Back to homepage

الاستعمار وأوراقه: من المغرب إلى قبرص | Colonialism and Its Cards: From Morocco to Cyprus

شبَّ عمرو عن الطوق
طه حسين
النداء
٣ فبراير ١٩٤٨

وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.

وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.

فمن ذا الذي يلقي في رُوع …

فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.

وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.

فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.

وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.

فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.

فرنسا … والإسلام
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ أغسطس ١٩٥٤

لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.

وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!

وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.

وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.

وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.

والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.

وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.

كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.

رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.

هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.

ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.

والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.

فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.

وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.

ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.

فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.

وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء.

احتجاج
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ سبتمبر ١٩٥٤

لست أدري أحقٌّ ما قرأتُ في بعض الصحف الباريسية من أنَّ فرنسا أبلغت مصر احتجاجها على ما يُذاع في الراديو من إنكار سياستها في شمال أفريقيا عامَّةً وفي مراكش خاصَّةً.

ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ الصحف الفرنسية غاضبة أشدَّ الغضب، مُنكِرة أشدَّ الإنكار، لِما يصدر عن مصر من إذاعة تُؤيد المراكشيين والتونسيين في إبائهم للضيم، ومطالبتهم بالحق، ومُقاومتهم للظلم، وثورتهم على الاستعمار.

وقد نشرت صحيفة الموند منذ أيام مقالًا افتتاحيًّا اتخذت له عنوانًا بغيضًا، قرنت فيه اسم رئيس وزرائنا باسم ذلك الإله الروماني ذي الوجهين الذي كان معبده يُفتح أيام الحرب ويُغلق أيام السِّلم. وزعمت فيه أنَّ لرئيس وزرائنا موقفين متناقضين مع فرنسا: أحدهما فيه السِّلم والدعة، والآخر فيه الخصومة والحرب؛ فرئيس وزرائنا — فيما روت صحيفة الموند — مُسالم لفرنسا حريص على أن تُقيم بينها وبين مصر صلات المودة والتعاون؛ فهو قد استقبَل في غبطة واستبشار ذلك الوفد الفرنسي الذي أقبل منذ حين يعرض على مصر استثمار أموال ضخمة فرنسية في تحقيق ما تُحاول من الإصلاح.

وهو كذلك قد كلَّف مراسل الموند إدوار سابلييه أن يقول في باريس: إنَّ مصر تنظر إلى الحكومة الفرنسية القائمة — حكومة منديس فرانس — نظرة فيها كثير من الأمل والرجاء.

وأوضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان قد قال هذا الكلام فهو إنَّما قاله مشيرًا إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، وإلى محاولة منديس فرانس لإرضاء التونسيين بتحقيق بعض آمالهم.

وواضح أنَّ رئيس وزرائنا إن كان له الكلام فهو قد أراد به أن يُوجه رئيس الوزارة الفرنسية توجيهًا رفيقًا إلى أن يصنع في مراكش شيئًا يُشبه كثيرًا أو قليلًا ما يحاول صنعه في تونس. فهذا الموقف من رئيس وزرائنا هو موقف السِّلم مع فرنسا، ولكنَّ له موقفًا آخر تراه صحيفة الموند موقف الحرب، وذلك حين يُخلي بين الإذاعة المصرية وبين ما تدعو إليه من إنصاف المراكشيين والتونسيين، وحين يُخلي بين الصحف المصرية، وبين ما تدعو إليه من تحقيق الاستقلال للمراكشيين والتونسيين أيضًا.

وكذلك صورت صحيفة الموند رئيسَ وزرائنا مناقضًا لنفسه، يُسالم فرنسا ويحاربها في وقت واحد، وتمنَّت عليه أن يختار أحد الموقفين. وأغرب ما في هذا المقال أنَّ هذه الصحيفة الفرنسية التى عُرفت دائمًا بالقصد والاعتدال وتجنُّب الهوى فيما تكتب، بمقدار ما يُتاح لمثلها من الصحف أن تتجنب الهوى فيما تكتب من الفصول السياسية؛ أنَّها تُريد رئيس الوزراء المصري على شيء لا يُراد عليه رئيس وزراء في أي بلد من البلاد.

فبين مصر وفرنسا صلات سياسية رسمية قوامها المودة والمجاملة والتَّعاون على الخير والسِّلم، وعلى ما ينفع النَّاس ويُحقِّق مصالح البلدين.

ولهذه الصلات السياسية حدود مرسومة معروفة مُقرَّرة في الأوضاع الدَّولية، وهى لا تمنع مصر من أن تُنكر من أعمال فرنسا ما ترى من حقِّها أن تنكره، كما أنَّها لا تمنع فرنسا من أن تصنع هذا الصُّنع نفسه مع مصر، فما دامت السفارة المصرية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في باريس، وما دامت السفارة الفرنسية مستقرة مُفتَّحة الأبواب في مصر؛ فالأمر بين البلدين قائم على المودة والمجاملة والتَّعاون، ولكنَّه لا يُفني إحدى الدولتين في الأخرى، ولا يجعل إحداهما ظلًّا للأخرى. وهو بعد ذلك لا يُلغي حرية النقد التى هي حق طبيعي للشعب المصري، وصحفه وإذاعته، حتى ولو كانت هذه الإذاعة خاضعة لسلطان الحكومة.

والحكومة الفرنسية القائمة كغيرها من الحكومات الفرنسية التى سبقتها، ومن الحكومات الفرنسية التى ستليها غدًا أو بعد غدٍ، لا تُحب السياسة الروسية ولا تُقِرُّها ولا ترضى عنها، وهي مع ذلك تُقيم أمرها مع روسيا على هذه الأوضاع الرسمية المألوفة التى تقوم على المودة والمجاملة والتعاون، ما دامت لفرنسا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في موسكو، وما دامت لروسيا سفارة مستقرة مفتَّحة الأبواب في باريس.

وما أكثر ما يجهر رؤساء الوزارات الفرنسية في البرلمان الفرنسي بنقد السياسة الروسية نقدًا مرًّا عنيفًا، والصحف الفرنسية والإذاعة الفرنسية تتجاوز حدود المجاملة فيما توجِّه إلى روسيا وسياستها من نقد وتشنيع، وروسيا تجزي فرنسا بمثل ذلك دون أن تحتجَّ إحدى الدولتين على الأخرى بالطرق الدبلوماسية أو من طريق الصحف والإذاعة.

وبين فرنسا وبين حلفائها وأصدقائها الأقربين خصومات لا تنقضي، ولكنَّها لا تدعو إلى احتجاج بين هذه النَّاحية أو تلك. فما بال الفرنسيين — حكومة وشعبًا — ينتظرون من مصر ما لا ينتظرون من أصدقائهم وخصومهم جميعًا. وما لهم يضيقون بأيسر الأمر حين يَصدُر عن مصر، ولا يضيقون بالأمور الجِسَام حين تصدر عن غيرها من الخصوم والأصدقاء، وما بالهم يُطالبون مصر بما لا يستطيعون أن يُطالبوا به صحفهم الفرنسية نفسها، فبين الصحف الفرنسية التي تصدر في باريس وفي الأقاليم صحف توجه من النقد العنيف ومن الإنكار الشديد إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا ما لا يُقاس إليه النقد المصري مهما يبلغ من الشدَّة والعنف.

وبين يديَّ — وأنا أُملي هذا المقال — صحيفة فرنسية باريسية صديقة لرئيس الوزراء القائم منديس فرانس، وهي تُوجه إلى السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا تُهمًا كأخطر ما تكون التُّهم، وتشنيعًا كأعنف ما يكون التَّشنيع؛ فهي تُنبِئنا بأنَّ منديس فرانس هَمَّ أن يُحاول في مراكش مثل ما حاول في تونس، ولكنَّ نُصحاء السوء من الاستعماريين الذين تُسَمِّي بعضَهم صرفوه عن هَمِّهِ ذاك، وألقوا في رُوعِه أنَّ من الخير أنْ ينتظر حتَّى يهدأ العنف في مراكش، وحتى لا تُذعِن فرنسا لضغط الثائرين عليها والنَّاقمين منها.

وتُنبِئنا بأنَّ الرئيس منديس فرانس قد خيَّب أمل الفرنسيين فيه حين استمع لأولئك النصحاء، وحين خلَّى بين المستعمرين وبين مراكش يفعلون بأهلها الأفاعيل.

وهي تُنبِئنا كذلك بأنَّ هذه السِّياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي أباحت للإدارة الفرنسية في مراكش أن تقترف الآثام الغِلَاظَ التى اقترفتها احتياطًا لما كانت تتوقع من المظاهرات أثناء العيد الأضحى، وفي اليوم العشرين من شهر أغسطس، وهو اليوم الذي أُقْصِي فيه السلطان الشرعي عن عرشه؛ فأجرت ما تُسميه الصحف الفرنسية كلها عمليات التنقية في المدن الكبرى، وهي أنْ يحتل الجيش هذه المدن، ويقبض على الذين يتوقع منهم إثارة المظاهرات. ونشأ عن هذه التنقية أنَّ الذين قبَض عليهم الجيش أثناء هذا الإجراء لا يُحصَوْن بالعشرات ولا بالمئات، وإنَّما يُحصون بالألوف الكثيرة.

وهي تُنبِئنا أيضًا بأنَّ هذه السياسة الجديدة للرئيس منديس فرانس هي التي طوَّعت للإدارة الفرنسية أن تقتحم المساجد، وتقبض على العلماء المُوالِين للسلطان المنفي، وتحملهم إلى قصر السلطان القائم ليعلنوا إليه ولاءهم مُكرَهين على إعلانه إكراهًا.

وهي تنبئنا أيضًا بأنَّ الإدارة الفرنسية قد حشدت النَّاس بقوة الجيش ليُقدِّموا إلى السلطان القائم تهنئتهم بالعيد. فلمَّا فعلوا أعطت كل واحد منهم ألفًا من الفرنكات، ومقدارًا من السُّكَّرِ والشاي.

فهي تُقيم سياستها إذن على الرَّغَبِ والرَّهَبِ، في إحدى يديها السيف وفي يدها الأخرى الفرنكات والسكر والشاي، وأي شيء أشد إفسادًا للأخلاق وقطعًا للصلات بين الناس من سياسة تقوم على هذه الألوان المُنكَرة من الترغيب والترهيب، اللذين يُلغيان كرامة الإنسان، ويُقيمان أمره كله لا على رضا الضمير واطمئنان القلب، بل على الخوف من جهة، وعلى إرضاء الأفواه والحُلُوق والبطون من جهة أخرى.

بهذا كله وبأكثر من هذا كله وأعظم منه نُكرًا تُنبِئنا الصحيفة المؤيِّدة للرئيس منديس فرانس، وهي ليست منفردة بهذا النكير، وإنَّما تُشاركها فيه صحف فرنسية أخرى عسى أن تكون أعنف منها نقدًا، وأكثر منها تشنيعًا وتشهيرًا. وأنا أعلم أنَّ الفرنسيين قد يحتملون النقد من مواطنيهم ولا يحتملونه من غيرهم، ولكنَّ الصحف الإيطالية والإنجليزية تنشر من أنباء الظلم الفرنسي في مراكش وتونس أكثر ممَّا تنشر الصحف المصرية والإذاعة المصرية.

وما أعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على إيطاليا أو على بريطانيا العظمى من أجل ذلك، ولست أذكر صحف البلاد المُنكِرة لسياسة الديمقراطية الغربية، وهي من غير شكٍّ تُصوِّر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا أبشع التصوير وأشدَّه نكرًا، وما نعلم أنَّ فرنسا قد احتجت على دولة من تلك الدول من أجل ذلك … فما بال فرنسا تختص مصر بهذا الاحتجاج من دون الدول الأخرى.

أمَّا أنا فأُعِلِّل هذا بأمرين؛ أحدهما: أنَّ ما تكتبه مصر وتذيعه يقرؤه ويسمعه التونسيون والمراكشيُّون؛ لأنَّه يُكتب ويُذاع باللغة العربية على حين لا يكاد المراكشيون والتونسيون يقرءون أو يسمعون ما يُكتب أو يُذاع في اللغات الأجنبية الأخرى.

ولكنَّ فرنسا خليقة أن تقبل مصر على عِلَّاتها، وأن تعلم أننا لا نستطع أن نُغيِّر لغتنا، وأن نكتب ونذيع بلغة أجنبية لا يفهمها إخواننا في اللغة والدين لترضى عنا فرنسا؛ فقد تكون لغتنا أكثر أهمية عندنا من فرنسا مهما تعظُم صلات الصداقة والمجاملة الرسمية بيننا وبينها.

الأمر الثاني: أنَّ فرنسا فيما يظهر تُفرِّق بين الأوروبيين والشرقيين والعرب منهم خاصة؛ لأنَّها تعودت من الشرقيين ضعفًا قديمًا. ومن الحقِّ عليها أن تعلم أنَّ الأمم تضعُف وتقوى، وأنَّ القوة ليست مقصورة على وفرة السلاح وكثرة المال، وإنَّما القوة كل القوة هي التي تأتي من يقظة الضمير الإنساني في نُفُوس الشعوب، ومن الحق على فرنسا ومن الخير لها أن تعلم أنَّ الضمير الإنساني قد استيقظ في العالم الشرقي، وفي العالم العربي خاصة. وقد ذاقت هي وذاق بعض حُلفائها مرارةَ النتائج التي نشأت عن هذه اليقظة.

فليس لها بُدٌّ إذن من أن تقبل مِصْرَ على عِلَّاتها مرة أخرى، وتعلم أننا لن نلغي ضمائرنا الإنسانية، ولن نسكت على هذه الآثام المُنكَرة التي يقترفها الاستعمار في أي قُطر من أقطار الأرض، وفي الأقطار العربية والإسلامية بنوع خاصٍّ؛ لأنَّ الساكتين على هذه الآثام إنَّما يسكُتون عن الحقِّ، وقد استقر في نُفوسنا منذ قُرون طِوال أنَّ السَّاكت عن الحقِّ شيطان أخرس، ونحن لا نريد أن نكون شياطين ولا أن نكون خرسًا. وخير من الاحتجاج على كلمة الحقِّ حين يُقال أن ترجع فرنسا إلى الحقِّ، وتثوب إلى الرشد، وترد إلى المراكشيين والتونسيين ما ينتظرون أن يُرد إليهم من الحقوق.

مثل …!
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ سبتمبر ١٩٥٥

كانت الدار آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وكان أهلها ينفقون حياتهم وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد، وإن شجَر بينهم شيء من الخلاف الهادئ أو العنيف من حين إلى حين. وكانوا يختلفون ويأتلفون فلا يدخل الناس في اختلافهم أو ائتلافهم؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن يعني أحدًا غيرهم، ولكنَّ رزقهم هذا الذي كان يأتيهم رغدًا من كل مكان أثار في نفوس بعض الناس من الحسد والطمع ما تثيره السعة عادة في نفوس الطامعين الجشعين الذين يحبون أن يؤثروا أنفسهم بكل شيء وألا يتركوا لغيرهم شيئًا. وفي ذات يوم شجر الخلاف بين أهل الدار واشتد بأسهم بينهم، ولم يعلموا أكان لهذا الخلاف مصدر من هذه المصادر التي تُحْفِظُ الإخوة على الإخوة، أم كان له مصدر خارجي جاء من بعض هؤلاء الطامعين الجشِعين الذين ملأ قلوبهم الحسد والأثرة، فأغرَوْا بعضهم ببعض وحرَّضوا بعضهم على بعض، ثم أقبلوا عليهم باسمين يُظْهِرُونَ لهم المَوَدَّةَ ويُضْمِرُونَ المكر بهم والكيد لهم.

وما زالوا يرفقون بهم ويتكلفون الإصلاح بينهم، حتى اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم وحكَّموهم فيما شجر بينهم من خلاف. وما هي إلا أن أقبلوا عليهم فرِحين مستبشرين، وزيَّنوا لهم الاطمئنانَ إليهم والاعتماد عليهم، وأعطَوْهم المواثيق والعهود؛ لِيَكُفَّنَّ بأس بعضهم عن بعض، ولِيَكْفُلَنَّ لهم الدعة والسعة، ولِيَرُدَّنَّ عنهم عدوان المعتدين وغارة المُغِيرين. والحر يخدع أحيانًا فينخدع، وكذلك انخدع أهل الدار لهؤلاء الماكرين بهم الكائدين لهم. وجرت الأمور يسيرة هيِّنة أعوامًا، ثم لم يلبث يُسْرُها أن استحال إلى عسر، ولم يلبث لِينُها أن استحال إلى شدة، ولم يلبث الشر أن صرَّح عمَّا فيه من النُّكر وبيَّن عمَّا كان يُخفِي من المكر والكيد. ونظر الأحرار المنخدعون فإذا حُماتهم لم يريدوا إلا أن يتخذوهم رقيقًا، يُسخِّرونهم لمنافعهم ويستذلُّونهم لإرضاء أهوائهم وشهواتهم. وقد نَدِمَ المنخدعون بعد أن فات وقت الندم وسبق السيف العزل كما يقول المثل القديم، وهَمُّوا يستردوا أنفسهم ويستعيدوا حريتهم ويبسطوا أيديهم على ما يملكون في الدار ومن حول الدار، فلم يجدوا إلى شيء من ذلك سبيلًا، وإنما وجدوا حُماتهم قد استأثروا بهم من دون أنفسهم، واستأثروا بأرضهم وغَلَّاتها ومرافقها من دونهم، واضطروهم إلى الجوع بعد الشبع وإلى الذلة بعد العزة وإلى أن يصبحوا خَدَمًا بعد أن كانوا سادة. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما أسرفوا عليهم في الاستذلال والاستغلال، ودخلوا بينهم وبين أَخَصِّ شئونهم، فجعلوا يُغَيِّرُونَ ما ألِفوا من نظام وما توارثوا من سُنَنٍ، لا يؤامرونهم في ذلك ولا يشاورونهم فيه. ثم أجلَبوا عليهم بخيلهم ورَجْلِهم، فاحتلوا ما كانوا يملكون حول دارهم، ثم احتلوا الدار نفسها وآثروا أنفسهم بخير ما فيها من الغرفات والحجرات والمرافق. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما حكَّموهم حكمًا مباشرًا في اليسير من أمرهم والخطير. ثم لم يَرْعَوْا فيهم إلًّا ولا ذمة، وإنما نقضوا مَنْ أعطوهم من موثق وعهد في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا احتياط، وجعلوا ينزعون رؤساءهم يغيِّرون منهم ويبدِّلون حسب ما تمليه عليهم منافعهم لا منافع أهل الدار. ثم تجاوزوا في الطغيان والعدوان كل حَدٍّ وخلعوا العذار، ولم يبقَ لشيء ولا لأحد وقار، وإنما خَلُّوا بين طائفة من شرارهم وبين هؤلاء البائسين، فاتخذوهم تجارة ومكسبًا يبيعونهم كما كان يُباع الرقيق فيما مضى من الزمان.

وما زالوا في هذا البغي واليائسون يَصبِرُونَ ويُصابِرُونَ، ويَذكرون ماضيهم ويُذكِّرون به، ويَذكرون المواثيق التي أعطيت لهم ويُذكِّرون بها، فلا يجدي عليهم ذلك شيئًا، وإنما يُغري بهم سادتهم وحُماتهم فيضيفون نُكرًا إلى نكر وتنكيلًا إلى تنكيل.

ولكل شيء حد، وللصبر غاية ينتهي إليها، وكرام الناس قد يُسامون الضيم فيصبرون عليه ولكن إلى حين. فإذا بلغ الصبر أقصاه خرج الصابرون عن أطوارهم، وثاروا للكرامة المفقودة والحرية المغصوبة والمنافع المضيعة والحرمات المستباحة والأعراض المهدَرة والدماء المُرَاقة والنفوس المزهقة.

فدعا الحُماة بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهموا هؤلاء المظلومين المهضومين بالجحود والعقوق وكفر النعمة، وبالتعصب المنكر والبُغض الذي لا يُبقي على شيء، ثم أذاعوا بهذا كله حتى ملَئُوا به أقطار الأرض في الشرق والغرب. ولكن بعض أقطار الأرض قد ذاق أهلها مثل ما ذاق أولئك المظلومون المهضومون من ألوان العسف والخسف ومن ضروب الذل والهوان؛ فهم يَرِقُّونَ لكل مظلوم ويعطفون على كل مهضوم، وهم ينكرون الظلم على كل ظالم ويبغضون العدوان من كل معتدٍ. يجدون ذلك في أعماق نفوسهم ودخائل قلوبهم، ويرونه حقًّا عليهم، ولو استطاعوا لفعلوا أكثر من الرقة والعطف والإشفاق، وإن كَرِهَ البُغاة وسخط الطُّغاة، فقد ينبغي أن يكون لدعاء المظلومين صدًى في بعض النفوس، وأن يكون للعدل أنصار ولو بالألسنة والقلوب في هذا العالم الذي ملأه الجور وأفسد أقوياءه الطمعُ والجشعُ والبطرُ والغرورُ.

***

هذا بالضبط هو الذي حدث في شمال أفريقيا وفي مراكش خاصة، وهذا بالضبط هو الذي يغيظ الفرنسيين ويملأ صدورهم حفيظة ومُوجِدَةً على الذين يطلبون بحقوقهم ويثورون في سبيلها أولًا وعلى الذين يَرِقُّونَ لهم ويعطفون عليهم ثانيًا.

واللهُ يشهد ما وصفتُ سيرة الفرنسيين في مراكش إلا ببعض ما قرأت وما أقرأ في كثير من الصحف الفرنسية، وبأقلام كثير من كبار الكتاب والعلماء الفرنسيين؛ فأنا لم أذهب إلى مراكش ولا إلى أي قُطر من أقطار أفريقيا الشمالية، وأنا أتحفَّظ دائمًا حين أسمع شكاة الشاكين وتوجُّع المظلومين، وأخشى ألا تبرأ شكاتهم ولا يبرأ توجُّعُهم من بعض المبالغة. ولكني أقرأ في الصحف الفرنسية اليومية والأسبوعية أكثر جدًّا مما ذكرتُ؛ فالفرنسيون أنفسهم يعترفون بأنهم نقضوا عهد الحماية وحكموا المراكشيين حكمًا مباشرًا، ويعترفون بأن طائفة من مستعمريهم قد استأثروا بكل ثمرات الأرض من دون المراكشيين، واستقرُّوا لا على أنهم ضيف على أهل البلاد بل على أنهم سادة يأمرون وينهَوْن ويزرعون الأرض ويستخرجون ما فيها من كل ما يعود على صناعتهم وتجارتهم بالربح والثراء.

والفرنسيون يتهمون فريقًا منهم بأنهم يبيعون بعض المراكشيين رجالًا ونساء، كما تُباع السلع وكما كان الرقيق يُباع فيما مضى من الأيام. ويكفي أن يقرأ الناس صحيفة الأوبسترفاتور والإكسبريس وصحيفة الموند؛ ليجدوا من هذا كله أشنع وأبشع ممَّا ذكرتُ. فلست متجنيًا عليهم إذن، وإنما يتجنى عليهم كُتَّابُهُم وعلماؤهم إن كان في هذه السيئات من التجني. والكُتَّابُ والعلماء الفرنسيون الذين يسجلون على وطنهم هذا الظلم الذي يستخذي منه كل رجل حُرٍّ في هذا العصر، يمضون ما يكتبون بأسمائهم صريحة، ويحتملون تبعات ما يُسجِّلون على وطنهم من الآثام، ويتعرضون للمحاكمة إن كانوا كاذبين أو متكلِّفين. ولست أعلم أن أحدًا منهم قُدِّم إلى القضاء، ولست أعلم أن صحيفة من الصحف التي تنشر هذه المظالم تعرَّضت لِلَوْمٍ أو تأنيب. ولا ينبغي أن يُقال إن حرية الصحافة مطلَقة لا يستطيع أحد أن يعتدي عليها؛ فحرية الصحافة لا تُبيح للناس أن يكذبوا على أوطانهم ولا أن يتهموها زورًا باقتراف الآثام والتورُّط في المُخْزِيَات. وما أكثر ما تُصادَر بعض الصحف في فرنسا ويُحاكم أصحابُها وكُتَّابُهَا لأمور أقل من هذا خطرًا وأهون منه شأنًا. وأغرب من هذا أن بعض كُتَّابِ الصحف الفرنسية يُصَرِّحُونَ ببعض الأسماء وبعض الهيئات المالية والتجارية والسياسية التي تقترف هذه الآثام، ثم لا يتعرضون رغم هذا كله حتى للمحاكمة المدنية، كأنهم واثقون بكل ما يقولون، وهم من أجل ذلك لا يخشون محاكمة ولا يرهبون بأسًا.

***

وإذن فليغضب الفرنسيون على أنفسهم قبل أن يغضبوا على غيرهم، ولْيَلُومُوا أدباءهم وعلماءهم وساستهم قبل أن يلوموا المصريين أو السوريين أو غيرهم من أهل الشرق والغرب؛ فالفرنسيون يستطيعون أن يطلبوا من مواطنيهم ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مِنَّا السكوت على ما لا يسكت عنه أبناؤهم. وهم يقولون فينا بالحق وبالباطل، بل وهم يقولون بالباطل أكثر ممَّا يقولون بالحق ما يسوءنا متكذِّبين متكلِّفين، فلا أقل من أن يقبلوا مِنَّا أن نقول فيهم أيسر ما يقول بعض أبنائهم.

والمهم هو أن الشر انتهى إلى أقصاه بين الفرنسيين وبين إخواننا في شمال أفريقيا. وقد اعترف الفرنسيون بظلمهم فهموا بشيء من الإنصاف قليل في تونس، وهم يحاولون أن يعترفوا بظلمهم في الجزائر ومراكش، فلا يجدون الشجاعة إلى الآن على هذا الاعتراف، ولكن الأحداث ستمنحهم هذه الشجاعة في يوم قريب:

أما غدا زعموا أو لا فبعد غد

ومن يدري لعل هذا الحديث لا يصل إلى مصر إلا وقد سجَّل الفرنسيون على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين في مراكش، وكانوا مُسْرِفِينَ في الظلم على أنفسهم وعلى المراكشيين، وعلى حق الإنسان الذي أعلنته ثورتهم منذ قرن ونصف قرن.

فعزْلُ السلطان القائم أو اضطرارُه إلى الاعتزال، وإقامة مجلس للوصاية على العرش المراكشي، وتأليف حكومة تُمثل كل النزعات السياسية في مراكش، والأخذ في مفاوضة هذه الحكومة؛ كل ذلك إذا قرره الفرنسيون — وسيقررونه ما في ذلك شك ولعلهم أن يقرروه اليوم — اعترافٌ بأنهم كانوا ظالمين، وبأنهم قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم ويجنحون إلى شيء من العدل والإنصاف ورَدِّ بعض الحق إلى أهله. وإذن فما غضبهم علينا وما إنذارهم لنا؟! ولا ينبغي أن يستغرب القارئ كلمة الإنذار هذه، فإني أقرأ في بعض الصحف الفرنسية — وفي صحيفة الفيجارو خاصة — سخطًا على مصر وسوريا والعراق، دعوة صريحة للحكومة الفرنسية أن تأخذ هذه البلاد وغيرها باحترام فرنسا، وهي قادرة على أن تفرض على هذه البلاد وغيرها احترام فرنسا. وأعترف أني لم أكَد أقرأ هذا الكلام في صحيفة الفيجارو حتى أغرقت في الضحك وقلت كما يقول الناس عندنا حين يسخرون: العفو.

الإسلام والغرب
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ أكتوبر ١٩٥٥

كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

***

وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

***

وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

***

ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

***

وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

***

وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

قبرص وحمق السياسة الإنجليزية
طه حسين
جريدة الجمهورية
١١ مارس ١٩٥٦

يصفها بذلك الإنجليز أنفسهم فيما نقلت إلينا رسائل البرق، وفي الحق أن من أعسر العسر أن تجد للسياسة البريطانية في قبرص وصفًا أصدق ولا أدق من أنها سياسة حمقاء، تُسرع بقبرص إلى الفوز بما تريد، وتُسرع بالبريطانيين إلى الخذلان الذي فُرض عليهم فرضًا، والذي تعرفه عقولهم وتؤمن به قلوبهم. ولكنهم يكابرون ويأبون أن يعترفوا به أو يذعنوا لحكمه؛ لأنهم لا يجدون الشجاعة في هذه المرة على احتمال الهزيمة التي ليس منها بد، والاعتراف بأن عصر الاستعمار واستعباد الشعوب قد انقضى ولن يعود.

إنهم يستأنفون في هذه الأيام سياسة النفي بعد أن جربوها، فلم تغن عنهم شيئًا ولم يجنوا منها إلا الهزيمة والخذلان.

لقد نفوا طائفة من زعماء المصريين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرتهم الظروف اضطرارًا إلى إطلاقهم وتركهم أحرارًا يتبوَّءون من الأرض حيث يشاءون، ويعودون إلى وطنهم حين يريدون. ثم فاوضتهم وحاولت أن تصل معهم إلى بعض أغراضها، فلم تبلغ منهم شيئًا. ثم نفت منهم قومًا آخرين إلى صخرة نائية في المحيط، ثم اضطرت إلى أن تطلقهم صاغرة وتردهم إلى وطنهم مخذولة لم يغن عنها نفي أولئك ولا هؤلاء شيئًا، ولم يمنعها من أن تذعن آخر الأمر لما لم يكن بُد من الإذعان له، فتعترف بأطراف من الاستقلال ثم تضطر آخر الأمر اضطرارًا إلى الجلاء والاعتراف لمصر باستقلالها كاملًا موفورًا.

وهي قد جربت النفي في غير مصر، كما جربت القتل والتعذيب والسجن؛ فلم تنتفع بشيء من ذلك نفعًا قليلًا أو كثيرًا، ولم تستطع أن تُكره الشعوب على ما أرادت لها من الذلة والخنوع، وإنما أكرهتها الشعوب على أن ترفع عنها بطشها وتكف عنها بأسها وتصرف عنها كيدها، ثم تحاول بعد ذلك أن تترضى الشعوب وتبتغي الوسائل إلى مودتها بعد أن صبَّت عليها العذاب والكيد ألوانًا. وهي الآن تعود سيرتها الأولى مع هذه الجزيرة اليونانية، فتمكر وتكيد وتعذب وتسجن، وتلجأ آخر الأمر إلى نفي الزعماء.

تخدع بذلك نفسها أكثر مما تخدع أهل قبرص؛ لأنهم يرون ويفهمون أن طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال والكرامة أقوى من كل قوة، وأمضى من كل سلاح وأنفذ من كل كيد، وأعظم من كل سلطان.

والبريطانيون يرون ويسمعون أن حليفتهم وجارتهم فرنسا قد نفت سلطان مراكش وطائفة من زعمائها، وصبَّت العذاب على أحرار المراكشيين، ثم اضطرت آخر الأمر إلى أن تنزل عند إرادة الشعب المراكشي، فتفاوض السلطان في منفاه ثم ترده إلى وطنه كريمًا موفورًا، ثم تفاوضه وتفاوض حكومته وترد إليه وإلى الشعب المراكشي الاستقلال والكرامة، لم يغنِ عنها النفي والعذاب شيئًا.

وهم يرون ويسمعون قصة جارتهم وحليفتهم في تونس كما رأوا وسمعوا قصتها في الهند الصينية، ولكنهم لا يعتبرون بشيء من هذا كله، وإنما يستأنفون المضي في الطريق التي مضوا فيها من قبل ومضت فيها حليفتهم وجارتهم، ثم ارتدوا وارتد حلفاؤهم وجيرانهم خاسئين. وإذا كتب اللَّه الخذلان على قوم أغراهم بالحمق وزيَّن لهم ركوب شهواتهم وصرفهم عن الانتفاع بتجاربهم وتجارب الظالمين من قبلهم ومن حولهم، فتورطوا في الخطأ بعد الخطأ، وأضافوا الأغلاط إلى الأغلاط، وأنفقوا الأموال والرجال في غير طائل، وكسبوا لأنفسهم خزي الهزيمة وسوء السمعة وسقوط الهيبة، وأصبحوا عبرة ونكالًا لمن يريد أن يعتبر ويتعظ، وأضحكوا منهم أولئك الذين أرادوا أن ينزلوا بهم الخسف ويسوموهم سوء العذاب.

والبريطانيون لا يجنون بما يصنعون في قبرص على السياسة البريطانية وحدها ولا على المكانة البريطانية وحدها، وإنما يجنون على أصدقائهم وحلفائهم جميعًا. فقبرص جزيرة يونانية منذ عرفها التاريخ، وأهلها يونانيون إلى اليوم وإلى غد، وكل إساءة إليها إساءة إلى الشعب اليوناني كله. والدولة اليونانية حليفة لبريطانيا العظمى تشاركها في حلف الأطلنطي، فهي إذن تجني على دولة صديقة حليفة مشاركة لها في هذا الحلف الذي تشترك فيه دول أخرى لا تستطيع بريطانيا أن تستغني عن ودها وعونها.

فإذا أخرجت اليونان واضطرتهم إلى ترك هذا الحلف أساءت بذلك إلى سياسة هذا العالم الغريب الذي يسمي نفسه باسم ليس أقل منه غرابة، وهو العالم الحر؛ أساءت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى فرنسا وإلى الدول الأخرى المشاركة في حلف الأطلنطي، وقلبت سياسة الديمقراطية الغربية في هذا القطر من أقطار أوروبا رأسًا على عقب، وفتحت بيدها لخصوم الغرب بابًا لم يكن هؤلاء الخصوم يحلمون بأنه سيُفتح لهم دون أن يبذلوا في فتحه جهدًا أو يلقوا فيه كيدًا.

والدولة اليونانية عضو في حلف آخر تعتمد عليه الديمقراطية الغربية كل الاعتماد، وهو حلف البلقان … فإذا أحرجتها بريطانيا العظمى بسياستها هذه الحمقاء في قبرص، فقد تضطرها إلى الخروج من هذا الحلف، وينهار بذلك هذا البناء الذي اعتمد عليه الغربيون، وظنوا أنه سور يحول بينهم وبين خصومهم من الشيوعيين، وكانت النتيجة الظاهرة لهذا كله أن بريطانيا العظمى قد أضاعت على السياسة الغربية قطرين خطيرين من أقطار الأرض؛ هذا القطر الذي تقوم فيه الدولة اليونانية من جهة، وقطر العالم العربي بحلفها السخيف الأحمق في بغداد.

وكذلك تثقل الحساب الذي يجب أن تؤديه بريطانيا العظمى أمام حلفائها أولًا وأمام شعبها ومصالحها ثانيًا، وليس لذلك كله سبب إلا أن هذه الدولة البريطانية التي عُرفت قديمًا بالكياسة وأصالة الرأي، قد ركبت رأسها، ولم تستجب إلا للعناد الذي لا يؤذيها وحدها، وإنما يؤذي معها حلفاءها جميعًا.

وبريطانيا العظمى تعلم حق العلم أن ضم قبرص إلى وطنها اليوناني لم يكن ليضرها شيئًا، فالدولة اليونانية حليفتها، وما كانت لتمانع في أن تستمر القواعد البريطانية في قبرص ما دامت هذه القواعد ضرورة من ضرورات الدفاع الغربي. والأمريكيون لهم قواعد كثيرة في بلاد مستقلة ليست مستعمرة لهم، وإنما هي حليفة تشاركهم في السياسة والمصالح المختلفة، وتحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الدفاع عن نظامها الاجتماعي ومصالحها المختلفة.

فللأسطول الأمريكي قواعده في الثغور الأوروبية، وللسلاح الجوي قواعده في أرض أوروبا، وما نعرف أن لأمريكا في أوروبا مستعمرات أو شيئًا يشبه المستعمرات.

كيف غفلت بريطانيا العظمى عن هذه الأوليات التي لا يغفل عنها أيسر الناس حظًّا من التفكير المستقيم في الأشياء.

مهما يكن من شيء، فإن من المحقق أن نفي الزعماء القبرصيين إن دل على شيء، فإنما يدل على أن السياسة البريطانية قد فقدت في هذه الأيام أخص ما كانت تمتاز به من الفطنة وحسن النظر في عواقب الأمور، وإن نفي هؤلاء الزعماء بشير ينبغي أن يستقبله أهل قبرص، وسيستقبلونه بهذا الرضى المُر الذي تعرفه الشعوب المظلومة حين يشتد عليها اليأس وتعظم بها المحنة، والذي يملأ النفوس ثقة والقلوب أملًا ويزيد العزائم مضاء ونفوذًا، والمقاومة شدة وثباتًا، وينتهي غدًا أو بعد غد برجوع المنفيين إلى وطنهم كرامًا موفورين قد مُلئت أيديهم ببشائر الفوز.

وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء الزعماء المنفيين سيعودون في يوم قريب كما عاد سلطان مراكش، وسيعودون ومعهم ما يريده أهل قبرص من تحقيق الآمال وإرضاء الكرامة اليونانية التي غالبت الخطوب والأحداث قرونًا طوالًا، وعرفت آخر الأمر كيف تقهرها وتنتصر عليها.

من بعيد … رسل البغضاء …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣ سبتمبر ١٩٦٠

لست صاحب هذا العنوان، وإنما أستعيره من كاتب فرنسي معروف جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة الفيجارو. وهذا المقال يصوِّر أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا، فهم لم يسيغوا ولن يسيغوا آخر الدهر هذه الظاهرة التي يمتاز بها العصر الذي نعيش فيه، وهي ظاهرة الطموح إلى الحرية والجد في سبيل الظفر بها والوصول إليها آخر الأمر. وهذه الظاهرة، كارثة بالقياس إلى هؤلاء المحافظين من أنصار الاستعمار؛ ذلك أنهم يؤمنون في أعماق نفوسهم بشيئين خطيرين: أحدهما المال والآخر السلطان، وما يكون له من بُعد الصوت وعلو الكلمة وارتفاع المكانة. فكل غني من هؤلاء المحافظين مستثمر لماله كله أو بعضه في مستعمرة أو في غير مستعمرة من المستعمرات التي يسيطر عليها وطنه، فإذا تحررت هذه المستعمرة أو طالبت بحريتها واشتدت في هذه المطالبة فهي مؤذية لهذا الغني في ماله أولًا، وفي سلطان وطنه ومكانته بعد ذلك. وكل فقير من هؤلاء المحافظين يغنيه سلطان وطنه، وارتفاع مكانته بين الأوطان، وبُعد صوته في أقطار الأرض عن المال، أو قل يعزيه عن المال ويثير فيه كثيرًا من الكبرياء، ويغري به الغرور ويخيل إليه أنه شارك من قريب في هذا السلطان المنتشر وفي هذا الصوت البعيد وفي هذه المكانة الرفيعة.

فكل مستعمرة تتحرر أو تطالب بالحرية وتلح في هذه المطالبة؛ تؤدبه في كبريائه، وتطاطئ من غروره، وتلقي في روعه أن وطنه قد أخذ يضعف قليلًا أو كثيرًا، وأن له حظه من هذا الضعف، وأنه منتهٍ غدًا أو بعد غد إلى أن يرى وطنه قد انحط من مكانته الرفيعة إلى مكانة أدنى منها، وأنه يشارك في هذا الانحطاط من قريب جدًّا. وهو من أجل ذلك كزميله الغني، مبغض لتحرر المستعمرات، مبغض لمطالبتها بالحرية، ضيق بوطنه حين لا يملك القوة على سحق هذه المستعمرة المتمردة وردها إلى الذل والهوان وإكراهها على أن تؤمن بأنها خُلقت للذل وخُلق الذل لها، وبأنها خُلقت للطاعة وخُلقت الطاعة لها، وبأنها فُطرت على الاستعباد، وكُتب عليها أن تجدَّ وتكدَّ وتذوق ألوان البؤس والشقاء؛ ليزداد الغني غنًى وليزداد حظ المستكبر المستعلي من الكبرياء والاستعلاء والغرور. وليس أسهل على نفوس هؤلاء المستعمرين من أن تعكس حقائق الأشياء وتردها إلى أضدادها، فليس المستغل المستذل الذي يسخر الناس لتحقيق منافعه هو الذي يظلم هؤلاء الناس ويدفعهم بظلمه إلى أن يبغضوه ويثوروا به حين تُتاح لهم الفرصة للثورة به، وإنما الشعب الذي طال استذلاله واستغلاله ثم أحس وجوده وشعر بحقه في الحياة الكريمة وطالب بهذا الحق، هو الظالم وهو الباغي وهو المعتدي؛ لأنه يُنقص ثراء الأغنياء وكبرياء السادة ويطاطئ من مكانتهم الرفيعة، وهو يغري الشعوب التي شاركته في الذل والاستعباد بأن تثور كما ثار وتطالب بحقها في الحرية والكرامة كما طالب بهما.

فهو إذن ناشر للظلم والبغضاء، وهو من أجل ذلك مفسد في الأرض، وكل من أقره على مطالبته بالحرية أو أعانه على بعض أمره بعد ظفره بهذه الحرية مشاركٌ له في الظلم ومفسد مثله للأرض.

ومن أجل هذا كله أنشأ ذلك الكاتب الفرنسي المعروف مقاله، ومن أجل هذا كله نشرت صحيفة الفيجارو له هذا المقال؛ ذلك لأن هذا الكاتب في أكبر الظن من الذين أسهموا في استغلال المستعمرات، ومن الذين أسهموا في استغلال قناة السويس حين كانت قناة السويس خاضعة لسلطان تلك الشركة البائسة، وهو من أجل ذلك ساخط كلما تحررت مستعمرة وساخط كلما أقرَّ وطنه استقلال هذه المستعمرة، سواء أكان هذا الاستقلال صريحًا أم مدخولًا، وهو من أجل هذا يُسمي دعاة الحرية في المستعمرات وفي البلاد التي خضعت خضوعًا ما لسلطان الأجنبي رُسلَ البغضاء.

فرئيس حكومة الكنغو البلجيكي سابقًا رسولٌ من رسل البغضاء؛ لأنه يطالب بحرية وطنه ووحدته وحقه في الكرامة، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة من رسل البغضاء؛ لأنه أجلى البريطانيين عن مصر وحرر قناة السويس وردها إلى أصحابها، والذين ثاروا بملك العراق ونوري السعيد من رسل البغضاء؛ لأنهم أرادوا أن يحكم العراق نفسه.

وكل من أعان هؤلاء على ما طلبوا أو على ما يطلبون لترقية بلادهم والترفيه على شعوبهم، مشاركٌ لهم في رسالة البغضاء ومعين لهم على نشر الفساد في الأرض. فالاتحاد السوفييتي مثلًا مشارك في نشر البغض وإظهار الفساد في البر والبحر؛ لأنه يقر الشعوب المتحررة ويؤيدها، والولايات المتحدة الأمريكية ناشرة للبغضاء معينة على الإفساد في الأرض؛ لأنها تعترف باستقلال الشعوب المتحررة ولا تشن عليها الحرب الاقتصادية.

ولو قد صدر مثل هذا المقال عن رجل من الذين يحترفون السياسة ويعيشون بها ولها لهان أمره، فلأصحاب السياسة مذاهبهم ولهم حياتهم على ما يكون فيها من خير وشر. ولكن صدور هذا المقال من كاتب أديب لا يشارك في السياسة العاملة وإنما ينظر في الحياة ويقوِّمها ويحكم عليها بعقل المفكر الأديب لا بعقل السياسي المحترف، هو الذي يدعو لا أقول إلى العجب — فكل شيء ممكن في هذه الحياة الحديثة — بل إلى التفكير. فلولا أن لهذا الكاتب وأمثاله مشاركة في المنافع التي تغلها المستعمرات، لَما فكر تفكيره هذا، ولما رد حقائق الأشياء إلى نقائضها ولا اطمأن ضميره إلى أن من الحق أن تشقى الملايين بالذل والبؤس والجوع وألوان العناء؛ لتنعم قلة من الناس لا تكاد تُحصى إلا بالمئات، ولَما رضي ضميره أن يكون الناس في هذا العصر الحديث فريقين: أحدهما مستمتع بكل ما يحب من طيبات الحياة المادية والمعنوية، ليس له إلا أن يريد فيتحقق كل ما يريد، والآخر يُحرم كل طيبات الحياة المادية والمعنوية ليس له أن يريد ولا أن يفكر في الإرادة، بل ليس له من حقائق الإنسانية إلا صورتها الظاهرة، وليس بينه وبين الأدوات التي يعمل بها فرق ذو بال، إنما هو أداة مثلها مسخر مثلها لتلك القلة التي أُتيح لها أن تستمتع بكل شيء بشرط أن تكون في الأرض ملايين كثيرة قد حُرمت كل شيء.

إنما هي المنفعة وحدها التي تفسد ضمائر الأدباء والمفكرين، وتبلغ بهم هذا الحد من اعوجاج النظر في الأشياء والحكم عليها.

والحمد للَّه على أن في الغرب كُتابًا آخرين لم يُفسد ضمائرهم الجشع إلى المال، ولا الحرص على الثراء، ولا الرغبة في الترف الذي يُفسد النفوس ويميت القلوب.

كُتَّاب ينظرون إلى الأشياء كما هي، لا يغيرون حقائقها ولا يعكسون طبائعها ولا يؤثرون أنفسهم بالخير من دون غيرهم من الناس، وإنما هم يستبشرون بكل دعوة إلى الحرية ويبتهجون بكل ظفر بالحرية ويسعدون حين يرون أن نور الحق ينتشر في الأرض شيئًا فشيئًا، ويوشك أن يعمرها كلها، وأن يحقق المساواة بين الشعوب، وأن يحقق هذه المساواة بين أبناء هذه الشعوب، وأن ينشر العدل فلا يكون في الأرض سيد ومسود، وإنما تكون الأرض كلها حرة تعيش فيها وتستثمرها شعوب حرة. وقد يكون هذا المثل الأعلى بعيدًا بعض الشيء، ولكنه كغيره من المُثل العليا يدنو قليلًا، ويرقى الإنسان إليه قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغه الإنسان ظهرت له مُثل عليا أبعد منالًا وأرفع مكانًا وأجدر أن يطلبها الإنسان ويجدَّ في طلبها حتى يبلغها ويطمح إلى مُثل أرقى منها.

فحياة الإنسان طموح متصل ورقي متصل وآمال تتحقق؛ لتظهر مكانها آمال أخرى تدفع الإنسان إلى الجد والكد والعمل. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن رسل البغضاء الذين يذكرهم الكاتب الفرنسي؛ سيسجل التاريخ لهم في يوم من الأيام أنهم كانوا رسل الحب والسلام ورسل الحرية وكرامة الإنسان ورسل العدل الذي لا يتيح للأغنياء أن يترفوا بشقاء البائسين المستذلين.

كل ظواهر الحياة الحديثة تدل على أن مصير الشعوب المستضعفة إنما هو إلى الحرية والكرامة والعزة والمساواة، وإن رَغِم أنف المستعمرين سواء منهم الجهلاء والمثقفون.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading