Tag: wishful thinking

  • أسرار الحكومة وأعصابها المهزوزة | State Secrets and Shaken Nerves

    حديث الوادي
    تضحية . . .
    والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
    أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
    ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
    ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
    لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
    فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
    طه حسين
    الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    وفاق. . .
    لست أدري لم يكلف الناس باختراع الإشاعات وإذاعتها، والترويج لها، وتعظيم أمرها، يلحون في ذلك إلحاحاً شديداً، حتى يملأوا بها الجو، ويشغلوا بها الناس، ويخيلوا إلى من سمع منهم أو تحدث إليهم أن الأمور قد فسدت كلها. فلم يبق فيها أمل لصلاح ينتظر، أو خير يرجى. على حين أن الأمور صالحة كأصلح ما تكون مستقرة، كأشد ما تكون استقراراً.

    ولست أدري – ولعل الفلاسفة يدرون – من أين تأتي هذه اللذة التي يجدها الناس في اختلاق الأنباء وانتحالها، من غير أن يكون هناك ما يدعو إلى الاختلاق والانتحال. وسواء أكان من اليسير أم من العسير تعليل هذا المرض الاجتماعي الخطير، فإنه أمر واقع، محقق، لا شك فيه، قد ابتلي به الناس جميعاً، ولكن حظ المصريين منه أعظم من غيرهم من الناس. فأنت لا ترى المصريين إلا وقد امتلأ جوهم بالإشاعات، ينتحلها لهم المنتحلون، ويختلقها لهم المختلقون، ويروج لها فيهم المروجون.

    والمصريون مشغوفون باختلاق الإشاعات وإذاعتها حول الوزارات، والوزراء، كأن المصريين قد فطروا على أن يضيقوا بالوزارة والوزراء، وعلى أن يتمنوا السقوط لكل وزارة، والاستقالة لكل وزير، فإذا أعجزهم أن يسقطوا الوزارات بالفعل، أو أن يحملوا الوزراء على الاستقالة، تمنوا ذلك ثم توقعوه. ثم خيل إليهم أنه كائن اليوم أو أنه كائن غداً في أكبر الظن، أو أنه كائن بعد غد من غير شك ولا ريب.

    ثم هم يتحدثون بذلك ويفتنون في الحديث، ويتعللون بذلك، ويفرقون في التعليل، فإذا انقضى اليوم ولم يكن ما تمنوا لم يؤنسهم ذلك من وقوعه، ولم يصرفهم ذلك عن انتظاره ولم يمنعهم ذلك من التحدث به والخوض فيه.

    وهم على هذا النحو قد ملأوا جوهم بالإشاعات في هذه الأيام عن الوزارة القائمة فزعموا أنها ضعيفة جداً، قد أصابها هزال أنحلها حتى كاد يجعلها ظلاً لنفسها، مع أنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، ومع أنها لم تكن في يوم من الأيام أضخم وأشد امتلاء مما هي الآن، ومع أن الهزال، والنحول، إن كان هناك هزال أو نحول، لم يصيباها هي، ولا يمكن أن يصيباها، وإنما أصابا غيرها من الناس.

    ومتى رأيت هزالاً أو نحولاً، يصيبان وزارة هادئة، مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تنعم بما لا تنعم به وزارة أخرى في أقطار الأرض، من الراحة في أوقات العمل ومن السعادة في أوقات الشقاء، ومن الترف في أيام الشظف، ومن الاطمئنان في أيام القلق والاضطراب؟ .

    وكيف تهزل الوزارة أو يدركها النحول، وهي مستقرة في الإسكندرية تغدو على الدواوين هادئة باسمة وتروح إلى الدور أو إلى القصور راضية ناعمة، وتحدث الأحداث الثقال من حولها، وتلم الخطوب الجسام فلا يبلغ ذلك منها، ولا يغير من سيرتها، ولا يخرجها عن راحتها، وإنما هي تمضي فيما هي فيه: من الغدو باسمة إلى الدواوين، والرواح ناعمة إلى الدور والقصور، ثم الاختلاف إلى مجالس السمر والحديث والفكاهة إذا أقبل المساء أو كان الليل؟

    فإذا اشتد وقع الحوادث وثقل إلحاح الخطوب ولم يبق بد من أن تظهر الوزارة شيئاً من العناية بهذه الحوادث والخطوب، حتى لا يقول الناس أنها نائمة أو لاهية، حين لا ينبغي نوم ولا لهو، أخذت من هذه العناية بأيسر حظ ممكن، وتكلفت في سبيلها أقل عناء ممكن، فخرج الأعضاء من راحتهم الكاملة الشاملة، إلى راحة تكاد تكون كاملة شاملة. يزورون المدن والقرى ولكن في سفن مترفة مريحة وعلى ظهر النيل الجميل، أو يقصدون إلى القاهرة، ولكن في حجرات خاصة، فإذا بلغوها، لم يقيموا فيها إلا ريثما يعودون إلى حيث يستريحون في ثغرنا الجميل.

    وزارة تحيا هذه الحياة وتستمتع بهذا النعيم، وتتكلف هذا الجهد اليسير لا يمكن أن يدركها ضعف ولا أن يصيبها هزال، ولا أن يمسها نحول، وإنما الممكن والمعقول أن تزداد قوة إلى قوة وضخامة إلى ضخامة، امتلاء إلى امتلاء، ولكن الناس مع ذلك مشغوفون بأن يزعموا أنها مريضة، وأنها مهزولة، وأنها ناحلة. يظنون أنها تتكلف من العمل والجهد ما يتكلفون هم إذا عملوا فيصيبها ما يصيبهم من الضعف والإعياء. وينسون أن الله قد خلقهم هم للشقاء، وخلقها هي للسعادة والنعيم.

    والناس يشيعون عن الوزارة أنها مختلفة متباينة الهوى، وأن أعضاءها مختصمون متنابذون لا يتفقون على شيء، ولا يلتقون عند شيء، ولا يجتمعون إلا كان بينهم الشر، ولا يفترقون إلا سعى بينهم الكيد. وهم يهولون في ذلك أشنع التهويل، وأبشعه، ثم يجزمون بأنه منتهٍ من غير شك إلى استقالة الوزارة أو إلى سقوطها إذا أبت أن تستقيل، وتستطيع أنت أن تبحث عن الأسباب التي تدعو إلى أن يختلف الوزراء أو يختصموا فلا تجد إليها سبيلاً، إنما يختلف الناس حين يعملون، وحين يجدون في العمل، وحين يحتملون الأعباء وحين ينهضون بالأثقال، وحين يواجهون الخطوب، وحين يحلون المشكلات، فإذا كانت حياتهم راحة وسعادة ونعمة لا لغو فيها ولا تأثيم، وإذا قضوا وجه النهار في مكاتبهم مطمئنين، وآخر النهار وأول الليل في دورهم وأنديتهم ناعمين، ففيم يكون الخلاف؟ وعلام يكون الخصام؟ وحول ماذا يشتد النزاع؟

    أما مشكلاتنا الكبرى الخارجية فقد تولاها الإنجليز، وقالوا للوزارة لا بأس عليك. وأما مشكلاتنا الكبرى الداخلية فقد تولت نفسها، وهي تحاول أن تنحل دون إجهاد للوزراء فتبلغ من ذلك ما تستطيع وتقصر عما لا تستطيع ولكنها لا تكلف وزراءنا على كل حال مشقة ولا عناء.

    وإذن ففيم يختلف الوزراء وعلام يختصمون؟ نعم إن طول الراحة قد يسئم وقد يثير شيئاً من الملل والضيق الذي يدعو إلى بعض الخصام، ولكنه خصام يسير، ولا يلبث أن يزول وأن يعود الأمر بعده إلى مثل ما كان، فإذا سمع الناس أن بين وزير المالية ورئيس الوزراء خلافاً، وأن بين وزير المالية وزملائه خلافاً، فلا يغلون في تقدير هذا الخلاف، فإنما هو أمر يسير لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان المزاح الظريف بين الأصدقاء الأصفياء، والأحباء الأوفياء.

    ولذلك لم أنكر من هذا التصريح الذي نشرته صحيفة وزارية صباح اليوم لرئيس الوزراء شيئاً. فقد أعلن الرئيس بلهجة حازمة حاسمة كلهجة وزير المالية حين يتحدث إلى الصحف، أن الوزراء على خير ما ينتظر لهم من الصفاء والوفاق يعملون لخدمة مصر، وأن كل ما يذاع عن اختلافهم كذب لا أصل له.

    صدق رئيس الوزراء ليس بين الوزراء خلاف، ولا شيء يشبه الخلاف إذ ليس هناك ما يدعو إلى أن يقع بينهم خلاف، وصدق رئيس الوزراء فالوزارة تعمل لخدمة مصر، وأي عمل أنفع لمصر، وأجدى عليها وأجدر أن نحسن به سمعتها من أن يستريح الوزراء ويراهم الناس آمنين هادئين، وناعمين وادعين، فيثبت لهم أن مصر بخير فلو لم تكن بخير، لما هدأ الوزراء ولا استراحوا.

    صدقني أيها القارئ العزيز لا يمكن أن تخدم مصر بمثل ما يخدمها به الوزراء الآن من هذه الحياة الجميلة، التي يحيونها في ثغرنا الجميل، وإن كنا نحن نحيا أقبح حياة في عاصمة كانت جميلة فأصبحت سمجة، وكانت الحياة فيها مطمئنة فأصبحت قلقة، تتراءى لها في كل لحظة أشباح المرض والموت.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٨ .

    حديث الوادي
    أسرار
    يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن، فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معاً. بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع، فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معاً. ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ، ولا مسرف، إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلاً تاماً، كأنها لا تعنيه، ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قوماً آخرين، ليس بينهم وبينه صلة أو سبب. فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شؤون الشعب المصري، بل حول شؤونه الدقيقة بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشؤون شيئاً، ولا يتبين منها قليلاً أو كثيراً.

    يقال له إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيأون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما ينتدب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعداداً للطوارئ، وانتظاراً للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئاً، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظاماً يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تبرم أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

    ومع هذا فالإنجليز يتهيأون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند، وهي إذن ستطرأ في مصر وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيأوا لها كما يتهيأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها، كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تكتم حتى على أصحابها، ويجب أن تخفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

    هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال إنه عصر حرية ونور وأن أمور الشعوب فيه لا تدبر من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال إن له نظاماً دستورياً، يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم إلا في بلد يسخر أهله للسلطان تسخيراً، ويحرم أهله الحرية حرماناً، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين، كما ينظر الرعاة إلى القطعان، يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها، لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

    هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب، فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون لا ينبغي لأحد أن يسألهم عما يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات، فقد ينبغي أن لا يجهل أمره ولا تكتم دونه الأسرار، ولا يقال له إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جساماً قد تحدث، ونوائب عظاماً قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها، ويتهيأ لها فنم أنت واغرق في النوم، وكل أنت وأسرف في الأكل، واستمتع أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يصب عليك من هم، وعش أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

    ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال وألح في تعرف الحقائق قيل له إن مندوب الإنجليز يزور الحدود فسأل عن زيارة الحدود هذه ما أصلها وما سرها، وما معناها، وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون، ولم تكون، وبأي حق تكون؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدين العام، وأمر المحاكم المختلطة، والامتيازات، دون الوزارة المصرية التي أنشئت لتعالج هذه المسائل لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك وألح في الالتماس، ولكن أحداً لم يجبه، ولكن أحداً لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

    فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن الوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعباً ضخماً كالشعب المصري يجهل أدق شؤونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

    كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائراً يسأل نفسه ويسأل الناس، عن مرافقه وعما يراد بها، وعن حقوقه وعما يدبر لها وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك أن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

    من الذي يستطيع أن يزعم أن شؤون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا راد لما يريدون.

    ألم يأن لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين فيرى الشعب المصري ما يراد به وما يكاد له، ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز، ولا الوزارة ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ وما قد يعرض من المفاجآت؟

    طه حسين
    الوادي، ٢٧/٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استعداد…
    لم تسجل المراصد بعد زلزالاً في الأرض، ولا اختلالاً في حركات الكواكب والنجوم، ولم تعلن مصلحة الطبيعيات بعد اضطراباً في الجو، ولا اختلافاً في حركات الرياح، وإذن فما زالت الطوارئ المنتظرة بعيدة، وإن بدت طلائعها، وكثر حديث الناس عنها، وما زالت أمام المصريين أيام يستطيعون أن يتنفسوا فيها ملء صدورهم، وأن يناموا فيها ملء جفونهم، وأن يأكلوا ويشربوا فيها ملء بطونهم، وأن يتحدثوا ملء أفواههم إن كان يعجبهم الحديث.
    على أن هناك مقدمة مزعجة، تكاد تنبئ بأن هذه الطوارئ إن لم تكن قد بلغت مصر، فلعلها قد دنت منها بعض الدنو. فقد تحدثت صحيفة من صحف الصباح، بأن موظفاً يسكن في شبرا فيما نظن ذهب إلى الشرطة فأنبأها بأن الأحجار والحصى تسقط في بيته، كأنها المطر الغزير إذا كان الليل، وإن هذه الظاهرة جديدة، طارئة، وأنه قد بحث عن مصدرها، فلم يعرفه، ولم يهتد إليه، وأنه يظن، بل يحقق أنها عفاريت تخرج من تحت الأرض إذا كان الليل، فتحدث في بيته كل هذا الاضطراب. وقد ابتسم رئيس الشرطة لهذا الحديث، وأرسل مع الموظف شرطياً يتبين الأمر، فلم يكد هذا الشرطي يصل إلى الدار ويستقر فيها حتى سقطت الأحجار، وتناثر الحصى واكفهر الجو، وخيل إلى الرجل أن الأرض قد زلزلت زلزالها، فطار إلى رئيسه خائفاً مذعوراً. والرئيس رجل مثقف، جريء حديد القلب، قوي العقل يعلم أن العفاريت كانت موجودة ولكن عصرها قد انقضى، وقد اضطرت إلى مفارقة البلاد المتحضرة، وانحازت إلى صحراء الأحقاف فهي تقيم هناك، في أطلال عاد، أولئك الذين بادوا منذ آلاف وآلاف من السنين.
    وإذن فهذا الرئيس المثقف لم يصدق صاحب الدار، ولا الشرطي، ولم يؤمن بأن أيدي العفاريت هي التي تنثر الحصى وتلقي الأحجار. وإنما استيقن أن هناك شياطين مكرة من الناس، قد دبروا هذا الكيد وأرصدوا لهذا الرجل المسكين يهدون إليه هذه الهدايا البغيضة المؤذية. ولابد له إذن من أن يستكشف هؤلاء الشياطين، ويقدمهم إلى النيابة، ثم إلى القضاء. وعلى هذا ذهب بنفسه إلى هذه الدار وهو محصن بما وعى من العلم، ولعله كان يتلو في نفسه بعض العزائم، ولعله كان قد تحصن أيضاً ببعض الطلسمات.
    ولم يكد يبلغ الدار ويستقر فيها، حتى انتشر الغبار وسقطت الأحجار، وانتثر الحصى انتثاراً، وأخذ صاحبنا يبحث ويبحث، وأخذ صاحبنا يستقصي ويستقصي لعله أن يجد شيطاناً من شياطين الإنس أو عفريتاً من عفاريت المصريين أو الأجانب المقيمين بمصر، ولكنه لم يجد أحداً. فعاد إلى دار الشرطة وسجل ما رأى في محاضره، والله يعلم ماذا ستتخذ الشرطة من الإجراء لترد عن هذا المصري شر هؤلاء العفاريت ولتحميه من عدوانهم، فالشرطة مكلفة حماية المصريين من الأذى سواء أصدر هذا الأذى عن الإنس أو عن الجن.
    ولكن المهم أن هذه الظاهرة الغريبة التي ظهرت في حي شبرا لم تظهر إلا في هذه الأيام بعد أن كثر حديث الناس عن الطوارئ التي يستعد لها الإنجليز ويتحدث عنها المصريون. فليس عندي شك ولا شيء يشبه الشك في أن هؤلاء العفاريت، قد قدموا من صحراء الأحقاف، نذيراً بمقدم هذه الطوارئ، وطليعة للحوادث الجسام التي قد تحدث بعد أيام. وأكبر الظن أن هؤلاء العفاريت كانوا أول جيش ضخم من الجن، سينتشر بعد حين في أقطار مصر، وأخشى أن يؤثر الاستقرار في دور الموظفين. فمن يدري لعل أنباء الأزمة قد سبقت إلى هؤلاء العفاريت فعلموا أن اليسر في هذه الأيام إن أتيح لأحد في مصر فقد أتيح للموظفين دون الزراع الذين فسدت زراعتهم والتجار الذين بارت تجارتهم، والصناع الذين كسدت صناعتهم. وإذن فلابد للموظفين من أن يستعدوا لهذه الطوارئ الغريبة التي ألمت بواحد منهم أمس أو أول أمس وتوشك أن تلم بهم جميعاً في الأيام المقبلة. وكيف يستعد الموظفون لهذه الطوارئ من العفاريت؟ لابد من تدبير الخطط، ووضع البرامج، ورسم المناهج، والاستعانة بآراء الفنيين من أصحاب العزائم والطلاسم، والبارعين في السحر، والقادرين على طرد العفاريت، أو حبسهم في القماقم، وإلقائهم في أعماق البحار…
    ولعل الموظفين، يحسنون إن دعوا إلى مؤتمر عام يدرس أمر هؤلاء العفاريت، ويلتمس أقرب الوسائل إلى دفع شرهم، واتقاء مكرهم والتخلص مما يضمرون من الكيد… مهما يكن من شيء فظهور العفاريت في مصر دليل على أن الأرض تدور،
    وعلى أن الأمور تريد أن تتغير بعد أن زهدت في الركود والاستقرار.
    وإذن فحديث الطوارئ صحيح، والاستعداد للطوارئ محتوم، وظهور العفاريت أصدق في الدلالة على قرب هذه الطوارئ من انتداب المستر بترسون للنيابة عن المندوب السامي. وإذن فكيف يكون الاستعداد لحماية البلاد من الخطوب الشداد التي يمكن أن تطرأ بها الطوارئ، وتأتي بها الحوادث والنائبات؟
    هنا يختلف الساسة، استغفر الله، بل يختلف الكتاب في الصحف، فيكثر بينهم الأخذ والرد، والجزر والمد، والدفع والشد، في غير نفع ولا غناء. فأي استعداد للطوارئ يراد من المصريين، ومن أي المصريين يراد هذا الاستعداد؟ من الوزارة؟ فالوزارة لا تملك شيئاً، ولا تقدر على شيء، قد سمعت قول بشار:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمراً ثم نم
    وقد نبهت عمراً ثم نامت، وعمر هو المندوب السامي إن شئت، أو بعض الإنجليز المقيمين في مصر إن أحببت. فخير استعداد تأتيه الوزارة لهذه الطوارئ هو أن نمضي في النوم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. من الشعب؟ فماذا يراد من الشعب؟ إن الشعب لا يبتغي ثورة، ولا يفكر فيها، ولا يراها وسيلة من وسائله إلى الحرية والاستقلال الآن، وإن الشعب يريد الاستقلال الصحيح في حياته الخارجية، ويريد الحرية الصحيحة الديمقراطية في حياته الداخلية، وينكر أشد الإنكار وأظهره كل ما يمس استقلاله أو يمس حريته، ويقاوم أشد المقاومة وأظهرها كل ما يراد به من تغيير الرأي في معنى الاستقلال، أو في نظام الحكم أو في أساليب السياسة. أظهر رأيه واضحاً جلياً منذ كانت الثورة، لم يتحول عنه ولم يتردد فيه، أيد رأيه بالعنف والتضحية بالأنفس والدماء حين أتيح له العنف والتضحية. ثم أيد رأيه بالصبر والثبات والحرص على المبدأ والاستقامة في المطالبة بالحق لم تصرفه عن ذلك محنة مهما تشتد، ولم تحوله عن ذلك فتنة مهما تعظم، أبلى في سبيل ذلك وزارات ووزراء، وأبلى في سبيل ذلك غير مندوب من ممثلي الإنجليز، وأبلى في سبيل ذلك محاولة الطغاة، وكيد الكائدين. فماذا يراد من الشعب، وماذا يطلب إليه، بل ماذا يراد من زعماء الشعب وقادته؟ إنهم يصورون أصدق تصوير وفاء الشعب لمبدئه وحرص الشعب على حقه، وإباء الشعب للضيم، وامتناع الشعب على ظلم الظالمين. يراد منهم ماذا؟ أن يساوموا؟ أن ينزلوا عن بعض الحق؟ أن يلينوا؟ أن يفرطوا في بعض الواجب؟ فإن حقوق الشعب لا تكسب بالمساومة، ولا تحفظ باللين ولا تنال بالتقصير والتفريط.
    وإذن فكيف يستعد الشعب وزعماؤه للطوارئ كما استعدوا لها دائماً وكما يستعدون لها الآن، وكما سيستعدون لها غداً؟ بالصبر على المكاره والثبات على المبادئ والإصرار على الحق، والمضي في المحافظة على الكرامة القومية، مهما تكن الطوارئ، ومهما تكن الخطوب.
