شئون
طه حسين
جريدة السياسة
١٢ يوليو ١٩٣٢
كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!
وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.
وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.
وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.
كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.
ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.
وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.
وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.
وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!
نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.
كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!
أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.
وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.
الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.
الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.
نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.
هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.
نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.
ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!
رعب
طه حسين
كوكب الشرق
١٣ يناير ١٩٣٤
ولكنه من نوع خاص، هذا الذي يضطرب له قلب الوزارة ويخرج له وزير الداخلية عن طوره، فيرد إلى الشرطة فضلًا من قسوة، ومزيدًا من عنف، يدفعها إلى شر ما كانت فيه منذ حين من التعرض للناس، والاعتداء عليهم، وأخذ أبدانهم بالعصي والسياط، ودفعهم إلى السجون دفعًا، والإقدام حتى على انتهاك ما لا ينبغي أن ينتهك من حرمة الصلة بين الشعب والعرش، والعلاقة بين أهل البلاد ومَلِيكِ البلاد.
رعب غريب هذا الذي أخذ أعصاب الوزارة منذ يوم الخميس؛ ففقدت ما كانت تريد أن تتكلفه من ضبط النفس وإيثار العافية والاقتصاد في الظلم، وعادت إلى ما كانت عليه الوزارة السابقة، أو عاد وزير الداخلية إلى ما كان عليه حين كان يعمل مع صدقي باشا، ويتلقى منه دروس العنف والقسوة، عاد إلى دقة الإحساس، ورقة الشعور، والانزعاج من رئيس الوفد إذا غدا، والانزعاج من رئيس الوفد إذا راح.
رعب غريب هذا الذي أَشْعَرَ وزير الداخلية بأن في مصر شيئًا يُخاف غير صدقي باشا، وبأن في مصر قومًا تُنْصَبُ لهم الحرب غير أولئك الضعفاء المترددين من أنصار صدقي باشا، وبأن الرجل الماهر هو الذي يحارب صدقي باشا وأصحابه بألوان الحرب الخفية، حتى إذا فرغ منه ومنهم فأخذ منه أصحابه أخذًا، واضطره هو إلى السكوت والعزلة والاستخذاء؛ حارب الوفد جهرة بهذه الأدوات المعروفة: أدوات الشرطة، وعِصِّيِها وسياطها، وبأسها وشدتها، وبثها في الشوارع، وإرسالها في الطرق، وحشرها حول القرى، ونشرها داخل القرى وتحويل الريف إلى مظهر مخيف لولا أنه مضحك يدعو إلى هز الأكتاف؛ مظهر ميدان من ميادين الحرب وساحة من ساحات القتال.
نعم، رعب غريب هذا الذي انبث في الوزارة منذ يوم الخميس؛ فأيقظها للحرب بعد نوم وردها إلى النشاط بعد فتور، وأكرهها على تكلف الحياة وما بها حياة، وعلى تصنع القوة وما بها قوة، وعلى التظاهر بالبأس وقد مضى وقت البأس، وجاء وقت الهدوء والاطمئنان والاكتفاء بتصريف الأعمال وإمضاء الأوراق في الدواوين، والاستماع للنواب والشيوخ، والرد على النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله بالراحة الكبرى التي ينالها عظماء الرجال على جسر من التعب، كما يقول أبو تمام، وينالها الرجال الطيبون وأعوان الرجال الطيبين في غير كد ولا جهد، وفي غير مشقة ولا عناء. أفيكون مصدر هذا الرعب الغريب أن المندوب السامي الجديد قد وصل إلى مصر، واستقر في العاصمة أيامًا يظهر الاشتغال بالأوضاع الاجتماعية، وضروب المجاملة، والصيد وزيارة الآثار، ويضمر البحث والدرس والتفكير والتقدير، ويهيئ لنفسه حكمًا عاجلًا يصطحبه حين يعبر البحر إلى بلاده؟! أفيكون مصدر هذا الرعب إقامة المندوب السامي في القاهرة، وحرص الوزارة على أن تظهر أن لها من القوة ما يعجبه، وأن عندها من البأس ما يُرضيه، وأنها خليقة أن تحارب الوفد كما حاربه صدقي باشا، وأن تهدر الحريات كما أهدرها صدقي باشا، وأن تقاوم نشاط الشعب كما قاومه صدقي باشا، وأن تظهر للمستعمرين أنها لا تحب — كما أظهر صدقي باشا للمستعمرين أنه لا يحب — أن يستمتع المصريون بحياة حرة يأتون فيها ما يأتي الرجال الأحرار؟!
أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة سليمة النية طيبة القلب ساذجة الضمير، تظن أن المندوب السامي الجديد لا يعرف من أمرها ومن أمر مصر شيئًا، فهي تريد أن تبين له أنها كل شيء، وأن غيرها ليس شيئًا، وأنها قابضة حقًّا على أزمَّة الأمر، مسيطرة حقًّا على القلوب والنفوس، وأن رئيس الوفد وأصحابه والذين يحفلون بهم ويلتفون حولهم ليسوا إلا قلة قليلة لا ينبغي أن يُحْسَبَ لها حساب؟! أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة جزعت حين جاءها النبأ أن المندوب السامي قد رأى جماعة ضخمة من أهل القاهرة تحفل برئيس الوفد مساء الخميس؛ فأشفقت من هذا وأرادت أن تتقي أمثاله، فأنفقت ما أنفقت من قوة مساء الخميس وصباح الجمعة وطول نهار الجمعة، ثم شطرًا من ليله أيضًا تريد أن تطفئ نار الشعب بأفواهها، ونار الشعب لا تُطْفَأ بالأفواه، ولا يقدر على إطفائها الرجل الطيب وزملاؤه الطيبون؟! كل هذا ممكن، ولكن هذا كله إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن الوزارة طيبة ساذجة، سليمة النية بريئة القلب، مسرفة في حسن الظن بالأيام وبالإنجليز، مسرفة في الشك في نفسها والريب في قدرتها على أن تثبت دون أن يكون لها سند من رضاء الإنجليز.
كان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس والقبض عليهم مساء الخميس، وكان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس وأخذ الطرق عليهم حين أَدَّى رئيس الوفد صلاته أمس، وكان مسرفًا نشاط الشرطة في التضييق على الناس وأخذهم بألوان العذاب ومحاصرة القرى حين زار رئيس الوفد وأصحابه بعض الوفديين أمس.
كان هذا كله كثيرًا وكان مسرفًا، وكان أكثر وأشد إسرافًا مما تستطيع هذه الوزارة أن تحتمل مع ما يملكها من الضعف، وما يشغلها من الشئون. وكان على هذا كله عبثًا لا يُغني شيئًا ولا يفيد في شيء. فقد حاول من هو أقوى منها أن يصرف الناس عن الوفد؛ فلم يُفلح ولزم داره آخر الأمر مخذولًا مدحورًا. وحاول من هو أمهر منها وأبرع أن يقنع الإنجليز بأن الناس منصرفون عن الوفد، يلوذون به هو، ويكبرونه هو، ويؤمنون له هو؛ فلم يُفلح، لم يصدقه الإنجليز، ولم يصدقه الناس، ولم يكن هو يصدق نفسه. ثم أبت الأيام إلا أن تظهر له وللإنجليز وللناس أنه لم يكن يظفر بحب أحد، ولا بثقة أحد ولا بإيمان أحد، وإنما كان وحيدًا يؤيده السلطان، فلما تخلى عنه السلطان أصبح وحيدًا لا يؤيده شيء، ولا يحفل به إنسان — نستغفر الله — بل لا يذكره إنسان. كان مسرفًا وكان عبثًا ما أتته الوزارة منذ يوم الخميس. أليست توافقنا الوزارة على أن الرجل الذي يستمتع ببقية من فهم وفضل من فطنة، خليق أن يتجنب الإسراف، ويعرض عن العبث الذي لا خير فيه؟ وكان أكثر من هذا كله، وأشد إسرافًا من هذا كله، وأمعن في العبث من هذا كله، وأبلغ في ازدراء القانون من هذا كله، هذا الذي أتته الشرطة أمس حين ردت عن قصر جلالة الملك قاصدًا إلى قصر جلالة الملك، وحين أخذت من أحد أبناء الشعب عرائض كان بعض الشعب يريد أن يرفعها إلى جلالة الملك؛ فقصر جلالة الملك ملاذ للمصريين جميعًا. وحق الشعب في أن يلوذ به ويشكو إليه ويفزع إليه في رفع الظلم وكشف الضر، ثابت مقدس لا يعرض له إلا من يخالف القانون. وما رأي الوزارة في أنها لم تؤلف لترد اللائذين بالقصر عن القصر، وتمنع الشاكين إلى جلالة الملك من أن يشكو إلى جلالة الملك؟ وكيف تفسر هذا، وكيف تؤوله، وكيف تلائم بينه وبين القانون؟! أفتريد أن تلجأ إلى وزير المالية؛ ليفسر لها هذا كله بنحو من فقهه الدستوري البديع، فيزعم لها وللناس كما زعم للنواب أن الوزارة هي الملك، وأن من أراد أن يشكو إلى الملك فليشكُ إلى الوزارة؟ فإذا أراد الناس أن يشكوا إلى الملك من الوزارة؛ أفيشكون إلى الوزارة من نفسها؟! فإذا أراد الناس أن يطلبوا إلى الملك أن يقيل الوزارة؛ أفيطلبون إلى الوزارة أن تقيل نفسها؟! أم هل ترى الوزارة أنها أرفع من أن تُشْكَى، وأعز من أن تطلب إقالتها؟! أفترى الوزارة أنها تؤدي ما يجب عليها للقصر وللشعب حين ترد الشعب عن أن يلوذ بالقصر ويفزع إليه؟! لتصدقنا الوزارة: إن هذه الأعمال التي تمعن فيها لا تنفعها، ولا تغني عنها شيئًا، وإنما تنفع خصومها وتغني عنهم أحسن الغناء. فلو أنها أقسمت للإنجليز في كل يوم ألف يمين ويمين أن الناس معها لما صدقها الإنجليز، ولو أنها أنفقت ما في الأرض جميعًا من قوة لترد أبناء مصر عن أن يفزعوا إلى ملك مصر؛ لما بلغت من ذلك شيئًا. إنما حظها وطاقتها أن تصرف الأمور وتمضي الأوراق في الدواوين وتسمع كلام النواب والشيوخ، وترد على كلام النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله لها بالراحة الكبرى التي يَمُنُّ بها على المريض حين يستيئس من الشفاء.
بطولة …
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ فبراير ١٩٣٤
نعم بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة في تاريخهم القديم والحديث، قوامها هذه العظمة التي يُحبها الناس جميعًا، ويأنس إليها الناس جميعًا، والتي تُثير الإعجاب في نفوس كبار النَّاس، وتُثِيرُ الحُبَّ والوُدَّ في نُفُوسِ صِغَارِهِم، وتُحِيطُ صَاحِبها بجوٍّ صافٍ نقيٍّ من إكبار الناس له، وإخلاصهم في حبه، واتخاذه مثلًا أعلى لكل ما تكمل به رجولة الرجل العظيم، بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة.
هذه التي امتاز بها الملك ألبير، شهيد البلجيكيين، أول أمس؛ فقد عاش عيشة البطل، ومات ميتة البطل، وسيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن حياته العظيمة كما سيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن موته العظيم.
كل الناس عرضة لأن يلقى ما لقيه الملك ألبير فتزل به قدمه، ويهوي من القمة إلى القاع، ويدركه الموت في أثناء ذلك، ولكن الملوك قلما يعرض لهم مثل ما عرض لهذا الملك؛ فأنت تستطيع أن تبحث عن الملوك والرؤساء، بل تستطيع أن تبحث عن القادة والسادة وأشراف الرجال وأغنيائهم. هؤلاء الذين يخرجون للرياضة منفردين لا تُحيط بهم الحاشية، ولا يطيف بهم الأتباع، ولا تسبقهم الطلائع، ولا تسعى في آثارهم الأمداد.
تستطيع أن تبحث عن هذا الرجل ذي المكانة الذي يخرج للرياضة ليس معه إلا خادم، والذي يخرج للرياضة وهو يسوقُ عَرَبَته، والذي يبلغ مكانَ رياضته فيدع خادمه في عربته، ويصعد في الجبل وحيدًا فريدًا كما يصعد في الجبل أقل الناس شأنًا، وأيسرهم خطرًا، ثم ما يزال يصعد وحيدًا فريدًا حتى يشرف من القمة، ثم تزل به قدمه ويُدركه المَوتُ وَحِيدًا فَرِيدًا أَيضًا، ثم يستبطئه خادمه فيستعين الشرطة وغير الشرطة على البحث عنه.
وما يَزَالُ النَّاسُ يبحثون وينقبون حتى يظفروا بجسمه الضئيل العظيم مُلقًى في بعض القاع، فيحتملونه كما تحتمل الأجسام الضئيلة، ويعودون به إلى قصر الملك كما يعود أيسر الناس بأيسر الناس إلى أيسر الدور والأكواخ.
موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصوِّر إلى أي حد ترتقي ببعض الناس نفوسهم عن زخرف الحياة، ومظاهر الجلال الكاذب فيها، حتى يزدروا زُخرف الحياةِ ومظاهر الجلال الكاذب، وحتى ينتهوا إلى الحياة التي تَسْتَحِق أنْ تُسمى هذا الاسم، ويبلغوا الجلال الذي يستحق أن يُسَمَّى جلالًا.
موت عظيم لرجل عظيم، موتٌ يُصَوِّرُ إلى أي حد ترفع الفلسفة اليسيرة الساذجة نفوس بعض الناس حتى تجردها من كل ما يتعلق به الناس، وتسمو بها إلى حيث لم يتعوَّد الناس أن يسموا، وإذا هي تنتهي بهم إلى المساواة في الحياة بأدق معاني المساواة، ثم إلى هذه المساواة الأخرى التي يؤمن الناس بها جميعًا، ولا يقبلون فيها مُنَاقَشَةً ولا جِدَالًا؛ لِأَنَّها أَوضح وأجلى من أن تحتمل المناقشة والجدال، بل هم لا يُحِبُّون أَنْ يَذْكُروها ولا أن يتحدثوا فيها، وهي المساواة أمام الموت.
موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصَوِّر هذا البَطَل وقد سوى في الحياة بينه وبين غيره من الناس؛ لأنه كان يعلم وكان يقدر أن الطبيعة قد سوَّت بينه وبينهم في الموت، ولم ينخدع بهذه الأوضاع والأعراض الزَّائِلَة التي جعلتْ له بين الناس في حياته مقامًا مُمْتازًا، ومَكَانًا رَفِيعًا، بل لم يؤمن لهذه الحقائق الخالدة العُليا التي مَيَّزَتْهُ من الناس بقلبه الذكي، وخُلُقه الرَّضي، وحلمه الراجح، وصبره الذي لا يشبه صبر، وثباته الذي لا يدانيه ثبات.
رقى هذا الرجل إلى عرش بلجيكا؛ فلم يكد يستقر فيه حتى خلصت حياته كلها لشعبه، وطابت نفسه عَمَّا لا تطيب عنه نفوس الناس في سبيل هذا الشعب؛ فكان لا يعمل إلا له، ولا يُفَكِّر إلا فيه، ولا يسعد إلا إن رآه سعيدًا، ولا ينعم إلا إنْ رَآه نَاعِمَ البَال، وكانت الحياةُ حياةَ سلم، فسلك في خدمة شَعْبِهِ طُرُقَ السلم حتى إذا أحسَّ الناسُ مَقْدِمَ الحرب تأهب للحرب، وجَدَّ في تقوية شعبه وتهيئته لاستقبال الكارثة إنْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا أقبلت الحرب لم تجد رجلًا ساهيًا ولا لاهيًا ولا مُقَصِّرًا. ولم تجد بنوع خاص رجلًا أثرًا، ولا مترددًا، ولا ضعيفًا، ولا مُستهينًا بالكرامة، ولا مُتهاونًا فيما تفرضه الفضيلة على الأمم الحرة المستقلة من الاستبسال والتضحية في سبيل الذود الكريم عن الحرية والاستقلال.
وإن الذين يذكرون أوائل الحرب الكبرى ليذكرون في الوقت نفسه ما كان يملأ نفوسهم من الإعجاب بهذا الرجل الذي لم يكن جاهلًا ولا مغرورًا، والذي كان يقدر قوة شعبه ويقيسها إلى قوة ألمانيا، والذي كان يعلم حق العِلْم أَنَّهُ أَضْعَف مِنْ أَنْ يثبت لهذا العدو الذي لم تكن قواه تُحدُّ، ولكنه مع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولم يُفَكِّر إلا في العِزَّة والكرامة، ولم يقارن بين الكرامة والمنفعة، ولم يشك في قوة الحق وإنْ ظَهَرَ ضعيفًا، وفي ضعف الباطل وإن ظهر قويًّا.
نعم، إنَّ الذين يذكرون أوائل الحرب يذكرون تلك اللغة الحَازِمَة المُلْتَهِبَة التي كان يتحدث بها هذا الملك إلى عَدُوِّه الوقح كما كان يُسَمِّيه، وإلى أُمَّتِهِ الكريمة كما كان يُسميها، والذين يذكرون الحرب يذكرون معها كيف صبر هذا الرجل للكوارث، وكيف ثبت للخطوب، وكيف لم يُؤْيَسه انتصارُ العدو، وكيف لم يُقنِّطه انهزام الحليف، وكيف امتلأ قلبه إيمانًا بالحق، فاندفعت نفسه إلى التضحية في سبيل الحق، وكيف قدَّم نفسه، بل كيف كان يُقَدِّمها في كل ساعة من ساعات الحرب فداءً لشعبه، وكيف أقام فيما بقي له من أرض الوطن ضعيفًا في ظاهر الأمر، ولكنه قوي في حقيقة الأمر، مَغْلُوبًا في ظاهرِ الأَمْرِ، ولكنه مُنْتَصِرٌ في حقيقة الأمر، منتصر لا على ألمانيا وحدها، منتصر لا على ألمانيا وحلفائها، منتصر لا على هذه الكوارث والخطوب التي كانت تحدق به وتدهمه من حين إلى حين، بل مُنْتَصِرًا على العالم كله، وعلى الإنسانية كلها؛ لأنه انتصر على نفسه وعلَّمها كيف تكون فوق الحوادث، وكيف تكون فوق الخطوب، وكيف لا تجعل لليأس ولا للشك إليها سبيلًا.
ثم تنتهي الحرب ويتم الظفر لهذا الملك وحلفائه، ويعودُ إلى عاصمة مُلْكِهِ مُنْتَصِرًا كريمًا؛ فلا يطغيه الفوز، ولا يُبطره الانتصار، ولا يطمع من شعبه ولا من غير شعبه في إكبار ولا إجلال ولا مكافأة، ولا شيء يُشبه المكافأة؛ لكثرة ما احتمل، وكثرة ما ضَحَّى، ولحُسْنِ بَلَائِه في خدمة الوطن؛ لأنه لم يكن يعتقد أنه زاد على أن أدى واجبه الوطني كما كان يُؤَدِّيه غيره من أفراد الشعب، وإنما نهض بأعباء الحرب ما قامت الحربُ؛ فلما انطفأت جذوتها نهض بأعمال السلم كما ينبغي أن ينهض الملوك بأعباء السلم، كان مُتْعَبًا مَكْدُودًا أثناء الحرب، ولكنه لم يسترح ولم يهدأ في أوقات السلم، إنما استبدل تعبًا بتعبٍ، وكدًّا بكد، وعناء بعناء، ولم يكن يتعب لنفسه ولا يكد لها، ولا يُفَكِّرُ فيها، وإنما كان تعبه وكده وتفكيره في الحرب والسلم لشعبه، ولشعبه ليس غير.
إن الذين يذكرون الحرب الكبرى لن ينسوا بسالة الملك ألبير، وإن الذين يذكرون السلم لن ينسوا إخلاص الملك ألبير لشعبه ومعونته له في جميع فروع الحياة، لقد كان حكمًا بين الأحزاب السياسية كأحسن ما يكون الحكم، عدلًا وإنصافًا وتنزهًا عن الغرض، وارتفاعًا عن الخصومات. لقد كان عونًا للعِلْمِ والأَدَبِ كأحسن ما يكون أعوان العلم والأدب، يشجعُ العُلَمَاء والأُدَباء على أن يبحثوا وينتجوا، يُغريهم بالبحث، ويغريهم بالإنتاج، ويخلق لهم من أسباب العون ما لم يكونوا يُقدِّرون أن يظفروا به، يمنحهم من ماله، ويمنحهم من مال غيره ببذل، ويدعو غيره إلى البذل، ولا يتحرج من أن يقف موقف الدُّعاة إلى الاكتتاب لمعونة العلم والأدب، لا في وطنه وحده؛ بل في البلاد المثقفة المُتَحَضِّرة كلها.
ليس غريبًا أنْ يظفر ملك كهذا الملك بما كان يظفر به من حب الشعب له، وفنائه فيه، لقد زُرت بلجيكا منذ أكثر من عشر سنين، ووصلت إليها في اليوم الذي كان البلجيكيون يحتفلون فيه بعيد ميلاد الملك، ووصفتُ في غيرِ هذا المكان مَا مَلأَ نَفْسِي إعجابًا من حُبِّ الشَّعْب البلجيكي لملكه، وابتهاج الشعب البلجيكي بعيد ملكه.
لم يكن هذا العيد عيد الملك، ولم يكن عيد الشعب جملة، وإنما كان عيدًا لكل فرد من أفراد الشعب، كان عيدًا في كل أسرة، وكان عيدًا في كل مكان، وكان عيدًا صَادِقًا خَالِصًا. ولقد رَأَيْتُهُ وقد دعا إلى قصره أعضاء مؤتمر التاريخ، فلمَّا استقبلهم جميعًا كما يُستقبل الملوك صَافَحَهُم، وألقى إلى كل منهم كلمة من كلمات المُجَامَلة العادية؛ نظرت فإذا المؤتمرون جميعًا في غرفة واحدة حول الشاي، وإذا الملك وأسرته بينهم كما تكون أنت وكما أكون أنا بين المدعوين، يتنقل من مكان إلى مكان: يتحدث إلى هذا، ثم يتحدث إلى ذلك، ثُمَّ يُطِيلُ الحديث مع من يعرف من العلماء، وما أكثر من كان يعرف منهم، ويوجز الحديث مُتَلَطِّفًا مع الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ويجد على كل حالٍ شَيئًا يَقُولُه، ويتلقى على كل حال بالظرف واللطف والإيناس ما كان يسمعه مهما يكن، ومهما يكن قائله. هنالك عرفتُ أنَّ الملكية تستطيع أن تُلائم الديمقراطية حقًّا، هنالك عرفت أن الملكية تستطيع أن لا تكون كما يُريها بعض الأوربيين.
هذا الشيء الذي يأبى أن يتطور، ويمتنع على تقدم الحياة، وإنما هو شيء يُلَائِمُ رُقِيَّ الناس ورُقي عقولهم، وقلوبهم، وشعورهم، وحاجتهم إلى الحرية والمساواة، وهنالك عرفت أنَّ الملكية على هذا النَّحو ليستْ كَمَا يقول خصومها أثرًا من آثار القرون الماضية، وإنما هي نظام قادر على الحياة، وقابل للبقاء المنتج الخصب المفيد.
وهنالك عرفت كيف يكون حب الشعوب الحرة الأوروبية للملوك، وكيف يكون حب الملوك للشعوب، وكيف يستطيع عرش أوروبي أن يثبت بينما كانت العُروش الأوروبية تنهار من حوله بعد الحرب الكبرى.
ولقد كان الملك ألبير مثلًا صالحًا، وقدوة حسنة، لا للشعب وحده، بل لأسرته كلها أيضًا؛ فالناس يذكرون كيف كانت تخرج حَفيدته وامرأة ولي العهد — وملكة بلجيكا غدًا — كيف كانت تخرج لتروض ابْنَهَا، فإِذَا هي تَدْفَعُ عَرَبته الصغيرة كما تدفع أي امرأة من نساء الشعب عربة ابنها الصغير.
ليس هينًا هذا الخطب الذي أَلَمَّ بالشعب البلجيكي العظيم في ملكها العظيم؛ لأنه ليس مقصورًا على بلجيكا، بينما هو خطب عام للإنسانية كلها في مثل من المثل العليا للإنسان الكامل حقًّا. فليحسن الله عزاء الأسرة المالكة البلجيكية عن زعيمها، وليحسن الله عزاء بلجيكا عن عظيمها، وليحسن الله عزاء الإنسانية عن هذا المثل الأعلى الخالد.
موقف . . .
موقف من أغرب المواقف، وأشدها إمعاناً في الشذوذ، هذا الموقف الذي دفعت إليه مصر دفعاً في هذه الأيام بفضل الوزارة القائمة، وما تبين من عجزها الواضح عن النهوض بالأعمال الثقال والثبات للخطوب الملمة وحسن اللقاء للطوارئ والمفاجآت.
موقف غريب أشد الغرابة، شاذ أعظم الشذوذ لا يحتاج مصري مهما تكن ثقافته ومهما تكن منزلته الاجتماعية إلى أن يدله عليه أحد، أو ينبهه إليه إنسان. فأنت تستطيع أن تتنقل في الأندية، وتلم بمجالسهم في القهوات والدور، وأنت تستطيع أن تستمع إلى عامة الناس، وهم يتحدثون فيما بينهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم اليومية، وأنت تستطيع أن تصعد إلى الترام، والأتوبيس التي تنقل الناس في القاهرة أو إلى القطارات التي تنقل الناس بين القاهرة والضواحي، أو بين القاهرة والأقاليم فسترى شيئاً لم تكن تراه منذ شهر أو شهرين، سترى قلقاً بادياً، واضطراباً واضحاً، وخيالاً أرسلت أعنته، فانطلق لا يلوي على شيء، ولا يقف عند شيء، وإنما هو يتلقف الأنباء، ثم يستغلها إلى أقصى غايات الاستغلال، فيخلق الحوادث، ويبتكر الأخبار، وينشئ الفروض، ويحكي ما كان، ويصور ما هو كائن، وينبئ بما سيكون. وتنطلق الألسنة بما يوحي به هذا الخيال الذي أدركه شيء يشبه الحمى، فهو لا يهدأ، ولا يطمئن، ولا يكف عن الحركة والإنتاج. ولا تكاد الأحاديث تلقى في مكان حتى تطير منه إلى أماكن أخرى، ثم تطير من هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، وهي كلما وقعت في مكان أثارت القلق، وبعثت الاضطراب، وأنشطت الخيال، وأطلقت الألسنة، حتى أصبح المصريون لا يشكون في أن حياتهم العامة معرضة لحدث جديد خطير، وهم يبحثون عن هذا الحدث، وهم يريدون أن يعرفوه، بالتحقيق أو بالتقريب وهم يستدلون عليه بما يقع من الأحداث، وما ينشر من الأنباء، وما يأتي الكبراء والوزراء من الحركات، يقضون في ذلك نهارهم حين يعملون، ويقضون في ذلك ليلهم حين يسمرون، ولعل منهم من يحلم به إذا أدركه النوم، ولكنه على كل حال أول ما يخطر لهم. وأول ما يفكرون فيه، حين يستقبلون النهار ويستقبلون معه صحف الصباح. هذه هي حياة المصريين في هذه الأيام، قلق متصل يزيد من حين إلى حين إشفاق مستمر يشتد من وقت إلى وقت وحديث لا ينقطع في السياسة وأسرار السياسة وما قد تنكشف عنه هذه الأسرار.
وأكبر الظن أن الوزارة ليست أقل اضطراباً ولا قلقاً من الشعب، فلعلها تعلم من أمر السياسة أكثر قليلاً مما يعلم الشعب، والشعب لا يعلم شيئاً أو لا يكاد يعلم شيئاً والوزراء يأتون من الحركات ما لا يمكن أن يفهم منه هدوء البال، واطمئنان القلب وراحة الضمير. فهم يلتقون، وهم يفترقون وهم يتبادلون الزيارات التي لا تخلو من معنى، وهم يتلقون زيارات أخرى ليست أقل معنى من هذه الزيارات التي يتبادلونها فيما بينهم. وهم يتحدثون إلى بعض المتصلين بهم، وهم يسألون أحياناً عن الأخبار، شعب قلق، ووزارة قلقة، فأما الإنجليز فيظهرون نشاطاً غريباً لم يظهروه من قبل، يدخلون فيما لم يتعودوا أن يدخلوا فيه ويقبلون على ما لم يتعودوا أن يقبلوا عليه ويفعلون ما لا ينبغي لهم أن يفعلوا ويكفي أن نلاحظ نشاط نائب المندوب السامي وحده في هذه الأيام القليلة الماضية، فهو يفتش على الشرطة في الإسكندرية وهو يطير إلى القاهرة فيفتش على الثكنات، ثم على بعض الأقسام، ثم على المطافئ، ثم يتغذى مع قائد جيش الاحتلال، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات المصرية السابقين، ثم يزور بعض الإنجليز ثم يطير إلى الإسكندرية، ولا يكاد يستقر أربعاً وعشرين ساعة حتى يرد له ذلك المصري من رؤساء الوزارات السابقين زيارته. يسافر لهذه الزيارة مع الظهر ويعود من هذه الزيارة مع المساء، وتقول الصحف إن هذه الزيارة لها ما بعدها، وقد تتبعها زيارة أخرى والناس يقرأون هذه الأنباء في الصحف، ويسمعونها في الأندية، ويقال لهم إن الوزارة حائرة ويقال لهم إن الوزارة قد تستقيل، وهم يريدون أن يفهموا، ولكن كيف يفهمون؟ وهم يريدون أن يتبينوا ولكن كيف يتبينون؟ وزارة مغرقة في الصمت وقد كان يجب عليها أن تتكلم، مغرقة في السكون وقد كان يجب عليها أن تعمل، مغرقة في الألغاز وقد كان يجب عليها أن تكون واضحة، مصرة على البقاء في الحكم، وقد كان يجب عليها أن تتخلى عنه، بعد أن ظهر لها وظهر للناس أنها لا تصلح له، ولا تقدر عليه، ولا سيما في هذه الظروف التي لم يبق إلى الشك في دقتها وخطرها وحرجها من سبيل.
والصحف تجمع الآن على مطالبة الوزارة بإصدار نشرات منظمة عن صحة جلالة الملك، فلم يبق عند أحد شك في أن صحة جلالته قد انحرفت بعد أن جاءت الأنباء بذلك من أوروبا، وكان ينبغي أن يعرف الناس ذلك في مصر قبل أن يعرفوه في أوروبا.
وبعد أن أجلت الرحلة الملكية وبعد أن أعلن أن حضرة صاحب الجلالة لا يستقبل في عيد الجلوس هذا العام، وبعد أن دعي طبيب من القاهرة ثم دعي طبيب أو أكثر من طبيب من الخارج.
فالناس يعلمون أن صحة جلالة الملك ليست على ما يتمنون من العافية، وهم يريدون أن يعلموا، ومن حقهم أن يعلموا. ومن الواجب على الحكومة أن تعلمهم بحال ملكهم من يوم إلى يوم، بل من صباح إلى مساء.
ولكن الوزارة لا تقول في هذا شيئاً كما أنها لا تقول في غيره من الأمر شيئاً. فقد نحب أن نعلم ماذا يصنع الوزراء، وما بقاؤهم في مناصبهم إذا كانوا يقصرون حتى في أقدس الواجبات فلا يطمئنون الشعب على صحة ملكه ولا ينبئون الشعب بمعنى هذا النشاط الغريب الذي يظهره الإنجليز.
إحدى اثنتين فإما أن يكون الوزراء ناهضين بواجباتهم حقاً، وإذن فقد كان يجب أن ترى آثار هذا النهوض، والوزراء يعلمون حق العلم أنهم ليسوا أوصياء على شعب قاصر، وإنما هم موظفون لشعب رشيد، فليس لهم أن يخفوا عليه شيئاً، وليس لهم أن يستأثروا من دونه بما يمس حياته من قريب. وأما أن يكون الوزراء باقين في مناصبهم ليختلفوا إلى الدواوين، ويستمتعوا بجاه الوزارة وظاهر من سلطانها، فيجب أن يعلموا أن الوزراء لا يختارون لهذا، وإنما يختارون لشيء آخر.
وبعد فإنا نريد أن نعتقد أن الوزراء يرجعون إلى ضمائرهم. ويعلمون حق العلم أن الشعوب قد تتعرض لأوقات من حياتها لا يجوز فيها الهزل، ولا يباح فيها الإهمال، ولا يغفر فيها التقصير، وأن الوزراء يقدرون هذا كله، ويلائمون بينه وبين سيرتهم في هذه الأيام، فإما أن يعملوا ويقولوا ويقنعوا المصريين بأنهم وزراء حقاً، خليقون بملاقاة الطوارئ، والثبات للحوادث والنفاذ من الخطوب، وإما أن يردوا أمر الشعب إلى الشعب، ويدعوا الحكم لينهض به قوم هم أصلح له، وأقدر عليه، ولاسيما في هذه الظروف.
طه حسين
(★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.
قصة المجمع اللغوي
طه حسين
مجلة مجلتي
١٥
يونيو ١٩٣٥
لا أريد مجمعنا اللغوي المصري، وإنما أريد المجمع اللغوي الذي إذا أطلق عليه هذا اللفظ فُهِم منه فهمًا يسيرًا في غير حاجة إلى التفسير ولا إيضاح، وهو هذا الذي أنشئ في باريس منذ ثلاثة قرون، والذي سيحتفل العالم ببلوغه هذه السن بعد أن يظهر هذا الفصل بيومين اثنين.
فقد جدَّ الكاردينال ريشوليو، وزير فرنسا العظيم، في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي في مثل هذا العام من القرن السابع عشر، ولم يكن إنشاؤه هينًا ولا سهلًا رغم ما كان لمنشئه العظيم من القوة والبأس، ومن الجاه والسلطان، وإنما كان عسيرًا شديد العسر، ملتويًا شديد الالتواء؛ ولهذا استطاع كاتب فرنسي أن يضع لإنشائه العسير الملتوي قصة ظريفة طريفة نشرتها الإلستراسيون في ملحق لعدد من أعدادها ظهر في شهر يناير الماضي.
وهذا الكاتب الفرنسي هو أميل ماني، وقد عنون قصته بهذا العنوان الظريف مولد الأكاديمية الفرنسية.
وأنا أكتب هذا الفصل لمناسبة هذه الأعياد التي ستقام في باريس بعد يومين، وأرجو أن يكون هذا الفصل تحية لهذه الجماعة الأدبية العظيمة التي يسميها الفرنسيون — بحق أو بغير حق، صادقين حينًا وعابثين حينًا — آخر جماعة الخالدين؛ فليس الفرنسيون جميعًا يحبون مجمعهم اللغوي، ويرضون عنه، ويعجبون به، بل كثير منهم ومن خِيارهم يسخرون من المجمع اللغوي، ويغضون من قدْره ما وسعهم ذلك وما وجدوا إليه سبيلًا.
ومن هؤلاء الساخطين الساخرين مَن يغلو في السخط والسخر ما أتاح الشباب له ذلك، حتى إذا دنا من الشيخوخة أو توسط الكهولة تهالك على المجمع اللغوي تهالكًا، وود — بجدع الأنف — لو استطاع أن يظفر بكرسي من كراسي الخالدين.
ومن هؤلاء الساخطين الساخرين من يَجدُّ في ذلك ويصدق ويخلص في بغض المجمع اللغوي وازدرائه والإعراض عنه، ويأبى كل الإباء هذا الخلود الذي لا يغني عن صاحبه شيئًا.
وليس من شك في أن كثيرًا من الذين سيقرءون هذا الفصل قد قرءوا هذه القصة الرائعة التي وضعها ألفونس دوديه وسمَّاها الخالد، وأعلن على صفحتها الأولى أنه لم يرد ولا يريد ولن يريد أن يكون عضوًا في المجمع اللغوي، ثم صوَّر فيها بعد ذلك من ضعف الخالدين وفنائهم وطفولتهم، وصِغَر النفوس عند كثير منهم ما لا يزال يثير الرحمة والإشفاق إلى الآن.
ومن المعاني المألوفة الشائعة عند الفرنسيين أن الخالدين «هؤلاء» هم في جملتهم أقل الناس حظًّا من الخلود، فهم يظفرون بالخلود حين يشرفون على الموت، وينحنون على القبر، وهم بعد أن يلقوا الموت ويهووا إلى قاع القبر لا يحتفظون في أكثر الأحيان بهذا الخلود الذي انتهوا إليه في آخر أيامهم، وإنما تطوي الأيام ذكرهم طيًّا، ويطغي عليهم النسيان طغيانًا.
والمحقق الذي ليس فيه شك هو أن الكثرة الضخمة من أسماء الخالدين، الذين لبثوا الثوب الأخضر منذ ثلاثة قرون، قد ذهبت أسماؤهم إلا من سجلات المجمع، ومن الجريدة الرسمية الفرنسية، ومن بعض كتب التاريخ، وليس خلود الذين بقيت أسماؤهم ظاهرة من أعضاء هذا المجمع ناشئًا عن انتسابهم إليه، أو دخولهم فيه، وإنما هو ناشئ قبل كل شيء عن آثارهم الأدبية أو غير الأدبية التي فرضتهم على التاريخ فرضًا.
وأكبر الظن أن المجمع انتفع بانتسابهم إليه، وشرف بدخولهم فيه أكثر مما انتفعوا أو شرفوا بتسجيل أسمائهم في قصر مازين. ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن فكتور هوجو، وأناتول فرانس، وأكاريشال فوش، والماريشال جوفر، وريمون بونكاريه قد شَرُفوا بالمجمع أكثر مما شَرُف المجمع بهم؛ وهم مع ذلك لم يكونوا يقبلون أن يمضوا فصلًا من الفصول، أو مقالًا من المقالات، أو كتابًا من الكتب دون أن يضيف كل منهم إلى اسمه العظيم هذا اللقب العظيم؛ وهو: العضو في المجمع اللغوي الفرنسي.
ليس أعضاء المجمع خالدين جميعًا، وإن وصفوا جميعًا بالخلود، ولكن المجمع نفسه خالد من غير شك، المجمع الذي لا يتألف من هؤلاء الأشخاص، أو من أولئك الأشخاص، وإنما هو معنى من المعاني، وفكرة من الفكر، ومعقل للسنة الفرنسية، واللغة الفرنسية، والأدب الفرنسي، والتقاليد الفرنسية الصالحة، والمجد الفرنسي بوجه عام.
هذا المجمع خالد من غير شك لا يستطيع الزمن أن يعدو عليه إلا بمقدار ما يستطيع أن يعدو على فرنسا نفسها، وما دامت فرنسا المجيدة قائمة؛ فسيظل مجمعها اللغوي على رأسها تاجًا مجيدًا.
وفي درس القصة التي أحاطت بنشأة هذا المجمع وظهوره عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، وموضوع تأمل وتفكير للذين يحبون التأمل والتفكير، وسبيل إلى الموازنة والانتفاع للذين يغرون بالموازنة والانتفاع.
ولعل القصة التي أشرت إليها آنفًا أجمل ما صوَّر نشأة هذا المجمع العظيم؛ فنحن حين ننظر في هذه القصة نرى في أولها رجلًا من أوساط الناس وأشرافهم متصلًا بعظيم من عظماء فرنسا، يعمل في إدارة أمواله وأملاكه، وقد أجهده العمل ذات يوم فأراد أن يُرفِّه على نفسه، فزار صديقًا له قسيسًا، هو ليبو روبير، الذي كان أثيرًا عند الكاردينال ريشوليو، منقطعًا إليه، يُسليه ويُلهيه ويتجسس له على الأشراف والعظماء، والذي كان أديبًا مترفًا، وشاعرًا متكلفًا، ورجلًا مرنًا من رجال الدين.
فلما انتهى هذا الشريف إلى هذا القسيس وأخذا في حديثهما؛ عرف القسيس أن صاحبه يختلف إلى اجتماع خاص سري يتألف من تسعة نفر سمَّاهم له، وأن هؤلاء النفر قد ألَّفت بينهم المودة الخالصة والحب الصادق للأدب؛ فهم يلتقون من حين إلى حين في بيت واحد منهم، يتحدثون في الأدب والشعر، وفي الفلسفة والحكمة، ويعرض كل منهم على أصحابه ما أحدث من أثر؛ فيتناولونه بالنقد في نصح صارم لا يحب الهوادة ولا المداراة.
فلما سمع القسيس من أمر هؤلاء النفر ما سمع، رابَه أمرهم، وأشفق أن يكونوا قد ألَّفوا جماعة سرية تخرج على القانون وتأتمر بالوزير العظيم، فاندس إليهم متجسسًا، واتصل بهم مُترفِّقًا، ولكنه لم يسمع منهم ولم يتحدث إليهم حتى أمنهم على الدولة وعلى مولاه، وحتى أحب ما يعملون وأطال فيه التفكير، وود لو استطاع أن يُحوِّل هذا المجمع إلى شيء رسمي تعترف به الدولة، ويعينه السلطان، فتحدث في ذلك إلى مولاه، وأذِن له مولاه في أن يطلب إلى هؤلاء الناس أن ينظموا أمرهم، ويضخموا عددهم، ويُهيِّئوا أنفسهم ليصبحوا جماعة رسمية.
ثم نمضي في القصة فنرى هؤلاء الأدباء وقد أُلقِي إليهم أمر الوزير العظيم، فضاقوا به، وارتاعوا له، وأشفقوا على حريتهم وعلى أدبهم من عبث السياسة وكيد السلطان، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا إلا أن يذعنوا لما أُمروا به، ويستجيبوا لما دعوا إليه؛ فنظموا أمرهم، ووضعوا لأنفسهم قانونًا، وأخذوا يضمون إلى أنفسهم جماعة من أعلام الأدب والشعر.
ولكنهم أحسوا أنهم قد نزلوا عن حريتهم منذ قبلوا عطف السلطان، فالوزير العظيم لا يحب لهم أن يختاروا من أعلام الأدباء والشعراء مَن يريدون، ولا من تُهيِّئهم كفايتهم ليكونوا أعضاء في المجمع، وإنما يحب لهم، بل يأمرهم أن يختاروا من يريد هو، ومَن يرضى عنهم هو، ومن تُهيِّئهم أعمالهم السياسية الظاهرة أو الخفية ليكونوا المجمع اللغوي.
وما دام هؤلاء النفر قد أذعنوا مرة، فلا بد لهم من المضي في الإذعان، وهل كانوا يستطيعون أن يخالفوا عن أمر الوزير العظيم؟ إنما كانوا مخيرين بين الطاعة المطلقة والمحنة المطلقة؛ فآثروا الطاعة على المحنة، ووضعوا قانونهم، وضخموا عددهم، كما أراد ريشوليو لا كما أرادوا.
ثم نمضي في القصة فنرى الوزير الكاردينال يطلب إلى الملك لويس الثالث عشر توقيع أمر تعترف فيه الدولة بهذه الجماعة، فيجيبه الملك إلى ما طلب، وتبتهج الجماعة بهذا الأمر؛ فقد أصبحت للغة الفرنسية جماعة رسمية تحميها من العبث، وتحفظها من الضياع، وتضمن لها النمو والصفاء.
وهذا أمر الملك يرسل إلى البرلمان ليسجل فيه، كما كان النظام يريد في ذلك الوقت، وهذا البرلمان يحيل أمر الملك على مقرر اختاره لدرسه، وعرض أمره عليه، ولكن هذا المقرر كان رجلًا مترف المعدة والحلق والفم، غليظ العقل والقلب، يؤثر صناعة الطبخ على صناعة الأدب، ويُقدِّم ألوان الطعام على فنون الشعر.
وكان البرلمان والشعب الباريسي معه يكرهان الوزير الكاردينال، ويسيئان الظن به وبأعماله وأوليائه، فلم يشك الناس ولم يشك البرلمان في أن المجمع اللغوي إنما هو أداة سياسية لطغيان هذا الطاغية.
ومن هنا سخط الشعب على المجمع، وعد أصحابه من الخونة، وسخط البرلمان على المجمع، واستجاب لدعاء مقرره فرفض تسجيل الأمر الملكي، وأبى الاعتراف بهذه الجماعة.
وتناقل الناس عن مقرر البرلمان أنه كان يقول: إن بطون الفرنسيين أحق بالعناية من عقولهم؛ فالعقول تستطيع أن تصبر، وأما البطون فليس لها إلى الصبر سبيل. وكان المجمع اللغوي في أثناء ذلك يائسًا بائسًا، حزينًا مسكينًا، ليس له مستقر يطمئن فيه، ولا ملجأ يأوي إليه، إنما هو يتنقل بين الدور التي كان يسكنها أعضاؤه؛ فهو اليوم ضيف على هذا العضو، وهو غدًا ضيف على ذاك.
وكان أعضاء المجمع إذا انصرفوا عن اجتماعاتهم لم يسمعوا ولم يقرءوا إلا شرًّا ونكرًا؛ فقد كانوا لهو الحديث، وسمر السامرين، بل كانوا موضوعًا للغناء الهازل، والدعابة اللاذعة. وهم كانوا يستحقون كثيرًا مما كان يصيبهم من الشر؛ فهم قد حمَّلوا أنفسهم أثقالًا لم يستطيعوا حملها: أخذوا أنفسهم بوضع المعجم، ثم لم يشرعوا فيه، وأخذوا أنفسهم بإصلاح النحو، ثم لم يصلحوا منه شيئًا، وإنما أنفقوا في اجتماعاتهم المتصلة في خطب ومحاضرات ليس لها رأس ولا ذيل.
وقد زهد فيهم مولاهم الوزير الكاردينال نفسه، واستيئس منهم، وانصرف عنهم إلى عمل أدبي آخر كان يحبه ويتهالك عليه؛ فقد كان الوزير الكاردينال يحب التمثيل كما كان يقرض الشعر، وقد بدا له ذات يوم أن يختار خمسة من الشعراء، من بينهم كورني، ومن بينهم قسيسه ليبو روبير، وأن يقترح عليهم موضوعًا ينشئون فيه قصة تمثيلية، وأن يرسم لهم خطة هذه القصة. وقد شغله هذا كله عن مجمعه اللغوي، وتم إنشاء القصة، واستمع لها ورضي عنها، ونقد بعض الشعراء، وهو كورني، وأجاز بعضهم الآخر، وهيَّأ القصة للتمثيل، وأمر بتمثيلها وأنفق فيه مالًا كثيرًا، ولكن القصة أخفقت شر إخفاق.
وقد غضب كورني من نقد الوزير له، فنفى نفسه من باريس وأقام في نورمانديا حينًا مغاضبًا للعاصمة، عاكفًا على فنِّه، وأصبح الناس ذات يوم وإذا باريس لا تتحدث إلا بكورني، وبقصة تمثيلية أنشأها كورني، فنجحت نجاحًا باهرًا، وظفرت بفوز عظيم؛ وهي قصة السيد.
وفي أثناء هذا الوقت الذي نجحت فيه قصة السيد وشغلت باريس، كان الوزير الكاردينال يُهيئ لتمثيل قصتين اقترحهما ورسم خطتهما؛ ورضي عليهما بعد إنشائهما، وأمر بتمثيلهما.
فلما سمع بقصة السيد وما أدركت من فوز غاظه ذلك، على أنه أخفى غيظه وأمر قسيسه أن يشهد التمثيل، وأن يُحدِّثه عن هذه القصة، وجاء القسيس يثني على القصة ثناء حسنًا، ولا يعيبها إلا بأنها لم تخضع للقاعدة المقدسة قاعدة الوحدات الثلاث التي كان الوزير الكاردينال يحميها ويحرص عليها كأنها قانون من قوانين الدولة.
على أن الوزير لم يغضب للوحدات الثلاث، وإنما غضب لأمرين اثنين؛ الأول: أن قصة السيد تشيد بالمبارزة، وهو كان قد حرَّمها وقتل بعض الأشراف الذين خالفوا عن أمره وأقدموا على المبارزة، والثاني: أن قصة السيد تشيد بالإسبانيين في وقت كانت جيوش إسبانيا فيه قد احتلت بعض الأرض الفرنسية، ولم تجلُ عنها إلا بعد جهد عظيم.
ويريد سوء الحظ أن تُمثَّل القصتان اللتان اقترحهما الوزير فيدركهما الإخفاق المنكر، كما أدرك القصة الأولى، على حين لا تزداد قصة السيد إلا نجاحًا وفوزًا.
وكان الوزير الكاردينال يود لو عاقب كورني على نجاحه، ولكن ماذا يصنع والجمهور معجب بالقصة، والقصر معجب بالقصة أيضًا، فقد شهدتها الملكة مرتين، فلم ير بدًّا من أن يشهدها هو أيضًا، فأمر فمثلت له في قصره، وأظهر الإعجاب بها، والثناء عليها، ورتب للشاعر مكافأة حسنة متصلة.
ولكنه دبر أمره من وراء الغيب تدبيرًا، فهؤلاء جماعة من الشعراء والكُتَّاب ينقدون القصة نقدًا عنيفًا، وهؤلاء جماعة آخرون يدافعون عنها دفاعًا قويًّا، وهؤلاء الباريسيون يشغفون بهذه الخصومة الأدبية شغفًا لا عهد للأدب الفرنسي بمثله، وهذا كورني يدافع عن نفسه دفاع المؤمن بنبوغه المُعلِن له، الذي لا يتحرج حتى من التعريض الخَطِر بالوزير العظيم.
وهذا كاتب ينشر رسالة عنيفة في نقد قصة السيد، ولكنه يقترح اقتراحًا غريبًا — لا شك في أنه صدر عن الوزير الكاردينال — فهو يقترح تحكيم المجمع في هذه الخصومة التي شجرت بين الأدباء حول قصة السيد.
والوزير الكاردينال يرضى عن هذا الاقتراح ويشجعه، ويأمر مَن يُوحي إلى المجمع بقبول هذه القصة، وكان المجمع في أول أمره متحرجًا من النظر فيها، ولكنه أذعن لأمر الوزير كما أذعن من قبل.
على أن قانون المجمع لم يكن يَسمَح له بالقضاء في كتب الناس إلا إذا رضي أصحاب الكتب قضاءه فيها؛ فلم يكن بدٌّ إذن من أن يقبل كورني تحكيم الخالدين في قصته، وقد رفض كورني هذا التحكيم أول الأمر لسبب يسير، وهو أنه إن قبل فقد سنَّ سُنَّة خطرة تبيح لجماعة من الناس أن يتحكموا في الأدب والفن، وفي الحرية والنبوغ أيضًا، ولكن كورني خُيِّر بين قبول التحكيم وإلغاء المرتب الذي فرَضه له الوزير، فآثر مرتبه ورضا الوزير على الحرية والنبوغ، وأذعن لحكم الخالدين.
وأخذ الخالدون منذ ذلك الوقت يدرسون القصة درسًا دقيقًا، فألفوا لذلك لجانًا، ووضعت اللجان تقريرًا وتقريرًا وتقريرًا، وكان كل تقرير يعرض على الوزير فينظر فيه ويمسه بالتغيير والتبديل، وربما كره سيرة التقرير فكلَّف موظفًا من موظفيه أن يضع مكانها صفة أخرى. وكان المجمع يرى هذا ويكرهه، ولكنه يذعن له، وما دام قد بدأ حياته الرسمية بالإذعان فهو مضطر إلى أن يمضي في هذا الإذعان.
على أن هذه القضية هي التي ضمنت للمجمع وجوده الرسمي، فما دام الوزير الكاردينال قد أراد أن يقضي المجمع في قصة السيد، وأن يقضي فيها كما تريد السياسة، أو كما تريد شهوة الطاغية المستبد، لا كما يريد الأدب والفن؛ فلا بد من أن يظفر هذا المجمع بكل الصفات الرسمية التي تجعل حكمه رسميًّا خليقًا بالإكبار والاحترام.
وإذن فلا بد من أن يسجل البرلمان أمر الملك، ولا بد من أن يعترف البرلمان بالوجود الرسمي لهذه المحكمة الأدبية العليا. وقد كاد المجمع يفسد الأمر على نفسه إفسادًا؛ فقد هيَّأ حكمه وأرسله إلى المطبعة قبل أن يرسله إلى الوزير، على أن الوسطاء أصلحوا هذا الأمر وضمنوا عفو الوزير عن هذه الغلطة، وجدَّ الوزير في حمل البرلمان على تسجيل الأمر الملكي، وجدَّ البرلمان في رفض هذا التسجيل.
وانتهى الأمر إلى أزمة بين الحكومة والبرلمان، وانتهت الأنباء إلى البرلمان بأن الحكومة والقصر قد ينظران في اختصاص البرلمان، وقد يُضيِّقان من سلطانه؛ فأذعن البرلمان آخر الأمر، كما أذعن المجمع أول الأمر، وسجل الأمر الملكي سنة ١٦٣٧م، وتمت ولادة المجمع بعد أن جاهد فيها الكاردينال أكثر من عامين.
ولم يكد الأمر الملكي يُسجَّل ويصبح المجمع هيئة رسمية من هيئات الدولة حتى صدر حكمه في قصة السيد، فإذا هو حُكْم لا يرضي كورني؛ لأن فيه نقدًا شديدًا، ولا يُرضِي خصوم كورني؛ لأن فيه إغضاء شديدًا، ولا يُرضي المجمع نفسه؛ لأن فيه تجاوزًا للحق والفن، ولكنه يرضي الوزير الكاردينال؛ لأن فيه غضًّا من كورني، هذا الشاعر الجريء الذي استطاع أن يقول الشعر ويعلن النبوغ، ويعلن أنه ليس مدينًا لأحد بهذا النبوغ حتى ولو للوزير الكاردينال.
وكذلك كان التجسس داعيًا إلى التفكير في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي، وكان الطغيان السياسي وسيلة إلى إنشاء هذا المجمع، وكان ظلم السياسة للأدب سببًا في الوجود الرسمي لهذا المجمع، وكانت قصة السيد ضحية غُذِّي هذا المجمع بدمها، ولكن الغريب أن قصة السيد لم تمت، وإنما ظفرت وظفر صاحبها المظلوم بالخلود، وأن المجمع نفسه لم يمت، وإنما ظفر بالخلود أيضًا.
فأما الذي مات، ومات موتًا ليس بعده بعث ولا نشور، فهو طغيان الوزير الكاردينال، وأدب الوزير الكاردينال، وشهوة الوزير الكاردينال.
أراد ريشوليو أن يتخذ الحق سبيلًا إلى الباطل، وأن يتخذ الأدب وسيلة إلى السياسة، وأن يتخذ المجمع اللغوي أداة للظلم، فأخفق ريشوليو وزهق باطله، وعجز ظلمه عن أن يبلغ غايته، وعاش كورني، وعاشت قصة السيد، وعاش المجمع اللغوي، وعاشت فرنسا يتألق على جبينها تاجها الأدبي الخالد بعد أن نزعت عن جبينها تاجًا آخر لم يكن يستمد قوته ولا جماله من الفن والأدب، ولا من العقل والقلب، وإنما كان يستمد قوته وجماله من البأس والبطش والطغيان.
خطاب الدكتور طه حسين بك
طه حسين
مجلة الحديث
فبراير ١٩٤٣
مولاي صاحب الجلالة:
أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.
وزارة الشعب ترد إلى الشعب
أمواله على أحسن وجه وأنفعه
طه حسين
جريدة المصري
١٠ أغسطس ١٩٤٣
توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …
خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء
طه حسين
جريدة الأهرام
٣١ ديسمبر ١٩٥٠
مولاي صاحب الجلالة:
ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه على شعبك في هذه الأيام خاصة، درس في الوفاء! ما أجدر الناس أن ينتفعوا به وأن تصطبره قلوبهم وعقولهم! فمنذ ثلاثة أيام كنَّا نحتفل بمأثرة جليلة من مآثر والدك العظيم، هي جامعة فؤاد الأول. وأمس كنا نحتفل بمأثرة عظيمة من مآثر جدك الكريم، هي الجمعية الجغرافية. ونحن اليوم نحتفل بهذه المأثرة الكبرى من مآثر فؤاد — نضر الله وجهه — وهي معهد الصحراء.
وأنت أمامنا دائمًا يا مولاي في هذه الحفلات، تشرفها فتملأ قلوبنا غبطةً ونفوسنا ابتهاجًا، ويرى الشعب عنايتك بالعلم والعلماء، كما كان يرى عناية أبيك بالعلم والعلماء، فيرى صورة جليلة رائعة من صور الوفاء الذي لا نظير له والذي لا حدَّ له. أنت جدير أن تكون أستاذ شعبك في الخُلق، في الخُلُق الذي يَمَسُّ سيرة الفرد فيما بينه وبين الناس، وفي الخُلق الذي يمس سيرة الشعب مع ملكه وسيرة الملك مع شعبه.
أنت تعلِّم الناس كيف يفي الأبناء لذكرى آبائهم، وتعلِّم الشعب كيف يقتدي الشعب بملكه، فيفي للملوك الصالحين المصلحين.
وكان والدك العظيم يا مولاي أجدر الناس بوفاء الأبناء للآباء، وأجدرهم بوفاء الشعوب للملوك، ولا أغلو في أن أقول إنه كان أجدر الملوك بوفاء الإنسانية لذكراهم الخالدة. فليس قليلًا أن ينشئ في الشرق العربي وفي العالم الإسلامي أول جامعة حديثة على النحو الحديث، وليس قليلًا أن ينشئ في العالم الشرقي والإسلامي أول معهد حديث للصحراء.
هذه الجامعة لا تنفع مصر وحدها وإنما تنفع الناس جميعًا. وهذا المعهد لا ينفع مصر وحدها وإنما ينفع العالم كله. ذلك يا مولاي أن معاهد العلم ليست مقصورة على وطن ولا على جنس، وإنما هي مشاعة للإنسانية كلها، فمن أنشأ معهدًا أو جامعةً لم يخدم وطنه وحده وإنما خدم الأوطان كلها.
كان والدك العظيم أجدر الناس منك بهذا الوفاء، وأجدر الناس من شعبه بهذا الوفاء؛ لأنه لم يكتفِ بما أنشأ من جامعة، ولا بما أحيا من الجمعية الجغرافية، ولا بما نشر من ألوان الحضارة على اختلافها، وإنما فكَّر وقدر وغامر في هذه المغامرة العقلية الكبرى التي لا يغامرها إلا العظماء. غامر وفكر في تقريب البعيد، وإزالة مصادر الخوف والهلع والهول، وتخصيب الصحراء وتأمينها، وجعلها مصدرًا للعلم والمعرفة والأمن والهدوء.
نحن يا مولاي أشد الناس ذكرًا للصحراء وتأثُّرًا بها. إن الصحراء تأخذنا من جانبَيْنا، وليس نيلنا العظيم إلا شيئًا ضئيلًا يجري بين صحراوين هائلتين.
فالتفكير في الصحراء إنما هو تفكير في توسيع النيل حتى يعم الأرض بالخير، وحتى يغمر جانبيه جميعًا بالخصب والنماء. ولكننا لا نذكر الصحراء يا مولاي لأنها تأخذنا من جانبينا، وإنما نذكرها كذلك لأن أدبنا العربي القديم لم يصور شيئًا كما صور الصحراء، صوَّرها رائعة مروعة، صورها مملوءة بالهول والخوف والذعر، صورها مكمنًا للخوف والعذاب، صورها يحيط بها الخوف من جميع جوانبها، وتجري فيها السباع حرة طليقة تغتال الإنسان إن عرض لها أو وقع بين أيديها.
كذلك ترك أدبنا العربي لنا من الصحراء صورة الروع والخوف والهول. ولم يُرِدْ والدك العظيم يا مولاي إلا أن يزيل هذا كله، وأن يجعل الصحراء مصدرًا للبحث والعلم والمعرفة والنور، وأن يتيح للناس أن يعرفوها كما يعرفون أرضهم الخصبة، وأن يستغلوها كما يستغلون أرضهم الخصبة، وأن يجنوا منها الخير والبركة والنفع. أراد ذلك يا مولاي حين فكَّر في أن يجعله مباءة للباحثين عن شئون الصحراء، يدرسون أرضها وجوها، يدرسون نباتها وحيوانها، يدرسون خصائصها كلها؛ ليعلِّموا الناس أولًا، وليبيحوا لهم النفع والانتفاع ثانيًا. أباح لهم مصدرًا من مصادر العلم، ومصدرًا من مصادر السيطرة على الطبيعة المخيفة الشاذة.
كذلك فكَّر والدك العظيم، ولم يَكَدْ يُفكِّر حتى همَّ، ولم يكد يهَم حتى فعل، فأنشأ المعهد يا مولاي، وأراد أن يُنشِئَه هو وحده بقوته وبماله، لا يطلب إلى الحكومة إنشاءه. مغامرة غامرها وأراد أن يحتمل نفقاتها، حتى إذا ظهر نفعُها وفائدتها انتفع بها الشعب وانتفع بها الناس دون أن يتكلفوا فيها شيئًا. أنشأه ووقف عليه وقفًا ضخمًا يكفل له ما يحتاج إليه من مال. ولم يكتفِ بوقف الأرض الخصبة، وإنما وقف البناء الشامخ، ثم أدركه قضاء الله وانتقل إلى جوار ربه قبل أن يُتِمَّ ما بدأ، فأقبلتَ أنت تحمل اللواء وتمضي إلى الغاية وتتم الطريق التي بدأها.
وهذا هو المعهد يُفتتح الآن، وهؤلاء هم علماء العالم يُقبِلون ليشاركوا المصريين في تكريم ذكرى والدك العظيم، وفي رفع الشكر الخالص إلى جلالتك لما ترعى به العلم والعلماء، ولما تيسر لهم من أسباب البحث والمعرفة، ومن أسباب هذا الغنى الذي لا يختص به الناس إلا إذا كانوا جميعًا في جميع الأقطار والبلاد. هذا المعهد يا مولاي ثمرةٌ إذن من ثمرات ذلك المُلك السعيد الذي أشرف عليه والدك العظيم، ولكنه ثمرة بدأها هو وأنضجتَها أنت، فإذا وفيت لوالدك العظيم فشهدت هذا الحفل وأتممت ما بدأ، فالشعب المصري كله يتعلم منك الوفاء.
على أنك يا مولاي عندما عُنِيتَ بهذا المعهد نظرت فإذا العلم من حولك يتقدم، وإذا أشياء جديدة تظهر لم تكُن معروفة حين فكَّر والدك في هذا المعهد، وإذا جامعتُه التي أنشأها قد أخرجت شبابًا يُحسِنون درس الصحراء ويستطيعون النهوض بأعبائها.
إن في المعهد مكتبة ضخمة، وفيه مُتحفًا ضخمًا وقاعةً للمحاضرات، وستكون من حوله حديقة خاصة لا تشتمل إلا على النباتات والأشياء الصحراوية، فيه كل ما يحتاج إليه العلماء للبحث والإنتاج. وكان والدك العظيم يا مولاي أبعد الملوك عن الأثرة وأقلهم تفكيرًا في نفسه، وكان يريد أن يكون وطنه مثله بعيدًا عن الأثرة. كان يفكر في أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش فردًا، وفي أن الأوطان والشعوب لا تستطيع أن تعيش منفردة. كان يفكِّر في أن التضامن والتعاون أساس الحضارة، وهو من أجل ذلك فكَّر في أن هذا المعهد سيكون حلقة يلتقي فيها العلماء من جميع أقطار الأرض، العلماء الذين يُعنَوْنَ بشئون الصحراء، وسيكون معهدًا يتعاون فيه على البحث المختصُّون مهما تكن مواطنهم، ومهما تكن أجناسهم.
كذلك أراد هو، وكذلك أردت أنت، وقد تحقق له ولك ما أردتما. هؤلاء العلماء الذين أقبلوا الآن لمصر يشاركونها هذا الحفل دليلٌ واضح على أن ما أراده والدك العظيم من تحقيق التعاون الإنساني على البر والتقوى والمعرفة، وما أردته أنت من تحقيق التعاون، قد تحقق بأمره وأمرك وأتى ثمره الآن.
فلك يا مولاي أجمل الشكر وأخلص الإجلال على عنايتك بهذا المعهد، ولوالدك العظيم رحمة الله ورضوانه، نضَّر الله وجهه يا مولاي وأنزله منازل الصالحين المصلحين.
Leave a Reply