حلم
زعموا أن من أراد تعريف الحكم لم يوفق إلى خير من هذا التعريف الذي اهتدى إليه بعض الفلاسفة الفرنسيين، وهو أن الحكم تقدير العواقب والاستعداد للغد، والتنبؤ بما سيكون. وزعموا أن وزارة من وزارات الأرض لم توفق إلى أن تفهم هذا التعريف على وجهه، وتقدره حق قدره، وتجعله حقيقة واقعة كالوزارة المصرية القائمة. وزعموا أن أوضح دليل على ذلك كله قد أقامته مشتركة في إقامته وزارة المعارف ووزارة الأشغال.
فقد أنبأتنا الصحف بأن الوزارة كانت قد قررت أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة المصرية، وأن تنفق في تشييدها خمسة وسبعين ألفًا من الجنيهات. وكان هذا القرار فيما تقول الصحف قد صدر قبل أن توضع الرسوم وتأخذ القاعة شكلها المنتظر. فلما وضع الرسم وتم وجود القاعة على الورق ظهر أن وجودها على الأرض يحتاج إلى خمسة وثمانين ألفًا لا إلى خمسة وسبعين ألفًا. وعُرض الأمر على مجلس الوزراء فلم يتردد لحظة في الموافقة على الرسم وما يحتاج إليه من النفقات.
وليس من شك في أن أوربا، على ما فيها من جامعات، وعلى ما لها من بعد العهد بالجامعات، وعلى ما لها من أمل في مستقبل الجامعات، وعلى ثروتها الضخمة ويسارها الذي تضرب به الأمثال، سينفطر قلبها غيظًا وحنقًا، وستحسدنا حسدًا يحرق الأفئدة وينضج الأكباد حين تعلم أننا سننفق هذا المقدار لإقامة هذه القاعة. فإذا أنفقنا هذا المقدار بالفعل، وأقمنا هذه القاعة بالفعل، فستذعن أوربا لنا، وستؤمن لمصر الحديثة بعظمة لا تشبهها إلا عظمة مصر القديمة.
وكيف لا، وستكون لنا قاعة تُلقى فيها المحاضرات، وتُعقد فيها المؤتمرات، تقام على ثلاثة آلاف متر، وتحتوي على أربعة آلاف من الناس، وينفق عليها نحو ثمانية ملايين من الفرنكات فيما يقول الفرنسيون، وخمسة وثمانين ألفًا من الجنيهات فيما يقول الإنجليز. ولست أدري كيف يُعبر عن هذا المقدار بحساب المارك عند الألمان، وبحساب الليرة عند الإيطاليين، وبحساب الدولار عند «الرئيس روزفلت» وأصحابه الأمريكيين.
وسيكون في هذه القاعة كراسٍ لعامة الناس، وأخرى لأوساطهم، وأخرى لذوي المكانة فيهم. وستزدان بمقصورة لحضرة صاحب الجلالة الملك، وبشرفات لأصحاب السمو الأمراء، وغرفات لأصحاب المعالي الوزراء. وسيكون لها من السعة والارتفاع، وسيكون لها من الزخرف والإبداع ما يجعلها من أفخم، إن لم تكن أفخم، قاعات المحاضرات في العالم كله.
فإذا سألت بعد ذلك عما سيُلقى فيها من المحاضرات فالجواب أن هؤلاء المحاضرين الأجانب الذين ندعوهم من أوربا والذين يلقون محاضراتهم في الجامعة سيجدون مكاناً يليق بهم، وبما يحملون من علم، وما يمثلون من كرامة. وسيكون لمصر أن تدعو إلى مؤتمر يحل أزمة العلم، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي الذي يحل الأزمة، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي، وسيعقد ذلك المؤتمر في هذه القاعة التي ستشاد، وقد توفق مصر إلى خير مما وفقت إليه إنجلترا فيحل مؤتمرها أزمة العلم؟
ثم أشرق الصباح وأضاء بنوره ولاح، وأفاق الذين يدبرون أمر الجامعة، وأفاق الذين يدبرون أمر الخزانة، وسألوا أنفسهم ماذا رأوا؟ وماذا عملوا؟ فأجابتهم الحقائق الواقعة أنهم حلموا فحاولوا تحقيق أحلامهم، ثم استيقظوا فإذا هم لم يزيدوا على العبث والإسراف.
عزيز علينا أن يكون الخيال أوسع سلطانًا على الجامعة والذين يتولون أمرها من العقل الذي يدعو إلى الأناة والحكمة والاعتدال والاقتصاد.
كوكب الشرق ١٥ – ٨ – ١٩٣٣
سيارة
الله – عز وجل – لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها؛ لأنه إنما يضرب الأمثال للحكمة والموعظة الحسنة، وليبين للناس قصد السبيل، ويصرفهم عن جائرها. فمن حقنا، بل من الحق علينا أن نتأدب بأدب القرآن الكريم، وألا نتحرج من أن نتحدث إلى الناس في شيء ما: سيارة فما فوقها لنبين لهم مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة حين تعرض للكبائر وحين تعرض للصغائر من الأمور.
والناس يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض للري فتقيم الخزان هنا، وتمهد لإقامة الخزان هناك، وتعرض في هذا كله عن نصيحة الناصحين، ومشورة المشيرين، وهم يعلمون كذلك ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لأمر الدين فتعلن أنها لن تدفع إلا ورقًا، وتمضي مع ذلك في خصومة قضائية ولا تجد الشجاعة على أن تتخذ في هذا الأمر قرارًا حاسمًا يقطع الشك ويزيل اللبس.
وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة القائمة من العوج حين تضيق استقلال الجامعة حتى ترده إلى أبسط أشكاله، وتجعله قابلًا أن يوضع في علبة صغيرة يضعها وزير التقاليد في جيبه، وحين تبسط سلطان الأزهر حتى تغمر به مدارس الدولة كلها.
وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لغير الري والدين والتعليم من المرافق المصرية الكبرى، فليس هناك بأس إذن من أن يقفوا عند هذه السيارة لحظة وإن كانت ما تزال في باريس تهيأ وتعد، وتنتظر مقدم رئيس الوزراء..!
فأنا أريد أن أتحدث عن هذه السيارة التي كثر فيها الحديث بين الصحف والتي اشترتها الدولة لرئيس الوزراء ليتنقل بها في أوروبا أثناء إجازته المقبلة.
زعموا أن رئيس الوزراء حين كان يجمع إلى الرياسة وزارتين؛ كان يستمتع بالتنقل في سيارات ثلاث: إحداها للرياسة، والأخرى للمالية، والثالثة للداخلية. فلما اشتدت الأزمة واستحكمت؛ أحس رئيس الوزراء حاجة الدولة إلى الاقتصاد، فأمر بإحدى هذه السيارات الثلاث فبيعت، ورد ثمنها إلى خزانة الدولة. واقتصدت الدولة ما كانت تحتاج إليه هذه السيارة من النفقات في كل يوم. ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء سيارتين من هذه السيارات، ولم لم يكتف بواحدة دون اثنتين فيضف اقتصادًا إلى اقتصاد، وتدبيرًا إلى تدبير؟ ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء هذه السيارات الثلاث، ولم لم يكتف بسيارته الخاصة، ينفق عليها من أموال الدولة إذا لم يكن بد من أن تتكلف الدولة نفقات انتقاله؟ وقد يقال إنك تجهل أخلاق الوزراء، وما جرت به عادتهم في مصر حين تلقى مثل هذا السؤال أو تفكر فيه!.
باع رئيس الوزراء إذن إحدى سياراته الثلاث، واكتفى باثنتين ثم مرض واضطر إلى أن يرقع وزارته وينزل عن الداخلية لوزيرها الجديد، وأقبل وزير الداخلية الجديد؛ فوجد سيارة الوزير قد بيعت، ولم تكن في وزارة الداخلية كلها سيارة يتنقل فيها الوزير أثناء إقامته في الداخلية، أو وجد سيارة أو سيارات ولكنها لم تكن تليق بمقام الوزير، ولا سيما وقد كان وكيلًا فأصبح وزيرًا، ويجب أن يحيط بهذا الانتقال من مظاهر الإكبار والإجلال ما يلائمه، ومن هذه المظاهر أن تكون سيارة الوزير أفخم وأجمل من السيارات الأخرى في الوزارة. فنزل رئيس الوزراء عن سيارة الرياسة لمرؤوسه القديم وزميله الجديد، وأصبح رئيس الوزراء منذ ذلك الوقت وليس له إلا سيارة واحدة، هي سيارة المالية، ولكنه رئيس ووزير، له صفتان فيجب أن تكون له سيارتان، ولا ينبغي أن يكون كغيره من الوزراء ذا سيارة واحدة؛ لهذا لم يقنع بسيارة المالية، وأزمع أن يشتري سيارة أخرى للرياسة، وتستطيع أن تلاحظ في غير فائدة ولا غناء أن رئيس الوزراء مريض، وأن حركته قليلة وانتقالاته محدودة، فسيارة واحدة كانت تكفيه، ولكنه كما قلت لك ذو صفتين، فيجب أن يكون ذا سيارتين! ولا تقل إن وزير التقاليد ذو صفتين، فهو وزير المعارف، ورئيس الجامعة، فيجب أن يستقل سيارتين:
سيارة المعارف وسيارة الجامعة. فالفرق بين وزير التقاليد ورئيس الوزراء واضح جدًا؛ لأن وزير التقاليد لا يتلقى رياسة الجامعة بمرسوم، وإنما هي صفة تنشأ له نشوءًا، وتنتأ له نتوءًا، فهي أشبه بالعلة العارضة منها بأي شيء آخر، وهي ملازمة له، لا يستطيع أن يتخلص منها إلا أن يستقيل من الوزارة! أما وزارة المالية فيستطيع رئيس الوزراء أن ينزل عنها كما نزل عن الداخلية. والظاهر أنه كان يقصد النزول عن وزارة المالية يومًا من الأيام، لذلك احتفظ بسيارتها لوزيرها المنتظر، واشترى للرياسة سيارتها هذه.
ومن المرجح كما يقول الناس أن في القاهرة سيارات يمكن أن تُشترى منها الفخم الذي يليق برؤساء الوزارات، ومنها المتوسط الذي يليق بالوزراء، ومنها البسيط الذي يليق بأوساط الناس. ومن المرجح أيضًا أن شراء هذه السيارات من القاهرة أدنى إلى المألوف، وأقرب إلى الاقتصاد، ولكن رئيس الوزراء سيسافر إلى أوروبا في إجازة طويلة ليستشفي ويستريح، وهو كما قلنا أمس لا ينبغي أن يتخذ في أوروبا ما يتخذه عامة الناس من وسائل الانتقال، فيجب أن تكون له سيارته. وما دام رئيسًا للوزراء وما دام وزيرًا للمالية فيجب أن تكون له سيارتان تنتقلان معه حيثما وجه، وأينما ذهب. يستقل إحداهما وهو رئيس الوزراء، ويستقل الأخرى وهو وزير المالية! يستقل كل منهما في وقت من الأوقات حين يفكر في إحدى هاتين الصفتين منفردة! فإذا فكر فيهما مجتمعين استقل السيارتين في وقت واحد، ولكن رئيس وزرائنا أرفق بخزانة الدولة وأحرص على أموال الدولة من أن يكلفها هذه النفقات كلها، فليكتف إذن بإحدى السيارتين في أوروبا، وليستقلها مرة رئيسًا للوزراء، وأخرى وزيرًا للمالية، وليجمع السيفين في غمد حين لا يكون من ذلك بد..!!