    هذه هي خطة الشعب ليس له ولا ينبغي أن تكون له خطة أخرى، وهذه هي سبيل الزعماء ليس لهم ولا ينبغي أن تكون لهم سبيل أخرى، هم لا يرفضون حديثاً إن عرض عليهم الحديث، لا يرفضون بحثاً إن عرض عليهم البحث ولكنهم لا يساومون ولا يفرطون ولا يخافون.
    فمن شاء بعد ذلك أن يساوم فليساوم لحساب نفسه لا لحساب الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يلين فليلن في حق نفسه لا في حق الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يتعجل وأن يصل قبل أن يصل الناس، فإن الفرص قد تسنح، والظروف قد تتاح والمنافع قد تدنو من أصحاب المنافع، وإن في هذه الأبواب التي ستفتحها الطوارئ لمدخلاً واسعاً لمن يريدون الدخول، بعد أن طال عليهم الانتظار…
    طه حسين
    الوادي، ٢٨ / ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عقول . . .
    ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.
    عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤولها بعكس ما يجب أن تؤول به، وتعللها بأضدادها ونقائضها، لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة، ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج، لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف. وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ورأساً على عقب، أو عقباً على رأس.
    هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلاً عنهم أو تنكراً لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال، لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافاً، وأن يلون بأعظم الألوان تبايناً، ولاسيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.
    ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين، فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفاً وذعراً، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد، فالرجل لم يكن مواتياً ولا مسالماً أثناء إقامته في مصر. وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه. ويعرب -وما أقل ما كان يعرب- عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار بأن فلاناً سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشاراً للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.
    هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماساً لأسداس، وأسداساً لأخماس، فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم.
    ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات، وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين. وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشاراً منها في بيئات المعارضين. ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي ومن وزارة الخارجية في لندن أو حول وزارة الخارجية في لندن.
    وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئاً وقالت وزارة الخارجية البريطانية، وقالت الحوادث معها شيئاً آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جداً من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضاً. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.
    وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجأوا إلى الأماني والآمال. وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.
    وليس من شك بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون. ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أموراً كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.
    وكذلك أشيع ثم نشر في المقطم أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئاً. ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه المقطم أيضاً وانتقل الأمر من المقطم إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.
    وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين، وسيرة الوزارة. فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كباراً وصغاراً، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان، وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرأوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلاً عن تقصير الأجازة وإطالتها، وفضلاً عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رئاسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلاً مفاجئاً في غير سؤال، ولا حساب، ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلاً من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل. وهذه وزارة وتلك وزارة.
    وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا، ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل ولم يعلم من أمر ذلك شيئاً إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في الأهرام.
    ولا ينبغي أن تقول للوزاريين إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة وأن الإنجليز غير مصريين وأن تقاليد العزل، والفصل، والنقل، والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد. لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئاً من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطاني يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين، فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث. فمن يدري! لعل المندوب السامي إنما أطيلت أجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شؤون السياسة في مصر. ومن يدري لعل إطالة الأجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثراً. ومن يدري لعل الذين سعوا إلى إطالة الأجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر. وإذن فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضاً أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.
    فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز. وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف. وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا أجازته وأن ينيبوا عنه فلاناً دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه، وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون. وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير. ولكن ماذا تريد أن تصنع أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟ .
    مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعاً، هي أن المندوب السامي، قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي. فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم. ومن هنا يؤمن المصريون جميعاً بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه مضطرب كثير الاضطراب.
    فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.
    ألم أقل لك إنها عقول؟ . .
    طه حسين
    الوادي، ٣٠/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    خطر…
    هو هذا الذي تتعرض له القاهرة منذ أيام، ظهرت بوادره يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.

    وقد نوفق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن خطراً عظيماً، قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه، ولا يفلتون منه.

    فإذا بحثت عن مصدر هذا الخطر ذكرت الوزارة إهمال جماعة من الموظفين المسؤولين عن بعض الأدوات سؤالاً مباشراً، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقفت بعض هؤلاء المسؤولين عن العمل، ونقلت بعضهم إلى عمل آخر، وانتقصت نصف شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلت أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مضت تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.

    وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة، فيما اتخذت من إجراء، وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضاً، أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها وإسراعها في مواجهة الخطوب.

    ولكن من الحق على الوزارة أن تبين للناس أموراً تحتاج إلى البيان، فهؤلاء الموظفون الذين عوقبوا لم يهملوا إلا لأنهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاوناً عاماً، وتقصيراً شاملاً، وكسلاً مطبقاً، فتهاونوا فيمن تهاون، وقصروا فيمن قصر، وكسلوا فيمن كسل. وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وأن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحداً من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية. بعضهم يستريح في إجازة، وبعضهم يستريح في عمل قد ندب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين، على ساحل الإسكندرية الجميل. وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء، ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام، وهم يستريحون إذا أقبل الصيف، وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإنما يتاح لأصحابه، على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.

    ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضاً ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان، من دواوين الحكومة، في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس، ومرافقهم لأقبح الأخطار.

    وأخرى لابد أن تبينها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القطع، لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد، هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم.

    أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهداً على الأيام، بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد، ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة، وما تقدر عليه، من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب، فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء. إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يدفعوا إليها من لحظة إلى لحظة، دون أن يجدوا من يردهم عنها أو ينقذهم منها.

    كلا ليست هذه سيرة الحكومات التي تعرف معنى الحكم وتقدر واجباته وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب، أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار، التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.

    إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاح الفاسد، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم، ومن الجائز جداً أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة، إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن، وتبعة هذا الشر العظيم، لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عوقبوا أو سيعاقبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة، ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين، ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدوا العمل الذي يؤجرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يؤتمنون عليها.

    هؤلاء هم المسؤولون، وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يسألوا ولن يحاسبوا، ولن يغيروا من سيرتهم شيئاً، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية، حتى يعود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردد كبار الموظفين وصغارهم، بين القاهرة والإسكندرية، بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماساً للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء…

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إنقاذ…
    من حق الصحف الوزارية والصحيفة التي تعرب عن رئيس الوزراء خاصة، أن تحمد الله لأنها غير مقروءة ولا واسعة الانتشار كما يقولون؛ فلو أن الناس يقرأون ما تنشر لهم هذه الصحف من السخف، وما تحاول أن تذيع فيهم من لغو الحديث، لما حُمدت عاقبة ذلك ولا اطمأنت إليها.
    فالقراء المصريون يمقتون الصحف التي لا ترضيهم ويزدرون الكتاب الذين لا يصورون آراءهم ولا يخدمونهم في خلاص ونصح، وهم يكتفون بالإعراض عن هذه الصحف، والانصراف عن هؤلاء الكتاب، ولكنهم فيما نعتقد لا يقبلون ولا ينبغي لهم أن يقبلوا أن تسخر منهم الصحف، وأن يعبث الكتاب بعقولهم ومصالحهم إلى هذا الحد المنكر الذي انتهت إليه صحف الوزارة.
    هذه صحيفة من هذه الصحف، تهنئ الوزارة صباح اليوم لأنها أنقذت مصر من خطرين داهمين، أنقذتها من خطر الفيضان، وأنقذت عاصمتها من خطر المجاري.
    وهذه الصحيفة لا تكتفي بتهنئة الوزارة والإغراق في الثناء عليها، ولكنها تنال خصوم الوزارة باللوم العنيف؛ لأنهم لم يعينوا الوزارة ولم يهدئوا الناس حين ألمَّ الخطب، كما أنهم لم يحمدوا للوزارة بلاءها ولم يعرفوا لها جهودها، ولم يسجلوا لها الفضل تسجيلاً بعد أن انكشف الضر، وأمن المصريون على الأنفس والأموال، وعلى الصحة بوجه عام.
    نعم هذا كلام يكتب في بعض الصحف، ويستطيع الذين يكتبونه أن يطمئنوا إلى أنفسهم، ويستريحوا إلى ضمائرهم وينظروا إلى وجوههم في المرآة. وقد نفهم ألا يستخزي الذين يكتبون هذا الكلام عن لقاء الناس، فهم عند الناس أبرياء لأن الناس لا يقرأون ما يكتبون ولا يعلمون بما يهذون به، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه ولا أن نسيغه هو أن تطيب الراحة والطمأنينة إلى النفس والضمير لقوم يبيحون لأنفسهم هذا العبث بالعقول، هذا الضحك على الأذقان؛ لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يرضوا هؤلاء الذين يمكنونهم من أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع.
    كثير على مصر حقاً أن يكون بين أبنائها من يزعم لها أن الوزارة القائمة خليقة بالثناء لأنها أنقذت القاهرة من خطر المجاري، وردت عن أهلها هذه الجلود البشعة التي يثيرها هذا الخطر فيفسد بها الجو، ويملأ بها الهواء ويلوث بها الماء ويسلطها على نفوس الأبرياء.
    كثير على مصر حقاً أن يستطيع بعض أبنائها أن يزعم لأهل القاهرة أن الوزارة قد أنقذتهم من هذا الشر، وهم يرونه بأعينهم ويحسونه بأنوفهم، ويضطربون له إذا أصبحوا، ويأرقون له إذا أمسوا، ويحيون حياة كلها تنغيص إن خرجوا من دورهم أو استقروا فيها، على حين ينعم الوزراء بالحياة الهادئة المطمئنة، وبالترف الناعم اللذيذ، في ثغر الإسكندرية الجميل.
    كثير جداً على مصر أن يوجد بين أبنائها من يمجد المقصر وهو مغرق في التقصير، ويحمد المتهاون وهو غارق في التهاون، ويطلب من المصريين البائسين أن يرضوا عن وزرائهم المقصرين، وألا يكتفوا بالرضى وإنما يضيفون إليه الحمد والشكر والثناء، ومن يدري لعلهم يطلبون إلى المصريين غداً أن يقيموا الصلاة في المساجد والكنائس، يضرعون فيها إلى الله أن يزيد الوزراء نعمة على نعمة، وترفاً إلى ترف، لأنهم أنقذوا أهل القاهرة من الشر، ودفعوا عن حياتهم وصحتهم كل مكروه.
    يجب أن يكون المصريون قد هانوا على هؤلاء الكتاب حقاً، أو أن يكون هؤلاء الكتاب قد هانوا على أنفسهم حقاً، فليس من الممكن أن يصدر هذا العبث بالعقول عن هؤلاء الناس إلا إذا كانوا قد هانوا على أنفسهم فهم لا يقدرون حياء، أو هانت عليهم أمتهم فهم لا يرجون لها وقاراً.
    أنا لنحرص أشد الحرص على حمد الوزراء والثناء عليهم، فضلاً عن تشجيعهم وتسجيل الفضل لهم، ولكننا نحب أن نرى لهم فضلاً يستحق التسجيل، وبلاءً يستوجب الثناء، وغناءً يستحق الشكر والتقدير. نحب على أقل تقدير أن نشعر بأنهم يشاركون الناس فيما يلقون من خطب، ويألمون معهم بما يحتملون من عناء، ويشاطرونهم بعض ما يلم بهم من الشقاء، يجب أن يشعر الناس بأن الوزراء المصريين يشقون مع المصريين ويألمون معهم، نحب أن يعلم الناس أن أهل القاهرة لم يتركوا لما يلم بهم من الخطر يشقون به وحدهم، ويشفقون منه وحدهم، وإنما أقبل الوزراء وكبار الموظفين فأقاموا معهم، وشاركوهم في احتمال ما يحتملون، وقد خفت وطأة الصيف واعتدل جو القاهرة لولا هذا الهواء الموبوء الذي أفسدته المجاري. فليظهر الوزراء لنا مشاركتهم للمصريين وإخلاصهم في هذه المشاركة وحرصهم على أن يؤدوا الواجب؛ لا نقول الواجب الوطني العام، بل نقول واجب منصبهم الخاص، فيسرعوا إلى المنكوبين فيقيموا معهم. نحب أن نرى هذا لنعرف أن الوزراء منا، وإننا منهم، وأنهم يألمون لآلامنا، ويشقون لشقائنا، ولكن ماذا نرى؟ نرى الوزير المختص يزور القاهرة لماماً، ونرى رئيس الوزراء يقضي في القاهرة ساعات، ونرى الوزراء الآخرين يشفقون من القاهرة إشفاقاً، ويعرضون عنها إعراضاً، نستغفر الله، بل نرى مدير مصلحة الصحة نفسه مقيماً في الإسكندرية لا يبرحها، يشرف على القاهرة من بعيد، ويحمي حياة أهلها بالتليفون، ثم يطلب إلى خصوم الوزارة أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الناس فيزعموا أن القاهرة قد أنقذت من الخطر، وأن يضللوا أنفسهم ويضللوا الناس فيسجلوا للوزراء فضلاً لم يتح لهم وعملاً لم يقدموا عليه، ثم يثنوا بعد ذلك على الوزراء، ويقدموا إليهم من الزهر طاقات وأكاليل.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة يلاحظون في ألم لاذع أن وزراءهم ينعمون بالهواء الطلق والنسيم العذب والحياة الحلوة والبحر الجميل والترف الذي لا حد له، على حين يشقون هم بما لا ينبغي أن يشقى به أحد في هذا العصر وفي بلد متحضر تنيف ميزانيته على الثلاثين من الملايين وتجبى فيه الضرائب في غير رفق ولا هوادة، ويزعم حكامه للناس أنه قد بلغ من الرقي ما بلغه غيره من أهل البلاد الراقية المتحضرة من وراء البحر.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة لا يصدقون أنهم يشاركونهم حقاً في محنتهم ويرثون لهم حقاً مما ألم بهم من الخطب، وإنما هم يعتقدون أن الوزراء لا ينظرون إلى هذه المحنة الخطيرة على أنها كارثة وطنية أو هم لا يستطيعون أن يتصوروا كارثة وطنية، وإنما هي أوامر تصدر، وأموال تعتمد، وأوراق تمضي، واعتقاد بعد ذلك بأن الواجب قد أُدّي وبأن من أدى الواجب خليق أن يستمتع بالراحة والترف والنعيم.
    ما هكذا يؤدي الوزراء واجبهم في البلاد المتحضرة التي تقدر فيها كرامة الإنسان، وتحفظ فيها حقوق الشعب، وترعى فيها حرمات الحياة.
    لقد نشرت الصحف أن رئيس الوزراء كان يريد أن يذهب إلى دمياط في سفينة تترجح به على ظهر النيل، ثم بدا له فأرجأ هذه الرحلة، فظن الناس أنه سيأتي إلى القاهرة مع زملائه ليقيموا فيها ويشرفوا من كثب على ما يتخذ لإنقاذها من الإجراء، ولكنهم لم يلبثوا أن تبينوا أن رئيس الوزراء وزملاءه مقيمون في الإسكندرية لا يريمون، شهد بعضهم مأدبة نائب المندوب السامي يوم الأربعاء، وسيشهد بعضهم الآخر مأدبة أخرى يوم الثلاثاء، وسينتظر الباقون منهم مأدبة ثالثة يدعون إليها في يوم ثالث، وأهل القاهرة يشقون بهذه الأشباح التي تضطرب في جوهم حين يصبحون وحين يمسون، أشباح الوباء وما يستتبعه الوباء، كلا، لا ينبغي أن تطلب صحف الوزارة إلى خصوم الوزارة أن يسجلوا للوزراء فضلاً أو يحمدوا للوزراء بلاءً، وإنما ينبغي أن تقول هذه الصحف للوزراء ولكبار الموظفين ولمدير مصلحة الصحة: «ليس لكم في الإسكندرية مقام، وإنما مقامكم وأعمالكم وواجباتكم في القاهرة بين أهلها المنكوبين، فأسرعوا إلى العودة من مصيفكم، فقد يظهر أن الحياء يحرم عليكم أن تنعموا الآن بالاصطياف».
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلوم . . .
    هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب، فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثى له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية. ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء.

    فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همّاً وحزناً، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناءً ونصباً.

    ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تذلل، والمشكلات التي لا تريد أن تحل. فهو مظلوم حقاً، وأصدقاؤه والعاطفون عليه، والراثون له، معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    تستطيع أن تحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات -بل في بعضها- ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعوراً بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالاً للأثقال. صمت وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع؛ إن سكت تساءل الناس فيم يفكر، وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب روعاً واضطربت النفوس هلعاً، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان؛ إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرؤوس، وأذن مؤذن في الملاك والزراع، وفي الدائنين والمدينين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهول، وأقبلت ساعات الروع، فهلم إلى رئيس الوزراء، لعله يشفى الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجاً من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفى داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجد مخرجاً، ولا يزيل حرجاً. وإنما يسمع ويسمع، ويجد ألم الصداع ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزراع وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة فيما يرى، نامية موفورة الثمرات.

    يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله، لتعلم أن رئيس الوزراء مظلوم حقاً، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أن رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئاً من ذلك لا يثير في نفسه رحمة، ولا هوادة، ولا إشفاقاً، وإنما يمضي فيما يقول، لا فيما يعمل، فيزيد رئيس الوزراء تعباً إلى تعب، وحرجاً إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للملاك والزراع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماض في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يعفي أحداً، ولا يسمع كلاماً في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد، ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف، إن الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

    ألست ترى معي أن رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به، ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة ويثير له في كل يوم غباراً يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يقصي أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذاً من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حساباً لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية، فرئيس الوزراء مضطر إلى أن يحتمل، مكره على أن يذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟». وكان المنتظر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقاً بالرئيس، ورعاية له، وعطفاً عليه. فالقيسي باشا رجل هادئ، وإن كان حازماً، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

    وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من هم وغم، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة. ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وسعه الاحتمال، ويرجئ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خيل إلى الناس أن أمر الصحفيين قد كاد يستقر تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها، بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذم الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردد ولا وجل أن الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أن تمتاز بتشريع عنيف.

    وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة، فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلاً أنها تخاف الأجانب وتزدرى المصريين وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أن رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول فيه ما قاله موليير: (يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟).

    رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحداً لم يظلمه. وإنما هو الذي يظلم نفسه، فقد كان يستطيع ألا يذهب إلى السفينة حين دعي إليها، وقد كان يستطيع وما زال يستطيع ألا يقيم في السفينة حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مضنية، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذب الظلم، ويستلذ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيراً من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إن من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

    طه حسين
    الوادي، ١٩/٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فقط . . .
    كلمة لا نحبها، ولكننا مع ذلك مضطرون إلى اصطناعها لأن الأهرام قد اصطنعتها صباح اليوم حين أذاعت في الناس نبأ الوليمة التي أقامها نائب المندوب السامي مساء أمس، ودعا إليها رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، أو وزيري المالية والداخلية «فقط».
    فهذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عنايتنا من هذا النبأ، ونرجح بل نكاد نؤكد أن هذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عناية غيرنا من الذين قرأوا الأهرام صباح اليوم. فقد علم الناس جميعاً منذ أيام أن نائب المندوب السامي سيدعو رئيس الوزراء إلى الطعام، ثم اختلفت الروايات التي أذيعت في الناس، فزعم بعضها أن رئيس الوزراء سيشهد المأدبة وحده ليكون الحديث بينه وبين نائب المندوب السامي حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه، كما كان الحديث بين وزير المالية ونائب المندوب السامي، حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه حين سبق وزير المالية غيره من الزملاء حتى الرئيس إلى طعام نائب المندوب السامي.
    وزعم بعضها أن الوزراء جميعاً سيشهدون هذه المأدبة مع الرئيس، إلا وزير المالية لأنه سبقهم جميعاً إلى الطعام على هذه المائدة الممتازة، وأكبر الظن أن هضم ما سبق إليه من غداء أو عشاء، يحتاج إلى وقت طويل لا يسمح له باستئناف الغداء أو العشاء مع زملائه الوزراء. وأكبر الظن أن وزير المالية رجل يحب الأناة والهدوء وفراغ البال والبعد عن الرقباء والاحتجاب عن العذال، لا يسيغ الطعام إذا كثرت المشاركة فيه، وإنما يستلذه ويسيغه ويجيد هضمه والانتفاع به، حين يخلو إلى من يحب دون أن يكدر عليه صفو الخلوة زميل أو غير زميل.
    وهو من أجل ذلك في أكبر الظن قد خلا إلى المندوب السامي بالأصالة في الصبرية، كما خلا إلى المندوب السامي بالنيابة في الإسكندرية لم يشاركهما في إحدى المأدبتين وزير أو من يشبه الوزير.
    وكذلك تردد الناس في مأدبة أمس وفيمن يحضرها: أتقصر على رئيس الوزراء أم تشيع بينه وبين زملائه جميعاً أم يستثنى منهم وزير ماليتنا العظيم، وأخذ الناس يعللون كل فرض من هذه الفروض ويقلبونه ظهراً لبطن، ويستخرجون منه ما يحتمل وما لا يحتمل من المعاني، ويحملونه ما يطيق وما لا يطيق من الأحلام والأوهام.
    وإذا الأهرام تنبئهم صباح اليوم بهذا النبأ وتضع لهم فيه هذه الكلمة التي لم توضع عبثاً ولم ترسل سدى وإنما وضعت لمعنى تدل عليه وغاية يريدها الكاتب.
    فما عسى أن يكون هذا المعنى؟ وما عسى أن تكون هذه الغاية؟ أول ما يفهم من «فقط» هذه أن كثرة الوزراء لم تشهد المأدبة ولم تدع إليها، وليس من شك في أن نائب المندوب السامي لم يعرض عن دعوة الوزراء الذين لم يدعهم بخلاً بالطعام، أو إيثاراً للاقتصاد، فهو أكرم من ذلك وأسخى، وهو يعلم من غير شك كيف يضع الاقتصاد في موضعه، وليس من شك أيضاً في أنه لم يعرض عن دعوة الوزراء زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم العذبة وفكاهاتهم الحلوة، وخواطرهم الرائعة وآرائهم الناضجة، فهو رجل مثقف وهو إنجليزي وهو من كبار وزارة الخارجية البريطانية وكل هذه خصال من شأنها أن تحبب إليه وزراءنا الأفذاذ والانتفاع بجدهم حين يجدون، والاستمتاع بفكاهتهم حين يهزلون.
    ومن وزرائنا والحمد لله، من يجد فيحسن الجد، ومن يتندر فيحسن التندر: منهم الفقيه الفذ كوزير التقاليد، ومنهم الشاعر الفحل كوزير الأوقاف، ومنهم من يتقن أمور الزراعة، ومنهم من يحسن ضبط النيل وحماية القاهرة من أخطار المجاري، ومنهم من يحسن الكلام في المرافئ والثغور، وفي ماضي المشروعات الكبرى ومستقبلها، وما أدت إليه، وما يمكن أن ينتظر منها؟
    وكل هؤلاء يجيد الحديث في هذا كله، ومن المحقق أن في الاستماع له ما يمتع رجلاً مثقفاً سياسياً كنائب المندوب السامي، وإذن فهو لم يعرض عن دعوة الوزراء إلى مأدبة أمس زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم، وإذن فما كلمة «فقط» هذه؟ وما معناها؟ وما بال الدعوة لم تعم الوزراء، وإنما خصت ثلاثة منهم؟
    يقول قائلون إنما كانت الدعوة خاصة لما بين وزير المالية ورئيس الوزراء من مظاهر الخلاف في هذه الأيام، ومن مظاهر خلاف يراه الناس شديداً ويجدون فيه تمرداً أو شيئاً يشبه التمرد، وتحدياً أو شيئاً يشبه التحدي، فآثر نائب المندوب السامي أن يكون واسطة خير بين المختلفين، ورسول صلح بين المختصمين، وأن يستعين بوزير الداخلية اللبق البارع على محو الخصومة أو تخفيفها وإزالة الخلاف أو تقريب آماده، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد كله أو بعضه واطمأن إلى أن الأمر بين رئيس الوزراء ووزير المالية يمكن احتماله، ويستطيع أن ينتظر موعد التغيير، الذي لا يدعه دون أن يحدث أزمة عاجلة سابقة لأوانها الموقوت لها، أمكن أن يدعى الوزراء جميعاً إلى مأدبة عامة يتصل فيها جد الكلام وهزله، ولا يحتاج فيها إلى التحدث في السياسة وشؤون السياسة، ودقائق الأمور.
    كذلك قال الناس، وهم الآن يتساءلون أوفق نائب المندوب السامي ووزير الداخلية إلى إصلاح الأمر أم لم يوفقا؟ أما نحن فلا نصدق من هذا كله شيئاً لأننا لا نعرف أن هناك خلافاً بين وزير المالية ورئيس الوزراء، وإنما نعرف بل نؤكد أن الوزراء يتعاونون في وفاق كامل شامل كما صرح رئيس الوزراء منذ أيام. ورئيس الوزراء صادق إذا قال، فالوزراء متفقون، والوزراء متضامنون والوزارة ثابتة مستقرة، لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأحاديث الأزمة، والطوارئ والتعديل، هذا لغو في لغو، وإذن فما كلمة (فقط) هذه وما معناها ولم اقتصرت دعوة نائب المندوب السامي على ثلاثة من عشرة بين الوزراء؟
    سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا الراسخون في العلم، والراسخون في العلم الآن أربعة: نائب المندوب السامي ورئيس الوزارة وزميلاه. قل من شئت منهم ينبئك النبأ اليقين، ولكن أترى أحداً منهم يجيب إن وجهت إليه السؤال؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ / ٩ / ١٩٣٤.

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .