Back to homepage

مدارس التبشير وصمت الوزارة | Missionary Schools and the Ministry’s Silence

علاج
وأخيرا بحثت الوزارة فأطالت البحث ، ونقبت الوزارة فأكثرت التنقيب ، ثم هداها الله بعد الجهد الطويل والعناء الثقيل والإشفاق من سوء العاقبة وانتقاض الأمر عليها وفساد الصلة بين المصريين والأجانب عامة ، وبين المصريين والمبشرين بنوع خاص ، إلى شيء من الشجاعة يسير نهضت به لمعالجة التبشير ، فنفت مبشرة أجنبية من الأرض ، والله يعلم أنفتها نفيا مؤقتا يكون بعده رجوع قريب ؟ أم نفتها نفيا متصلا لا رجعة بعده ولا إياب ؟
ولكنها نفتها على كل حال ، ووقفت مع المبشرين عند هذا الحد الذي لا تستطيع فيما يظهر أن تتجاوزه إلى أبعد منه . ثم بحثت وأطالت البحث ونقبت وأكثرت من التنقيب ، وهداها الله إلى شيء من الكرم والجود على المصريين بعد الإسراف في الكرم والجود على الأجانب ، فقررت أن تستنقذ الفتيات المسلمات من مدرسة التبشير في بورسعيد لتضمهن إلى مدارسها وملاجئها ، وإلى مدارس المسلمين وملاجئهم . وهذا حسن من غير شك ، بشرط ألا يكون من لهو الحديث ولا من هذه الوعود التي يقصد بها إلى التلهية والتسلية ، وإلى تهدئة الخواطر وتخدير الأعصاب كما يقولون . ومن المحقق أن الناس ينتظرون من الوزارة أن يكون برها بهذا الوعد صادقا ، لا التواء فيه ، سريعا لا إبطاء به . وهم يتمنون ألا يؤجل اعتماد هذا المقدار الذي وعدت الحكومة به أمس إلى الدورة البرلمانية المقبلة ، فإن شدة القيظ توشك أن تذيب هذا الوعد إن طال به الانتظار. وآية ذلك أن الإنجليز أشفقوا على اعتماد جيل الأولياء أن يذيبه الصيف ، فتعجلوا الحكومة في أن تمضيه لهم إمضاء ، وتختطفه لهم من المجلسين اختطافا . وآية ذلك أيضا أن الشركة الأمريكية التي تمهد لخزان تسنا أشفقَت على الخمسين ألفا أن يذيبها الصيف ، فتعجلت الحكومة في الإمضاء والوفاء . والحكومة تتعجل هذا المقدار ما وسعها التعجل ، ويقال — ولعل ما يقال أن يكون كذبا ، ولكنه يقال على كل حال — إن الحكومة قدمت الإمضاء على كل إجراء ، ودفعت خمسين ألفا قبل أن يأذن لها البرلمان في هذا الأداء . فالناس يتعجلون الاعتمادات المالية في هذه الأيام مخافة أن يذيبها حر الصيف أو يصيبها الحيف ، ومن حق المصريين أن يتعجلوا هذه الآلاف السبعين التي وعد بها وزير الداخلية أمس ، وأن يروا أمر هذا الاعتماد يسلك طريقه القانونية مسرعا ، أو ما شئت من الوزارات تنشئ هذه المدارس الموعودة ليكون الأمر عملا لا قولا ، وجدا لا هزلا ، وليخلص من المبشرين وإغرائهم عدد مهما يكن قليلا فهو مصري يحب أن يخلص لمصر وللإسلام .
وما زلنا ننتظر قبل أن نصدق حتى يكون الوفاء ، فالوعد كثير والكلام يسير ، والحمد أكثر والثناء أيسر ، ولكن البر والتنفيذ هما اللذان يجب أن نرجوهما ، ولا نصدق حتى نظفر بهما .
وبعد هذا كله نستأذن الوزارة في أن نلفتها إلى أن ما اتخذت من إجراء إلى الآن ، مهما يكن حسنا منتجا ، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون علاجا صحيحا مغنيا لهذه المشكلة الثقيلة ، مشكلة التبشير والمبشرين . فمهما تنف الحكومة من المبشرين والمبشرات فلن تستطيع أن تغلو في ذلك ، فسيكون خطر عظيم. وهناك تعليم حر ينشره قوم من رجال الدين الأجانب على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ، يقصدون به في ظاهر الأمر إلى التعليم والتثقيف ، وهو من هذه الناحية نافع حقا ، مفيد حقا ، ولكنه لا يقف عند التعليم والتثقيف ، وإنما يشارك التعليم الأجنبي في إضعاف القومية المصرية وبسط النفوذ الأجنبي ، ويتفرد بدعاية دينية ظاهرة أو خفية ، مقصودة أو غير مقصودة ، لها في الشعور الديني للأطفال أثر بعيد . فلابد إذن من أن تنهض الدولة بمراقبة هذه الأنواع المختلفة من التعليم لتعصم الأخلاق والقومية والدين من هذا الفساد الذي يسعى إليها سعيا قويا ملحا لا أناة فيه . وقد همت الوزارة القائمة بإصدار تشريع يمكنها من مراقبة التعليم الحر ، وجدت في ذلك حتى هيأت مشروع القانون وأذاعته في الناس لتعرف رأيهم ، لكنها سكتت عنه فجأة ، وانصرفت عن المضي فيه لأسباب غير ظاهرة . وأكبر الظن أنها لم تفكر حين وضعت هذا التشريع ، أو وجدت في إصداره إلا في شيء واحد سياسي ، هو بسط سلطانها على المدارس الحرة المصرية . فقيض الله لها من أشار عليها أن تبسط سلطان هذا القانون على المدارس المصرية والأجنبية ، وهناك كفت عنه وأهملته إهمالا ، وآثرت أن تترك هذا القانون على أن تقف من الأجانب موقفا لا يرضونه . وأنت تعلم مقدار ما أظهرته وزارتنا القائمة من الحرص على رضى الأجانب منذ نهضت بأعباء الحكم .
مهما يكن من شيء فإن العلاج الصحيح لأمر المبشرين إنما هو في إخضاع مدارسهم ومدارس غيرهم من الأجانب للمراقبة المصرية الدقيقة ، بحيث يستطيع المفتشون المصريون أن يختلفوا إليها ويستمعوا لما يلقى فيها ، ويمتحنوا تلاميذها ويسألوهم عما يسمعون ، وعما يفعلون ، فإن أحسوا من بعض هذه المدارس خروجا بالتعليم عما يلائم منفعة مصر وحاجتها وكرامتها ودينها أذنوا وزارة المعارف بهذا الخروج ، وأنفذت وزارة المعارف في هذه المدارس حكم القانون .
على هذا النحو ، وعلى هذا النحو وحده تأمن مصر ناحية من أخطر النواحي التي يسلكها الأجانب سواء منهم المبشرون وغير المبشرين إلى نفوس التلاميذ والطلاب . فلتتشجع الحكومة أو ليتشجع البرلمان أو لتتشجع الحكومة والبرلمان جميعا ، وليصدر هذا القانون ، فهو إن صدر أراح المصريين وأراح الأجانب أيضا . هو يريح المصريين لأنه يكف عنهم كثيرا من الشر ، وهو يريح الأجانب لأنه يحميهم من سوء ظن المصريين فيهم ، ويقيم الصلة بينهم وبين المصريين في التعليم على أساس من المودة والصفاء والتعاون القيم الذي لا ريبة فيه .
ولكن أتظن الوزارة القائمة تجرؤ على إصدار هذا القانون ؟ أتظنها تستطيع أن تتقدم إلى الأجانب أصحاب الامتيازات تطلب منهم أن يخضعوا مدارسهم لمراقبتها وتفتيشها ؟ هذا عدل من غير شك ، هذا شيء من أوليات السيادة القومية والاستقلال الطبيعي ، ولكن العدل شيء وإقرار العدل شيء آخر . وإذا عجزت وزارة عن أن تقر العدل بين المصريين الذين لا يمتاز بعضهم من بعض أمام القانون ، فماذا تظنها تصنع بالقياس إلى الأجانب الذين يعتصمون بالامتيازات ويحتمون بما لبلادهم من بأس وسلطان ؟
اللهم إن كل محاولة لإقصاء المبشرين لا قيمة لها ولا غناء فيها ما دامت معاهدهم حرة طليقة لا تستطيع الحكومة أن تدخلها أو تراقبها أو تصل إليها إلا بعد أن يقع فيها الشر ويصبح أمرا لا سبيل إلى تداركه أو منعه من الوقوع .
كوكب الشرق ١٥\٠٦\١٩٣٣

نداء
أصدره صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» «شيخ الجامع الأزهر»، وأخذت الصحف تذيعه في الناس منذ أمس، وفيه نذير شديد، وتحذير للناس غليظ من أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس المبشرين ومعاهدهم بعد ما تبين لهم من أمر هذه المدارس والمعاهد، وبعد أن أُقيمت لهم الملاجئ الإسلامية، وفُتحت أمامهم أبواب المعاهد والمدارس القائمة لتعينهم على ما يحتاجون إليه من تعليم الأبناء والبنات، وتربيتهم في بيئات إسلامية خالص تحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم وقوميتهم وتحميهم من كل فتنة وترد عنهم كل عدوان.
وليس من شك في أن صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» حين فكر في إصدار هذا النداء، وحين أصدره، قد أدى واجبًا يفرضه عليه مركزه في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد الإسلامية؛ فالله — عز وجل — يطالب المسلمين جميعًا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسارعوا إلى الخير. وهذا الواجب أشد لزومًا للذين نصبوا أنفسهم رجالًا للدين وأئمة للمسلمين، فكيف إذا كانت الدولة هي التي نصبتهم لذلك وكلفتهم إياه، وأرادتهم على أن يفرغوا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإسراع إلى الخير.
فـ«شيخ الأزهر» إذن قد اجتهد في أن يؤدي لله وللدولة هذا الواجب الذي لم يكن له بد من تأديته، وله على هذا الاجتهاد في تأدية الواجب أجره من الله، وشكر الناس إياه، سواء أوفّق أو لم يوفّق، سواء أخطأ أم أصاب؛ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولسنا نشك ولا نرتاب في أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الخير، فقد برئت ذمته من عصيان العصاة، وبغي البغاة، وتقصير المقصرين، وأصبح الثقل كل الثقل، والإثم كل الإثم، على أولئك الذين يؤمرون بالمعروف ثم لا يأتمرون، وينهون عن المنكر ثم لا ينتهون، ويدعون إلى الخير ثم لا يستجيبون. وأكبر ظننا أن المسلمين سيؤدون لله ولأنفسهم واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، والإسراع إلى الخير، كما أدى صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر»، أو كما اجتهد صاحب الفضيلة الأستاذ في أن يؤدي واجبه مريدًا الإصلاح ما استطاع.
ولكن هذا النداء يدعو إلى شيء من التفكير لعله لا يخلو من العبرة والموعظة الحسنة، وهو يدعو إلى التفكير من نواحٍ مختلفة نقف عند بعضها؛ لأنه خليق حقًا أن نقف عنده، وندعو الناس جميعًا إلى أن يطيلوا فيه الروية والتفكير. فهذه المدارس والمعاهد التي أقامها المبشرون، ودعوا إليها الناس، أو دفعوا إليها الفقراء والضعفاء دفعًا، يحدثنا صاحب الفضيلة بأنها مدارس ومعاهد أُعدت لإخراج الناس من دينهم. وصاحب الفضيلة لا يقول هذا عفوًا، ولا يلقي هذا إلقاءً، وإنما يقوله بعد أن تبين له أنه الحق الذي لا يقبل شكًا ولا مراء. وصاحب الفضيلة ينهى المسلمين عن أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المعاهد والمدارس، وسيستمع له المسلمون إن شاء الله عز وجل.
ولكننا كنا نحب وما زلنا نحب أن تستمع له الوزارة قبل أن يستمع له عموم الشعب، أو أن تستجيب له الوزارة الراعية قبل أن تستجيب له الأمة التي هي الرعية، كما يقول الحديث الشريف الذي رواه الأستاذ في ندائه؛ فما دامت الوزارة راعية للناس، وما دامت الوزارة مسؤولة عن رعيتها، وما دامت كل وزارة مصرية مهما تكن قد قبلت هذه التبعات، تبعات الراعي الذي يُسأل عن رعيته، فقد يخيل إلينا أن الإثم الذي يصيب المسلمين إذا أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والمعاهد يقع مضاعفًا على الوزارات التي تسمح بإقامة هذه المدارس والمعاهد، وهي تعلم كما علم الشيخ أنها أُعدت لإخراج الناس عن دينهم، وبأن تفتح أبوابها للناس وتدعوهم سرًّا وجهارًا إلى أن يرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم ليخرجوا فيها من دينهم. فليس يكفي أن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتدعوهم إلى الإسراع إلى الخير، وإنما يجب أن تهون عليهم الائتمار بالمعروف، وتيسر عليهم الانتهاء عن المنكر، وتمهد لهم سبيل الإسراع إلى الخير.
وليس يكفي أن تقيم لهم الملاجئ وتفتح لهم المعاهد والمدارس، وأنت تعلم حق العلم أن لهؤلاء المبشرين من ضروب الإغراء والإغواء، ومن فنون الكيد والمكر، ما قد يمكنهم من أن يصرفوا الناس جميعًا أو قليلًا منهم عن هذه الملاجئ التي أُقيمت، وعن هذه المدارس والمعاهد التي فُتحت لهم أبوابها. وواضح جدًّا أن «شيخ الأزهر» لا يستطيع أن يكف الناس بالقوة عن معاهد المبشرين أو يدفع الناس بالقوة إلى معاهد المسلمين، ولا يستطيع أن يُغلق معاهد المبشرين إغلاقًا، وإنما «الوزارة المصرية» وحدها هي التي تستطيع أن تتخذ من السبل والأسباب ما يحول قطعًا بين المسلمين وبين هذه الدور التي أُعدت لإخراج أبنائهم وبناتهم — كما يقول الشيخ، وكما تعلم الوزارة — من الإسلام.
وقد اقترحنا واقترح الناس معنا، واقترحت «هيئة كبار العلماء» على الوزارة ضروبًا من الوسائل لتحقيق هذه الغاية التي لا بد من تحقيقها؛ فقد نحب أن نعلم ماذا فعلت الوزارة بكل ما اقترح عليها من الوسائل والأسباب؟ أخذت من غير شك في إنشاء الملاجئ، ودعت إلى هذا الإنشاء وأعانت عليه، ولكن مدارس المبشرين ومعاهدهم وملاجئهم ما زالت قائمة، وما زالت أبوابها مفتحة، وما زال الناس يُدعون سرًّا وجهرًا في أكبر الظن إلى أن يرسلوا إليها الأبناء والبنات، وما زالت هذه المدارس والملاجئ تملك من ضروب الإغراء ما قد يجعلها أحب إلى بعض الناس، وآثر عندهم من هذه الملاجئ التي أُنشئت. فماذا اتخذت الوزارة من الأسباب لتحول بين الناس وبين هذه المعاهد الأجنبية؟ أو لتحول بينهم وبين ما ينتظرهم من شر إن أرسلوا أبناءهم وبناتهم إليها؟
لقد أجمع المصريون على مطالبة الوزارة بفرض المراقبة على هذه المعاهد، فماذا صنعت الوزارة بهذا الإجماع؟ وإلى أي حد وصلت الوزارة في وضع التشريع الذي وعدت به منذ زمن بعيد، والذي ألح الناس وما زالوا يُلحون في أن تنشره بعد أن طوته طيًّا؟
والناس جميعًا يذكرون أن الحكومة الإنجليزية قد أذنت لمندوبها السامي في أن يتحدث إلى «الوزارة المصرية» في تنظيم هذه المراقبة، وهم جميعًا يذكرون أن كلامًا كثيرًا قيل في هذا الإذن، وأن أنباء كثيرة أُذيعت حوله، وأن «الصحف الإنجليزية» تحدثت بأن وزارتنا قد اتصلت بالهيئات التبشيرية العليا لتشاورها في أمر هذه المراقبة. والناس جميعًا يعلمون أننا أنكرنا تدخل الإنجليز في أمر هذه المراقبة، واستشارة المبشرين في أمر هذه المراقبة التي يُراد أن تُفرض على معاهدهم. ولكن الناس يريدون أن يعلموا ماذا أصاب التشريع الذي يفرض هذه المراقبة؟ أعدلت عنه الوزارة واكتفت بإنشاء الملاجئ وبما يصدره «شيخ الأزهر» من النداء والتحذير؟ أم أنها أرجأته كغيره من المشروعات؟ أم لا تزال جادة فيه؟ فإن تكن الأولى فقد ينبغي أن تعلم الوزارة أن إنشاء الملاجئ ونداء الشيخ وغيره من المسلمين قد يخفف الشر ولكنه لا يمحوه، وإن تكن الثانية فقد نحب أن نعلم ما بال هذا التشريع لم يُعلن أمره للناس، أو لم تُعلن أنباؤه إلى الناس؟ وهذا فصل الدراسة قد ابتدأ، وكان ينبغي أن يُحال بين الناس وما في معاهد المبشرين من الشر قبل أن يبتدئ العام، وتتكرر الحوادث المحزنة الخطرة التي وقعت من قبل.
نعلم أن الوزارة قد شُغلت بنفسها في هذه الأسابيع، ولكن الوزارة لم تُقم لتشغل بنفسها، وإنما أُقيمت لتشغل بالناس. ونعلم أن الوزارة قد شُغلت بجباية الضرائب لأن الدولة في حاجة إلى المال، ولكننا نعلم أن جباية الضرائب ليست شيئًا يُقصد لنفسه، وإنما تُجبى أموال الناس لتنفق في مصالح الناس، ومن أهم مصالح الناس أن تحمي الحكومة فقراءهم وضعفاءهم من عدوان الأجنبي. ونعلم أن لدى الوزارة من المشكلات الداخلية السياسية ما قد يضطرها إلى أن تشفق من إغضاب الأجانب، وترغب في مصانعتهم بعض الشيء، ولكننا نعلم أن الوزارة لم تُقم لتستعين بمصانعة الأجانب على البقاء في الحكم، وإنما أُقيمت لتخدم الشعب وتحقق مصالحه في غير هوادة ولا ضعف؛ فإن وُفقت إلى ذلك فهو الخير، وإلا وجب عليها أن تستقيل.
نحب أن تنظر الوزارة إلى نفسها نظرة الجد، وأن تعلم أنها لم تُقم لتشغل بأمر دون أمر، أو لتشتد في بعض الأمور وتلين في بعضها الآخر، وإنما أُقيمت لتعنى بأمور الدولة كلها، ولتشتد في حقوق الدولة كلها. نعم، ونحب أن تعلم الوزارة، وأن يعلمها «شيخ الأزهر» — إن لم يكن قد فعل — بأنه إذا كان من الحق أن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم مذنبون مقصرون، فإن الذين يسمحون ببقاء هذه المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم دون أن يحولوا بينها وبين غايتها المنكرة بقوة وصراحة يتعرضون عند الله، وعند الناس، وعند «شيخ الأزهر» لأمر عظيم.
فلترفق الوزارة بنفسها أن يصيبها من «شيخ الأزهر» هذا الأمر الذي أرسله صارمًا رهيبًا.
[1] كوكب الشرق في ٢١-٩-١٩٣٣.

واجبات
هي هذه التي سجلها صاحب الفضيلة الأستاذ المراغي في كتابه إلى نائب رئيس الوزراء باسم جماعة الدفاع عن الإسلام ، يطالب الحكومة فيه بأن ترد عن المصريين جميعا عدوان هذه الهيئات الأجنبية التي تنهض بأعمال التبشير . ومن المحقق أن الأستاذ الجليل قد وفق في كتابه كل التوفيق ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وأقر الأمور في نصابها ، واصطنع صراحة لا تدع سبيلا إلى الغموض ، ولا طريقا إلى التأويل ، وحزما لا يمكن أن يتهم معه بالضعف أو الفتور . والأستاذ لا يتحدث عن نفسه وحدها ، وإنما يتحدث عنها وعن الجماعة التي اختارته لها رئيسا . وهو يتحدث عن المصريين جميعا مهما تختلف أهواؤهم ومذاهبهم ، ومهما تكن دياناتهم ونحلهم .
وأول ما يجب أن يهنأ به الأستاذ أنه قد ارتفع بهذه القضية عن أن تكون طائفية يختص بها فريق دون فريق ، ويلح فيها بعض المصريين دون بعضهم الآخر ، وجعلها قضية مصرية خالصة تنهض بها مصر في وجه الأجنبي الذي يغزوها في أرضها ، ويعتدي على مرافقها وعقائدها .
فالأستاذ ومن ورائه جماعة الدفاع عن الإسلام لا يذود عن الإسلام وحده ، ولكنه يذود عن المسيحية أيضا ، بل هو يذود عن الحرية المصرية كلها . وما كان لعلماء الإسلام أن يسلكوا غير هذا الطريق أو يتحدثوا بغير هذه اللهجة ، فدينهم يلزمهم الذود عن حرية الرأي ، ودينهم يلزمهم أن يتوخوا الحق في كل ما يقولون وما يعملون . والحق إن الإسلام دين الدولة ، ودين كثرة المصريين ، فيجب أن يحميه المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من يحميه . والحق إن المسيحية دين جماعة من المصريين ، وأن الكنيسة القبطية مظهر من مظاهر المجد المصري المؤثل ، فيجب أن يحميها المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من ينهض بحمايتها . والحق أن لا إكراه في الدين ، فيجب على المصريين جميعا أن يحموا كل دين قائم في مصر من الإكراه مهما يكن . يجب أن تحمى الديانات من أن يخرج الناس منها مكرهين . ويجب أن يستبين للناس جميعا أن الإكراه في نفسه إثم يمقته الدين ، ويمقته القانون . ولم تنشأ الحكومات إلا لتمحوه وتقضي عليه وتعاقب الذين يقترفونه أو يدعون إليه .
بهذا كله تقول جماعة الدفاع عن الإسلام ، وبهذا كله تقول هيئة كبار العلماء ، وبهذا كله يقول إخواننا الأقباط . فليست المسألة إذن مسألة اعتداء على الإسلام وحده ، وإنما هي مسألة اعتداء على الحرية الإنسانية ، مسألة اعتداء على الحضارة كما أشار إلى ذلك الأستاذ المراغي في كتابه إلى رئيس الوزراء بالنيابة . فإذا كان التبشير مباحا أو مستحسنا في البيئات الهمجية التي لم تأخذ بحظ من رقي ولم تنل نصيبا من ثقافة ، كان من القبيح الممقوت أن يتخذ التبشير وسيلة إلى محاربة حضارة قائمة لها مجدها ، ولها حظها الرفيع من الرقي ، ولها أثرها البعيد في تهذيب الناس .
أشار الأستاذ المراغي في كتابه إلى هذا كله ، فهو خليق أن يهنأ به ، والناس خليقون أن يسمعوا لما قال في هذا كله ، والحكومة خليقة أن تستجيب لدعائه ، وتنهض بهذه الواجبات التي أحصاها كتاب الأستاذ في دقة وصراحة واستقامة وصرامة معا .
ما أكثر هذه الواجبات وما أيسرها لو أن الحكومة أرادت حقا أن تؤدي عملها في قوة وحزم على يقين لأنها لم تنشأ لنفسها وإنما أنشئت لخدمة الأمة التي تقوم فيها . فمما لا شك فيه أن القوانين لم تشرع عبثا ، وإنما شرعت القوانين لتأخذ الناس بما فيها من أحكام ، وأقيم القضاء لينصف المظلوم من الظالم . فمن حق الأستاذ المراغي ومن حق الناس جميعا أن لا يرضوا من الحكومة بالإجراءات المؤقتة ، وأن يطالبوها بأن تحيل بالفعل إلى القضاء ما يستكشف من آثام المبشرين الأجانب . ولو أن عدوان هؤلاء المبشرين وقع من المسلمين على الأقباط ، أو من الأقباط على المسلمين ، لما ترددت الحكومة في أن تنفذ القانون ، وترفع أمر الآثمين إلى القضاء ، لأن هؤلاء الآثمين سيكونون يومئذ من المصريين الذين لا تحميهم الامتيازات ، ولا تتحرج الحكومة من أخذهم بالشدة حتى يقضي العدل بذلك .
وليس من شك في أن وزارات الخارجية والمفوضيات السياسية لم تنشأ لتكون زينة ، وإنما لتحقق الصلات الصادقة المتينة بين الأمم والشعوب ، فإذا جنى الأجانب في مصر جناية أو اقترفوا إثما وأخلوا بواجبات الضيافة ، فمن الحق على وزارة الخارجية المصرية أن تستخدم نفوذها السياسي لتقوم هذا العوج وتصلح هذا الفساد ، وبهذا تطالب جماعة الدفاع عن الإسلام .
فإذا غلا الأجانب في العدوان وتجاوزوا واجبات الضيافة وانتهكوا حرمات البلاد التي يعيشون فيها ، فمن الواجب على الحكومة لكرامتها وكرامة الأمة أن تكفهم عن ذلك وتقطع عليهم الطريق إليه ، وتغلق معاهدهم ومدارسهم حيث يثبت أنها تتخذ وسائل إلى الإثم والإجرام . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
ومن الحق على الحكومة ألا تنفق أموال الشعب إلا فيما ينفع الشعب ، فإذا ثبت أن الأجانب الذين تعينهم الحكومة بأموال الشعب يسيئون إليه ويعتدون عليه ، فمن الإثم أن تمضي الحكومة في إعانتهم ، وأن لا تكف عنهم ما تمنحهم من المال ، وأن لا تقتضيهم ما تنزل لهم عنه من المال ، وألا تطالبهم بما تحط عنهم من الضرائب . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
وقل مثل ذلك في هذه الأرض التي تمنحها الحكومة للأجانب بلا ثمن أو بثمن يسير على أن يقيموا عليها المدارس والمعاهد النافعة ، فإذا هم يقيمون عليها معاهد ومدارس تضر ولا تنفع ، وتسوء ولا تحسن ، فيجب أن تسترد منهم هذه الأرض .
وقل مثل ذلك في هذه الامتيازات التي تمنح لرجال الدين من الأجانب ، فتبيح لهم السفر بلا أجر ، فإن الواجب على الحكومة أن تلغي هذه الامتيازات إذا ثبت أن هؤلاء الناس لا يسافرون ليذيعوا الخير ويأمروا بالمعروف ، وإنما يسافرون ليذيعوا الشر ويأمروا بالفساد .
وليس من يستطيع أن ينكر على أي دولة تستحق أن تسمى بهذا الاسم أن تصدر من القوانين ما يمكنها من أن تراقب كل ما يقع في أرضها لتتقي شره ، وتدفع نكره ، وتحمي الشعب من آثاره . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ويطالب معه المصريون جميعا . وهم لا يطلبون شططا ولا يكلفون الحكومة عسيرا من الأمر ، وإنما يطلبون إليها أيسر ما يجب أن تنهض به الحكومات . وإنما الغريب أن تنتظر الحكومة حتى يطلب إليها ذلك ، وألا تنهض به وحدها ومن تلقاء نفسها دون أن تحتاج إلى من يذكرها به أو ينبهها إليه .
لقد نهض الشعب المصري كله بما يجب عليه لنفسه ولكرامته وللحرية الإنسانية والحضارة الإنسانية ، وقال الشعب المصري كله في ذلك كلمة الحق التي لا لبس فيها ولا غموض . فاللهم وفق حكومة مصر إلى أن تنهض بواجبها كما نهضت به مصر .
كوكب الشرق في ٢٩ – ٠٦ – ١٩٣٣

هزل
إذا شكا المسلمون من عدوان المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ومن إكراه المبشرين لهؤلاء الفتيان والفتيات على أن يخرجوا من الإسلام ليدخلوا في المسيحية، أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأظهرت الوزارة شيئاً من العناية، وكتب الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، أو سعى الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، ثم يهدأ كل شيء إلا عدوان المبشرين، ويستقر كل شيء إلا اضطراب المبشرين. وينام البرلمان والوزارة والشيخ ملء جفونهم، ويحلم البرلمان والوزارة والشيخ بأن أمور المسلمين تجري على خير ما تجري عليه الأمور. فهم آمنون على أبنائهم وبناتهم أن يمسهم ضر أو يصيبهم إكراه. وهم مطمئنون على الإسلام ألا يعتدى عليه في دار الإسلام، حتى إذا ظهر عدوان المبشرين مرة أخرى واتصلت شكاة المسلمين، لجَّ البرلمان والوزارة والشيخ في هذا النوم الهادئ اللذيذ، وفي هذه الأحلام الحلوة الباسمة، ونهضت صحف الوزارة تدفع عن الوزارة والبرلمان والشيخ فتقول ما تقوله «الشعب» اليوم من أن الإثم في ذلك على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة هي التي ترسل أبناءها إلى حيث يعبث بهم المبشرون ويكرهونهم على ما لا يحبون. فإذا تعرض أبناء المسلمين وبناتهم لعدوان المبشرين وطغيانهم فلا ينبغي أن يلوم المسلمون برلماناً ولا وزارة ولا شيخاً. إنما يحق لهم أن يلوموا أنفسهم. ومع ذلك، أن البرلمان لا يستطيع شيئاً، وأن الوزارة لا تستطيع شيئاً، وأن الشيخ الأكبر لا يستطيع شيئاً. ومعنى ذلك أن الأمر ينبغي أن يترك بين المسلمين والمبشرين. فإن كان المسلمون يحرصون على دينهم حقاً، وعلى كرامتهم حقاً فليصرفوا أبناءهم وبناتهم عن مدارس المبشرين. وإذن فينبغي أن يعلم المسلمون أن البرلمان والحكومة والشيخ جميعاً يبرأون إليهم من أمر المبشرين، ويعلنون عجزهم عن معالجة هذا الأمر، ويحملونهم وحدهم تبعة هذا الأمر إن كانت «الشعب» تصور رأي الوزارة القائمة حقاً. والناس يعلمون أن المبشرين لا يعلنون إلى أهل مصر أنهم يفتحون مدارسهم للتبشير، وإنما يفتحونها للتعليم، فهم لذلك ينخدعون ويرسلون أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس، فإذا ظهر بعد ذلك أن المبشرين لا يعلِّمون فحسب، ولكنهم يحاولون إخراج الصبيان من دينهم، فمن الحق على المسلمين أن ينصرفوا عن هذه المدارس طبعاً، ولكن هل من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم إذا أبت الحكومة أو عجزت عن أن تنتقم لهم؟ هل من حقهم أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان؟ إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن أن تكف شر المبشرين وعدوانهم، هل من حقهم أن يغلقوا مدارس المبشرين إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن إغلاقها؟ هل من حقهم أن ينفوا المبشرين من الأرض إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن نفيهم؟ ستقول «الشعب» لا، ونحن أيضاً نقول لا. ونحن أيضاً نكره للمسلمين أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان، وأن ينتصفوا لأنفسهم بأيديهم من الذين يعتدون على دينهم وكرامتهم، ولكن بشرط أن تعرف الوزارة واجبها، وتنهض بأدائه في صراحة وحزم وإخلاص. فإن لم تفعل عجزاً منها أو تقصيراً، فمن الحق عليها أن تستقيل لتأتي مكانها وزارة أخرى لا تعجز عن النهوض بالواجب، ولا تشفق من احتمال التبعات.

فإذا كانت الوزارة وأنصارها يرون أن أمور الحكم لون من ألوان الهزل، تكفي فيها المظاهر دون الحقائق، وتجزي فيها إعلان النهوض بالواجب دون النهوض به حقاً، فإن الشعب لم يبلغ بعد من الرقي هذا الحد الذي يمكنه من أن يتخذ الحكومة أداة من أدوات الترف، وفناً من فنون الهزل. ما يزال الشعب مقتنعاً إلى الآن بأن الحكومة أداة من أدوات الجد، عليها واجبات يجب أن تؤديها. فإن لم تفعل وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل خيف أن ينتصف الشعب لنفسه فيصون كرامته إن لم تصنها الحكومة، ويحمي دينه إن لم تحمه الحكومة، ويعاقب المعتدين إن لم تعاقبهم الحكومة.

وإذا شكا الشعب من الأزمة، وألحَّ في الشكوى لأن الأزمة ألحت عليه؛ أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأكثرت الوزارة من الكلام، وخُيِّل إلى البرلمان وإلى الوزارة أنهما قد أديا واجبهما بما أظهرا من نشاط، وما أكثرا من كلام. فإذا مضت الأزمة في إلحاحها حتى أهلكت أو كادت تهلك كل شيء، وإذا مضى المصريون في شكاتهم نهضت الوزارة فقالت كما قالت «الاتحاد» منذ أيام إن إثم الأزمة على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة مسرفة مبذرة لا تفهم الاقتصاد، ولا تقدّره ولا تظهر الميل إليه. ومعنى ذلك إن كانت «الاتحاد» تصور رأي الحكومة حقاً، أن الحكومة تتخفف من إثم الأزمة كما تتخفف من إثم التبشير، إما لأنها لا تريد أن تصنع شيئاً مغنياً، وإما لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئاً مغنياً، ولكن الشعب لم يتخذ الحكومة -كما قلنا- أداة من أدوات الترف، ولوناً من ألوان الزينة. فإذا لم تحقق الحكومة الأغراض الجدية وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل فمن حق الشعب نفسه أن ينهض بواجباته، وأن يصلح من أموره مهما كانت نتيجة هذا النهوض وعواقب هذا الإصلاح لو أن الوزارة تنظر إلى أمورها وإلى أمور الناس نظرة جد وإخلاص لراقبت صحفها بعض الشيء، ولمنعتها من أن تكتب هذا السخف، وتذيع هذا الهذيان. فلو أن الناس صدقوا صحف الوزارة، وأعفوا حكومتهم من التبعات، ونهضوا لأنفسهم مما يجب لهم لكانت الثورة المهلكة المدمرة التي لا تريدها الحكومة ولا تميل إليها، والتي تخاف الحكومة حتى من ذكرها أو التفكير فيها. وإذا كانت الحكومة لا تحب الثورة ولا تحب أن ينتصف الناس لأنفسهم فإن أوجب شيء عليها أن تنتصف هي للناس، وأن تقيم بينهم العدل حقاً، وأن ترد عنهم عدوان المعتدين حقاً، وأن تنظر إلى مقامها من الشعب نظرة العامل الجاد، لا نظرة المقصر الهازل. فقد يطول صبر الشعب، وقد يشتد حتى يخيل إلى الحكومة أنه إلى الضعف أقرب منه إلى أي شيء آخر، وأنه إلى الفناء والاستسلام أقرب منه إلى المقاومة والاحتمال. ولكن نفسية الشعوب ليست من اليسر والسهولة بحيث تظن الحكومات التي تهمل أمر الشعب وتستهين به. فرب هدوء أعقب اضطراباً، ورب سكون أثار حركة، ورب إخلاد إلى الدعة أنتج فساداً وشراً.

وإذا ابتليت وزارة المعارف بطائفة سخيفة من رجال التعليم، وضعت لها أسئلة سخيفة للامتحانات العامة، وعجزت الوزارة عن أن تدرك ما في هذه الأسئلة من سخف، أو أن تقدر ما فيها من عسر فأقرتها، ثم أخذت الطلبة بالإجابة عليها، ثم ظهر سخفها للناس واضحاً، لا يقبل شكاً ولا جدالاً، فشكا الطلاب، وشكا آباؤهم من هذا الإرهاق، وضجَّ الطلاب وضجَّ آباؤهم من هذا الاستخفاف بجهود الشباب وآمالهم، أظهر البرلمان شيئاً من العناية، ولكن الامتحان يمضي في سبيله، ولكن المصححين يمضون في تصحيحهم، ولكن الظلم يظل واقعاً على الطلاب وعلى آبائهم، ولكن شيئاً لا يتغير، وإنما هي وعود وأحاديث يلهى بها الناس بعض الشيء حتى تظهر النتيجة منكرة، فينجح الناجحون في غير حق، ويرسب الراسبون في غير حق، وتؤلف لجنة أو لجان للتحقيق أو لشيء يشبه التحقيق، ثم ينقضي الصيف ويأتي أول العام الجديد، وينسى الناس أمر الامتحان، ويشغل الناس عن هذا الظلم بالتخلص من ظلم آخر، والاحتيال في إدخال أبنائهم مدارس الدولة أو إعفاء أبنائهم من المصروفات ليقبل أبناؤهم في المدارس.

وكذلك يصبح النسيان أداة من أدوات الحكم ووسيلة من وسائل السياسة. يشكو الناس ويضجون فتعدهم الحكومة وتمنيهم، وتخدعهم بالأوهام والآمال، وتستعين عليهم بالزمان والنسيان لتنتقل بهم من شر إلى شر، ومن سوء إلى سوء.

وقد نجحت الوزارة في الاستعانة بالزمان والنسيان على الناس إلى الآن، ولكن من الحق على الوزارة أن تفكر في أن لكل شيء غاية يقف عندها، وحداً ينتهي إليه. وفي أن النسيان نفسه إن أسعف أمس فقد لا يسعف اليوم، وإن أعان اليوم فقد لا يعين غداً، وإن تهدّأ الشكوى بالتلهية والاستعانة عليها بالنسيان؛ ليس من الجد في شيء، ولا من الإخلاص في شيء، وإنما هو لعب كل اللعب، وخداع كل الخداع. وإن الشعوب قد تنخدع للعب اللاعبين، وخداع المخادعين مرة ومرة، ولكن من العسير جداً ألا يتصل بها هذا الانخداع إلى غير حد ولا أمد.

يجب على الحكومة إذن أن تتوكل على الله، وأن تواجه الأمور في صراحة وشجاعة كما ينبغي أن تواجه، وأن لا تعتمد على التلهية ولا على النسيان. وقد أصبح الاعتماد عليها فيما يظهر غير نافع ولا مفيد. يجب عليها أن تبين للشعب أنها حكومة إسلامية حقاً قد نهضت لحماية الإسلام، ورعاية أمور المسلمين وكف المبشرين عن أن يعتدوا على الدين. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها -كما يقول الفرنسيون- وأن تغلق مدرسة واحدة من هذه المدارس الأجنبية التي تسيء إلى المسلمين في أبنائهم وبناتهم، وتعتدى على عقولهم بالتنويم المغناطيسي، وعلى أجسامهم بالسياط. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها فتنفي من الأرض مبشراً واحداً من هؤلاء المبشرين الذين يستغلون ضعفها وعجزها فيمعنون في الاعتداء على كرامة المصريين ودينهم الرسمي، ولكني أزعم أن الحكومة لن تفعل شيئاً من هذا لأنها تخاف الأجانب أكثر مما تخاف المصريين، ولأنها تشفق من الأجانب أكثر مما تشفق من المصريين، ولأنها تؤثر إرضاء الأجانب على أن تحمي دينها الرسمي الذي تزعم أنها إنما قامت لتحميه وتعلي كلمته.

يجب على الحكومة أن تصطنع الشجاعة حقاً، وتواجه الأزمة الاقتصادية بما ينبغي أن تواجه من الحلول الحاسمة الصريحة، لا هذه الحلول العرجاء الملتوية التي تلهي بها الناس، ولكني أزعم أنها أضعف من ذلك، أضعف من أن تمس الضرائب، وأضعف من أن تتخذ موقفاً حاسماً في مسألة الدَّيْن، وأضعف من أن تشتد ولو قليلاً على المصارف الأجنبية، لأنها تعتمد على الأجانب أكثر مما تعتمد على المصريين، وتحرص على إرضائهم أكثر مما تحرص على إرضاء المصريين.

يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله، وتلغي امتحانها هذا السخيف، وتبحث لها عن رجل من خيار الناس قد استقام عقله وخلصت نيته ليضع لها أسئلة مقبولة معقولة، ولكني أزعم أنها لن تفعل لأنها تخاف من الإنجليزي الذي اضطرها إلى هذا الموقف السخيف أكثر مما تخاف من هؤلاء الألوف من المصريين الذين أفسد هذا السخف عليهم حياتهم في هذه الأيام!! يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله أيضاً، وأن تحقق مع هذا الأستاذ الذي وضع لصبيان الشهادة الابتدائية هذا السؤال الظريف الطريف الذي لا يسيغه إلا عقل وزارة المعارف: (بحر ونهر يفتخران، فماذا يقولان؟).

أليس من سوء الحظ ونكد الطالع كما يقولون أن توكل حياة الألوف من أبناء المصريين إلى مثل هذا الأستاذ البارع الذي يسأل أبناء العاشرة والتاسعة عما يقوله البحر والنهر حين يفتخران؟ ولكن وزارة المعارف لن تبحث عن ممتحنها هذا السخيف، ولن تكلفه هو أن يكتب ما يقوله البحر والنهر حين يفتخران، وأنا زعيم لك بأنها إن فعلت وجمعت رجالها كلهم في حظيرة واحدة من حظائر الامتحان، وطلبت إليهم جميعاً أن يكتبوا ما يقول البحر والنهر حين يفتخران، ثم أذاعت بين الناس ما يكتبون لأضحكت المصريين طوال الصيف.

وبعد، فما لوزير التقاليد لا يقبل هذا الاقتراح؟ أؤكد له أنه إن فعل ألهى الناس وألهاهم وصرفهم عن الحكومة ونقدها وتتبع أعمالها شهراً أو شهرين.

خذ ما شئت من أعمال الحكومة فسترى أنها تظهر فيه مظهر الجد، حتى إذا حققت النظر رأيت الأمر كله هزلاً في هزل، وعبثاً في عبث، تكلفاً ليس وراءه شيء. وليس الغريب أن يكون هذا شأن حكومة من الحكومات، وإنما الغريب أن تستقيم أمور حكومة قوام سياستها الهزل والمزح.

الكوكب في ١٢ – ٦ – ١٩٣٣

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading