان وهي مقدمة لسيرتنا حين يحضر البرلمان في العام المقبل ، فهل أنتم لها منكرون؟ هنالك يجيب المجتمعون بصوت واحد .
كلا . فيقول الوزير في صيحته العنيفة المخيفة ، فهل أنتم راضون ، فيجيب المجتمعون بصوت واحد نعم . فيصيح الوزير وقد امتلأ حماسة وقوة وبأساً ويقيناً وثقة ، فليسمع الإنجليز الذين يريدون التغيير ، ولكن الإنجليز قوم ينامون أحياناً فيغرقون في النوم ، ولا تزعجهم مثل هذه الصيحة ، ولا يوقظهم مثل هذا الاجتماع
طه حسين
الوادي ، ٩/١٠/ ١٩٣٤ .
حديث الوادي
صبريات…
يعجبني من وزير ماليتنا العظيم، أنه حازم جداً، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقرن إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلاً عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبد بالعزم، قوي قد استأثر بالقوة.
ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده، فوزير المالية إذا قال، زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشد اضطراب، وامتلأت النفوس هلعاً وفزعاً وجزعاً، ولكنه إذا هم بالعمل لم يعمل شيئاً، فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه. وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفاً مؤسفاً حقاً، فما أسرع ما يأمن الخائف، وما أسرع ما يطمئن القلق، وما أسرع ما يبسم هذا وذاك، وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطراً على وزارة المال.
منذ عام صرح وزير المالية، بأنه ما دام وزيراً فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقاً، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولاً، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يكره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.
ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك أنه ما دام وزيراً فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف، أن تشتط على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئاً أو التي تحل نصف الأزمة، وتدع نصفها الآخر معقداً غير محلول، وقد مضى العام، والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتد على المدينين، والوزارة لا تقدم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيراً للمالية، لم يستقل ولم يكره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يصرح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.
ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كباراً وصغاراً، وصرح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيراً، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كباراً وصغاراً بأن ينسوا أن لهم وزيراً يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.
ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيراً، ولكن صبري بك خُيّل إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يشرف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيراً يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلاً للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلاً آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرفون الأمور، كما كانوا يصرفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئاً، أو لم يحاول أن يغير شيئاً على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.
ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيراً فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل، فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.
وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:
«إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.
إنني ما دمت وزيراً للمالية – فلن أسمح مطلقاً بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها. ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليماً واحداً من الأموال الأميرية. ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أي التفات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية».
أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف، أنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحاً كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك، جو مصر منذ عام، فهو ما دام وزيراً لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيراً. وهو ما دام وزيراً لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيراً، لأنه سمح بأشياء، ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء، ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي عليهما بأن نظهر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خفنا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضاً أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه، فعفوه آت لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نزاع فيه.
وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يظهرون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيراً.
لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له، فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث، هو سمعتها المالية. وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة، تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.
وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئاً آخر صحيحاً، لا ينبغي لمثله أن يجهله، فحسن السمعة ليس رهيناً بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء، بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصاً حقاً على جمع المال احتفاظاً بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصاً حقاً، على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظاً بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه، بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني، والعمارات ومنح الإعانات وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تقدم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.
من الخير جداً يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جداً كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيراً للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.
نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك ولعلك قلته، ولكنه كلام كغيره من الكلام يخيف من يسمعه أو يقرؤه ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافاً، ولا يكف عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.
قل ما شئت يا سيدي الوزير فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/١٣.
حديث الوادي
فكاهة..
كان الناس محتاجين إليها في هذه الأيام، التي قلت فيها الفكاهات، لأن الناس يأبون إلا أن يتكلفوا الجد حين يقولون، وحين يعملون، بل هم يأبون مع الأسف الشديد، إلا أن يخدعوا أنفسهم فينخدعوا ويتكلفوا الجد حين يفكرون.
وكان المعقول أن يقسم الناس حياتهم العاملة تقسيماً معتدلاً، بين الجد والهزل، فمن الحق أن الإغراق في الهزل مميت للقلوب، ولكن من الحق أيضاً أن الإغراق في الجد، منهك للقوى، مثبط للهمم، مزهد في الحياة ولا سيما حين تكون الحياة الاجتماعية والعقلية، والسياسية فارغة إلى حد بعيد كحياة المصريين في هذا العهد السعيد. فالحياة الفارغة لا تستحق الجد لأنها حينئذ تكون، أشبه بالرحى التي تدور وتدور، وتقعقع وتقعقع، ثم لا تنتج شيئاً ولا تعطي طحناً.
ولكن المصريين على هذا كله ما زالوا يجدون إذا قالوا ويجدون إذا عملوا ويجدون إذا فكروا، لا يفترون عن الجد، وإن لم ينتج لهم شيئاً ولا يزهدون في الجد، وإن لم ينته بهم إلى شيء.
هم يظنون أنهم يعيشون الآن كما كانوا يعيشون من قبل في بلد ينتج فيه العمل ويفيد فيه الجد، ويجب على الناس فيه ألا يتخذوا الحياة العامة لهواً وهزءاً. ومع أن الظروف تقيم لهم في كل يوم أوضح الأدلة وأسطع البراهين، على أنهم يحلمون وعلى أن أيام الجد قد مضت وانقضت، ولم يأذن الله لها بعد في أن تعود، مع هذا كله فهم يأبون أن يعبثوا ويأبون أن يتفكهوا، وينظرون إلى الحياة نظراً فيه كثير من التشاؤم وقليل من التفاؤل، وفيه حزن كثير لما صارت إليه أمورهم، وهم كثير لما فسد من أحوالهم.
لهذا كله يجب أن تحمد الفكاهة إذا جاءت للمصريين عفواً دون أن يطلبوها أو يسعوا إليها. فهي حينئذ تكون أشبه شيء بالنسيم الخفيف الحلو الذي يهب فجأة أثناء الحر الثقيل المحرق، وأشبه شيء بقطرات الغيث تسقط فجأة على أرض قد أحرقها القيظ وبعد عهدها بالماء، وأشبه شيء بالخبر السار يبلغك فجأة بعد أن اصطلحت عليك الأخبار المحزنة المقلقة، وأشبه شيء بالحلم اللذيذ يزورك في ليلة طويلة وثقيلة قد سلطت عليك نوماً عميقاً ثقيلاً كثرت فيه الأحلام المروعة التي تضطرب من هولها القلوب والنفوس.
لست أخفي عليك أني وجدت لهذه الفكاهة شيئاً يشبه كل هذه الصور التي عرضتها عليك آنفاً، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنك لم تعرف بعد هذه الفكاهة التي أريد أن أحدثك عنها وأريد أن ألفتك إليها، لتذوقها كما ينبغي ولتنعم بها كما ينبغي ولتنصرف إليها لحظة عما يكتنفك من جد الأمر، وعن هذه الإشاعات التي لا تحصى، والأنباء التي لا تنقضي، والفروض التي لا تنتهي، وكل هذا الهم الثقيل، الذي يملأ أحاديث المصريين وقلوبهم ورؤوسهم في هذه الأيام التي اضطرب فيها كل شيء، وخفي فيها على الناس كل شيء وترك فيها للناس أن يفهموا إن استطاعوا الفهم وأن يفسروا إن استطاعوا التفسير، وأن يتنبأوا إن استطاعوا التنبؤ بما سيكون.
أنت من غير شك لم تفطن لهذه الفكاهة، وقد ذهبت بك الظنون إلى فكاهات كثيرة، ولعلك فكرت في هذه الولائم التي تقام للوزراء، أو يقيمها الوزراء لأنفسهم، أو يقيمها نائب المندوب السامي فيدعو إلى بعضها وزراء لا يشاركهم أحد من غير طبقتهم، ويدعو إلى بعضها الآخر وزراء يشاركهم الموظفون والصحفيون، ولعلك فكرت في فكاهات وزير ماليتنا العظيم، وما نثيره من خلاف بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، ولعلك فكرت في العيسويات، وما أكثرها وما أكثر ما خفي منها، ولعلك فكرت فيما سيلقى غداً من الخطب في هذا الاجتماع الخطير الذي سيعقده حزب الاتحاد.
ولعلك فكرت في غير هذا من هذه الفكاهات الكثيرة التي تتصل بالوزارة وحياتها، ولكني لم أقصد إلى شيء من هذه الفكاهات، لأني أردت أن أصرفك عن الجد، وحياة وزارتنا وما يتصل بها جد كلها، لا يمكن أن يبلغها الهزل، ولا أن ترقى إليها الفكاهات إنما أفكر في هذا الأستاذ المحامي الذي أنفق من عمره أعواماً وهو يعتقد فيما بينه وبين نفسه أنه أحق الناس برئاسة الوزارة، وأقدر الناس على تصريف الأمور، وكان هذا الأستاذ في أكبر الظن قد أنكر من أعمال بعض الوزارات شيئاً أو أشياء. وفكر في أن الأمر لو كان إليه لذهب في تدبير شؤون الدولة مذهباً آخر، ثم اتصل تفكيره في ذلك وألح عليه فما هي إلا أن اعتقد أن رئاسة الوزراء يجب أن تسند إليه، ثم اتصل تفكيره في ذلك وطال اتصاله فما هي إلا أن اعتقد أن رئاسة الوزراء قد أسندت إليه، ثم انتظر أن تصل إليه الآيات التي تدل على أنه قد أصبح رئيساً للوزراء، وطال انتظاره. ثم لم يتردد لأنه رجل مخلص في أن يضع الخطط والمناهج ويهيئ اللوائح والقوانين، ويعد الأوامر والنواهي حتى إذا انتهى إليه المرسوم بإسناد الرئاسة إليه لم يؤخذ على غرة، وإنما كان قد استعد للأمر. ثم يقبل على العمل، فما هي إلا أن يظهر ما كان قد جهز وأعد، وإذا الأمور كلها قد تغيرت، وإذا النظام كله قد استحال، وإذا حياة المصريين قد انتقلت من طور إلى طور.
ثم اتصل تفكير الرجل في الوزارة واستعداده لها، وانتظاره إياها، حتى ظن آخر الأمر أنه قد أصبح وزيراً بالفعل، وأن استعداده للحكم تصريف لأمور الحكم، وأن انتظاره للوزارة نهوض بأعباء الوزارة. ولكنه كان يحس أن شيئين ينقصانه وهما مرتب رئيس الوزراء، والمرسوم الذي يعترف برئاسته للوزراء، ثم هتف به هاتف في ساعة من ساعات الليل أو في ساعة من ساعات النهار، بأن المرسوم قد صدر وبأن قبض المرتب قد آن أوانه، فلم يشك في أن أول ما يجب عليه إنما هو أن يرفع الشكر إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ويتلقى أوامره السامية ونصائحه الغالية فيما يتصل بشؤون الدولة. فذهب إلى قصر رأس التين وهناك لقيته الحياة بوجهها الجاد المستيقظ الذي لا يبيح للناس حلماً ولا فكاهة ولا خيالاً، وإنما يأخذهم بالجد، وبالجد المر الدقيق، وهنالك كانت الإحالة على النيابة ثم البدء في التحقيق، ثم الطبيب الشرعي، ثم إثبات المرض العقلي، ثم الإرسال إلى مستشفى المجاذيب.
ومع ذلك فما أكثر الذين يشبهون هذا الرجل ويحدثون أنفسهم بمثل ما حدث به نفسه، ويؤمنون بأنهم أحق الناس برئاسة الوزارة وينتظرون أن تسند إليهم رئاسة الوزارة ويسعون في ذلك ألواناً من السعي، ولكنهم لا يرسلون إلى النيابة، ولا يؤخذ معهم في التحقيق ولا يكرهون على مستشفى المجاذيب لأنهم لم يذهبوا إلى مكان رسمي كالقصر أو كديوان الرئاسة. فلهم أن يتحدثوا إذن بما يشاؤون إلى أنفسهم وإلى الناس. ألست توافقني على أن هذه الفكاهة تستحيل كغيرها من فكاهات المصريين كلها إلى الجد، وإلى الجد المر المؤلم؟
ألست توافقني على أن هذا الوزير الوهمي أو المزيف ليس وحيداً ولا نادراً في مصر، وأن من الممكن أن يخلي بينه وبين حريته، إذا أمن شره على الأبرياء أو أن يرسل معه كثيرون جداً من أمثاله، الذين لم يذهبوا كما ذهب إلى القصر، أو إلى رئاسة الوزراء؟..
طه حسين
الوادي، ٢٨ سبتمبر ١٩٣٤.
حديث الوادي
ساقية …
ليست إحدى السواقي السبع التي يتغنى بها الأستاذ عبد الوهاب، بعد أن تغنى بها شباب الأحياء الوطنية في القاهرة. فإن هذه السواقي السبع تستطيع فيما يظهر أن تخرج الماء وتنفع به الناس، إنما الساقية التي أريد أن أتحدث عنها هي ساقية جحا. أتعرفها؟ فقد زعم الناس أنها ساقية تدور وتدور ولكنها لا تروي أرضاً ولا حيواناً ولا إنساناً. لا تكاد تخرج الماء حتى تسترده، هي تدور لتروي نفسها، وهي لا تروي أبداً، لأنها لا تنقطع عن الدوران. أظنك تعرف هذه الساقية، فالكلام عنها كثير، والأحاديث فيها متصلة، والأمثال التي تضرب بها سائرة. فأنا أريد اليوم أن أحدثك عن ساقية جحا لأني وجدت لها صورة رائعة بارعة، ناصعة، ساطعة، جامعة، بعد أن كنا نظن أنها كالعنقاء، يتحدث عنها الناس ولا يجدون لها أثراً. وهذه الصورة البديعة التي تمثل ساقية جحا منشورة صباح اليوم في زميلتنا الأهرام. وما أحق الأهرام أن ترثي لها وما أحق الأهرام أن تعطف عليها، فإن صناعة الصحافة تكلفها شطفاً. وتأخذها أحياناً بنشر أشياء لعلها لو خفي بينها وبين ما تريد حقاً، أو قل لو خفي بينها وبين ما تحب، لما نشرتها، ولا أشارت إليها، ولكن للصناعة حكمها والأهرام مضطرة بحكم هذه الصناعة، إلى أن تذيع في قرائها ما يقوله الساسة، وأشباه الساسة والذين ينتحلون السياسة ويتكلفونها تكلفاً، ويتخذونها وسيلة إلى الحياة.
أما أنا فقد أعجبت بساقية جحا، وأعجبت بها أكثر مما تظن، وحسبك أني قرأتها مرتين، وأقسم بالله لقد قرأتها مرتين، ولكني لم أحصل منها شيئاً، ولم أخرج منها بشيء، ولم أنته منها إلى شيء، إلا أنها ساقية جحا، لا تريد ولا تستطيع أن تنفع أحداً، أو تروي ظمأً، وإنما تريد أن تنفع نفسها وأن تروي نفسها، ولولا أن وقت الصحفي محدود، لقرأت ساقية جحا مرات ولقرأتها على وجوه مختلفة فأخذتها من آخرها إلى أولها، بعد أن أخذتها من أولها إلى آخرها، ثم أخذتها من وسطها إلى أولها، ومن وسطها إلى آخرها، لعلي أجد فيها شيئاً أو أستخرج منها شيئاً، يستحق أن يقف عنده الكاتب أو يحاور فيه السياسي، أو يستمتع به الأديب، وأنا أعد نفسي بإعادة النظر في الساقية من أولها ومن آخرها ومن أوساطها وأعد القارئ صادقاً بأني إن وجدت في هذه الساقية شيئاً أو استخرجت منها نفعاً فلن أستأثر به ولن أبخل بإشراك القارئ فيه، أظنك قد عرفت الآن ساقية جحا، وأظنك قد قرأتها في الأهرام صباح اليوم، كما قرأتها أنا أيضاً وأظنك قد سألت نفسك عما فيها وأظنك قد تكلفت أن تستخلص منها غرضاً من الأغراض أو تنتهي بها إلى نتيجة من النتائج، وأظنك قد انتهيت إلى مثل ما انتهيت أنا إليه، من اليأس والإخفاق وأظنك قد ذكرت ما ذكرته أنا من أمر هذه الساقية الجميلة البديعة التي ما يزال الناس يتحدثون عنها، ويضربون بها الأمثال، وهي ساقية جحا.
ومع ذلك فقد تحدث الناس عن هذه الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد أمس في نادي حزب الاتحاد على الحزبين الشقيقين أحاديث طويلة، منذ زمن بعيد وإذا لم تكذبني الذاكرة فأنا قد رسمت لوزير التقاليد منذ حين برنامج هذه الخطبة، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يجب أن يطرقها ليعرض على الشعب صورة صادقة من سياسة الوزارة وأظن أن زميلتنا السياسة رسمت لوزير التقاليد منذ أيام قليلة جداً برنامجاً لهذه الخطبة أيضاً، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يحسن أن يتحدث فيها إلى سامعيه. وما أشك في أن وزير التقاليد لو أنه استمع لنصيحتي منذ أسابيع، ولنصيحة السياسة منذ أيام لاستطاع أن يخرج خطبة إن لم تكن رائعة بارعة، فهي مقبولة محتملة، تستحق خمساً من عشر، أو ستاً من عشر، كما يقول الأساتذة في وزارة التعليم.
ولكن وزير التقاليد فيما يظهر أكبر من أن يستمع للنصح، وأبلغ من أن يحتاج إلى من يعلمه البيان، فهو لم يحفل بما قدمنا له من نصيحة، ولم ينتفع بما رسمنا له من برنامج، وإنما أراد أن يبتكر، وأن يخطب دون أن يستعين بمعين، وحسناً فعل، فلو قد استمع لنا لأخرج للناس خطبة سياسية من هذه الخطب المألوفة، التي تحسن حيناً وتسوء حيناً، والتي يمكن أن تقدر بالدرجات. أما الآن وقد ركب رأسه، واستوحى نفسه، ونفسه وحدها، فقد أخرج للناس آية من آيات البيان، وحسبك أنه صور للناس ما عجز الخطباء جميعاً عن تصويره إلى الآن، صور لهم ساقية جحا في أجمل مظاهرها وأبدع أشكالها. وليس هذا بالشئ القليل، ولا سيما في هذا العصر الذي أفلس فيه الأدب، وأجدب فيه البيان، وقل فيه الإنتاج القيم، وأجمل ما في الأمر أن وزير التقاليد قد أخرج للناس هذه الآية البيانية الرائعة في اليوم الذي افتتح فيه العام الدراسي فكان ذلك رمزاً لهذه النهضة الأدبية التي سيستقبلها الناس في هذا العام الجديد، فليس من شك في أن هذه الآية البيانية خليقة أن تطبع وتذاع وتلقى في أيدي الطلاب والتلاميذ، ويدرسها أساتذة الإنشاء في فصول الدرس ليتعلم الشباب كيف يستطيع الخطيب المصقع، والمقول المفوه، أن يتكلم ويتكلم، ويتكلم ثم لا يقول بعد هذا كله شيئاً.
فقد ألح الأدباء والمعلمون على التلاميذ والطلاب، في أن لا يتكلموا إلا إذا كان عندهم ما يقولون وفي أن الصمت خير من الكلام الذي لا يغني، وما زال الأدباء والمعلمون يلحون على التلاميذ والطلاب في هذا المعنى حتى آثر الشباب ألا يقولوا شيئاً، لأنهم لم يكونوا يجدون ما يقولون. فأما الآن فقد فتح لهم وزير التقاليد باباً حديثاً في البيان واخترع لهم فناً طريفاً من فنون الأدب، وعلمهم أن الخطيب يستطيع أن يخطب فلا يقول شيئاً، ويظفر مع ذلك بالتصفيق والهتاف والإعجاب، ويظفر مع ذلك بأن تنشر له الصحف خطبته وتذيعها بين القراء. وكان لنا في الأزهر الشريف حين كنا نطلب العلم فيه، أستاذ بارع فصيح بليغ فكان يتحدث بنعم الله عليه فيقول إن مما من الله علي به أن أتحدث إليكم ساعتين فإذا أنتم لا تفهمون عني شيئاً، ولا تستطيعون أن تنقلوا عني بعض ما قلت، لأنكم لم تفهموه. وكان أستاذنا هذا يتحدث إلينا ساعتين في المنطق أو في الفلسفة، فيخوض في كل شيء إلا المنطق والفلسفة، حتى إذا تفرقنا عنه والتقينا لنحصل ما سمعناه منه لم نجد شيئاً. وكنا نعجب بالأستاذ نروي أحاديثه مكبرين وما أظن أن الجيل الذي كان يختلف معنا إلى الأستاذ وهو الآن من علماء الأزهر الشريف، قد نسي الأستاذ العظيم وبراعته، فقد كنا جميعاً نراه آية بين علماء الأزهر وفذاً بين أعلام البيان، أما الآن فلم يبق الأستاذ آية ولا فذاً، وإنما بعث الله له من وزير التقاليد آية أخرى تنسخ آيته نسخاً.
فوزير التقاليد يستطيع أن يخطب في السياسة كما كان أستاذنا يستطيع أن يتكلم في المنطق، ولكن الذين يسمعون أو يقرأون خطبة وزير التقاليد في السياسة يفهمون منها إلى مثل ما كنا ننتهي إليه، من درس أستاذنا في المنطق.
فالدنيا بخير إذن والبيان الصحيح بمأمن من الضعف والفساد، ما دام في أمة محمد ﷺ من يستطيع أن يصور ساقية جحا، في الأزهر حيناً وفي نادي الاتحاد حيناً آخر، والله عز وجل أرأف بهذه الأمة وأعطف على هذه اللغة من أن يحرمهما ممثلاً لهذا البيان الرائع يصور ساقية جحا أجمل تصوير، لأن هذه الساقية خالدة يجب ألا تحرم جمالها الأجيال.
وما دام وزير التقاليد قد ورث أستاذنا في تصوير ساقية جحا، وما دام تقليد الوزراء ولا سيما وزراء التعليم شيئاً مستحباً، فليس على الأمة المصرية بأس وليس على اللغة العربية بأس، ولا يزال بين أساتذة الأدب من يعلمون، وبين طلاب الأدب من يتعلمون، وبفضل هذا التعليم والتعلم، سنضمن للجيل المقبل خليفة لوزير التقاليد في تصوير ساقية جحا.
لقد قال الحكيم في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه
وكنا نظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، قد قرأ هذه الحكمة فيما قرأ من حكمة الأمم، ولكن خطبة وزير التقاليد أمس دلت على أن هذه الحكمة قد أفلتت من رئيس الوزراء، فهو يوافقنا من غير شك على أن وزير التقاليد لم يكن هو الذي يستطيع أن يحمل رسالة الوزارة في ظروفها الحاضرة إلى المصريين، ولا إلى الإنجليز، لأن المصريين والإنجليز، قد يسرهم ويرضيهم أن يروا ساقية جحا، وأن يسمعوها ولكنهم لا يعتمدون عليها حين يريدون أن ينقعوا غلة أو يرووا ظمأً لأنهم يعلمون حق العلم أن ساقية جحا، جميلة رائعة ولكنها على ذلك لا تنفع ولا تفيد …
طه حسين
الوادي، ٣٠ سبتمبر ١٩٣٤.
حديث الوادي
موعد . . .
ضرب وزير التقاليد أول أمس للمفاوضين، وسجل فيه أن الوزارة لقائمه، وهو من أعضائها بالطبع، باقية في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، فإذا أقبلت هذه السنة احتكمت الوزارة إلى الشعب، لترى أراضٍ هو عنها، أم ساخط هو عليها؟.
ولسنا نكتب في هذا لنناقش وزير التقاليد أو لنحاوره، فقد وهب الله وزير التقاليد من الذكاء والفطنة، ومن المهارة والحكمة، ومن نفاذ البصيرة وحصافة الرأي، ومن قوة الحجة ووضوح الدليل، ما يجعله فوق المناقشة والمحاورة.
وما يحملنا على أن نرفق لأنفسنا ونشفق عليها، من أن نقف منه موقف الحوار والجدال، فنحن في هذا الموقف مع وزير التقاليد، معاونون دائماً، ومن ذا الذي يستطيع أن يقاوم البحر إذا زخر، والليث إذا زأر، والغيث إذا انهمر؟ كلا. لم نكتب لنحاور وزير التقاليد. فوزير التقاليد فوق الحوار. ومن المحقق أن وزير التقاليد سيبقى في الحكم عاماً وعاماً، نستغفر الله، بل أعواماً وأعواماً، فوزير التقاليد مفروض على مصر، سيحكمها حتى يعجز عن الحكم، وسيقهرها حتى يعيا عن القهر، لأنه يريد ذلك قبل كل شيء، ومتى أراد وزير التقاليد، فلا مرد لما يريد، ولأن عبقريته، وملكاته الخارقة، وتفوقه الذي يعجز الوصف، ويفوت الواصفين، كل ذلك يؤهله للحكم المتصل، والسلطان الذي لا أمد له، وإن مصر لأحب لنفسها، وأحرص على مصالحها، من أن تعدل بوزير التقاليد وزيراً آخر، وهو الوزير الرشيد الذي لم ترَ مصر وزيراً مثله رشداً وسداداً، وفطنة وذكاء، وحلماً وأناة، فهو إذن باقٍ في الحكم إلى ما شاء الله وهو باقٍ في الحكم برضى مصر وإرادتها، بل بإلحاح مصر واستعطافها، وهو باقٍ في الحكم مع ذلك يرضي الإنجليز عنه واطمئنانهم إليه وثقتهم به، وأملهم فيه، فوزير التقاليد رجل قوي، ولكنه مع ذلك مرن يستطيع أن يظفر بأمرين لا يظفر بهما إلا النابغون الذين لم يعرفهم التاريخ المصري بعد، فيرضي الإنجليز ويرضي المصريين ويكره أولئك وهؤلاء على أن يريدوه وزيراً للمعارف، وعلى ألا يعدلوا به وزيراً آخر، وهو يقيم الدليل في كل لحظة على قدرته هذه الفائقة، وبراعته هذه الخارقة، تقترح عليه مدرسة الهندسة ترقية أستاذ مصري، فيقصيه إلى الصعيد ليرضي المصريين، ويأمر باختيار أستاذ بريطاني ليرضي الإنجليز. وهو على هذا النحو جامع بين ما لا يمكن الجمع بينه من النقائض والأضداد، فويل للإنجليز إن ضاقوا به أو سخطوا عليه، وويل للمصريين إن رغبوا عنه أو زهدوا فيه. هو وزير المعارف، خلق للمعارف، وخلقت المعارف له، ليس في ذلك شك، وليس إلى الريب فيه سبيل. ولكن وزير المعارف بطبعه قدوة لعشرات الألوف، بل لمئات الألوف من الأساتذة والمعلمين، ومن الطلاب والتلاميذ، ومن أسر الطلاب والتلاميذ. هو المثل الأعلى لهؤلاء جميعاً: في الإخلاص إذا عمل، والاعتدال إذا فكر، والصواب إذا حكم، والرفق إذا قضى. وقد اكتملت هذه الخصال كلها لوزير التقاليد كما لم تكتمل لوزير من قبله، وكما لن تكتمل لوزير من بعده. وهو من أجل هذا قد ظفر بحب المصريين وتأييدهم، وحرصهم على أن يظل فيهم وزير التعليم ما كانت لهم وزارة للتعليم.
وزير المعارف صادق دائماً، لأنه مثال الصدق ومصدره، وقدوة الأساتذة والطلاب فيه، وهو من أجل هذا لا يقول إلا الحق، ولا يرفع إلى مجلس الوزراء إلا الصدق، وهو من أجل هذا لم يتردد في أن يطلب إلى مجلس الوزراء فصل أستاذ من أساتذة الحقوق، وفي أن يطلب ذلك في مذكرة رسمية كانت كلها حقاً وصدقاً، حتى لم يتردد مجلس الوزراء في أن يأخذ بها، ويعتمد عليها ويفصل الأستاذ الذي أراد وزير التقاليد فصله، ثم تبين له بعد ذلك أن في المذكرة شيئاً ليس بينه وبين الصدق سبب، وليس بينه وبين الحق سبيل، قد أنكره من نسب إليه، وكذبه في الصحف من حمل عليه.
ووزير المعارف قدوة في الصواب إذا فكر، وهو من أجل هذا لا يشك أو لا يتحرج من أن يرى أن موسوليني وهتلر ودومرج إنما يتأثرون بالنظام المصري الحاضر، حين يغيرون ما كان في بلادهم من نظام، فإذا ظهر بعد ذلك أن موسوليني قد أنشأ نظامه قبل أن ينشأ النظام المصري، وأن هتلر قد فكر في نظامه وجد في الدعوة إليه، حين لم يكن صدقي باشا يحلم بأنه سينهض برئاسة الوزراء، وحين كان وزير التقاليد نفسه ينفق خير أوقاته في الكونتننتال، وإذا ظهر أن دومرج لا يريد قلباً للنظام، ولا خروجاً على الدستور، ولا تجاوزاً للقانون، ولا إكراهاً للشعب على ما لا يريد، فليس بشيء من ذلك بأس على وزير التقاليد لأنه لم يقل إلا حقاً، ولم يرَ إلا صواباً، ولأن ما يعرفه الناس كلهم خطأ، وما يعرفه هو وحده صواب. ووزير التقاليد قدوة في نزاهة اللسان، لا يحب المماراة ولا ترضى له أخلاقه أن يصطنع الألفاظ المبتذلة، والكلام البذيء، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يصف خصومه بالتغرير، والغرور، وبالتضليل، والضلال، وبالخيانة والإثم وبغير ذلك من الأوصاف التي لا ينبغي أن تصدر عن المثقفين فضلاً عن الوزراء، وفضلاً عن وزراء التعليم، وفضلاً عن رؤساء الجامعة الأعلين، وفضلاً عن الذين كانوا مستشارين، يعاقبون على السب ويحاسبون على الإهانة، ويأخذون الناس بنزاهة اليد والضمير واللسان، فليس على وزير التقاليد من ذلك بأس لأن هذه الألفاظ القذرة والكلمات البذيئة تطهر ويملؤها النقاء إذا جرت على لسانه العف وانطلقت من فمه النقي، وخطرت لضميره الكريم.
ووزير المعارف قدوة في الاعتدال ورفض الغرور والإيمان بأن الرجل الحازم العاقل ذا العقل المتزن والرأي الحصيف، هو الذي لا يغتر بالأيام، ولا ينخدع بالظروف، ولا يسترسل مع الأمل، ولا يطير مع الخيال، ولا يمني نفسه بما لا سبيل إلى أن يأخذ به على الأيام عهداً، أو يكتب به على الحوادث كتاباً، وهو من أجل ذلك يعمل لدنياه، كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، فإذا ظهر بعد ذلك أنه يتحكم في الأيام ويتسلط على الحوادث ويستطيل بقوته وسلطانه، ويزعم أنه باقٍ في الحكم إلى سنة ١٩٣٦ مهما تزلزل من تحته الأرض، ومهما تضطرب من فوقه السماء، ومهما يفسد من حوله الجو، فليس عليه من ذلك بأس، لأن الغرور يستحيل إلى اعتدال حين يمسه، أو يخطر له، ولأن الإسراف في الثقة والاستهزاء بالدهر، يستحيلان إلى تواضع واتزان، حين يخطران له، فهو كما ترى قدوة في كل شيء، وهو كما ترى خليق أن يكون وزير المعارف، وأن يظل وزير المعارف، وهو كما ترى حري أن يكون أبناءنا أحسن تكوين، ويهذبهم أحسن تهذيب، ويعلمهم كيف يكونون رجالاً، صادقين، مخلصين، يؤثرون الحق، ويحرصون على الصواب، ويرتفعون عن الدنيات، ويبرأون من الشهوات، ويجنبون أنفسهم الغرور وإذا ظفرت مصر برجل صادق نزيه نقي طاهر القلب، والضمير، واللسان كوزير التقاليد، فويل لها إن عدلت به وزيراً، وويل لها إن لم ترشحه لرئاسة الوزراء. وأنا من أجل هذا كله واثق كل الثقة بأن وزير التقاليد، كان موفقاً في الموعد الذي ضربه أول أمس، فسيبقى في الحكم إلى سنة ١٩٣٦، ولكن بعد أن يرقى إلى رئاسة الوزراء، وأنا أبشره بأنه يوم تسند إليه الرئاسة سيقف موقفاً كله حيرة، لأن الوزارات جميعاً ستتضرع إليه في أن يكون لها وزيراً، ومن يدري؟ لعل الأمة المصرية، وقد أعجبها وزير التقاليد، وسحرتها خلاله وخصاله، ترى أن يكون هو رئيس الوزارة. وهو الوزير لكل وزارة، فنجعل إليه تدبير أمرها كله، لا يشاركه في ذلك أحد، ولا يعينه على ذلك زميل، يقضي في كل وزارة ساعة أو بعض ساعة، ثم يقبض آخر الشهر إلى مرتب الرياسة مرتبات الوزراء جميعاً. وأنا أؤكد لك أنه أهل لذلك، وخليق به، وقادر على أن يتمناه وينتظره، وأي شيء يعجز الأماني، وأي شيء يفوت الأمل العريض، حين يمتلئ به العقل العريض؟
طه حسين
الوادي، ١ أكتوبر ١٩٣٤.