Tag: political resistance

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .

  • أيام لا تنسى: ذكريات وطنية | Days Never Forgotten: National Commemorations

    حديث الوادي
    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    قدوة…
    تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
    وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
    ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
    ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
    تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
    إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
    إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
    إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
    إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
    ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
    كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
    إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
    وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
    ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
    ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
    لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
    لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
    إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
    وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موعظة . . .
    ولكن قوما لا يريدون أن يتعظوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أن يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلاً إلى الشك، ولا طريقاً إلى الريب. يرون الحق واضحاً بيناً، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونه، ويرون النور ساطعاً ناصعاً فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق، عالياً يبلغ السماء فيسدون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه. ذلك أنهم لا يريدون حقاً، ولا شيئاً يشبه الحق، وإنما يريدون نفعاً عاجلاً، وعيشاً زائلاً، ونعيماً ينتهزونه انتهازاً وفرصاً يختلسونها اختلاساً. لا يعنيهم أن يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أن يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أن يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن. فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء . .
    أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم كما كان يقول سعد رحمه الله إلغاءً. أولئك قوم خُلقوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء. يرون شعباً كاملاً، قد اتفق رأيه وصح عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أن يكون سيداً في أرضه، حراً في وطنه، مسيطراً على أمره، فيأبون أن يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أن يصدقوا أن هذا الشعب يرى ما يرى، ويعلن ما يعلن، ويريد ما يريد. يخلقون لأنفسهم عالماً كاذباً، مصطنعاً يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطراباً لا يجدون فيه مشقة ولا جهداً، لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.
    أولئك قوم يمرون بالحياة، أو تمر بهم الحياة، فلا يؤثرون فيها، ولا يتأثرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة يحس الناس ثقلها وبغضها، ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحس من هذا الحلم الثقيل البغيض.
    أولئك قوم إن كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل، وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنك ما تراهم فيه من حول وطول ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترف، فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أثر، وبما يقيمون من مأثرة، وبما يبنون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.
    لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة أثر الهزيمة فلا ينفعهم ذلك لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يعظهم ذلك لأنهم لا يريدون أن يتعظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحاً في المكر والكيد، وإصراراً على اللجاج والعناد.
    ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكذاب، وظنوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغلوا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدون ويكدون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئاً ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثت في المصريين جميعاً، فأحيا القلوب، وقوى العزائم، وأبى لهذا الشعب أن يرضى إلا أن يكون عزيزاً حراً ومستقلاً صادق الاستقلال.
    قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثاب إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.
    أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعداً ومذهب سعد، ويحبون سعداً ومذهب سعد، ويوالون سعداً ومذهب سعد فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقربون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئاً.
    أولئك يرون المصريين في كل عام يحيون ذكرى سعد خيراً مما أحيَوْها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حباً، وازدادت عقولهم لسعد إكباراً، وازداد أتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعاً، ولا يريدون رجوعاً إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة واختلاس ما يمكن أن يختلس فيها من نعيم.
    أولئك رأوا أمس أنه لم يبقَ في مصر مصري إلا ذكر سعداً وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غداً، وسيرون في كل يوم مثل ما رأوا أمس، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.
    أولئك يحسبون أنهم مهرة، ويخيلون إلى أنفسهم أن استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون، وما أكثر ما ينسون، أن هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أن يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أن يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.
    أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون، وما أكثر ما يجهلون، أن الاستعمار أبرع من أن يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أن الذين يخدعونه ويستعينون به على الحياة لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أن يُذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.
    ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم، فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضح الأدلة وأنصعها وأبقاها؛ على أن الذين يحاربون سعداً ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأياً من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش، ولا يلتمسون شيئاً أكثر من العيش.
    ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس، كما أظهرت قبل أمس، وكما ستظهر في كل يوم، أن شعباً من الشعوب يستطيع أن يكون قوياً منيعاً، عزيزاً أبياً، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه. فليتعظ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أن يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أن يعيش إلا في ظلمة الجحود.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٤.