Tag: women

  • الجامعة وضغط الحكومة | The University Under Government Pressure

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    لعب
    لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مُسلٍّ لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذي يصيب كليتين من كليات الجامعة، هما: كلية الآداب والحقوق، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة. لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل في برامج الدراسة ومناهجها، وفي نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة ما يمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه. ولكن ما الذي يمنع أن تمس البرامج والمناهج والنظم والآماد، وقد غير القانون نفسه، وصورت اللوائح العامة تصويرًا يلائم هذه المثل العليا التي وضعتها الوزارة القائمة أمامها، واتخذتها أصولًا للحكم!
    كانت الجامعة مستقلة بعض الشيء، فمحي هذا الاستقلال! كما كان الدستور واسع بعض الشيء فضيقت هذه السعة! وكان التعليم في الجامعة حرًا بعض الشيء، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة، فيجب أن تمحى هذه الحرية شكلًا من الأشكال، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير من وزارة المعارف، أبعد من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية، وأبغض الهيئات للحياة الجامعية!
    يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتغيير من وزارة المعارف، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف، ثم تنظم هذه الفكرة في وزارة المعارف، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات فتسمع وتطيع وتؤمن وتذعن، وإذا نظم تبدل، وبرامج تحول، ولوائح تصاغ في صورة غير التي كانت عليها، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت وتمت، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية، ثم إلى مجلس الوزراء، ثم يصدر المرسوم، ثم يضطرب أمر الطلاب وتفسد نظمهم، لا في الدراسة وحدها، بل في الدراسة وفي الحياة أيضًا، لأن وزارة المعارف، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف لن يَدَعوا الجامعة حتى يردوها إلى ما يحبون هم، وحتى يجعلوها مدرسة كالمدارس، ضيقة الحدود، محصورة الآفاق، تخرج موظفين وأشباه موظفين، كما كانت المدارس تفعل من قبل!
    ووزارة المعارف والذين يوحون إليها لا يفكرون في أن الرقي إنما يكون بالسير إلى أمام، لا بالرجوع إلى وراء، لأنهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا في الرقي، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ونتقدم في التقدم ولو قليلًا.
    نعم ووزارة المعارف والذين يوحون إليها لا يفكرون في أن الإسراف في تغيير البرامج والمناهج والآماد يفسد شئون التعليم، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد في الدرس، وانصراف عنه، وتبرم به.
    لا تفكر وزارة المعارف والذين يوحون إليها في شيء من هذا، وإنما نحن في عصر دكتاتورية، يجب أن يمس التغيير فيه كل شيء، وأن يحيط العبث فيه بكل شيء، وأن تنقص أجنحة التعليم كما قُصَّت أجنحة الحرية، وأن تتسلط على التعليم عقول لم تخلق للتعليم وإنما خلقت لأي شيء آخر غير التعليم.
    لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة حتى انبسط سلطان الوزارة عليها، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها يعبثون بها ويضيقون عليها، ويقلبون نظام الدرس فيها رأسًا على عقب، فيلغون أقسامًا، ويضغطون أقسامًا أخرى، ويداورون بين قسم وقسم ليردوا الكلية إلى شيء يشبه مدرسة المعلمين التي أُلغيت منذ أعوام، لأن رقي مصر كان يقتضي إلغاءها بعد أن أدت مهمتها، وعجزت عن أن تؤدي المهمات الجديدة التي دعت إليها الحياة الجديدة.
    ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الإلغاء، وقد طالما ضاقت به، وشكت منه، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل! فلما لم توفق إلى ذلك صبرت على مضض ودبَّرت كيدها في إتقان وإحكام حتى أمكنتها الفرصة، فهي تريد أن تعيد مدرسة المعلمين وأن تسميها كلية الآداب، وهي ترد الدراسة في هذه الكلية إلى أبسط صورها، وأيسر أشكالها. فاللغة العربية وآدابها يجب أن تدرس فيها كما تدرس في دار العلوم. واللغات السامية والشرقية الإسلامية يجب أن تصبح فيها كما هي في دار العلوم. واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليًا لا ينتج ولا يفيد! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ يلحق بالجغرافيا! وقسم للجغرافيا يلحق بالتاريخ إلى أشباه هذه الصيغ السخيفة الدائرة التي لا يمكن أن تنشأ ولا أن تنمو إلا في مكاتب وزارة المعارف!
    ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئًا واحدًا لا يظهر فيه تخصص ولا تمايز. يجب أن نتواضع فقد غلونا في الكبرياء.
    يجب أن يكون لنا كلية آداب من الطراز الذي يرضاه الإنجليز، ويقبلونه في مستعمراتهم، من هذا الطراز الذي يخرج عمالًا وموظفين، لا أدباء ومفكرين! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة في وزارة المعارف. لا في الجامعة، ولا في لجنة يرأسها رجل لم يدرس في الجامعات قط، ولم يذق الحياة الجامعية قط، ولم ينفق حياته إلا في هذا النوع من التعليم المتواضع الذي يضيق به مصر، وتريد أن تتخلص منه حتى إذا تم وضع هذا النظام أقرَّته الكلية، وأقرَّه مجلس الجامعة، وصدر به المرسوم، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة.
    وليس للجامعيين أن يناقشوا في ذلك أو يجادلوا فيه، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنين: إما الإذعان وإما الحرمان.
    رحم الله أيامًا مضت، وعهودًا سلفت، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ليدرسوا أمرًا من أمور الجامعة، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا في الجامعة، وعند مدير الجامعة.
    ورحم الله أيامًا مضت، وعهودًا سلفت، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ليناقشوه في برامج التعليم الثانوي، ويأبون إلا أن ينتقل إليهم وكيل الوزارة إلى مكتب مدير الجامعة ليعرض عليهم ما يريد.
    رحم الله تلك الأيام والعهود، فقد مضت وانقضت، وأصبحت أحلامًا، أو كالأحلام، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التي تصلح نظام الدرس في كلية الآداب.
    وأمر كلية الحقوق ليس خيرًا من أمر كلية الآداب، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل، وقالت وزارة المعارف للأهرام إنها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة بعد أن تصدر لائحتها الأساسية الجديدة. وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية الحقوق، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع إن وزارة المعارف لا شأن لها بالجامعة، وإنما أمور الجامعة إليها، وإلى الوزير بإحدى صفتيه، فأنت تعلم أن له صفتين.
    صنع الله لوزير المعارف التقاليد، أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئًا، وأن يحدث في وزارة المعارف غير ما يقول!
    مسكينة كلية الحقوق، لا يريد الله أن يصلح بالها، ولا أن يقر أحوالها، ولا أن يجعل لها نظامًا تطمئن إليه.
    هذه لائحتها الأساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة في أقل من عشر سنين! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين، يقضي الطالب منها اثنتين في كلية الآداب، وثلاثًا في كلية الحقوق. ثم أصبح أربع سنين تقضى كلها في كلية الحقوق، على أن تكون إحداها إعدادية، تهيئ الطالب لدراسة القانون. ثم يراد أن تعود خمس سنوات تقضى كلها في كلية الحقوق، واحدة منها للاستعداد، وأربع لدراسة القانون.
    وأنا زعيم لك بأنها سترد إلى أربع سنوات بعد أن تعود الأمور إلى نصابها، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال، وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة، ولن يكون هذا كله بعيدًا.
    ولكن ما رأيك في أن أمد الدراسة هذا الذي يزاد ثم ينقص ثم يزاد؟ وما رأيك في مكان الدراسة هذا الذي يكون حينًا بخزوى، وحينًا بالعقيق؟ وما رأيك في الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟
    وهل تدري فيم زيد أمد الدراسة؟
    زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجي كلية الحقوق ضعاف الحظ من الثقافة القانونية! وقد يكون هذا حقًا، ولكن هناك حقًا آخر لا شك فيه، وهو أن المصالح لا تأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم، ولعلها تأخذ أواخرهم؛ لأن الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل ما لا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء أو المقربين إلى الوزراء.
    وهناك حق آخر، وهو أن إطالة أمد الدراسة لا تضمن حسن الدراسة، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وإنما هي مسألة دراسة جيدة أو رديئة، ومسألة أستاذ كفء أو غير كفء، ومسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح!
    وهناك حق ثالث لا شك فيه، وهو أن كلية الحقوق فيها قسم للدكتوراه، كان ينبغي أن تحسن فيه الثقافة القانونية، ولعلها تحسن فيه بالفعل، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجي هذا القسم؟
    وهناك حق رابع لا سبيل إلى الشك فيه، وهو أن كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لإتمام الدراسات العملية القانونية بعد درجة الليسانس، ولعل هذه المعاهد أن تقوي الثقافة، فلم لا تأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟
    وهناك حق خامس لا سبيل إلى الشك فيه، وهو أن فساد الأمر في كلية الحقوق لا يرجع إلى طول الوقت أو قصره، وإنما يرجع إلى أمرين اثنين: فساد التعليم الثانوي الذي يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفًا أشد الضعف، والثاني تقسيم الدراسة في كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس، وآخرين أوروبيين يدرسون لطلاب الدكتوراه، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائمًا، محدودة الآفاق.
    كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشئون الحكم، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين، لعدلوا عن إطالة أمد الدراسة في غير نفع قليل أو كثير.
    والامتحان، وما أدراك ما الامتحان! لقد شدد وحدد، وأصبح تحريريًا في كل شيء، وشفويًا في كل شيء، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الأدنى والحد الأعلى لدرجات النجاح إلى ما تحسنه وزارة المعارف، ولا تحسن غيره!
    ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسًا ما، لا ينبغي الغلو فيه، ولا الإسراف في تشديده وتحديده. ولكنها، كما ترى، فكرة ابتدائية ساذجة، ترى أن الوقت إذا طال حسنت الدراسة، وأن الامتحان إذا اشتد عظم خطر المتخرج في الثقافة.
    وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هي التي غيرت نظام كلية الحقوق، وتغير الآن نظام كلية الآداب، ومن يدري لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب، وهل غيرت قوانين الجامعة إلا لهذا؟
    نعم، لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة محصورة في مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف، فقد فتحت لها النوافذ والأبواب، فانتشرت كما ينتشر الوباء، تبسط ظلها المهلك على كل شيء!
    كانت محصورة في التعليم الابتدائي والثانوي، فامتدت إلى التعليم العالي، وأخذت تظل الأزهر بجناح، والجامعة بجناح، وويل لمصر ولحياتها العقلية إن استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة أن تفرخ، فتخرج من الأزهر والجامعة شبابًا يشبهونها في الابتدائية والسذاجة.
    ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة، وما فيهما من هواء نقي، وضوء جميل، فلن تكون الحياة، حياة مصر، لعبًا دائمًا.
    كوكب الشرق ٢٢ — ٥ — ١٩٣٣

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    فوز
    الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
    ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
    لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
    ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
    فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
    رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
    هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
    وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣

    كلية الآداب

    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:

    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟

    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:

    ١-

    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

    حول الجامعة المصرية
    حديث اليوم
    يدور بعض الناس حول الجامعة المصرية منذ حين يتهمها في وطنيتها ودينها وإخلاصها للعلم ويستعدي عليها الناس وينذر مصر بالخطر الداهم والشر المستطير لأن الجامعة المصرية فكرت في أن تكون جامعة مصرية وأرادت أن تؤدي واجبها في هذه البلاد كما تؤدي الجامعات الأخرى واجباتها في البلاد الأخرى.
    نعم يدور بعض الناس حول الجامعة ويتهمها بكل هذه المنكرات لأنها فكرت في أن تدعو أستاذا فرنسيا ليلقي فيها محاضرات حول الآداب العربية أو حول فقه اللغة العربية. فكرت الجامعة في ذلك فهي تتهم في دينها ووطنيتها، تتهم بالردة وتتهم بالخيانة العظمى. وليس ذلك غريبا فليس في مصر شيء غريب
    ونحن نخشى أن يصل مثل هذه الأوهام إلى قوم ليس لهم صلة بالجامعة فيسيئون الظن بهذه الجامعة أو يخطئون فهم ما تعمل الجامعة وما تريد. لهؤلاء وحدهم نكتب هذه الكلمة.
    لم تكد تنشأ الجامعة حتى شعر مجلس إدارتها وعلى رأسه يومئذ صاحب الجلالة المصرية بأن هذه الجامعة لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تنهض إذا اكتفت بالعلماء المصريين والأساتذة المصريين، وبأنها إنما أنشئت لتكون صلة في العلوم العالية بين مصر وأوروبا، شعروا بذلك فاعتزموا أن يدعو أساتذة أوروبا إلى هذه الجامعة، ولم تفتح الجامعة دروسها حتى كان من بين أساتذتها ثلاثة من الأوروبيين في قسم الآداب: أستاذ للآداب الإنجليزية وأستاذ للآداب الفرنسية، وأستاذ إيطالي هو السنيور جويدي للآداب العربية أو قل كما قالت الجامعة يومئذ لا آداب الجغرافيا والتاريخ. وقد ألقى هذا الأستاذ الجليل دروسه باللغة العربية وكان ازدحام الناس على هذه الدروس شديدا أو إعجابهم بها أشد.
    فلما كانت السنة الثانية دُعيَ إلى الجامعة مكان هذا الأستاذ الذي اعتذر لتقدمه في السن أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ نللينو فألقى دروسه في تاريخ الفلك عند العرب. فلما كانت السنة الثالثة نظم قسم الآداب في الجامعة ودُعيَ إليه أستاذان إيطاليان أحدهما الأستاذ نللينو لدرس تاريخ الآداب العربية. والآخر الأستاذ مليوني لدرس تاريخ الشرق القديم. ودُعيَ أستاذ ألماني هو الأستاذ ليتمان لدرس اللغات السامية. ودُعيَ أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ سانتللانا لدرس تاريخ الفلسفة. كان هؤلاء الأساتذة الأربعة يلقون دروسهم باللغة العربية وكان الأزهريون يختلفون إلى هذه الدروس فيعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بتلاميذهم الأزهريين، حتى لقد ذهب الأستاذ سانتللانا إلى رئيس الجامعة وقال له: إذا كنت تريد أن تنجح الجامعة حقا فاعن الأزهريين على أن يختلفوا إليها ويتخصصوا لها. ثم كانت الحرب وانقطعت الصلة بين الجامعة وأوروبا.
    انقطعت هذه الصلة بعد أن اختلفنا في الجامعة إلى أساتذة من الفرنسيين والإيطاليين والألمان درسوا لنا آداب العرب وفلسفتهم وتاريخهم ودرسوا لنا اللغات السامية درسا نعترف بأننا لم نشهده في مصر وبأننا ما زلنا بعيدين عن أن نشهده في مصر، وبأن واجب الجامعة المصرية وغير الجامعة المصرية هو أن تقربنا من هذا اليوم الذي نجد فيه أساتذة مصريين يدرسون على نحو ما يدرس الأساتذة الأوروبيون.
    انقطعت هذه الصلة أثناء الحرب واكتفت الجامعة بأساتذة من المصريين منهم بعض علماء الأزهر ومنهم غير علماء الأزهر من رجال العلم، ويسوئنا أن نسجل أن القيمة العلمية للجامعة ضعفت ضعفا شديدا أحسه الطلبة وأحسه الأساتذة أنفسهم وأحسه أعضاء إدارة الجامعة وأحسه الناس من حول الجامعة فكانوا جميعا يأسفون ويتمنون أن تعود الجامعة إلى سنتها القديمة. ثم انتهت الحرب وعاد إلى الجامعة نفر من أبنائها الذين درسوا في أوروبا فأخذوا يدرسون في الجامعة ولكنهم لم يتعلموا الغرور في أوروبا وإنما تعلموا فيها الشعور بأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق وبأن الجامعة لن تنهض ولن تعيش إلا إذا استعانت بأساتذة أوروبا وكانت صلة متينة بين مصر وبين البلاد الأوروبية. فأخذ كل واحد من هؤلاء الأساتذة يلح في أن تستعين الجامعة بأساتذة من الأوروبيين في المادة التي يدرسها هو، وأكثر الأساتذة من الإلحاح ووضعوا لذلك نظاما مكتوبا لو نفذ لكانت الكثرة في أساتذة الجامعة الآن يلحون في تنفيذ هذا النظام.
    ويتمنون على الله وعلى جلالة الملك وعلى الحكومة المصرية أن تزال العقبات المادية التي تحول بين الجامعة وبين تنفيذ هذا النظام.
    أساتذة الجامعة إذن ومجلس إدارتها متضامنون في الرغبة في دعوة الأساتذة الأوروبيين بكثرة إلى الجامعة المصرية، وقد عرض نظامهم الجديد على صاحب الجلالة فتفضل بالوعد بأنه سينظر فيه وسيشمله بتأييده الكريم. وفي أثناء هذا كله علمت أن الأستاذ بول كازانوفا الذي يدرس اللغة العربية في أكبر معهد علمي فرنسي هو «الكوليج دي فرانس» (College de France) والذي اختلفت أنا إلى دروسه في باريس أربع سنين قد يزور مصر في الشتاء المقبل لعمل له في المعهد الأثري الفرنسي وفي آثار الفسطاط. فاقترحت على مجلس الأساتذة أن تنتهز الجامعة وجود الأستاذ في مصر لتطلب إليه إلقاء طائفة من المحاضرات في مناهج البحث عن فقه اللغة وآدابها. وقبل المجلسان هذا الاقتراح وكتبت الجامعة إلى الأستاذ فأجاب معتذرا بأن زيارته لمصر في الشتاء المقبل ليست محققة وهي إن تحققت فقد تستغرقها أعماله التي يجيء من أجلها، ولكنه وعد بأن يتحدث إلى الجامعة في تنظيم طائفة من المحاضرات يقف عليها جهده في سياحة خاصة في السنة المقبلة. ووقف الأمر عند هذا الحد. أترى إلى هذا الخطر الداهم الذي تتعرض له مصر في كرامتها وعلمها ودينها ووجودها السياسي؟
    أريد أن يعلم الناس جميعا أن الجامعة المصرية حين تدعو أساتذة من أوروبا لإلقاء الدروس فيها لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تنهج في ذلك نهج الجامعات الأوروبية والأمريكية الكبرى التي تتقارض الأساتذة وتتبادل المعلمين في كل عام دون أن تجد في ذلك غضاضة أو مسا للكرامة القومية ودون أن تجد في ذلك شيئا غير النفع العلمي الخالص الذي إنما أسست الجامعات له حتى أن الأساتذة الألمان ليدعون إلى فرنسا وأن الفرنسيين ليدعون إلى ألمانيا في هذه الأيام وأريد أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية حين تدعو الأساتذة الأوروبيين لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تستأنف سنتها القديمة التي قامت عليها وانتفعت بها ونفعت بها كثيرا. ثم أريد أن يعلم الناس أن هذا الأستاذ الذي دعته الجامعة إليها فاعتذر ليس رجلا عاديا وإنما هو أستاذ حقا وأستاذ في اللغة العربية فقهها وآدابها، ولقد أريد أن يعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ يفسر القرآن الكريم تفسيرا لغويا خالصا فتمنيت لو أتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسي ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقا. وأريد أن يعلم الناس أن هذا الرجل يخدم مصر في تاريخها وآدابها خدمة لو قام بجزء منها نفر منا لكنت أول من يكبرهم ويدين لهم بالإجلال. يضع كتابا قيما عن تخطيط مدينة الفسطاط، وقليل منا من يُعنى بمدينة الفسطاط ويعرف موقع مدينة الفسطاط… يترجم إلى اللغة الفرنسية خطط المقريزي وقليل جدا منا من يقرأ خطط المقريزي. ثم يعد للنشر كتابا لإمام من أئمة الحديث استكشف منذ سنتين في إدفو على ورق البردي ولم يسمع به أحد من أولئك الذين يخشونه على مصر.
    أحب أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية معهد للدرس الحديث يجب أن تظل أبوابها ونوافذها مفتوحة ليكون فيها الهواء طلقا حرا ملائما للرأي الحر والرقي الحديث.
    فإذا كان في مصر قوم يريدون أن يدرسوا والأبواب والنوافذ مغلقة من دونهم فدونهم معاهد التعليم على النحو القديم. على أن هذه المعاهد تفتح أبوابها بعض الشيء في هذه الأيام فإن كانوا في حاجة إلى الظلمة فليغلقوا ما فتح من هذه الأبواب.
    طه حسين
    السياسة، ٢٩ أغسطس ١٩٢٣.

    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    في وزارة المعارف
    بين يدي الآن التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية. أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية
    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس قراءة الآثار، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري سواء من هذه الآثار ما كُتب وما لم يُكتب. والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعني بمشورة من يشير. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه. فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية. وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها. ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
    نعم إن وزارة المعارف تخطئ الطريق وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشد تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين. وفي الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقصٌ ولكنه مضطر إليه لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير. ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
    أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أما أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف. وكنت أظن أن وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجّانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة. كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته. وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر. وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة. تتصور الأشياء منقوصة. تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها. وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعني بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعني بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف. تريد أن تحتكر كل شيء. تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره. وإليك البيان:
    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها. فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة. فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا. شديد الضيق جدًّا يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة إما أن تذعن لوزارة المعارف وإما أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلابًا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
    لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيل إليّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور. ويخيل إليّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيل إليّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها. فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر. بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد. فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها. ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير. ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيء من مهارة سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شيء من خزي سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب.
    الوزارة إذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة. مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقًّا، وإما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية. فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له».
    طه حسين
    السياسة، ١٢ يولية ١٩٢٣.

  • الأدب والحداثة والحياة الأدبية | Literature, Modernity and the Literary Life

    محاضرة الآنسة مي
    لا اعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، والى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الامريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم اشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلا لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلا لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة أثنين، وكنت اسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكا عظيما في أن للمرأة فضلا على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بان للمرأة فضلا على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديبا من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
    وإذن أنا مقتنع بان الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاء، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملا في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وانهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بان ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بان المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاء وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاء فشئ فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لان كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا انهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراها، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لان الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن انهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجنى، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما.، إنما هي اثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة
    وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى
    ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة اطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعدا عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحسانا؟
    ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة. ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها واثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بان أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال اكرم مما تظن الآنسة مي، واحب للرحمة واحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الأثم، وانما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد اخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا اكرم مما تظنين، واحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيرا، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما أحتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا اعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم اعرف هذا، ولن أستطيع أن اعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فان تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وان تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الارض، فنحن خير منهما حالا، وأجمل منهما شكلا من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وان نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، ` وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة لامرأة هي ايزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون ايزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع ايزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش
    احسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارع إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، واعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
    طه حسين
    الرسالة – ‌‌العدد 37 – بتاريخ: ١٩\٣\١٩٣٤


    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    “أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها”.
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

    النقد والطربوش وزجاج النافذة
    وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشية مسلم بن الوليد في بيته المشهور:
    إذا ما علت منا ذؤابة شارب … تمشت به مشي المقيد في الوحل
    وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارا، وأذكت فيها لهيبا ونارا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعره الطويل حاد كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يعبث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظاهر الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفرى وتأبط شرا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
    كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجا من الإطالة وإشفاقا من الإطناب، وإيثارا للإيجاز البليغ.
    وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثا طويلا أو قصيرا، وأعرض عليك فيه صورا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتساما وضحكا، أو عبوسا وتقطيبا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
    وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحاما، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إلي، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
    وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصب السماء من سائل وجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
    وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظا عظيما، فجعله شاعرا مجيدا وكاتبا بارعا، وناقدا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبا له وإلحاحا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرؤون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضا كان المازني شقيا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
    فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأكره المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقا ولا مخللا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تهان وتمرغ في الوحل تمريغا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
    والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، ما دام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، ما دام قد أقبل على صناعته هذه راضيا بها أو مكرها عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضي عنه أو سخط عليه.
    وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرض، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناولوه بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فها أنا ذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد أن ينقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردا كالمردة وشيطانا لا كالشياطين.
    أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أننا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيما.
    مجلة الرسالة ٢٦ – ٣ – ١٩٣٤

    في الجو…
    للدكتور طه حسين
    أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
    كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
    وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
    وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
    الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
    لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
    رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
    أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
    طه حسين
    الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934

    النقد والطربوش وزجاج النافذة
    للدكتور طه حسين
    وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
    كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
    وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
    وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
    وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
    وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
    فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
    والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
    وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
    أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
    طه حسين
    «مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934

    النفس والرقص
    للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري
    ترجمة الدكتور طه حسين

    استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.

    وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها

    الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول

    والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.

    الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذه الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.

    الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.

    الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أننا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.

    وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.

    والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.

    أركسيماك – أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .

    وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟

    فيدر – لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.

    اركسيماك – ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟

    سقراط – هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .

    اركسيماك – هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.

    سقراط – تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟

    اركسيماك – رأيي إني أرى ما ترى

    سقراط – يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.

    اركسيماك – لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر

    فيدر – ما هذه الأدوية؟

    اركسيماك – هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.

    سقراط – أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك

    فيدر – وما هما؟

    سقراط – الصدق والكذب.

    فيدر – وكيف ذلك؟

    سقراط – أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

    أركسيماك – حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة

    سقراط – أي نتيجة

    أركسيماك – هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا

    سقراط – ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك – إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.

    فيدر – يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! – هن يدخلن كأنهن الأرواح

    سقراط – لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب – كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!

    فيدر – هي رودبيس هذه التي تخلبك

    سقراط – إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه

    اركسيماك – كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.

    سقراط – وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟

    اركسيماك – هي رودينا

    سقراط – ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!

    اركسيماك – على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما – نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس – رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.

    فيدر – ومن تملك على هذه النحل؟
    اركسيماك – هي المدهشة، هي البالغة غاية الإبداع في الرقص (اتكتيه)

    فيدر – ما أعرفك بهن!

    اركسيماك – لكل هؤلاء الحسان أسماء كثيرة أخرى بعضها يأتيهن من الاسرة، وبعضها يأتي من الاخصاء

    فيدر – أنت أخص هؤلاء الأخصاء!. . تعرفهن اكثر مما ينبغي!

    اركسيماك – أنا اعرفهن اكثر جدا من المعرفة الحسنة، ومن بعض الأنحاء أحسن مما يعرفن أنفسهن. أي فيدر! الست أنا الطبيب؟ عندي وبي تستحيل أسرار الطب كلها، أسرارا تشترى بها كل أسرار الراقصة! هن يدعونني لكل شيء، يدعونني لالتواء القدم، وللدمل، والذهول، ولما يمس القلب من حزن، وللأحداث المختلفة التي تصيبهن من الصناعة (وهذه الأحداث الجوهرية التي تنتج في سهولة من مهنة شديدة الحركة) وضبقهن الخفي، حتى الغيرة سواء أكان مصدرها الفن أو الغرام، وحتى للحلم. . أتعلم انه يكفي ان يسررن إلى ببعض ما يقلقهن من الأحلام لاستنبط من ذلك ان في بعض أسنانهن فساد؟

    سقراط – يالك من رجل خليق بالإعجاب يعرف الأسنان بالأحلام! أتظن إن أسنان الفلاسفة كلها فاسدة؟

    اركسيماك – لتحمني الآلهة من عض سقراط؟

    فيدر – دع هذا وانظر إلى هذه الأذرع والسوق التي لا تحصى! عدد ضئيل من النساء يظهر ألف شيء ألف مشعل، ألف رواق معمد قليل البقاء، عروشا، عمدا. . الصور تذوب تنمحي. إنما هي جماعة من الشجر حسان الغصون يهزها نسيم الموسيقى! أترى يا اركسيماك أن هناك حلما يصور من الألم واضطراب العقل اكثر مما يصور هذا الذي نراه الآن؟

    سقراط – ولكن هذا الذي نراه إذا حققت ابعد الأشياء عن الحلم أي فيدر العزيز

    فيدر – ولكني أنا حالم. . حالم بالعذوبة تضاعف نفسها بنفسها إلى غير حد بما يكون بي هؤلاء العذارى من التلاقي ومن تبادل الصور. حالم بهذا التماس الذي لا يوصف والذي يحدث في النفس بين الأزمنة، بين بياض الأذرع واشتباكها بمقدار، وأصوات هذه الأنغام المؤتلفة الخافتة والتي يظهر عليها كل شيء كأنه مصور محمول. تنفس اختلاط هؤلاء الفتيات الساحات كأنه شذى مسكي مركب، ويهيم محضري في هذا الظرف المختلط حيث تضل كل واحدة منهن مع رفيقة ثم تظهر مع رفيقة أخرى

    سقراط – إن نفسك لمفتونة باللذة، إن ما تراه لنقيض الحلم لا أثر للمصادفة فيه. . ولكن نقيض الحلم ما هو يا فيدر؟ إنما هو حلم آخر! حلم تنبه ويقظة يحلمه العقل نفسه! – وماذا يمكن أن يحلم العقل؟ لو حلم العقل صلبا قائما مثلج العين مطبق الفم كأنه سيد شفتيه – فالحلم الذييراه هل يكون إلا شيئاً كالذي نراه الآن – هذا العالم من القوة الدقيقة والتخيل المتعمد في عناية وإتقان! حلم، حلم، ولكنه حلم يملؤه التناسق كله نظام، كله فعل وغناء. . من يدري أي القوانين المقدسة تحلم هنا الآن وقد اتخذت وجوها نضرة واتفقت على أن تظهر للناس كيف تستطيع الأشياء الواقعة وغير الواقعة والمعقولة ان تمتزج وتأتلف حسب ما لآلهة الفن من مقدرة؟

    اركسيماك – من الحق يا سقراط ان كنز هذه الصور لا يقدر. . ألا تظن أن فكرة الآلهة هي بالضبط ما نرى وان هذا التشابه الفخم إلى غير حد. هذا التداور والتقابل والتقاطع التي لا تنتهي والتي تظهر لأعيننا ينقلنا إلى عالم المعرفة الإلهية؟

    فيدر – ما أجمله ما أظرفه هذا المعبد الصغير الوردي المستدير الذي يؤلفنه الآن والذي يدور في بطء كأنه الليل! انه ليتفرق فتيات أن الأردية لتتطاير وكان الآلهة قد غيروا من تفكيرهم

    اركسيماك – إن الفكرة الإلهية الآن هي هذه الجماعات الكثيرة المختلفة الألوان من الوجوه الباسمة. أنها تبدئ المعاد من هذه الحركات الحدة وهذه العَواصف اللذيذة التي تتألف من جسمين أو ثلاثة أجسام ثم لا تستطيع أن تفترق. . لقد وقعت إحداهن فيما يشبه الأسر فلن تخرج من سلاسلهن السحرية!

    سقراط – ولكن ماذا يصنعن فجأة؟. . . إنهن ليختلطن، ثم يمضين مسرعات!. . .

    فيدر – هي يطرن إلى الأبواب، ينحنين ليستقبلن اركسيماك – أي اتكتيه! أي اتكتيه!. . . يا للآلهة!. . اتكتيه الخافقة!

    سقراط – ليست شيئاً.

    فيدر – هي طائر صغير

    سقراط – شيء لا جسم له!

    اركسيماك – شيء لا ثمن له!

    فيدر – أي سقراط! كأنها تطيع إشكالا لا ترى!

    سقراط – أو تذعن لقضاء جليل!

    اركسيماك – أنظر! أنظر! أترى أنها تبتدئ بمشي الاهي؛ مشي يسير مستدير. . تبتدئ بأرقى ما عندها من الفن، تمشي في يسر على ما انتهت إليه من القمة! طبيعتها الثانية هذه أبعد ما تكون عن طبيعتها الأولى، ولكن يجب أن تشبهها، حتى تخدعنا عنها.

    سقراط – إني لاستمتع إلى أقصى حد بهذه الحرية. أن صاحباتها الآن لمستقرات كأنهن مسحورات. وأن الموسيقيات ليسمعن لأنفسهن دون أن يحولن أبصارهن عنها. . . يمتزجن بها كأنما يلححن في كمال التوقيع.

    فيدر – إحداهن كأنها المرجانة الوردية قد انعطفت على نفسها وهي تنفخ في قوقعة عظيمة.

    اركسيماك – صاحبة المزمار هذه العالية في الطول ذات الفخذين النحيفتين كأنهما المغزلان، قد لفت إحداهما على الأخرى، ومدت قدمها الظريفة التي تخفق إبهامها بوزن الموسيقى. . . أي سقراط ما ترى في هذه الراقصة؟

    سقراط – أي اركسيماك هذه المخلوقة الصغيرة تدعو إلى التفكير. . أنها تجمع على نفسها أنها تحتمل جلالا كان مفرقا فينا جميعا وكان يحل غير مشعور به كل الذين يشتركون في هذا اللهو. مشى يسير، وإذا هي الآهة، وإذا نحن جميعا كأننا الآلهة!. . . مشى يسير ايسر التسلسل كأنها تأجر الفضاء بأعمال جميلة متساوية وتضرب بعقبها حركات كالدنانير ذات الرنين. كأنما تعد وتحصي في قطع من الذهب الخالص ما ننفقه نحن غافلين نقدا عاديا من الخطوات حين نسعى لأي غاية من الغايات

    اركسيماك – أيها العزيز سقراط. إنها تعلمنا ما نعمل، مظهرة لنفوسنا في جلاء ما تأتي أجسامنا من الحركات، تظهر لنا ساقاها حركاتنا كأنها المعجزات. ثم هي تدهشنا بمقدار ما ينبغي أن ندهش

    فيدر – في أي شيء تمتاز هذه الراقصة عندك بشيء سقراطي، فتعلمنا من المشي كيف نعرف أنفسنا بأنفسنا خيراً مما كنا نعرفها،

    اركسيماك – في هذا بالضبط وهو أن خطواتنا تبلغ من اليسر والألف حدا لا نشرفها معه بملاحظتها في أنفسنا ومن حيث هي أعمال غريبة إلا أن يكون أحدنا مقعداً أو مريضاً فيضطره العجز إلى الإعجاب بها – وإذن فهن يحملننا كما يعرفن، ونحن نجهلهن، وهن يختلفن باختلاف الأرض والغاية والأخلاق والأحوال بل وضوح الطريق، ونحن ننفقهن في غير تفكير.

    ولكن انظر إلى هذا المشي التوقيعي الكامل. تمشيه اتكتيه على ارض لا عيب فيها، وهي حرة صريحة تكاد تكون مرنة تضع في تناسق على مرآة قوتها قدميها متتابعتين، عقبها يصب جسمها نحو مقدمة رجلها، ثم تمر رجلها الأخرى فتتلقى الجسم وتصبه إلى امام، وهكذا على حين تخط قمة رأسها البديعة في الحاضر الأبدي جبهة موجة متثنية

    وإذا كانت الأرض هنا كأنها مطلقة قد برت من كل عوج مفسد للتوقيع أو دافع إلى التردد فهذا المشي العظيم الذي لا غاية له إلا نفسه، والذي برئ من الوان الفساد على اختلافها يصبح نموذجا عاما

    (انظر أي جمال، أي أمن شامل للنفس ينشأ من طول خطواتها الفخمة، هذه الخطوات الممتلئة ملائمة لعددها الذي يلائم الموسيقى ولكن عدد الخطوات وطولها ملائمتان من ناحية أخرى لقوام الجسم

    سقراط – انك لتحسن الحديث عن هذه الأشياء أيها الخبير اركسيماك حتى أنى لمظطر إلى أن أرى كما تتفكر. إني لأنظر إلى هذه المرآة التي تمشي وتثير في نفسي شعور السكون لا اعني إلا بما لحركاتها من المساواة. . .

    فيدر – إنها لتقف بين محاسنها التي لا تنتهي. .

    اركسيماك – ستريان!

    فيدر – إنها تغمض عينها. .

    سقراط – إنها كلها في عينيها المغمضتين وحيدة مع نفسها في إفناء عنايتها الخاصة. تشعر كأنها أصبحت شيئاً حادثا جليلا.

    اركسيماك – انتظرا، ان. . . الصمت الصمت!

    فيدر – يالها لحظة حلوة! هذا الصمت تناقض. كيف السبيل إلى إلا أصبح. الصمت!

    سقراط – لحظة عذراء حقا. ثم لحظة نحس فيها كأن شيئا يجب ان ينقطع في النفس وفي الانتظار وفي الجماعة. . شئ ينقع ولكنه في الوقت نفسه كأنه يتصل.
    الرسالة (العددان ٢٥ و٢٦)

    كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد
    صديقي العزيز المجهول إسماعيل بن زيد حفظه الله وأكثر من أمثاله.
    تحية طيبة تلقاك حيث كنت، فإني لا أعرف أين تكون، كما إني لا أعرف من تكون.
    أما بعد، فقد قرأت كتابك في (الرسالة) منذ أيام، ولست أدري أين ظفر به صديقنا الدكتور عوض، فإني لم أتلقّه قبل نشره، ولو قد وصل إليّ لما أبطأت في الرد عليك برغم كثرة العمل واشتغال النفس بأشياء يراها الناس خطيرة بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، وأراها أنا كما تراها أنت أهون شأناً وأقل خطراً من صيد الضفادع، وتثقيف الجراد واستخراج أشعة الشمس من قشر الخيار. وأكبر الظن أنك رجل رؤوف بالأصدقاء شفيق على الإخلاء، خطر لك أن تستفتيني فيما عرض لك من الأمر فسطّرت كتابك وهممت بإرساله إليّ، ثم عرفت إني مجهود مكدود فرحمتني ورفقت بي وأجلت إرسال كتابك إليّ حتى ينقضي العام وأفرغ لمثل هذه الموضوعات الجليلة القيمة. ولكن كتابك وقع إلى صديقنا عوض على أي نحو من هذه الأنحاء التي تقع بها الكتب إلى الناس أو يقع بها الناس على الكتب، وعوض رجل فيه مهارة العفاريت ولباقة الشياطين اكتسبهما في أكبر الظن من ترجمته لقصة فاوست ومن طول عشرته لشيطان الشاعر الألماني العظيم. فلم يكد يقع الكتاب إليه أو لم يكد هو يقع على الكتاب، حتى أسرع به إلى الرسالة يكيد بنشره لك ولي جميعاً.
    يكيد لك لأنه يحسب أن الناس سيضحكون حين يظهرون على هذه الموضوعات الغريبة التي تفكر فيها وتنفق في دراستها وقتك وجهدك، ويكيد لي حين يطلب إليّ باسمك على ملأ من قراء الرسالة أن أبوّب لك الكتب التي تريد أن تذيعها في هذه الموضوعات.
    وليس عوض شيطاناً ولا عفريتاً ولا مترجماً لفاوست ولا معاشراً طويل العشرة لمفيستوفيليس انقضى يومه وليله دون أن يجدّ ويكدّ ليغيظ إنساناً من الناس ويعبث بصديق من الأصدقاء، وأحسبه أنه أعياه الظفر بمن يغيظه أو يعبث به لا يتردد في أن يغيظ نفسه أو يعبث بها، وله في الحطيئة قدوة سيئة وأسوة قبيحة. ولا بد من أن يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الشر ويدفعهم إلى البغي كما يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الخير ويهديهم إلى البر والرشاد.
    وقد هممت أيها الصديق العزيز المجهول أن أعرض عن هذه الرسالة التي لم أتلقها أو أن أؤخر الرد عليها كما أجلت أنت إرسالها، ولكني – ولا أكذبك – لم أكد أتم قراءتها حتى استرحت إليها ونعمت بها لأنها صادفت هوى في نفسي ولاءمت بعض ما كان يضطرب في رأسي من الخواطر والآراء. فلم أجد بداً من أن أرد عليك في (الرسالة) لأني لا أعرف عنوانك ولأني قرأت كتابك في الرسالة وتلقّيته من طريقها، ولأني لا آمن هذا العفريت الذي نسميه عوضاً ونكل إليه تعليم الجغرافيا في كليتين من كليات الجامعة أن ينالها بقليل أو كثير من التبديل والتغيير، وأنت تعلم أنه من العسير جداً أن أجيبك في فصل واحد إلى تبويب هذه الكتب الأربعة التي ألفتها غير مبوبة، فذلك يحتاج إلى وقت وفراغ لا أملكهما في هذه الأيام أيضاً؛ وذلك يحتاج بعد هذا إلى مكان من الرسالة قد لا تستطيع أن تخصصه لنا دون أن تظلم واحداً أو اثنين من كتابها الأدباء. ولست أذكر الرفق بالقارئ ولا الترفيه عليه، فالقارئ آخر من أفكر فيه؛ وليس يعنيني أن يغضب أو يرضى، وليس يهمني أن يقرأ أو يعرض عن القراءة، فإني لا أكتب له وإنما أكتب لك. وأنا لا أكتب له لأن هذا الموضوع أعمق وأدق من أن يكتب للقراء؛ إنما يكتب للقراء في فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس ونيتشة وأمثالهم من أصحاب العقول الجبارة؛ فأما فلسفة الجراد فإنها ألطف وأخفى وأرق من أن تبلغها عقول المثقفين أو تنفذ إليها بصائر المستنيرين؛ لهذا أفكر فيك أنت ولا أفكر في القراء؛ ولو فكرت فيهم لما كتبت شيئاً، لأني لا أحب أن ألقاهم بما يكرهون. لا سبيل إذن إلى أن أتحدث إليك في هذه الموضوعات الأربعة التي ألفت فيها كتباً غير مبوبة، وإنما أتحدث إليك في موضوع واحد منها أختاره ليكون نموذجاً لغيره من الموضوعات التي ألفت فيها والتي يمكن أن تؤلف فيها؛ فإن أبيت إلا أن أبوّب لك هذه الكتب الأربعة فقد نستطيع أن نصنع ذلك في مجالس خاصة نلتقي فيها بين حين وحين لهذا العمل الجليل، نلتقي فيها لنتحدث على مهل وفي حرية دون أن يشاركنا في الحديث هؤلاء القراء الذين لا نأمن منهم أن يذهبوا فينا المذاهب وأن يطلقوا فينا الألسنة وأن يظنوا بنا الظنون.
    وقد اخترت تعليم الجراد أصول الفلسفة موضوعاً لهذا الحديث. وأول ما ألاحظه أيها الصديق العزيز المجهول أنك أهملت عنوان الكتاب الذي ألفته إهمالاً شديداً، وأكبر الظن أن إهمالك للفنون هو الذي حال بينك وبين تبويب الكتاب على ما تحب.
    ولست أدري أصحيح ما قال القدماء من أن الكتاب يعرف بعنوانه، ولكني أعتقد أن عنوان الكتاب يبوّبه وينظمه، ويلائم بين أجزائه ويشيع فيه هذه الموسيقى التي تحببه إلى النفوس وتغري به عقول القراء. وأول ما يجب العناية بالعنوان فيما أرى أن نذهب به مذهب القدماء الصالحين، فلا نرسله إرسالاً ولكن نقيده بالسجع، لأن إرسال الأشياء في غير قيد يمكنها من أن تهيم على وجهها وتنطلق في غير وجه، وتكون كالجراد هذا الذي لا يستقر على سنبلة أو كوز إلا ريثما ينتقل إلى سنبلة أو كوز. فإذا أردت يا صديقي أن تضع كتاباً فلا تفكر في موضوعه ولا في أجزائه ولا في أبوابه وفصوله ولا في غاياته وأغراضه، فهذا كله يأتي وحده دون أن تدعوه أو تلج في دعائه بالعناية أو التفكير، إنما الشيء الذي يجب أن تقف عليه جهدك، وتنفق فيه وقتك، وتستنفد فيه قوتك، هو العنوان، والعنوان المقيد المسجوع. ويشهد بذلك تراثنا الأدبي العظيم الذي إن أحصيته وجدت أكثره قد قيد بهذه العناوين المسجوعة؛ ويشهد بذلك صديقنا الزيات فقد كانت لنا معه جولات قيمة خصبة أيام الشباب في هذا الفن الذي لا يحسنه إلا أقلون؛ ويشهد بذلك صديقنا محمود حسن الزناتي الذي كان أستاذنا في هذا الفن العجيب. لذلك لم أكد أختار هذا الموضوع للحديث حتى فكرت قبل كل شيء في عنوان الكتاب الذي ألفته ولم تنبئني منه إلا بطرف يسير قصير. وقد سميت هذا الكتاب كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد وأخص ما يتميز به العنوان البارع أن يراه القارئ فيظنه واضحاً جلياً، فإذا رآه الأخصائي تبيّن فيه ألواناً من الغموض وفنوناً من الغرابة تحتاج إلى الشرح والتفسير، وإلى الحاشية والتقرير. ولا شك في أن المثقفين من قراء الرسالة سيرون هذا العنوان سهلاً سائغاً وقريباً دانياً. ولكن أصحاب البيان والراسخين في علم التأويل سيلاحظون أن كلمة الفلسفة هنا قد استعملت في غير معناها الحقيقي المعروف؛ فليس للجراد فلسفة؛ والدليل على ذلك أنك تريد أن تعلمه الفلسفة، وإذن فقد يقال إن في هذه الكلمة مجازاً مرسلاً لأن المؤلف أراد فلسفة الجراد باعتبار ما سيكون، لأن الجراد إذا قرأ كتابك إن شاء الله تهذّب وتأدّب وصارت له فلسفة. ولكن ليس هذا هو الذي أراده المؤلف، فقد يكون أراد شيئاً آخر، وهو أن للجراد الآن فلسفة جرادية يراد أن يُعدل عنها إلى الفلسفة الإنسانية. وقد يكون المؤلف أراد بالفلسفة المصدر أي جعل الجراد فيلسوفاً، يقال: فلسفت الشيء جعلته فلسفياً، وفلسفت الإنسان جعلته من أصحاب الفلسفة، وفلسفت الجراد جعلته مفلسفاً. ولا تبحث عن هذه الكلمة في المعاجم العربية القديمة، فقد لا تظفر في هذه المعاجم بشيء، ولكن ابحث عن هذه الكلمة عند الفلاسفة في كلية الآداب فهم الذين يلائمون بين القديم والجديد، وهم الذين يرجع إليهم في مثل هذه المشكلات.
    أرأيت أن كلمة واحدة من هذا العنوان قد أثارت كل هذه الأبحاث التي أومأت إليها إيماءً، فكيف بكلماته الأخرى إذا لوحظت مفردة وإذا لوحظت مجموعة. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا العنوان سيضمن لك شيئين: الأول أنه إعلان سيعجب القراء ويروقهم، بل سيبهرهم ويروعهم، وسيدعوهم إلى شراء الكتاب والترويج له عند الأصحاب والأصدقاء. ولعله يروق في وزارة المعارف وأنت أعلم بما وراء ذلك من المنافع التي لا تحصى. والشيء الثاني أن هذا العنوان سيرسم لك برنامج الكتاب ويمكنك من تبويبه في غير مشقة ولا عسر. ولا تكلف نفسك ترويةً ولا تفكيراً، ولكن خذ كلمات هذا العنوان واجعل منها عناوين لأبحاثك فسترى أن كتابك قد بوّب بإذن الله. فليكن موضع الباب الأول إذن هو البحث عن كلمة الكتاب مما اشتقت، ومن أين أخذت، وما معانيها المختلفة التي دلت عليها في العصور المختلفة والبيئات المتباينة. ولا تخف أن يقال لك إن هذا استطراد وإطالة وتزيد في القول، فلولا الاستطراد والإطالة والتزيد في القول لذهب أكثر العلم أو أكثر الأدب على الأقل. ولك في الجاحظ أسوة حسنة فهو قد أطال في ذكر الكتاب حين أراد أن يؤلف في الحيوان.
    وقد ألف أرسطوطاليس من قبله في هذا الموضوع فآثر الإيجاز واجتنب الاستطراد وكانت النتيجة أن الناس جميعاً يقرؤون كتاب الجاحظ وليس منهم من ينظر في كتاب أرسطوطاليس، لأن كتاب أرسطوطاليس علم وقد تغير علم الحيوان، وكتاب الجاحظ أدب وقلما يتغير الأدب، ولا سيما حين يتميز بالإطالة والاطراد. ونحن في كلية الآداب لا نبدأ دروس الأدب حتى نعلم الشبان علماً كثيراً عن لفظ الأدب ومعانيه، فسر سيرتنا ولا بأس عليك. وإذا فرغت من هذه الأبحاث القيمة التي لا تتصل ولا يجب أن تتصل بالموضوع، فخذ بعد ذلك في بحث يكون صلة بينها وبين الموضوع وهو إضافة الكتاب إلى الإرشاد والصلة بينه وبين الجراد. وكيف تختلف الكتب باختلاف أصناف الناس، وكيف تختلف الكتب باختلاف أنواع الحيوان، لا من جهة موضوعها وأسلوبها فحسب، بل من جهة أحجامها وقطعها أيضاً ومن جهة مادتها التي تطبع وتذاع فيها، ومن جهة الخط والحروف التي تستخدم في هذا الطبع؛ فأنواع الطبعة تختلف باختلاف القراء في القدرة والذوق، وكذلك الأحجام، وكذلك مادة الورق والغلاف؛ ويجب أن يطرد هذا بالقياس إلى الحيوان وبالقياس إلى الجراد خاصة، وواضح جداً أن هذا سيذهب بك في ألوان من البحث الطريف الذي لم تسبق إليه؛ فإذا فسرت آراءك ببعض الصور فثق بأنك ستحدث في عالم التأليف حدثاً عظيماً، وثق بأنك ستفتح للجنة الترجمة والتأليف والنشر أبواباً لن تتردد في ولوجها ولكنها لن تعرف كيف تخرج منها.
    ثم دع هذا الباب إلى الباب الثاني واجعل عنوانه الإرشاد واسلك في هذا الباب مسلكك في الباب الأول، فاخضع لفظ الإرشاد ومعانيه لكل هذه التجارب التي أخضعت لها لفظ الكتاب ومعانيه، ثم ابحث عن إرشاد الجراد كيف يكون، فاعقد فصلاً تصوّر فيه مذهب الذين يرون أن الجراد يفهم بالعقل وبيّن كيف يكون إرشاده على هذا النحو، واعقد فصلاً آخر تصوّر فيه رأي المحدثين الذين يرون أن الجراد يفهم بالفم والبطن وبيّن فيه كيف يكون إرشاد الجراد من طريق الأفواه والبطون. والناس كما تعلم يختلفون في هذا الموضوع، ومنهم من يرى أن تكتب أصول الفلسفة على أوراق الأشجار والنجوم والزرع التي يحبها الجراد ويميل إلى أكلها ويقولون أن الجراد إذا أكل هذه الأوراق المفلسفة فهم العلم ووعى الحكمة وأصبح فيلسوفاً بإذن الله.
    ثم اجعل الكلمة الثالثة عنواناً للباب الثالث وهي “إلى”. ولا بد من أن تبحث عن السبب في أن الإرشاد يتعدى بـ “إلى” ولا يتعدى بغيرها من حروف الجر؛ ولم لا يقال كتاب الإرشاد لفلسفة أو بفلسفة أو في فلسفة أو من فلسفة أو عن فلسفة أو على فلسفة الجراد. وواضح أن كل حرف من هذه الحروف سيحتاج إلى فصل مطول جداً وستجد في كتاب المغني لابن هشام ما يعينك على تحرير هذه الفصول. ولا تخف من هذه الإطالة فإنها هي التي ستنفعك وتروّج كتابك عند أصدقائنا الأزهريين. ثم إذا أردت أن يروج كتابك عند الجامعيين وفي كلية الأدب خاصة فأحسن عنايتك بالباب الرابع وهو باب الفلسفة وهو اللب الأول للكتاب، لأن الأبواب التي سبقت كانت قشوراً ولكنها كانت قشوراً لا بد منها، فكل لب محتاج إلى قشر وإلا لما كان لباً. فابحث الآن عن الفلسفة وعن أصل لفظها واحذر أن تقول إنه يوناني فقد يكون هذا مطابقاً للحق، ولكن الحق في هذه الأيام لا يغني عن البدع شيئاً. والبدع في هذه الأيام أن تخرج الأشياء عن أصولها وتوضع في غير مواضعها وتُرد إلى غير مصادرها. والظاهر أن كلمة الفلسفة ترجع إلى أصل سامي عربي، وما أشك في أنك ستجد في شعر قضاعة بيتاً يثبت لك وللناس جميعاً أن العرب قد عرفوا الفلسفة واستعملوا لفظها قبل أن يولد سقراط. ولا بد أن تعرض معاني الفلسفة ومذاهب الفلاسفة في العصور المختلفة وتفحص عن أيها أدنى إلى الجراد، إلى عقله إن كنت من أنصار العقل، وإلى بطنه إن كنت من أنصار البطون. فإذا فرغت من هذا البحث الهائل المخيف وصلت إلى الباب الأخير الذي هو نتيجة النتائج وجوهر الجواهر وأصل الأصول وفصل الفصول وخلاصة الكتاب ولب الألباب وهو باب الجراد الذي وجه إليه الإرشاد.
    وهذا الباب معقد بطبعه فلا بد من أن تبحث عن لفظ الجراد من أين جاء وإلى أين انتهى، ولا بد من أن تبحث عن منزلة الجراد بين أنواع الحيوان، ولا بد من أن تبحث عن محاسنه وعيوبه، ثم لا بد من أن تبحث عن عقله وما يكونه من الملكات وعن بطنه وما يتميز به من الخصال في الاستيعاب والهضم وتصريف العلم والفلسفة إلى أجزاء الجسم وأطرافه والوصول آخر الأمر إلى أن يسير الجراد سيرة فلسفية صالحة. فإذا وصلت إلى هذا الموضع من كتابك وخيل إليك أنك قد انتهيت به إلى غايته وأفدت العلم فائدة محققة تمكنك من نيل الدكتوراه من كلية الآداب فعد إلى منهج ديكارت وألغ هذا الذي كتبته كله إلغاءً، وافترض أنك لم تكتب شيئاً ولم تعلم شيئاً واستأنف التحدث من جديد فسترى أنك قد أضعت وقتك في غير نفع، وأنفقت جهدك في غير طائل، واستهلكت راحتك وورقك وحبرك وأقلامك في غير غناء، لأن الجراد ليس في حاجة إلى أن يتعلم الفلسفة الإنسانية الآن، فقد تعلمها منذ عهد بعيد؛ فهو إن كان ناهباً سالباً ومغيراً محارباً فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وهل زاد الإنسان على أنه حيوان قوام حياته السلب والنهب والحرب؟ وهو إن كان خفيفاً سريعاً متنقلاً لا يستقر على حال من القلق فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وما أظن أنك تستطيع أن تلقى جرادة تجهل قول الشاعر القديم:
    تنقل فلذات الهوى في التنقل
    وهو إن كان مفتناً في الخفة والتنقل فقد أخذ هذا الافتنان عن الإنسان، لأنه يراقب الحضارة وتطورها، ويراقب المبادئ وتلونها، ويراقب اضطراب الناس في آرائهم وأهوائهم ومذاهبهم ومبادئهم، ويراقب الضمائر التي تباع، والعقول التي تستهان، والحريات التي تزدرى، والأصول التي تتخذ تجارة ووسيلة إلى الربح وتحقيق المنافع الدنيئة. وقد هم الجراد أن يقلد الإنسان في هذا فأدركته بقية من عقله أو من بطنه الذي تستقر فيه الفلسفة وامتنعت به عن أن ينحط إلى هذه القرارة الحقيرة الموبوءة التي انحط إليها الإنسان الحديث، فظل حيث هو يغير كريماً ليأكل من ثمرات الأرض ما يستطيع أن يصل إليه، ويعود كريماً إن استطاع العودة أو يموت كريماً بما يسلط عليه الإنسان من ألوان البأس وضروب الفناء. وأنت حين تصل إلى هذه النتيجة بين اثنتين: فإن كنت من أنصار الفساد وعشاق الانحطاط الذين يرون أن الإنسان قد وصل في هذا العصر إلى أرقى أطوار الحضارة فاستأنف العمل لتبحث عن طريق تهدي بها الجراد إلى تقليد الإنسان في الانحدار إلى هذه القرارة، وإن كنت من المحافظين الذين يكرهون التطور الحديث ويمقتون نتائجه فادع الإنسان إلى أن يتعلم فلسفة الجراد وضع في هذا كتاباً اسمه: (التبيان عن تجرد الإنسان) والتجرد هنا مشتق بالطبع من الجراد. وتقبل أيها الصديق العزيز المجهول أخلص تحياتي.
    طه حسين
    الرسالة ١٧ – ٥ – ١٩٣٧