مفاوضة
ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.
استقبال
لم تشهد مصر مثله قبل اليوم، ولن تشهد مصر مثله بعد اليوم. سيكون هذا في حياة مصر شاذًا في تاريخها مهما يطل ومهما تبعد به العهود، لأن رئيس الوزراء الذي ستستقبله مصر اليوم رجل فذ بين المصريين، بل بين الشرقيين، لم تعرف مصر ولا الشرق مثله قديمًا، ولن تعرف مصر ولا الشرق مثله حديثًا.
ومتى رأى الناس مريضًا يحكم حكم الأصحاء، وضعيفًا يحكم حكم الأقوياء، وبعيدًا يحكم حكم القريبين؟ ومتى رأى الناس وزيرًا يقنع الفقير المعسر بأنه غني موسر، والجائع المحروم بأنه مكتظ متخوم، والخائف الجازع بأنه آمن وادع، والمستعبد المستذل بأنه حر مستقل؟ بل متى رأى الناس في العصور القديمة والحديثة ساحرًا كرئيس الوزراء قد خلب القلوب والعقول، وسحر الأفئدة والنفوس فلم يصلح شيئًا، وأقنع الناس جميعًا بأنه أصلح كل شيء؟
وحياة الناس لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على الوهم، فهم سعداء، وهم راضون متى خيلت إليهم ذلك، وأقنعتهم به، وسواء عليهم بعد هذا أكانوا سعداء في حقيقة الأمر أم لم يكونوا. وقد نجح رئيس الوزراء نجاحًا باهرًا، ووفق رئيس الوزراء توفيقًا عظيمًا؛ فليس في مصر الآن من يحس جوعًا ولا ظمأ، وليس في مصر الآن من يشكو فقرًا ولا عسرًا، وليس في مصر الآن من يخاف ظلمًا ولا عدوانًا، وإنما الناس جميعًا سكارى وما هم بسكارى، قد سحرهم رئيس الوزراء عن حقائق الأشياء فقنعوا ورضوا، ثم ملكهم الإعجاب وازدهاهم الإكبار، فإذا هم لا يرون لمصر إلا منقذًا واحدًا، هو رئيس الوزراء. وإذا قلوبهم كلها تلتف من حوله، ونفوسهم كلها تطيف به، وأشخاصهم كلها تهرع إليه. وإذا هو سيصل إلى الإسكندرية مساء اليوم فيرى معجزة من هذه المعجزات التي تعود أن يراها حتى هانت عليه وصغرت في نفسه، وأصبح لا يقيم لها وزنًا ولا يحسب لها حسابًا.
سيرى خمسة عشر مليونًا من المصريين قد خفوا جميعًا لاستقباله والاحتفال به، لم يتخلف منهم شيخ فان، ولا صبي ضعيف، ولا طفل رضيع، لم يقعد منهم رجل ولا امرأة، وإنما احتشدوا له من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ووسعتهم كلهم مدينة الإسكندرية، بل وسعهم كلهم هذا المكان الضيق الضئيل الذي سترسو فيه السفينة، وستشرق فيه الشمس من مغربها حين يطلع على الناس رئيس الوزراء.
لو حدث بعض هذه المعجزة، خمسها أو عشرها أو دون ذلك، لأعظم الناس قدرًا، وأجل الناس خطرًا، وأرفع الناس شأنًا، وأبعد الناس ذكرًا، لفتنه واستهوى قلبه، وتجاوز به حد الرزانة والحلم والاعتدال، ولكن رئيس الوزراء لا يفتنه ذلك ولا يزدهيه أكثر من ذلك، فهو قد بلي ذلك كله، حلوه ومره، حتى عرفه فأحسن معرفته، وحتى ضاق به وزهد فيه. فسيشرف رئيس الوزراء إذن مساء اليوم على هذه الأمة المكرمة له، الفانية فيه، ثم يلقي عليها نظرة زاهدة، فيها شيء من الملل والسأم، وفيها شيء من التفضل والتعطف، ثم يشير رئيس الوزراء بإحدى أصابعه إلى هذه الأمة أن انصرفي مشكورة مأجورة، فقد نهضت بالحق لأهله، وأديت ما عليك، فعودي إلى ما أنت فيه من عيشة راضية، ونعمة سابغة، وصفاء مقيم، رخاء لا يريم، وابتسام للحياة.
ثم يلقى ستار، ويرفع ستار؛ فأما الستار الأول فسيلقى على هذه الفصول الفكاهية التي لم تمثل لمصر وحدها، وإنما مثلت لمصر ولفرنسا وللعالم كله، حينًا في «فرساي» وحينًا في الإسكندرية، وحينًا في محطة من محطات «باريس»، والتي ألهت الناس وأضحكتهم في مصر وفي غير مصر منذ أسبوع. فقد رأى الناس أن الوزارة القائمة كانت قوية ثابتة، ولكنها عرضة للتعديل صباح الثلاثاء، ثم رأى الناس أن الوزارة قد تستقيل مساء الثلاثاء، ثم رأى الناس أخذًا وردًا، وتهاونًا وشدًّا، ومفاوضات يخفق بها البرق ويتموج بها الهواء، ثم رأى الناس قوة على مصر فيها إنذار بالاستقالة، وضعفًا أمام الإنجليز فيه استعطاف واستجداء، ثم رأى الناس تعجلًا لتحديد الموعد الذي يتشرف فيه رئيس الوزراء بالمقابلة الملكية، ثم انتظر الناس ونشر لهم برنامج مفصل للاستقبال والاحتفال والمقابلة، ثم فجأة أعلن انفراج الأزمة باعتزال الحكم أو البقاء فيه. على هذا كله سيلقى الستار الأول.
أما الستار الثاني فسيرفع عن جد قد يكون خالصًا، وقد يكون مشوبًا بالفكاهة؛ فقد غير البرنامج تغييرًا فجائيًا، ترى في غير هذا المكان، وظهر أن المقابلة الملكية قد تكون بعد ظهر اليوم، وظهر أن السفينة استطاعت أن تزيد سرعتها وأن تقدم وصولها إلى الثغر، وظهر أن الأمر أجلُّ شأنًا وأعظم خطرًا مما كان يظن، وأن الذين إليهم الأمر لا يريدون أن يطاولوا في وضع حد لهذه الأزمة التي مهما يكن حظها من الفكاهة فإنها لا تخلو من خطر لما تثير في نفوس الناس من العواطف المختلفة والميول المتناقضة، ولما قد تحدثه هذه العواطف والميول من أثر في حياة الناس. وإذن فسيبدأ القسم الجدي من هذه القصة منذ اليوم إن سمحت بذلك صحة رئيس الوزراء، وسيتبين المصريون بعد وقت قصير أمر هذا الحديث الطويل الذي أثاره رئيس الوزراء منذ أسبوع: أكان جدًّا أم هزلًا؟ أكان إقدامًا أم إحجامًا؟ أم كان فنًّا من فنون المداورة؟ ولونًا من ألوان الاختبار؟ وسواء أصمم «صدقي باشا» على الاستقالة أم عدل عنها، وسواء أقبلت الاستقالة أم لم تقبل، فإن هناك حقيقة واقعة قد ظهرت كأوضح ما تظهر الحقائق الواقعة، ولم تدع لأحد قدرة على أن يلقاها بقليل من الشك أو كثير. وهذه الحقيقة الواقعة الساطعة هي أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن هذه الوزارة القائمة قد تستقيل.
كما أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن المندوب السامي قد نُقل. ومعنى هذا الابتهاج لهذين الحدثين أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — ضيقة أشد الضيق بسياسة هذا العهد، منكرة أشد الإنكار لهذه السياسة، حريصة أشد الحرص على أن تخلص منها، وعلى أن ترى الذين أقاموها وقد حيل بينهم وبين الحياة العامة وتصريف شؤونها. وقد تفهم إرادة الأمة هذه على وجهها، وقد لا تفهم، وقد يحال بين «صدقي باشا» وبين الحكم، كما حيل بين «السير برسي لورين» وبين تمثيل الإنجليز في مصر، وقد لا يحال، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن إرادة الأمة هذه واضحة جلية، وأن لها قيمتها وخطرها، وأنها إن أهملت اليوم كما أهملت منذ ثلاثة أعوام فإن هذا الإهمال لن يغني ولن يفيد، كما أن إهمال إرادة الأمة منذ ثلاثة أعوام لم يغن ولم يفد.
ومهما تكن النتيجة التي ستتكشف عنها الحوادث اليوم أو غدًا فإن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا مراء هو أن المصريين قد أظهروا اليوم كما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، بل أكثر مما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، وسيظهرون غدًا أكثر مما يظهرون اليوم، أنهم لا يرضون — مهما تكن الظروف والخطوب — أن يحكموا على غير ما يريدون، وأن يساسوا بغير ما يحبون، أو يُقضى في أمرهم وهم غائبون، أو يتخذوا وسيلة إلى مناصب الحكم وما يتصل بها من الجاه والسلطان، وأنواع المغانم والمآرب القريبة أو البعيدة.
إنما يريدون اليوم، كما أرادوا من قبل وسيريدون دائمًا، أن تُرَدَّ أمورهم إليهم، وأن يحكموا هم لمصالحهم، لا لمصالح الأجانب مهما يكونوا، ولا لمصالح قلة مصرية مهما تكن. فإذا فُهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن أمور مصر ستجري على أحسن حال، وإذ لم يُفهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن المصاعب ستزداد، وفي أن المشكلات ستضاف إلى مشكلات، وفي أن الكوارث التي أخذت تطيف بهذا البلد، والتي تدنو منه في غير أناة ولا تمهل، ستُلِمُّ في يوم قريب فلا تجد لها مصر دفعًا ولا ردًّا، وستكون آثار الكوارث شاملة لا تؤثر فريقًا دون فريق، ولا تصيب الظالمين خاصة، وإنما تُُلِمُّ بالمسيء والبريء. والله قادر على أن يلهم الناس من أمرهم رشدًا، وعلى أن يبين للناس أن سياسة الاستئثار وتسخير الشعوب لنفر قليل قد مضى عليها الزمن، وأصبحت شيئًا لا ينتج خيرًا ما، ولكنه ينتج شرًّا كثيرًا.
[1] كوكب الشرق في ٥-٩-١٩٣٣.
حلول
لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣
تأجيل
وخرج النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
[1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.
Leave a Reply