ويغلو رئيس وزرائنا في الرفق بخزانة الدولة والحرص على أموالها، فيتحرج من نقل السيارة الواحدة إلى أوروبا في الذهاب والإياب على حساب الدولة، ويقرر أن يلغي إحدى هاتين النقلتين. وإذن فليشترِ السيارة في باريس وليحتفظ بها في باريس حتى يبلغها، ولتعرف له الدولة هذه المآثر الغر، وهذه الأيادي البيض. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا مسرف في أموال الدولة، وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من اقتصد لها الملايين؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينتقل بسيارتين، فلا ينتقل إلا بسيارة واحدة؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينقل سيارته ذاهبًا آئبًا فيكتفي بنقلها في الإياب دون الذهاب!
ألست ترى أن صحيفة رئيس الوزراء على حق حين تنكر على هؤلاء الناس الذين يلومون رئيس الوزراء في إنكار هذا اللوم! ورئيس الوزراء معذور إن ضاق بهذا اللوم وتبرم به، فهو لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن المصريين قوم يجحدون الجميل، ولا يعرفون الفضل لأهله، ولا يشكرون الصنيعة لمن يسديها إليهم!! ولو قد كان المصريون قومًا يقدرون الرجال والأعمال، ويشكرون لذي الإحسان إحسانه، لرفعوا إلى رئيس الوزراء عرائض لا تصور الثقة، فقد شبع رئيس الوزراء من الثقة حتى كاد الشبع يؤذيه ولا سيما بعد ثقة مجلس النواب أول أمس، ولكنها تصور الحمد والثناء، وتصور الشكر والاعتراف بالجميل، لأنه نزل عن كل هذه الحقوق برًّا بخزانة الدولة، وحرصًا على أموالها، وآثر أن تنفق هذه الأموال التي تفضل بالنزول عنها في إعانة الفقراء والبائسين، أو في دفع المصروفات المدرسية عن بعض الطلاب الذين يخرجهم من المدارس وزير التقاليد. ولو أن المصريين يقدرون الرجال والأعمال، ويعرفون الجميل لأهله لما أفلتت هذه المكرمة من مجلس النواب، ولما فاتت هذه المأثرة مجلس الشيوخ! ومع ذلك فالوقت لم يضع بعد، والدورة البرلمانية لم تبلغ أجلها، ومن الممكن أن يمحو المصريون عن أنفسهم إثم هذا التقصير، وأن يستدرك البرلمان ما فات فيشكر الشعب كله، ويشكر البرلمان كله لرئيس الوزراء هذا الفضل العظيم!!
ولكن رئيس الوزراء قد سافر إلى أوروبا في الصيف الماضي، وقد وصفت رحلته هذه بالإجمال والتفصيل، ولم يحدثنا أحد عن السيارة أو السيارات التي كان يتنقل عليها.
رئيس الوزراء كان في الصيف الماضي ذا صفات ثلاث، فهل سافر ومعه سيارات ثلاث؟ أم هل كان قد باع سيارة الداخلية فسافر بسيارتين اثنتين؟ أم هل كان قد أحس شدة الأزمة واستحكامها فسافر بسيارة واحدة؟ أم هل سافر بدون سيارة؟ فلما أقام في أوروبا وتنقل فيها رأى أن هذا يكلف الدولة أكثر مما ينبغي فآثر أن يشتري سيارة تنتظره هناك؟!
هذه مسائل نؤكد مخلصين أننا نجهل الجواب عليها، ونود لو تفضلت صحيفة الوزارة علينا بهذا الجواب، فقد يكون فيه مأثرة أخرى من مآثر رئيس الوزراء، يجب أن يعرفها الناس!!
ومسألة أخرى لا بد من التفكير فيها، لأنها تملأ القلب إعجابًا، والنفس إكبارًا لرئيس الوزراء، أو لأعوانه الذين يعملون معه، فقد كان رئيس وزرائنا مريضًا حين انتقلت سيارة الرياسة إلى وزير الداخلية. أفترى أنه هو الذي فكر في إعطاء هذه السيارة للوزير الجديد، وفي شراء سيارة أخرى مكانها، وفي أن تنتظره هذه السيارة الجديدة في باريس لما قدمنا من الأسباب؟ وإذن فإن إعجابنا برئيس الوزراء لا حد له!!
وكيف لا يملكنا الإعجاب به والإكبار له، وقد كان مرضه شديدًا مخيفًا، وكانت أعمال الدولة من حوله كثيرة دقيقة معقدة، فلم يمنعه مرضه الشديد المخيف، ولا أعماله الدقيقة المعقدة من أن يفكر في النزول عن سيارة وشراء سيارة أخرى تنتظره في باريس؟ أم ترى الذين فكروا في ذلك وأنفذوه إنما هم أعوان الرئيس وأولياؤه من الموظفين. وإذن فإن إعجابنا بهؤلاء الأعوان والأولياء لا حد له! انظر إليهم كيف يعتنون برئيسهم ويفنون في العناية به حتى إنهم ليفكرون في أن يضعوا مكان سيارته القديمة سيارة جديدة وأن يختاروها فخمة جميلة من طراز بديع، وأن يمسكوها في باريس حتى يبلغها رئيس الوزراء؟
أرأيت أننا لم نخطئ حين تحدثنا إليك في هذه القصة الصغيرة. قصة السيارة التي اشتريت لرئيس الوزراء على حين يتحدث الكتاب الآخرون إلى قرائهم في الخزانات والاستجوابات، وعودة المندوب السامي أو بقائه في لندن، وما يسمونه الموقف السياسي. أرأيت أن تحدثنا إليك عن هذه السيارة قد انتهى بك وبنا إلى خصال يجب أن يتدبرها ويفكر فيها كل من ينصب نفسه للعمل في الحياة العامة؟ أولى هذه الخصال الاقتصاد الذي لا ينبغي لرؤساء الوزارات أن يقصروا فيه مهما يكن يسيرًا ضئيلًا، وقدوتهم في ذلك رئيس وزرائنا حين آثر في أمر هذه السيارة ما آثر من الاقتصاد!
وثانية هذه الخصال اليقظة للمصلحة العامة وللمصلحة الخاصة مهما تكن دقيقة غامضة، فلا ينبغي أن يشغلنا عن هذه المصلحة مرض مهما يكن مخيفًا، أو عمل مهما يكن دقيقًا.
وثالثة هذه الخصال الفناء في الإخلاص للرؤساء، فلا ينبغي إذا مرض رئيسك أن تهمل سيارته، ولا ينبغي إن سافر رئيسك أن تنسى أنه قد يعود! وهنا مشكلة أدع لك ولغيرك من القراء أن تلتمسوا لها حلًا ما دام الإخلاص للرؤساء واجبًا، وما دام من الحق على المرؤوسين أن يقدروا حركات رؤسائهم إذا سكنوا، وسكون رؤسائهم إذا تحركوا، فقد يكون من الحق على أعوان الوزارة أن يقدروا أنهم وإن تولوا الوزارة، وأطالوا المقام في مناصبها فقد يستقيلون.
صدقني أيها القارئ العزيز إن من الحق عليك ألا تتحرج من التفكير الطويل في أيسر الأشياء وأهونها حتى حين تكون هذه الأشياء مما يشبه سيارة رئيس الوزراء!
كوكب الشرق ٤- ٥ – ١٩٣٣
نبوغ
تستطيع أن تدرس عقليات الأفراد والجماعات وتفكير الشعوب والحكومات فلن ترى عقلية كهذه العقلية البديعة الفذة الرائعة التي تظهر في بعض ما تتخذه وزارتنا من القرارات، ولن ترى تفكيرًا فذًا نادرًا غريبًا في كل شيء كهذا التفكير الذي تراه في بعض ما تقدم عليه وزارتنا من الأمر. ومصدر ذلك فيما يظهر أن مصر نبغت قبل الأوان ووصلت إلى ما وصلت إليه من الرقي من طريق الطفرة أو من طريق المصادفة أو من طريق تستطيع أن تسميها كما شئت ولكنها ليست هي الطريق التي سلكتها البلاد الأخرى لتصل إلى ما وصلت إليه من السؤدد والمجد، ومن العظمة وبعد الصوت وإلا ففسر لي إن استطعت هذه المذكرة التي يقال إنها رفعت إلى مجلس الوزراء لتقوية سلاح الطيران في مصر، ولفتح اعتماد كما يقولون بمبلغ من المال يكاد يصل إلى ستين ألفًا من الجنيهات يؤخذ من الاحتياطي العام، وفي غيبة البرلمان لتُشترى به طائفة من الطيارات تقوي سلاح الطيران المصري، وتجعله ملائمًا لا لحاجة مصر، ولا لمنافعها ولكن لمكانها بين البلاد الراقية.
كان البرلمان منعقدًا إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن تقترح عليه منح هذا الاعتماد. وكان البرلمان ينظر في الميزانية إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن ترصد هذا المبلغ في ميزانية الحربية حتى إذا فرغ البرلمان من نظر الميزانية وأقرها كما أذن الله له أن يقرها، وحتى إذا انتهت الدورة البرلمانية وأذن الله للشيوخ والنواب أن يتفرقوا ليصطافوا ويستريحوا خطر للوزارة أنها نسيت سلاح الطيران وتقوية سلاح الطيران وجعله ملائمًا لمكانة مصر، لائقًا بحظها العظيم من ارتفاع الذكر وعلو القدر، وجلال الخطر، وكيف ترضى مصر بسلاحها الجوي وهو لا يكاد يذكر بالقياس إلى سلاح العراق، فضلًا عن غير العراق من الدول الأوروبية الصغرى، فضلًا عن الدول الأوروبية الكبرى.
ومادامت في مصر جامعة، ومادامت فيها جمعية جغرافية، وأخرى للحشرات وثالثة للاقتصاد والإحصاء ورابعة للطب، وخامسة للهندسة، وسادسة للأحياء المائية، ومادام فيها مجمع لغوي، نستغفر الله، بل مرسوم بإنشاء مجمع لغوي، ومادام فيها شرطة ومادام لها جيش يمشي على الأرض وسفن تخفر الساحل وتجري في البحر، فيجب أن يكون لها طيارات تطير في الجو وتصعد في السماء وتنتقل بين القاهرة والإسكندرية وتبعد أحيانًا حتى تصل إلى مرسى مطروح.
ليست الغرابة في أن يكون لمصر سرب أو أسراب من الطيارات مادام في مصر الترام والسيارات ومادام في مصر السفن والقطارات فالطيارة مظهر من مظاهر الحضارة وآية من آيات العظمة، ويجب أن تجتمع لمصر مظاهر الحضارة وآيات العظمة كلها، ويجب أن تثبت مصر لأي بلد من بلاد الأرض في ميدان التكاثر والتفاخر، والدعاية والإعلان.
إنما الغريب أن تنسى الوزارة سلاح الطيران هذا، وما يجب لتقويته من الأهبة، وما يحتاج إليه من المال، وألا تذكر ذلك إلا بعد أن تصدر الميزانية ويتفرق البرلمان. وأعجب من هذا كله وأبلغ في الغرابة أن تكون العلة لتقوية سلاح الطيران في مصر أن مؤتمرًا للطيران سينعقد عندنا في العام المقبل وستُمثل فيه دول لها أسراب من الطيارات، لها طيارات الحرب وطيارات السلم، ولها طيارات البر وطيارات البحر حتى إذا اجتمع هذا المؤتمر في القاهرة نظر فلم يجد سلاح الطيران في مصر يبلغ أصابع اليد الواحدة عددًا. إذن تفتضح مصر، ويضحك منها المؤتمرون، وإذن تشيع عن مصر قالة السوء، وتصبح مصر حديث المتحدثين ولهو اللاهين.
وما ينبغي لمصر أن تكون موضوع السخرية واللهو، وفيها وزارة ولها برلمان، وإليها تدعى المؤتمرات فتسرع وتستقبل أحسن استقبال. وإذن فما دام مؤتمر الطيران سيعقد في القاهرة فيجب أن تشتري الوزارة طيارات لهذا المؤتمر، ولا تقل إن الأصل أن ينعقد المؤتمر في القاهرة لأن في القاهرة طيارات، فذلك تفكير مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يعرفون أصول التفكير. وذلك تفكير الشعوب الأوروبية والأمريكية التي سلكت إلى الرقي والعظمة طريقهما القديمة المعروفة التي تلائم المنطق القديم والتفكير العتيق، والتي طال عليها الزمن حتى بليت وأصبحت من أحاديث الشيوخ. فأما الشعوب التي نهضت فجأة وارتفعت من طريق الطفرة ونبغت نبوغًا غير مألوف فلها تفكير آخر ومنطق آخر. فهي تدعو مؤتمر الموسيقى لينشئ لها الموسيقى، وهي تدعو مؤتمر الطيران ثم تشتري له الطيارات. ولا تقل إن مصر تشقى في هذا العهد السعيد بأزمة مهلكة مدمرة، وأن مؤتمر الطيران هذا سيكلفها الألوف وأن ما ستشتريه من الطيارات سيكلفها عشرات الألوف، وإنها كانت تستطيع أن تقتصد هذه الألوف فتحتفظ بها لساعات الضيق والضنك أو تنفقها على المأزومين والمكلومين، وعلى المحرومين والمكروبين. لا تقل عن هذا فهو كلام مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير، وهو كلام الشعوب الأوروبية والأمريكية التي تفكر على النحو القديم، وتقدر على النحو القديم، ولا تستطيع مجاراة العصر الحديث فيما ابتكروا من أساليب القول والعمل، ومن مناهج التفكير والتقدير. فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، التي يصطاف وزراؤها في الإسكندرية ليعملوا في راحة ونعيم، ويستشفي رئيس وزرائها في أوروبا شهرًا ليستقيل بعد أن يأخذ بحظ من الشفاء. هذه الشعوب لا تفكر على هذا النحو، ولا تعمل على هذا النحو، وإنما تنفق حين يجب الاقتصاد، وحيث يجب الاقتصاد، وتقتصد حين يجب الإنفاق وحيث يجب الإنفاق.
ولا تقل إنما يقوى سلاح الطيران ويعرض على المؤتمر حين يكون الذين يدبرونه ويسيرونه ويعرضونه على المؤتمرين من المصريين، لا من الإنجليز، وإن المؤتمر سيضحك من مصر أو سيبتسم من مصر ليضحك منها بعد أن يعود حين يرى طيارات اشتريت من الخارج يديرها قوم دعوا من الخارج ويسيرها قوم دعوا من الخارج، ولا ينهض المصريون فيها بعمل يذكر.
لا تقل هذا، فهذا كلام مثلي ومثلك من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير. وهذا كلام الأوروبيين والأمريكيين الذين لم يرتقوا فجأة ولم ينبغوا مصادفة، وإنما سلكوا إلى الرقي والنبوغ طريقهما المعروفة العتيقة.
فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، فليس يعنيها أن تصنع طياراتها في مصانعها، ولا أن يدير أبناؤها هذه الطيارات ويسيروها، وإنما الذي يعنيها أن تكون لها طيارات تطير، وقد كتب عليها اسم مصر. ومادام عندها المال الذي تشتري به الطيارات فلا ينبغي لها أن تتكلف صنع الطيارات. ومادام عندها المال الذي تؤجر به الطيارين من الأجانب فليس ينبغي أن تنتظر حتى تهيئ الطيارين من أبنائها.
ولا تقل قد كان ينبغي أن تلتمس لتقوية سلاح الطيران علة غير هذه العلة التي نشرتها الصحف فمصر في حاجة إلى سلاح الطيران يحميها من جيرانها في الشرق، ويحميها من جيرانها في الغرب، ويحميها من شر قد يأتيها من الشمال أو خطر قد يدهمها من الجنوب، فذلك شيء لا يقال ولو قالته الحكومة لأغرت الإيطاليين في طرابلس، والإنجليز في فلسطين وفي السودان، ودول البحر الأبيض المتوسط بشراء الطيارات واتخاذ أسلحة للطيران تعدل هذا السلاح المصري أو تربو عليه. ومصر – كما تعلم – تريد ويجب عليها أن تريد ولا بد لها من أن تريد التفوق على جيرانها في هذا السلاح الجوي الخطير.
ولا تقل إن هناك علة أخرى خير من هذه العلة التي نشرتها الصحف كان ينبغي أن تذكر لتقوية سلاح الطيران. فمصر في حاجة إلى هذا السلاح القوي لتقمع به حركات الوفد حين يتحرك ومظاهرات الشعب حين يحتشد، ولتضطر به الوفد إلى السكون إن هم بالحركة والشعب إلى التفرق إن أراد الاحتشاد بعد أن ظهر أن بلاء الجيش والشرطة في ذلك أقل مما ينبغي.
لا تقل هذا، فهذا كلام لا يقال. ومن يدري؟ لعل الوزارة إن قالته أن تغري الوفد بأن يتخذ من الوسائل والأسباب ما يمكنه من أن يتحرك في الجو، وتغري الشعب بأن يحتشد في السماء. ومن يدري؟ لعل الوفد أن يشتري طيارات تقاوم طيارات الدولة، وترد بلاءها إلى ما انتهى إليه بلاء الجيش وبلاء الشرطة.
صدقني ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولم تكن الوزارة تستطيع إلا أن تنسى سلاح الطيران أثناء اجتماع البرلمان، فلو قد ذكرته لناقش النواب ولناقش الشيوخ ولانكشفت الأسرار وبانت الخفايا، وظهرت للدول الأجنبية من أمر الدفاع الوطني ما ينبغي أن تجهل، وعرف الوفد من هذا السلاح الذي يهيأ له ما لا ينبغي أن يعرف.
لم يكن بد من أن تنسى الحكومة هذا السلاح حين يخلو الجو من النواب والشيوخ حتى تستطيع أن تفتح الاعتماد في غير مناقشة ولا جدال، وتشتري الطيارات في غير قيل ولا قال، وتتأهب للمؤتمر حتى إذا انعقد نظر في الجو فرأى طيارات تطير والحكومة في الوقت نفسه تتأهب لجيرانها إن أرادوا لها كيدًا، أو دبروا لها شرًا. وهي في الوقت نفسه تتأهب للوفد إن تحرك وللشعب إن احتشد، فهي تحقق الأغراض كلها من أيسر الطرق، وأي شيء أيسر من أن تقتطع عشرات الآلاف من هذه الملايين التي يسمونها الاحتياطي، ومن أن تشتري الطيارات فإذا الجيران أمام الأمر الواقع، وإذا الوفد والشعب أمام الحقائق الثابتة، وإذا المؤتمر ينظر فإذا يرى جوًّا خاليًا من هذه الأجنحة التي ترتفع في السماء فترفع مجد مصر، لا أقول إلى السحاب، بل إلى النجوم. ثم يزعم الناس أن الذكاء المصري محدود، قصير الخطى، ضعيف الجناح، كلا، ليس للذكاء المصري حد، وليس للنبوغ المصري غاية. فمن أنكر ذلك أو جادل فيه فليبين لنا أين توجد وزارة كوزارتنا تفكر كما تفكر، وتقدم كما تقدر، وتصيب بحجر واحد عصافير لا يبلغها الإحصاء.
تبارك الله فهو وحده القادر على أن يكشف سر النبوغ.
كوكب الشرق في ١٨ – ٧ – ١٩٣٣
حياء
ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس، يشعرون ويحسون، ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول.
وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعا للتفكير والتقدير.
لم تكد تتقدم بها السن حتى ملأت الأرض صياحا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام، ولكنهم صدقوه، واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب من الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صوره تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقا به، وعطفا عليه، فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلا قليلا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض. ويزداد باب الاستثناء انفتاحا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم، ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج عن الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعا، ولكنها عادت فدارت حول بعض هذه المرتبات المنقوصة حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.
فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئا، فأعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال. وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين فاستكشفت لهم أعمالا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال، وعلى هذه الكفايات بالترقيات وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحا. وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات. هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا يتندر، وهذا يفوض أمره إلى الله. كل يفكر في مرتبه: أينقص أم يزيد أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقا لا أمل له في أن يبلغ أمده.
كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا في المكتب والنادي والقهوة حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجها مظلما، وجبينا مقطبا، وخلقا سيئا. ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانا قد ارتقى، وفلانا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لاحظ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيا، وأهملت مذكرته إهمالا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.
وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدون في التسرية والتسلية فلا يبلغون مما يريدون شيئا. وإذا هم ينغمسون في حزن عميق، وسخط كثيف وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم فلا يرون إلا وجوها عابسة مرة، فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غيَّر وجهه الحزن، وما لأمنا قد بللت خدها بالدموع؟
ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفا، ولا يغيرون منه شيئا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.
ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالا، وأوسع المصريين آمالا، وأشد المصريين ثقة بغد، وأمنا من الظمأ والجوع.
وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعباء الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخط واستهزاء.
حتى إذا كان يوم الخميس الماضي واجتمع مجلس الوزراء في المساء؛ عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، جمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا معذورين فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين، واستعطاف المستعطفين، فما بال أقوام يظفرون وقوم يخسرون؟! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة لينظر في أمرهم ويجزيهم على صبرهم خيرا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس الماضي كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة، وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابا يجب أن تظل مغلقة حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس يحسون الخجل، ويجدون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس وتحفظ سرا مصونا تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى فتضيع هذه الاستثناءات وتمر دون أن يشعر بها الناس!
وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء، فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض من العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة..!!
أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء؟.
كوكب الشرق في ١٥ – ٥ – ١٩٣٣
رشوة
لا تغضب الوزارة، ولا يغضب رئيس الوزراء، ولا تغضب النيابة، ولا يغضب البرلمان، فلسنا نحن الذين يذكرون الرشوة، ويفصلون أمرها تفصيلاً، ولسنا نحن الذين يسيئون إلى سمعة مصر، ويغضون من قدرها، ويصورونها للناس في هذه الصورة المنكرة التي تمثل حكومتها قائمة على الرشوة، تشتري ضمائر الناس، فيبيعها الناس ضمائرهم بالمال، ولسنا نحن الذين يقولون شيئاً من هذا أو يأتون شيئاً من هذا، بل نحن نكتب لنصف ما نجد من الألم اللاذع والحزن الممض، حين يقال عن مصر هذا الكلام، وحين تصور مصر للناس في مثل هذه الصورة.
صحيفة إنجليزية من الصحف الكبرى، قد عُرفت بحبها للوزارة القائمة وإيثارها إياها، لا نقول بالمودة والعطف، بل نقول بالغلو في النصر والتأييد، لا تتحرج من أن تعلن أن رئيس الوزراء أحس ضعف وزارته قبل مرضه، ثم أحس تهالكها في هذا الضعف بعد أن أتاح الله له شيئاً من الشفاء، فأراد أن يسترد لوزارته شيئاً من القوة، فاصطنع في سبيل ذلك الرشوة، وتوسل إلى ذلك بشراء الضمائر، يشتريها من الموظفين بالعلاوات والترقيات! ويشتريها من الزراع بهذه الأموال التي زعم أنه ينفقها ليخفف ثقل الأزمة على الفلاحين!
قالت الديلي تلغراف ذلك، وأضافت إليه أن رئيس الوزراء حين التجأ إلى هذه الرشوة قد أثقل الخزانة المثقلة، وأضاف إلى اضطرابها اضطراباً، وإلى ارتباكها ارتباكاً، ثم قالت إن هذا الأمر لا سبيل إلى المضي فيه. وكذلك يسجل اليوم على مصر في الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت تعلن حب الوزارة وموالاتها أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وبيع الضمائر! ومن قبل ذلك نشرت التيمس في الصيف الماضي شيئاً يشبهه. فأي دعاية هذه التي تذاع عن مصر، وأي ترويج هذا الذي يروج لمصر؟!
إن الوزارة القائمة تسرف في أموال الدولة إسرافاً منكراً، لتعلن عن نفسها ألواناً من الإعلان، فهي تمنح الصحف الأجنبية مقادير ضخمة من المال لتنشر لها فصولاً تكتب في مصر، وتهيأ في مكاتب الحكومة حتى إذا نُشرت هذه الفصول، اشترتها الحكومة، وجاءت بها أكداساً مكدسةً فأذاعتها في دواوينها، على الموظفين ليقرأوها، وما هم بقارئين منها قليلاً ولا كثيراً! وما كان من أصالة الرأي ولا من حسن الفهم أن يكتب الموظفون للموظفين، ولا أن تدخر الوزارة لنفسها داخل مكاتب الوزارة، وبينما تنفق أموال الدولة في هذا السخف، وبينما يكتب الوزراء والموظفون لأنفسهم، وبينما يعلن الوزراء والموظفون عن أنفسهم عند أنفسهم، تنشر الديلي تلغراف هذا الفصل الذي تقول فيه إن رئيس الوزراء يقيم وزارته على رشوة الموظفين والفلاحين، وشراء الضمائر من الموظفين والفلاحين.
وهذا الكلام يذاع في إنجلترا، ويذاع في أوروبا، ويذاع في أمريكا، ويقرأه الناس الذين لم يقرأوا ما أنفقت فيه الوزارة من ألوف الجنيهات لتعلن عن نفسها، وعن كفايتها النادرة، ومهارتها الباهرة! ولو أن بعض الذين يقرأون الديلي تلغراف قد قرأوا هذا السخف الذي تنشره الملحقات بالأجور الباهظة، والمال الكثير لكان ما تنشره الديلي تلغراف خليقاً أن يمحو آثاره من نفوسهم، وأن يدلهم على أنه ليس إلا نوعاً من الدعاية الكاذبة، والإعلان المتكلف السخيف.
ولا تقف الحكومة عند هذا الحد، ولكنها تدعو المحاضرين، والخطباء، وتعقد المؤتمرات في القاهرة وترسل الوفود إلى المؤتمرات التي تعقد في غير القاهرة، وتنفق في ذلك كله أموالاً ضخمةً، لو أنها احتفظت بها وبأمثالها مما ينفق في هذه السخافات دعايةً لمصر، وإعلاناً عن مصر، وتكلفاً بإظهار مصر بغير ما هي عليه. لو أن الحكومة احتفظت بهذا المال الكثير الذي تأثم بإرساله كل يوم مع الريح لما احتاجت إلى أن تقف العلاوات والترقيات، ثم تستثني، ثم يفسد عليها الأمر، ويضطرها الحرج إلى أن تفتح باب العلاوات والترقيات على مصراعيه!
نعم ولو أنها احتفظت بهذا المال الذي تنفقه على هذه الدعاية الكاذبة غير المجدية لهان عليها أن تخفف من أثقال الفلاحين في غير رشوة أو ما يشبه الرشوة، لكن الحكومة تجري في أعمالها على سياسة أقل ما توصف به أنها بعيدة عن الرشد، بريئة من التوفيق.
هذا كله ولم نعرض لما قالته الديلي تلغراف لنعلم أصدق هو أم كذب؟ أخطأ هو أم صواب؟ هذا كله ولم نعرض لما نشرته الديلي تلغراف لنبين آثاره المنكرة في حياتنا الخلقية والسياسية، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح؟ فمن المحقق أن أحداً من الناس لم يفهم هذه السيرة المفاجئة التي سارتها الحكومة مع كبار الموظفين إلا على أنها نوعٌ من المكافأة والتشجيع، نوعٌ من المكافأة على بلائهم القيم في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام، ونوعٌ من التشجيع على المضي في إذلال الشعب بحجة المحافظة على النظام! وإلا فمن ذا الذي يزعم أن أحداً من المديرين أو من كبار الموظفين في الداخلية كان في حاجة حقاً إلى أن يرقى أو يزاد؟
لقد كان الناس ينتظرون أن يقصى بعضهم عن العمل، وأن يسأل بعضهم عما قدمت يداه، فإذا هم يكافئون على ما عملوا، وإذا هم يشجعون على أن يمضوا فيما يعملون، ولم تكن الحكومة موفقةً بحال من الأحوال في أمر هذه العلاوات ومنحها قبل رحلة صدقي باشا، إنما كان أمرها في ذلك أشبه بأمر المسافر الذي يوزع المكافآت قبل أن يبرح الفندق الذي كان يقيم فيه. فأساءت بذلك إلى نفسها، وأساءت بذلك إلى كرامة الموظفين، وأساءت بذلك إلى سمعة مصر، ومكنت الديلي تلغراف من أن تذيع في الذين يقرأونها، وهم كثيرٌ، أن أمر الحكم في مصر يقوم على الرشوة، وشراء الضمائر، وأن حال الخزانة لن تسمح بأن تمضي الحكومة في الرشوة وشراء الضمائر، وإن الخير في أن تزول هذه الوزارة وتأتي مكانها وزارة أخرى لا تشتري الضمائر، ولا تفسد الأخلاق، ولا تنفق أموال الدولة في غير منافع الدولة.
وكلام الديلي تلغراف هذا لا يقرأ في إنجلترا وأوروبا وأمريكا فحسب، ولكنه يترجم في مصر، ويقرأه الذين يقرأون الصحف على اختلاف طبقاتهم وحظوظهم من الثقافة فيسوؤهم ذلك في كرامتهم القومية، ويملأ قلوبهم حزناً أن يكون هذا رأي الأجانب فيهم، وحكم الأجانب على الموظفين والفلاحين، ثم يشككهم هذا في نزاهة الوزارة، ثم يزيل هذا من نفوسهم الاطمئنان إلى إيثار الحكومة للعدل والقسط، ويضعف هذا في نفوسهم ما يجب أن يكون للحكومة من الهيبة والاحترام.
وأنت تستطيع أن تقدر تأثير هذا كله في حياتنا الخلقية والسياسية، وتستطيع أن تفسر ما تزعمه الوزارة لنفسها من أنها تمحو الفوضى محواً، وتقر النظام إقراراً.
كلا، إن سيرة الوزارة هذه تمهد أحسن تمهيد لأقبح صور الفوضى، ولهدم النظام هدماً منكراً، لأنها تملأ النفوس اضطراباً وشكاً، وتمحو منها الثقة بالمشرفين على الأمور العامة، والقائمين على تدبيرها.
هناك حقيقة أخرى ليست أقل من هذه الحقيقة مرارة، ولا أضعف منها نكراً، وهي أن الإنجليز الذين كانوا يزعمون لأنفسهم الحيدة، ويعلنون أنهم قد تركوا أمور مصر للمصريين، قد أخذوا الآن يجهرون بما كانوا يسرون، ويظهرون ما كانوا يكتمون، ويعلنون أن حيدتهم لم تكن إلا خيالاً، وأن استقلال مصر بأمورها لم يكن إلا وهماً، ويقولون في صراحة مؤذية مخزية إن غياب المندوب السامي هو الذي يدعو إلى التردد في تغيير الوزارة القائمة. ولو أنهم قالوا ذلك كما نقوله لكان على ثقله ونكره محتمَلاً، ولكنهم يغلون في الصراحة ويغرقون في القوة، ويذكرون جلالة الملك، ويزعمون أن جلالته إن تردد في تغيير الوزارة، فمن مصادر هذا التردد أن المندوب السامي غائب عن مصر.
وكم يحرص المصريون جميعاً مهما تختلف أحزابهم ومذاهبهم على أن يكون اسم الملك بمعزل عن هذه المناقشات والخصومات، لا في مصر وحدها، بل في خارج مصر بنوع خاص.
ولكن سيرة الوزارة القائمة، وما انتهت إليه من إفساد لكل شيء، وتشويه لكل شيء، قد عرضت مصر بأن تؤذيها الصحف الأجنبية في كرامتها السياسية والخلقية فتذيع أن أمر الحكم فيها قائم على الرشوة وأن جلالة الملك لا يقطع في أمر الوزارة لغيبة المندوب السامي عن القاهرة.
أتظن أيها القارئ أن بقاء الوزارة في مناصب الحكم يعدل هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه مصر من راحتها وأمنها وسمعتها وكرامتها؟ كلا، إن بقاء الوزارة لأهون من أن يقال عن مصر ما يقال، وإن بقاء الوزارة لأهون من أن تلقى مصر ما تلقى، وإذا كان رئيس الوزراء لا يؤذيه ما يقال عنه في إنجلترا، وإذا كان الوزراء لا يؤذيهم ما يقال فيهم من أنهم غير أكفاء، ولا قادرين على البقاء في الحكم، ولا خليقين أن ينهضوا بأثقاله، إذا كان رئيس الوزراء وزملاؤه لا يسوؤهم هذا المأزق الذي اضطروا إليه، ولا يقنعهم بأن كرامتهم تضطرهم إلى الاستقالة، فإن مصر يؤذيها هذا الذي يقال، ويؤذيها هذا الذي يذاع، ويؤذيها هذا الذي يقع فيها، ويؤذيها أن تصبح حديثاً لقراء الصحف الأجنبية، يتندرون عليها ويتفكهون بها، ويسخرون منها، ويزدرون كرامتها.
يؤذيها هذا كله، وهي واثقة بأن جلالة الملك أحب لها وأرفق بها، وأحرص على كرامتها من أن يدعها معرضة لهذا الازدراء، سواء غاب المندوب السامي أم حضر، سواء سافر رئيس الوزراء أم أقام.
كوكب الشرق ٢١ – ٥ – ١٩٣٣
Leave a Reply