وزارة الإصلاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٩ أغسطس ١٩٤٥
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.
وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.
ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.
وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.
فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.
ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!
أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.
ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.
أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟
وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.
يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.
وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.
وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!
يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.
أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.
لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.
وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!
متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية.
هل أزفت ساعة الوداع؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ أغسطس ١٩٤٥
يُقال إن مجلس الوزراء قد نظر في إلغاء الأحكام العرفية أثناء اجتماعه الأخير، ويقال إنه لم يكتفِ بالتحدث في ذلك، وإنما أخذ يمهد له تمهيدًا عمليًّا لا أعرف كيف يكون، ولكن يظهر أن الحكومة المصرية تنتظر أن يصل إليها نبأ الاستسلام الياباني بغير شرط ولا قيد؛ لتعلن إلغاء الأحكام العرفية.
وهذا شيء حسن من غير شك، فستُرَدُّ مصر إذن إلى حياتها الطبيعية التي لا تخضع للحكم العسكري، والتي لا تُحَدُّ فيها حريات الأفراد والجماعات إلا بالحدود التي رسمها القانون العام.
وقد ذاقت مصر مرارة الأحكام العرفية وحلاوتها منذ ١٩٣٩. فمن الطبيعي أن تسأم مصر هذه المرارة وهذه الحلاوة، وأن تطمح إلى حياتها الأولى التي لا تبلو فيها إلا صرامة القانون، والتي لا يخشى الأفراد فيها على حريتهم ما يكون من تقدير الحاكم العسكري العام أو الحاكم العسكري الخاص، وما يتأثر به تقدير الحاكم العسكري من اختلاف الأمزجة بين حكامنا العسكريين، ومن اختلافهم في التأثر بالأشياء، وفي فهمهم لها وحكمهم عليها، واستخلاصهم لما يستخلصون من النتائج.
وقد يكون من الغريب أن يُقال إن مصر قد ذاقت حلاوة الأحكام العرفية؛ فالمستقر في نفوس الناس أن الأحكام العرفية شر لا بد منه، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الشر مُرٌّ كله، وأنه يخلو من بعض الخير؟!
ومن الخير الذي قد يشتاق إليه الذين يشكون من الأحكام العرفية الآن، ويتمنون أن تُزال وتُلغى، هذه الرقابة السعيدة التي نَعِم المصريون بها أعوامًا، والتي أتاحت لهم أن يعيشوا عيشة راضية مريحة لا جهد فيها ولا عناء، لا يعلمون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يعلموا، ولا يجهلون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يجهلوا.
قد بُسِطَ عليهم ظل ملؤه العطف والحب والرحمة والحنان، يحميهم من تهويل الشركات التي تنشر أنباء السوء في أوقات الخطر فتملأ النفوس جزعًا وهلعًا، والتي تنشر الأنباء المترددة بين الخير والشر فتملأ النفوس قلقًا وفرقًا، وتحميهم من هذا الراديو الذي يذيع ما يذيع، ويشيع ما يشيع، فيسر قليلًا ويسوء كثيرًا ويقلق دائمًا، وتحميهم من هؤلاء الصحفيين الذين يندسون هنا وهناك، يضعون أصابعهم في آذانهم ولكنهم يسمعون؛ كأن الطبيعة قد ركَّبت لهم آذانًا سرية لا تُرى ولكنها تسجل كل شيء! ثم يعودون بأخبارهم هذه المقلقة المخيفة أو المثيرة للخواطر كما يقول أصحاب القانون؛ فينشرونها في صحفهم، وإذا النفوس قلقة، وإذا القلوب مضطربة، وإذا الحياة جحيم أو شيء يشبه الجحيم.
في ظل هذه الرقابة السعيدة كانت مصر ناعمة سعيدة راضية البال، تصبح راضية وتمسي راضية، وتجهل ما تجري به الأقدار من الأحداث والكوارث، وكان الناس فارغين لأعمالهم، مشغولين بذوات أنفسهم، يعكفون على منافعهم مصبحين، ويفكرون في منافعهم ممسين، قد تركوا عواقب الأمور وضمائر الأيام للحكومة التي تستأثر بها، وتحتجزها احتجازًا، وتظهر للناس منها ما تريد، وتخفي على الناس منها ما تريد.
ثم كانت مصر سعيدة راضية تجهل حقائق الأشياء، فيُتاح لخيالها أن يخترع من الحوادث والخطوب ما يُغْنِي عن تلك الحقائق التي تجهلها. وأي شيء ألذ من أن يفوتك الحق فتكلف الخيال أن يخترع مكانه شيئًا تنكره أول الأمر، ولكنك ما تزال تفكر فيه حتى تطمئن إليه؟! وإذا أنت تصدقه وتراه حقًّا، ثم تذيعه وتقنع الناس بأنه الحق، وإذا أنت تعيش، وإذا الناس يعيشون من حولك عيشة ملؤها الوهم وقوامها الاختراع، عيشة تأتلف من الأحلام كما تأتلف من الأحلام عيشة الأطفال السعداء.
كل هذا كان من الآثار السعيدة التي كانت الرقابة تمن بها علينا، والتي انكشف عنها بعضها منذ وقف مجلس الوزراء هذه الرقابة في يونيو الماضي، فابتأسنا أشد الابتئاس وشقينا أعظم الشقاء. عبثت بنا أنباء الشركات البرقية، ولعبت بعقولنا مهارة الصحفيين، وظهرت لنا الحقائق بغيضة بشعة لا تؤدي إلى القلب راحة، ولا إلى النفس أمنًا، وإنما هي تخيف حينًا وتتعب حينًا آخر، ولا تسر بحال من الأحوال.
في أيام الرقابة السعيدة، كان الوزراء يخطئون ويصيبون، وكانوا يسيئون ويحسنون، وكانوا يظلمون ويعدلون، ولكن الرقابة كانت تخفي علينا خطأ الوزراء وتظهر لنا صوابهم، وكانت تطوي عنَّا إساءة الوزراء وتنشر لنا إحسانهم، وكانت تلقي بيننا وبين ظلم الوزراء أستارًا كثافًا، وتنشر بيننا وبين عدل الوزراء أنوارًا وهَّاجة رائعة؛ فكنَّا مطمئنين ناعمين واثقين بأن أمورنا تجري على خير ما يمكن أن تجري عليه أمور الناس: صواب دائم، وإحسان متصل، وعدل شامل كامل.
فلما وقفت الرقابة رأينا وزراءنا وأعوانهم كما يرى الناس بعضهم بعضًا، فرأينا الخطأ الذي كان يُخفى علينا، ورأينا التورط في الإساءة حينًا والتجاوز عن العدل حينًا آخر؛ فضقنا وأنكرنا، وغضب الوزراء لضيقنا وإنكارنا، وساءت الصلات بيننا وبين حكامنا، وكانت خليقة ألا تسوء لو لم يعلن رئيس الوزراء في يوم من الأيام أمام البرلمانيين أنه قد قرر وقف الرقابة إلا فيما يتصل بالشئون العسكرية.
هذا العنف الذي شبَّتْ ناره بين الحكومة والصحف المعارضة كان بعيدًا عنَّا أشد البعد، وكانت نفوسنا بريئة منه كل البراءة؛ حتى إذا خطر هذا الخاطر الغريب لمجلس الوزراء رُدَّت نفوسنا إلى عنفها، وإذا الصحفيون يبحثون وينقبون وينشرون، وإذا نحن نقرأ فنغضب كثيرًا ونضحك قليلًا، ونطالب أحيانًا باستقالة هذا الوزير وأحيانًا باستقالة ذاك، ونلح دائما في استقالة الوزارة كلها. وإذا الوزراء مثلنا يغضبون كثيرًا ويضحكون قليلًا، ويتمكنون من مجالسهم على كراسيهم مخافة أن تضطرب بهم هذه الكراسي فيسقط منهم من يسقط، ويُقال منهم من يُقال.
ثم لم يقف الشر عند هذا الذي ثار بيننا وبين وزرائنا من سوء رأينا فيهم وسوء رأيهم فيهم، وإنما أصاب الشر فريقًا منَّا كان هادئًا مطمئنًا قبل أن تُلغى الرقابة. أصاب الصحفيين أولًا؛ فالوزراء ناس من ناس يستطيعون أن يحلموا عند الغضب، وأن يصفحوا عند الموجدة، ولكنهم ناس من الناس يخرجون عن أطوارهم أحيانًا، ويخطئهم الحلم بين وقت ووقت، ولا يواتيهم الصفح حين يجد الجد، وقد جردهم مجلس الوزراء من سلطان الرقابة، ولكنه لا يستطيع أن يجردهم من حق الشكوى إلى النيابة؛ فهم إذن يشكون والنيابة تنشط، والتحقيق يبدأ اليوم لينتهي أو لا ينتهي، وأبواب السجن تُفتَح للحبس الاحتياطي.
وصوِّر أنت لنفسك ما ينشأ عن هذا كله من العناء، عناء الصحفيين الذين يرهقهم التحقيق ويؤذيهم السجن، وعناء النيابة التي يرهقها السؤال والجواب والأخذ والرد في أشياء لعلها لا تحب أن تشقى قليلًا أو كثيرًا، وعناء المحامين الذين يشهدون التحقيق إن أُذِنَ لهم بشهوده، ويتحرقون غيظًا إن رُدُّوا عن شهوده، ويقدمون المعارضات من الحبس، ويترافعون أمام القضاة فيطلقون المسجونين أحيانًا، ويعجزون عن ذاك أحيانًا أخرى، وعناء القضاة الذين يُضيِّعون أوقاتهم في قراءة أشياء لعلهم يؤثرون عليها قراءة أشياء أخرى.
كل هذا؛ لأن رئيس الوزراء تأثر بما كتب له بعض الكُتَّاب، أو قال له بعض الشيوخ فوقف الرقابة، ولو أنه تركها يظلنا بظلها الوارف لأراح واستراح.
ولكن الشر ليس مقصورًا على هؤلاء؛ فللصحفيين أسر تشقى بشقائهم وتسعد بسعادتهم، وكانت هذه الأسر راضية مطمئنة في ظل الرقابة، فقد أصبحت قلقة وَجِلة، ينصرف عنها عائلها أول النهار فلا تدري أيعود إليها آخر النهار أم لا يعود.
وهناك طائفة من الموظفين في المصالح والدواوين علَّمتهم الرقابة أن يؤثروا فضيلة الصمت، وأن يكتموا أسرار الحكومة ويضنوا بها على غير أهلها. فلما وقفت الرقابة عادت ألسنتهم إلى الطول، ولعبت بهم مهارة الصحفيين، فصرَّحوا حينًا ولمَّحوا حينًا آخر، واستغل الصحفيون تصريحهم وتلميحهم، ثم اتهمهم الرؤساء فصبُّوا عليهم البلاء، وشقي بذلك الأبرياء من أبنائهم وبناتهم ونسائهم الذين كانوا آمنين مطمئنين، فلما وقف رئيس الوزراء هذه الرقابة السعيدة جعلهم جميعًا نهبًا للقلق والخوف.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء وزملاءه لم يكونوا يفكرون في هذا كله، وإنما كانوا يصدقون أولئك الكتَّاب الذين كانوا يقولون لهم أن الرقابة شر، ويطالبونهم بإلغائها. ولو أنهم فكروا في كل هذه العواقب، وتدبروا كل هذه النتائج؛ لأطالوا التروِّي قبل أن يُقْدِموا على هذه الخطوة الخطيرة، وبلغوا رقابتنا السعيدة.
وقد تقول إن الرقابة شر هذا لا شك فيه، وإنها شر لا بدَّ منه حين تدعو إليه ضرورات الحرب، وإن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون الناس أحرارًا في نقد الوزراء والرؤساء. فإذا أراد الوزراء والرؤساء أن يتجنبوا النقد ويأمنوا شره، فما عليهم إلا أن يحسنوا الحكم، ويؤثروا العدل، ويتوخوا الإنصاف.
قد تقول هذا كله، ولكنك تعلم أن هذا كله كلام لا غناء فيه؛ فالديموقراطية الصحيحة خيال لم يتحقَّق بعد في مصر على أقل تقدير، والوزراء الذين يُجنِّبون أنفسهم النقد بإيثار الحكم الصالح والعدل الشامل والإنصاف المتصل أشخاص قد نراهم في الكتب وأحاديث القصاص.
والواقع أن الوزير لا يكون وزيرًا إلا إذا عرَّض نفسه للنقد بتجاوز هذا الحق أو كثيرًا. وما قيمة السلطان إذا لم يُتِحْ لصاحبه شيئًا من الاستبداد؟! والعاجز من لا يستبد، كما قال ابن أبي ربيعة!
فليس على الوزراء بأس من أن يستبدوا، وليس على الصحفيين بأس من أن ينقدوا، وليس على النيابة بأس من أن تحقق، ولا على السجون بأس من أن تتلقى الكُتَّاب!
ولا بد مما ليس منه بد. فقد جرت حياتنا على هذا النحو، فأما أن نقبل الأشياء كما أراد الله أن تكون، وإما أن نرغب إلى رئيس الوزراء مُلِحِّين عليه في أن يتفضل فيطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الرقابة ليريح ويستريح، فمصر قد ألفت الرقابة واطمأنت إليها، وهي كالمتنبي لا تسلو إذا ألفت وتسأم إذا أحبت، وكان المتنبي يزعم أنه ألوف لورد إلى الصبا آسف على الشيب. فنحن كالمتنبي، نُرَدُّ الحرية فنأسف على الرقابة! فليمسك علينا رئيس الوزراء رقابته فإنها أضمن للأمن وأكفل للعافية.
وقد أعلن رئيس الوزراء أنه أباح الاجتماعات، والحمد لله على أنه قد أباحها في القول ولم يُبِحْها في العمل، الحمد لله على أن منع رئيس الوفد من السفر إلى بورسعيد فجنَّب جيوش الحلفاء خطرًا عظيمًا، وجنَّب مصر غضب الدول الثلاث الكبرى التي تحارب اليابان حربًا لا هوادة فيها، وجنَّب رئيس الوفد نفسه احتمال هذه التبعة الخطيرة، ثم جنَّب كثيرًا من المصريين تحقيق النيابة، والحبس الاحتياطي … إلى آخر هذه القصص التي لا تنتهي.
ويُقال لنا اليوم إن مجلس الوزراء يُمهِّد لإلغاء الأحكام العرفية، ولإلغاء الأحكام العرفية كلها. هل يُقدِّر المصريون معنى هذه الجملة؟! هل يعلم المصريون أن إلغاء الأحكام العرفية كلها إلغاءً تامًّا صحيحًا سيرفع عن رئيس الوزراء صفة الحاكم العسكري، وسيحظر عليه إعادة الرقابة إن أراد أن يعيدها رحمةً لنا وبرًّا بنا وعطفًا علينا، وسيحرمه القدرة على منع رئيس الوفد من التنقل والزيارات وإلقاء الخطب والاستماع لها؟! هل يُقدِّر المصريون أننا مُعرَّضون لهذا الخطر الهائل، وأننا سنصبح أحرارًا نقول ما نشاء ونفعل ما نشاء، لا نتعرض إلا لأحكام القانون العام؟! ألا يشفق المصريون من هذا الخطر؟! أيجدون من أنفسهم الشجاعة في مواجهته؟!
أمَّا أنا، فمشفق منه أشد الإشفاق، خائف منه أشد الخوف، ولو علمت أن رئيس الوزراء يقبل مني النصح لطلبت إليه ألا يتعجل في إلغاء الأحكام العرفية، كما أنه لم يتعجل في طلب الحقوق المصرية إلى الإنجليز، وأن يرى أن مصر تستطيع أن تصبر على انتقاص استقلالها الخارجي والداخلي حتى تسنح الفرصة؛ فمصر تستطيع أن تصبر على انتقاص حريتها، وبقاء الأحكام العرفية حتى تسنح الفرصة!
وأؤكد لرئيس الوزراء أن المصريين لا يُطاقون حين ترد إليهم الحرية! فسيقولون ويكثرون القول، وسيصيحون ويكثرون الصياح، وسيجتمعون فيسرفون في الاجتماع، وسينتشر أعضاء الوفد في أقطار الأرض، هذا يخطب في الشرق، وهذا يخطب في الغرب، وكلهم يدعو إلى استفتاء الشعب ورد الحكم إلى الأغلبية الصحيحة، وكلهم يدعو إلى المطالبة بالاستقلال الكامل الشامل. فما نحن وهذا العناء؟! ولِمَ لا نغلق هذا الباب الذي إن فُتِحَ لم نَدْرِ من الذي يدخله، ومن الذي يخرج منه.
عليَّ أن أجد في نفسي شيئًا من العزاء إن صمم رئيس الوزراء على إلغاء الأحكام العرفية؛ فلم تكن الأحكام العرفية قائمة حين وقف الدستور ثلاثة أعوام قابلة للتجديد، ولم تكن قائمة حين أُلْغِيَ الدستور ووُضِعَ مكانه دستور آخر، ولم تكن قائمة في عهود الانقلاب على اختلافها. ومع ذلك، عرفت الوزارات في تلك العهود كيف تعقل الألسنة، وتفلُّ الأقلام، وترسل الناس إلى السجون، وتمنع الخصوم من النشاط؛ فإذا لم يجد رئيس الوزراء بُدًّا من إلغاء الأحكام العرفية، فلا أقل من أن ينظر في تاريخنا القريب جدًّا، ولا أقل من أن يتأسَّى بالذين ساسوا مصر سياسة حزم وعزم، وضربوا على أيدي الذين يريدون أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. وصدقي باشا حيٌّ موفور الصحة والحمد لله، وهو يستطيع أن يسدي النصح، ويهدي المشورة القيمة.
فأما إذا أبى رئيس الوزراء إلا إلغاء الأحكام العرفية، وإلا الإعراض عن سيرة صدقي باشا وأمثاله من أولي العزم والحزم، فإني لا أحتمل تبعة ما ستتعرض له الوزارة، وما سنتعرض نحن له من الأمور الجسام.
فليختر رئيس الوزراء بين أمرين لا ثالث لهما: الحزم والعزم والقوة والبأس من جهة، أو الاختلاف والخصومة ثم الاستقالة، وما يكون بعدها من الخطوب.
أما بعد، فإني أؤثر في غير مزاح هذه المرة أن تبقى الأحكام العرفية على ما فيها من شدة وحرج، على أن تُلغى الأحكام العرفية من القول، وتبقى في العمل. فإذا كان النقراشي باشا يريد أن يلغي الأحكام العرفية حقًّا، وليس له من ذلك بد، فليُعْطِ على نفسه عهدًا أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه بأنه لن يُغيِّر في أحكام الدستور، ولن يُكلِّف القوانين ما لا تطيق، ولن يسير في الحكم سيرة قوم يعرفهم حق المعرفة؛ لأنه ذاق من بأسهم وبطشهم ما لا نحب أن يذيقنا مثله حين صار الأمر إليه.
الديمقراطية المنتصرة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ أغسطس ١٩٤٥
يُقال إن الديمقراطية قد كسبت الحرب، وأدركت ما جاهدت في سبيله ستة أعوام من النصر المؤزر والفوز المبين، فمحقت الدكتاتورية في الشرق والغرب مَحْقًا، وسحقتها في أوروبا وآسيا سحقًا.
والظاهر أن هذا كله صحيح؛ فقد استسلمت ألمانيا منذ ثلاثة أشهر، واستسلمت اليابان منذ يومين، وقد قُتِل موسوليني عظيم إيطاليا، ومثَّل به الإيطاليون تمثيلًا قبيحًا، وضاع هتلر فلم يقطع الناس في أمره بشيء، فهو تائه بين الحياة والموت، وبقي إمبراطور اليابان على أن يتلقى أوامر المنتصرين وينفذها في غير تردد ولا تلكؤ، وأصبحت كلمة الديمقراطية هي العليا في جميع أقطار الأرض، ولم يبقَ للدكتاتورية كلمة يمكن أن يُقال إنها أصبحت السفلى، بل خفت صوت الدكتاتورية خفوتًا تامًّا وانقطع انقطاعًا كاملًا، وجعلت الشعوب التي كانت حرة تتشوق إلى مزيد من الحرية، وجعلت الشعوب التي كانت مستعبدة تطمح إلى روح من الحرية يشيع فيها الحركة والنشاط، ويتيح لها الاستمتاع بالحياة في ظل الأمن والدعة والهدوء.
فما عسى أن تكون هذه الديمقراطية التي انتصرت؟ وما عسى أن يكون فهمنا لها واستمتاعنا بها؟ وما عسى أن ننتظر من نتائج انتصارها المؤزر وفوزها المبين؟ وإلى أي حد نستطيع أن نقول ونحن صادقون فيما بيننا وبين أنفسنا — وفيما بيننا وبين الناس — إن مصر التي جاهدت مع المجاهدين لتنتصر الديمقراطية قد فازت مع الفائزين بما أُتِيحَ للديمقراطية من انتصار؟
هذه أسئلة يلقيها المصري على نفسه إذا خلا إليها، ويلقيها بعض المصريين على بعض إذا التقوا وأخذوا في الحديث، وهم يستطيعون أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، ولكنهم يعجزون العجز كله عن أن يجيبوا على بعضها الآخر. يستطيعون أن يجيبوا عن الأسئلة العامة التي لا تمسهم من قريب أو بعيد، فإذا اتصلت هذه الأسئلة بحياتهم أدركهم شيء من الحيرة والوجوم، فلم يعرفوا كيف يقولون أو أخذهم شيء من السخرية والعبث فاندفعوا في ضحك مر عريض، أو أخذهم شيء من الحزن والأسى وطرقوا صامتين يؤثرون الصمت على الكلام، ويودون لو آثروا الجهل على العلم، والغفلة على التنبه، ويودون بنوع خاص لو حُجِبَتْ عنهم حقائق الأشياء، فلم يروا ولم يسمعوا ولم يفهموا ما يرون ويسمعون ويفهمون.
هم جميعًا يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، لا يحكمه غيره من الأجانب، ولا تحكمه قلة من أبنائه دون الكثرة، ولا تدبر حكومته أمره على غير ما يحب ويرضى، ولا توجه الحكم فيه لمصلحة الأجنبي دون المواطن، ولا لمصلحة القلة دون الكثرة، ولا لمصلحة الذين يريدون أن يستأثروا وحدهم بالخير والنعمة والرخاء، وأن يتركوا لغيرهم الشر والبؤس والضنك والشقاء. هم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يضمن للشعب حريته وسيادته، بالقياس إلى الأجنبي مهما يكن، وبالقياس إلى المواطن مهما يكن. هي هذا النظام الذي يكفل للشعب حرية صادقة واستقلالًا صحيحًا في داخل الوطن وخارجه، وهم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي لا يكتفي بضمان الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح في الداخل والخارج, وإنما يضمن معهما عدلًا اجتماعيًّا يعصم الناس من بأس الأقوياء كما يعصمهم من بؤس الحرمان، ويمحو من بينهم الأثرة والاستعلاء؛ أي يمحو من بينهم الاستبداد والامتياز. يجعلهم سواء أمام القانون، ويجعلهم متقاربين في الاستمتاع بالحياة الهادئة المطمئنة، متقاربين في القدرة على أن يصلحوا حياتهم ويرقوها ويرتفعوا بها من طور إلى طور، ويسعوا بها إلى الكمال المادي والمعنوي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
هم يعلمون هذا كله حق العلم؛ لأنهم قرءوه في الكتب والصحف وسمعوه في الراديو. تحدث به إليهم الزعماء والقادة، وتحدث به إليهم الملوك أنفسهم، وهم يرون ذلك رأي العين. يرون بريطانيا العظمى وقد حوَّلت ثقتها عن زعيمها العظيم المستر تشرشل الذي قادها إلى النصر، ونفذ بها من أشد الخطوب نكرًا إلى خصمه المستر آتلي، لا لشيء إلَّا لأنها أشفقت من سياسة المحافظين، وخافت ألَّا تحقق هذه السياسة إلى جانب الحرية السياسية في الداخل والخارج. هذا العدل الاجتماعي الذي لا تتم الديمقراطية الحديثة إلَّا به.
فالشعب البريطاني قد قال للعالم كله جهرة وفي غير تحفظ ولا التواء إنه يريد أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، وإنه قادر على تحقيق ما يريد. وقد افتتح برلمانه الجديد أمس، وأعلن ملكه العظيم فيما أعلن أن حكومته ستبذل ما تستطيع من جهد لِتُحقِّق للشعب البريطاني في أرضه، ولِتُحقِّق لشعوب الإمبراطورية أعظمَ حظٍّ ممكن من هذا العدل الاجتماعي الذي يقوم على النظام الاشتراكي الذي تؤمن به حكومة العمال، والذي أراد الشعب البريطاني أن يجرِّبه وأن يذوق ثمراته.
والمصريون يرون ذلك ويقرءونه ويسمعونه، ويرون أن الشعوب الأوروبية الأخرى — سواء منها المنتصرة والمحررة والمغلوبة — تذهب كلها هذا المذهب، فتطمح إلى الحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وتحرص على العدل الاجتماعي، وتُضحِّي بكل شيء في سبيل هذا العدل وفي سبيل تلك الحرية. ففرنسا تسرع إلى اليسار، وليست إيطاليا وبلجيكا واليونان ويوجوسلافيا بأقل منها إسراعًا إلى اليسار. فأمَّا البلاد البلقانية الأخرى فقد اندفعت إلى اليسار اندفاعًا، ومن يدري أتقنع بالاشتراكية أم تياسر إلى أبعد منها؟
وليس المهم أن يُسمَّى النظام ديمقراطية أو اشتراكية أو شيوعية، وإنما المهم أن يحقق النظام للشعب حرية سياسية صحيحة في الداخل والخارج، وعدلًا اجتماعيًّا صحيحًا يكفل للناس حياة كريمة، ويطهر قلوبهم من الحسد والحقد، ومن العداوة والبغضاء.
إلى هذه المُثُل العليا يتجه العالم كله، وهو لا يتجه إليها بالقول وحده، وإنما يتجه إليها بالقول والعمل، ويخطو إليها خطوات حاسمة حازمة واسعة، لا تحتمل إبطاءً ولا تلكؤًا ولا ريثًا.
والمصريون يرون هذا كله ويعلمونه كما يعلمون أخص ما يتصل بها من الشئون، فإذا سألتهم عن الديمقراطية المنتصرة ما هي؛ أجابوك على هذا السؤال في غير تردد ولا اختلاف، ولكنك حين تسألهم عن المقدار الذي يستمتعون به من هذه الديمقراطية المنتصرة؛ رأيت منهم الحزين المطرق واليائس والضاحك من اليأس، والذي يسمع منك السؤال ثم يعرض عنك؛ لأنه لا يريد أن يضيع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد.
ذلك لأنهم يعلمون جميعًا أنهم جاهدوا مع المجاهدين لتنتصر هذه الديمقراطية، وشاركوا فيما تكلفت الشعوب من عناء، وفيما احتملت من آلام وفيما قدمت من تضحيات، وكانوا يظنون أنهم سيشاركون فيما سينتهي الجهاد إليه من نصر، وفيما سيؤتي من ثمرات، ولكنهم نظروا فإذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل بالقياس إليهم. فالديمقراطية بمعناها السياسي التقليدي القديم — وهي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه — لم تُتَح لهم، وإنما رُدَّتْ عنهم أو رُدُّوا عنها.
فليس من الحق أنهم ينعمون بالحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وآية ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقضوا وحدهم في كثير من شئونهم التي تمس السياسة والاقتصاد، وآية ذلك أنهم لا يستمتعون حتى بحريتهم الشخصية؛ فهم لا يكتبون كما يريدون أن يكتبوا، ولا يخطبون كما يحبون أن يخطبوا، ولا يجتمعون إذا أرادوا أن يجتمعوا، تمنعهم من ذلك كله الأحكام العرفية التي تتراءى لهم، قريبة منهم بعيدة عنهم، منغصة لحياتهم على كل حال، ويمنعهم من ذلك حكم لم يختاروه ولم يحبوه، يرفق بهم وإن لم يحبوا هذا الرفق، ويعطف عليهم هذا العطف.
والناس يُدفَعون — رغم أنوفهم — للخير، ويُكرَهون على الرقي وعلى صلاح الحكم إكراهًا، وصلاح الحكم هذا معنى يختلف فيه الناس اختلافًا شديدًا، يقدره الأجنبي على غير ما يقدره الوطني، وتقدره القلة على غير ما تقدره الكثرة، والشيء المحقق هو أن ألسنة المصريين معقودة، وأقلامهم معقولة، وحقوقهم في الحرية السياسية محدودة بإرادة الحاكم العسكري العام، وبإرادة المسئولين عن شئون الحكم. أولئك الذين يرضون فتُيسَّر الأمور ويغضبون فتعسر الأمور. فكيف تريد المصريين على أن يعتقدوا أن لهم نصيبًا قليلًا أو كثيرًا من هذه الديمقراطية المنتصرة، وهم قد حُرِموا أيسر معانيها وأهون مظاهرها؟!
فإذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزُّوا رءوسهم، وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك، وفي بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث أعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.
ذلك لأنهم ينظرون، فيرون امتيازًا آثمًا وحرمانًا آثمًا أيضًا، يرون قومًا ينفقون بغير حساب حتى يتبعهم الإنفاق، ولا يبلغون بعد ذلك لا أقول رءوس أموالهم، بل أقول أيسر ما تغل عليهم رءوس أموالهم، ويرون قومًا يجمعون الألوف إلى الألوف، والمئات إلى المئات، والقصور إلى القصور، والضِّياع إلى الضِّياع، ويبخلون مع ذلك حتى يعذبهم البخل عذابًا شديدًا.
ويرون قومًا آخرين يجدون ويجهدون ويكدون ويكدحون، ثم ينظرون، فإذا هم وعيالهم لا يظفرون من ثمرات هذا الجد والجهد، وهذا الكد والكدح بما يقيم الأود ويكسو الجسم ويقيه شر العاديات.
ويرون قومًا قد أصبحوا صائمين، وهم لا يدرون أيَصِلون صوم الليل بصوم النهار أم يجدون ما يقطعون به هذا الصوم؟
يرون قومًا قد يُسِّر لهم كل شيء حتى كأن الدنيا قد خُلِقت لهم، ويرون قومًا قد عسر عليهم كل شيء حتى كأنهم خُلِقوا ليكونوا وقودًا لهذه النار المضطرمة التي تُسمَّى البؤس والحرمان.
فأي غرابة في أن يرفع المصريون أكتافهم، ويهزوا رءوسهم، ويشيحوا بوجوههم إن سألتهم عن نصيبهم في الديمقراطية المنتصرة؟!
كلا؛ ليس للمصريين من الديمقراطية المنتصرة نصيب قليل ولا كثير، إنما انتصرت الديمقراطية لغيرهم ولم تنتصر بالقياس إليهم، قد يذوقون ثمرة هذا النصر في يوم من الأيام، وسبيلهم إلى ذلك — فيما أظن — أن يترقبوا ليلة القدر؛ فإنها تأتي في رمضان من كل عام، وأن يضرعوا إلى الله في ليالي رمضان كلها مخلصين أن يتيح لهم نصيبًا من الديمقراطية المنتصرة.
وأنا أوصيهم مخلصًا أن يبتهلوا بهذا الدعاء في ليالي رمضان كلها، لا يستثنون منها ليلة؛ فإنهم لا يدرون أيها ستكون ليلة القدر.
مخالفات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أغسطس ١٩٤٥
رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.
ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.
ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.
ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.
ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.
يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.
وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!
لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!
وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.
وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.
بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.
وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.
وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:
إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.
على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.
والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.
أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!
أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!
أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.
فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
ضمائر الشعوب
طه حسين
المجلد
٩ ديسمبر ١٩٤٥
أمستيقظة هي أم نائمة؟! أواضحة هي أم غامضة؟! أمؤثِّرة هي في أعمال الحكومات أم ليس لها في هذه الأعمال تأثير قليل أو كثير؟ هذه أسئلة يلقيها الذين يتتبعون الحياة العالمية في هذه الأيام على أنفسهم إذا خلوا إليها، ويلقيها بعضهم على بعض إذا لقي بعضهم بعضًا، ومن الطبيعي أن تكون الأجوبة على هذه الأسئلة مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف؛ لأن الشعوب نفسها متغايرة فيما بينها أشد التغاير.
ولكن من الممكن مع ذلك — بل من المؤكد — أن هناك مقدارًا مشتركًا تتفق فيه الشعوب المتحضرة جميعها، مهما يكن حظها من الرقي، ومهما يكن بينها من التفاوت في هذا الرقي؛ فليس من شك في أن كل شعب متحضر من شعوب الأرض الآن قد اكتسب حاسة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وإن تفاوتت حظوظ هذه الشعوب من هذه الحاسة؛ وهي حاسة الطموح الملحوظ إلى تحقيق مقدار من العدل في النظم السياسية والاجتماعية لا تستطيع الشعوب أن تعيش بدونه.
وكان رقي الحضارة، وانتشار الثقافة، وتغلغل التعليم في طبقات الأمم، كان هذا كله مصدرًا لنشوء هذه الحاسة الجديدة وما أدت إليه من تطور خطير في حياة الأفراد والجماعات، ومع أن هناك مقاييس مختلفة للصلة بين الحضارة وبين هذا الحس الجديد، ونحن نستطيع أن نثق بهذا المقياس الخاص، مقياس انتشار الثقافة، وتغلغل التعليم؛ فهو الذي أثار فكرة المساواة بين الغالبين والمغلوبين في القرن الثاني للهجرة، وأدال من بني أمية لبني العباس، وهو الذي أثار حركة الزنج في البصرة أثناء القرن الثالث للهجرة، وحركة القرامطة في العالم الإسلامي الشرقي آخر القرن الثالث، وأثناء القرن الرابع للهجرة.
فلولا نقل العلوم والآداب والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولولا انتشار هذه العلوم والآداب والفنون، ونزولها من الطبقات الممتازة إلى الطبقات الوسطى وإلى الطبقات المستضعفة؛ لما طمعت هذه الطبقات في العدل، ولما طمحت إلى المساواة، ولما كانت هذه الثورات.
وأمر أوروبا في ذلك يشبه أمر المسلمين، مع ملاحظة الفروق التي تنشأ عن الزمان والمكان، فخروج العلم والأدب والفن من أديرة الرهبان وقصور الأشراف وانتشارها بفضل المطبعة في المدن والقرى، وإباحتها لكل من استطاع أن يقرأ ويتثقف، هذا كله أذاع في أوروبا شعور الفرد بنفسه، وطموحه إلى تحقيق شخصيته، وطمعه في العدل والمساواة، وكل هذا دفع الأفراد والجماعات إلى التنكر للنظم القديمة، والتفكر في نظم جديدة تُرضي حاجة الناس قليلًا أو كثيرًا إلى العدل والحرية والمساواة.
وليس تاريخ أوروبا في العصور الحديثة إلَّا تصويرًا دقيقًا لهذه الصلة بين انتشار الثقافة والتعليم من جهة، وانتشار الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة من جهة أخرى. وليست الأحداث الخطيرة التي حدثت في أوروبا إلا صورًا لهذه الصلات، نشأت عنها وأثرت فيها، وقوَّت من جهة رقي العلم والأدب والفن، وقوَّت من جهة أخرى الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة؛ فأحداث الثورة الفرنسية، وأحداث الاستقلال الأمريكي، وحروب نابليون، واضطرابات أوروبا، وظهور الاشتراكية، والحربان العالميتان، وانتصار الشيوعية بينهما، كل هذه الأحداث وأحداث أخرى كثيرة لا تُحصى، نتائج طبيعية لهذه الصلة بين انتشار التعليم والثقافة، ووجود الشخصية الإنسانية الشاعرة بحقها، والطامحة إلى حقها في العدل والحرية والمساواة.
وما أريد أن أكتب فصلًا من فصول التاريخ، وإنما أريد أن أقف عند هذه الأحداث التي تضطرب لها الأرض الآن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لأبيِّن أن هذه الأحداث ليست غريبة ولا طريفة ولا شاذة، وإنما هي ظواهر طبيعية لا سبيل إلى ردها، ولا أمل في اتقائها، بل يجب أن تبلغ آمادها، وتنتهي إلى غايتها، مهما يقاومها المقاومون، ويعارضها المعارضون.
وما أروع ذلك الرمز اليوناني القديم الذي ما زالت الإنسانية تجدُّ في فهمه وفقهه، وتستخرج منه روائع العبر والعظات! رمز ذلك المارد أو ذلك الإله الذي سرق النار من السماء وقدَّمها هدية لأهل الأرض، فأتاح لهم بذلك أن يعملوا ويجدوا ويكسبوا لأنفسهم حرية وكرامة تمكِّنهم حتى من أن يثوروا بآلهة الأولمب.
وقد عُذِّب ذلك المارد أو ذلك الإله أشد العذاب، ولكن الناس كانوا قد تلقوا عنه جذوة النار وأشاعوها فيما بينهم، وكسبوا لأنفسهم بها ما كسبوا من الحرية والعلم والأدب والفن، وبلغوا بها ما بلغوا من الرقي ومن الطموح الذي لا ينقضي إلى العدل والحرية والمساواة.
فهذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد أو ذلك الإله قد أصبحت الآن نارًا عظيمةً هائلةً، يتوهج لهبها في أوروبا وأمريكا، ويتطاير شررها في كل مكان، ولا يكاد هذا الشرر يبلغ قطرًا من أقطار الأرض أو جيلًا من أجيال الناس حتى يثبت فيه ويستقر، ثم ينمو فيه ويضطرم، ثم يبعث حياة ونشاطًا وحرارة. وإذا الناس يتعلمون ويتثقفون ويشعرون بأنفسهم الفردية والاجتماعية، ويطالبون لهذه الأنفس بحقها الطبيعي في العدل والحرية والمساواة.
هذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد هي التي كشفت للإنسان عن ضميره، وهي التي تنشر في الأمم والشعوب فتكشف لها عن ضمائرها. وإذا استكشف الإنسان ضميره، فليس إلى قهره ولا إلى إذلاله سبيل؛ لأن هذا الضمير مرآة صافية جدًّا ذات وجهين؛ أحدهما: يصور الظلم الذي لا يُطاق، والثاني: يصور العدل الذي لا يمكن الصبر عنه ولا الزهد فيه.
فالذين يريدون أن يردُّوا الشعوب عن طموحها إلى العدل والحرية والمساواة لن يبلغوا من ذلك شيئًا، إلَّا إذا استطاعوا أن يُطفئوا هذه الجذوة الخالدة، وأن يردُّوا مياه الأنهار إلى ينابيعها، ويمنعوا الكواكب والنجوم من أن ترسل ضوءها في الفضاء.
وإذا دلَّت حوادث الصراع بين الظلم والعدل، وبين الرق والحرية، وبين التفوق والمساواة على شيء، فإنما تدل على أن الإنسان كائن عجيب حقًّا، يجمع بين الرشد الذي ينشئ الحضارة ويرقيها، والحمق الذي يهدم هذه الحضارة ويلغيها. والرشد هو المنتصر آخر الأمر؛ لأنه انتصر دائمًا منذ سرق ذلك المارد تلك النار من السماء.
هذه الشعوب التي تضطرب في أوروبا لتظفر بالعدل الاجتماعي بعد أن ظفرت بالحرية السياسية، إنما ترى نفسها في مرآة ضمائرها، ترى بؤسًا لا يُطاق، ونعيمًا ممكنا لا بدَّ من بلوغه، فتنفر من البؤس البغيض، وتسعى إلى النعيم الأثير عند النفوس. وهي من أجل ذلك تغير نظم الحكم؛ لأن نظم الحكم ليست غايات في أنفسها، وإنما هي وسائل إلى إسعاد الأفراد والجماعات.
فإذا أعرض البريطانيون عن حكم رأس المال المحافظ إلى حكم الاشتراكية العاملة، فليس لذلك مصدر إلَّا أن ضمير الشعب البريطاني قد صوَّر له بؤسًا بغيضًا في ظل رأس المال، ونعيمًا ممكنًا في ظل الاشتراكية. وقل مثل ذلك بالقياس إلى فرنسا التي أرادت أن تستبقي شيئًا من المحافظة، فاستبقت في الحزب الجمهوري الشعبي محافظة اشتراكية — إن صح هذا التعبير — لأن ضمير الشعب الفرنسي قد صوَّر له بؤسًا منكرًا في نظام رأس المال، وأملًا باسمًا في النظام الاشتراكي.
وليس ما يحدث في أوروبا كلها الآن إلَّا صراعًا بين هاتين الصورتين اللتين تعكسهما ضمائر الشعوب: صورة اليأس القاتم من ناحية، والأمل الباسم من ناحية أخرى. وبمقدار ما يتاح لهذه الشعوب من القوة ومواتاة الظروف تنأى عن اليأس وتدنو من الأمل. وقد يطول هذا الصراع أو يقصر، ولكنه منتهٍ آخر الأمر إلى النتيجة التي ينتهي إليها دائمًا، وهي أن شمس الأمل ستمحو ظلمة اليأس.
وكان هذا الصراع يحدث في أوروبا وأمريكا وحدهما إلى أواخر القرن الماضي، بل إلى أول هذا القرن، ولكن الحربين العالميتين زادتا تلك النار تلظيًا والتهابًا، فانتثر منها الشرر انتشارًا، وتساقط في أقطار الأرض كلها، وجعل يستقر في كل مكان منها، ثم يذكو وينمو ويملأ النفوس حرارة، والقلوب نشاطًا، وإذا أقطار الأرض المتحضرة كلها تعرف نفسها، وتستكشف ضمائرها، وترى هاتين الصورتين: صورة البؤس الذي يجب التخلص منه، وصور النعيم الذي يجب السعي إليه.
هذه الشعوب التي تطالب بالاستقلال، وهذه الشعوب التي تطالب بالإصلاح الداخلي، وهذه الشعوب التي تذود الأجنبي عن أرض الوطن، وهذه الشعوب التي تحاول أن تغير نظم الحكم فيها؛ هذه الشعوب كلها كانت غافلة جاهلة، ثم بلغها العلم والثقافة، والعلم والثقافة لا يأتيان من الكتب وحدها، ولا يُلتمسان في المدارس وحدها، ولكنهما الآن يأتيان من كل وجه، ويُلتمسان في كل سبيل، ويُنالان بكل وسيلة. هذه الشعوب قد أدركها العلم والثقافة، فاستكشفت ضمائرها، ورأت ظلمًا يجب أن يُرفع، فهي تحاول أن ترفعه، وعدلًا يجب أن يُنال، فهي تحاول أن تناله.
والظالمون يقاومون ويشتدون في المقاومة، ولكن المظلومين يهاجمون ويشتدون في المهاجمة. وقد علمنا التاريخ — منذ كان التاريخ — أن المظلومين كانوا دائمًا أقوى من الظالمين، وأن أبواب السماء لا تُفتح لهم وحدها، وإنما تُفتح لهم في الوقت نفسه أبواب هذا الأمل الهادئ الذي يشيع في الجو فيُعلِّم المظلومين كيف يصبرون، وكيف يحتملون، وكيف يدورون حول المشكلات إلى أن ينفذوا من المشكلات.
هذا الذي يحدث في الشرق الأقصى بين الأمم المنتصرة المتفوقة، والأمم التي كانت خاضعة للاستعمار وتريد ألَّا تعود إلى هذا الخضوع ليس إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن هذه الأمم قد استكشفت ضمائرها، فرأت ذلًّا يجب أن يُمحى، وعزًّا يجب أن يتبقى، وهي تجاهد لتمحو الذل وتبلغ ما ينبغي لها من العزة.
ما هذا الذي يضطرب به الشرق الأوسط، والذي تُنقل إلينا أخباره مختلطة مشوهة، لا نتبين منها حقًّا ولا صوابًا؟!
ما الذي يحدث في إيران؟ أهو الصراع بين المنتصرين من الروسيين والسكسونيين؟ أهو صراع بينهم وبين الإيرانيين الذين يريدون أن يخلصوا لأنفسهم، وأن يستردوا حريتهم في وطنهم؟ أم هو صراع في الوقت نفسه بين الإيرانيين أنفسهم؛ لأن الأقوياء منهم يبغون على الضعفاء؟! كل هذا ممكن، وأكبر الظن أن كل هذا حق. ولكن هناك شيئًا آخر ليس فيه شك، وهو أن الشعب الإيراني على اختلاف طبقاته قد أخذ يستكشف ضميره، ويرى تسلُّطًا من الأجنبي لا ينبغي أن يبقى، ويرى ظلمًا داخليًّا يجب أن يُزال.
وهذه الأنباء التي أخذت تصل إلينا من تركيا، هذا الخوف من ثورة كردية أو أرمنية هنا أو هناك، هذا الخوف من ضغط أجنبي، هذه المحاولة لإنشاء معارض، هذا الاصطدام بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؛ لا يدلُّ هذا كله إلَّا على أن الشعب التركي قد أخذ يستكشف أعماق ضميره، ويطمح هو أيضًا إلى شيء أكثر من الاستقلال القوي المنيع؛ إلى العدل والحرية والمساواة.
وهذا الشرق العربي الذي يحاول أن يجمع كلمته، وأن ينفي التسلط الأجنبي عن وطنه، يُصلح من حياته فيُطعم الجائع، ويسقي الظمآن، ويكسو العريان، إنما يستكشف ضميره شيئًا فشيئًا، ويرى صورًا منكرة يجب أن تُهجر، وصورًا رائعة يجب أن تحب وتطلب.
وليس ما ترى في جميع أقطار الأرض من هذه الاضطرابات التي تعنف حينًا حتى تبلغ الحرب، وتلطف حينًا حتى لا تتجاوز الكلام؛ ليست هذه الاضطرابات إلا آثارًا قوية أو ضعيفة لهذه الضمائر التي كانت مدفونة في أعماق النفوس الإنسانية، فأخذ الإنسان يستكشفها شيئًا فشيئًا كما يستكشف الباحث في الأرض ما تضمر الأرض من الكنوز …
والإنسان مستكشف ضميره، وبالغ أعماق هذا الضمير يومًا من الأيام، والشعوب ظافرةٌ بحقوقها، وبالغةٌ غاياتها يومًا من الأيام، ولكن يجب أن تقرأ دائمًا هذه الآية الكريمة، وأن تتدبرها وتُحسن تدبيرها: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ).
بين العدل والحرية
طه حسين
الكاتب المصري
يونيو ١٩٤٦
مسألة واحدة تلقى في كل مكان متحضر وفي كل بيئة مثقفة، يلقيها بعض الناس على بعض، ويلقيها الأفراد على أنفسهم عن إرادة وتعمد واختيار حينًا، وعلى غير إرادة ولا شعور ولا اختيار حينًا آخر.
يلقيها بعض الناس على بعض، ويلقيها الأفراد على أنفسهم، عامدين إلى الدرس والتحليل، محاولين أن يجدوا لها جوابًا، شاعرين بذلك مريدين له؛ وتلقيها الحياة العاملة على الأفراد والجماعات في كل لحظة وعند كل فرصة، ويعجز الناس في كثير من الأحيان عن أن يجدوا لها حلًّا حاسمًا حازمًا، أو جوابًا قاطعًا ساطعًا. وهم من أجل ذلك يضطربون في حيرة متصلة، تظهر آثارها واضحة في أقوالهم حين يتحدثون، وفي أعمالهم حين يعملون.
أيمضي العالم إلى تحقيق العدل أم إلى تحقيق الحرية؟ هذه هي المسألة — أو قل هي المشكلة — التي ألقاها القرن التاسع عشر على بعض العقول في أوروبا، والتي جعلت تتسلط على هذه العقول قليلًا قليلًا حتى شغلتها واستأثرت بها، ثم تجاوزتها إلى عقول أخرى، ثم جعلت تتنزل شيئًا فشيئًا من الطبقات المفكرة الممتازة إلى الطبقات الوسطى، ثم إلى الطبقات الدنيا، ثم استأثرت بالتفكير السياسي كله في أواخر القرن الماضي، حتى انقسمت لها أوروبا شيعًا وأحزابًا. ثم عظم استئثارها بالحياة الأوروبية في أوائل هذا القرن، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حتى اضطربت لها أوروبا اضطرابًا شديدًا، واضطرب لها العالم خارج أوروبا اضطرابًا شديدًا أيضًا، كان من آثاره أن ثارت الحرب العالمية الثانية، وصبَّت على العالم ما صبَّت من الشر والهول.
وقد انتهت الحرب العالمية الثانية، كما انتهت الحرب العالمية الأولى دون أن تجد إحداهما جوابًا لهذه المسألة أو حلًّا لهذه المشكلة، وإنما كانت نتيجة الحربين أنَّ المسألة ظلت قائمة، ولكنها ازدادت شدة وإلحاحًا، وأنَّ المشكلة ظلَّت قائمة، ولكنها ازدادت صعوبة وتعقيدًا. والله وحده يعلم أيحتاج العالم إلى حرب ثالثة لتجيب على هذه المسألة وتحل هذه المشكلة، أم يستطيع السلام المنظم أو غير المنظم أن يُخرج الإنسانية من حيرتها، ويسلك بها إحدى الطريقتين: طريق الحرية، أو طريق العدل.
ومن الخطأ أن نظن أنَّ هذه المسألة حديثة، لم يعرفها الإنسان إلا حين ألقاها القرن التاسع عشر، وإنما هي مسألة قديمة عرفها الإنسان منذ عصور بعيدة جدًّا. وقد يستطيع الفلاسفة الذين يدرسون التاريخ ويحللونه أن يستقصوا أصل هذه المسألة، وأن يتتبعوا تطورها منذ فرضها العقل على الإنسان المتحضر فيما يسمونه فجر التاريخ.
وليس من شك في أنَّ الفلاسفة قد فعلوا، فدرسوا الحضارة منذ نشأتها، واستقصوا أمر الصراع بين الحرية والعدل في أطوار الرقي الإنساني على اختلافها، ثم انتهوا إلى ما انتهى إليه العالم الآن من هذه الحيرة المتصلة والاختلاط الشديد: فمنهم من آثر الحرية؛ لأنها تحقق كرامة الإنسان، وتتيح له أن يكمل نفسه، ويظفر بشخصيته موفورة تامة، وفريق منهم آثر العدل؛ لأنه يرضي حاجة الإنسان إلى المساواة، ويتيح له حظًّا من الإنصاف يعصمه من استعلاء القوي على الضعيف، وتحكُّم الغني في الفقير، وتفوُّق القادر على العاجز. وفريق آخر حاول أن يلائم بين العدل والحرية، فلم يبلغ من هذه المحاولة شيئًا ذا خطر؛ لأن العدل المطلق والحرية المطلقة لا يستطيعان أن يلتقيا، إلا إذا قيدت الحرية وقيد العدل، وانتقص كلاهما من أطرافه فشوه خَلْقه تشويهًا ما. هنالك يستطيعان أن يلتقيا لقاءً لا يخلو من تشويه تتأثر به الحياة الإنسانية نفسها، فتدفعها الحرية إلى العمل والنشاط، ويدفعها حب العدل إلى الاختلاف والاختصام، وتنتهي إلى هذا التطور الذي نشهده الآن كما شهدناه في العصور المختلفة، والذي يبثُّ فيها العداوة والبغضاء ويملؤها شرًّا ومكرًا وكيدًا، ثم يدفعها حينًا بعد حين إلى حرب من هذه الحروب التي لا تُبْقِي ولا تذر، والتي تزداد على مر الأيام بشاعة ونكرًا.
ومن الخطأ كذلك أن نظن أنَّ هذا الصراع بين الحرية والعدل مقصور على بيئة إنسانيَّة دون بيئة، أو على مكانٍ من العالم المتحضر دون مكان، وإنما الواقع الذي نستطيع أن نلاحظه في كل وقت هو أن هذا الصراع قائم في البيئات الإنسانية المثقفة كلها، وفي أجزاء العالم المتحضر كلها أيضًا، يقوى ويعنف حيث ترقى الحضارة وتتفوَّق، ويضعف وتخفُّ وطأته حيث تركد الحضارة وتميل إلى الخمود، ولكنه موجود دائمًا ومتَّصِل على كل حال.
ويكفي أن ننظر إلى العالم المتحضِّر الذي نعيش فيه اليوم لنتبين أنَّ الصراع بين الحرية والعدل عنيف إلى أقصى غايات العنف في أوروبا وأمريكا، وأن عنفه في هاتين القارتين أشد منه في القارات الأخرى، وإن كان يختلف قوةً وضعفًا باختلاف الأمم والشعوب.
وليس المهم أن ندرس هذا الصراع بين العدل والحرية درسًا مفصلًا مستقصًى، فذلك شيء لا سبيل إليه، بل لا حاجة إليه الآن، وإنما المهم أن نلاحظَ مظاهر هذا الصراع في أوروبا وأمريكا وفي بلاد الشرق الأدنى خاصة؛ لنتبين إلى أي طريق نحن مسوقون، وإلى أي غاية نحن مدفوعون. وليس من شك في أنَّ إلغاء المسافات في الزمان والمكان قد جعل شرقنا الأدنى متصلًا بأوروبا وأمريكا اتصالًا يوميًّا دقيقًا، بحيث لا نستطيع أن نفلت — مهما نحاول ذلك — من التأثر بما يحدث في هاتين القارتين من الأحداث والخطوب، وما يثار فيهما من المصاعب والمشكلات. ومن المحقق أنَّ الشرق الأدنى لو استُؤمِر حين أثيرت الحرب العالمية الأولى لآثر العافية، ولتمنَّى أن يلتزم هذه الحيدة التي تجنِّبه أخطار الحرب وأهوالها. ولكنه لم يُستَأْمر ولم يكن من الممكن أن يستأمر؛ لأنه كان ميدانًا من ميادين الحرب وغرضًا من أغراضها. وهو كذلك لم يُستأمر حين أثيرت الحرب العالمية الثانية، ولم يكن من الممكن أن يُستأمر؛ لأنه كان ميدانًا من ميادين الحرب وهدفًا من أهدافها. وأكبر الظن أنه لن يُستأمر إذا أثيرت حرب عالمية ثالثة؛ لأنه سيكون من أهم ميادين الحرب، ومن أعظم أغراضها خطرًا.
فينبغي للشرق الأدنى إذن أن يوطِّن نفسه على أنه جزء من هذا العالم المتحضر الحديث، الذي يضطرب أشد الاضطراب بهذا الصراع العنيف المتصل بين الحرية والعدل، متأثر — سواء أراد أو لم يرد — بهذا الصراع، وبما يكون له من أثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخير أن يوطِّن نفسه على ذلك، وأن يعدَّ له عدته، وأن يقبل عليه مريدًا لهذا الإقبال لا مكرهًا عليه إكراهًا.
ولم يخطئ الشاعر حين قال:
إذا لم يكن إلا الأسِنَّة مركبٌ فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
وليس للشرق الأدنى بدٌّ من أن يركب هذه الأسنة، فإذا أراد أن يحيد عنها أو أن يتجنب ركوبها، فلن يجد إلى ذلك سبيلًا. وحَسْبُه أن يعلم أنَّ هذا ليس مقصورًا عليه، وإنما هو المصير المحتوم لكل جزء من أجزاء العالم بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان. والناس يقولون في كثير من الصواب: إنَّ العالم الآن موضوع للنزاع بين قوتين عظيمتين، تريد كل منهما أن تسيطر عليه وتنشر فيه سلطانها، وتخضعه لما يقتضيه ذلك من مذاهبها في السياسة ونظمها الاجتماعية المختلفة.
وهاتان القوتان قد تعاونتا أثناء الحرب العالمية الثانية، فاتفقتا ما ظلَّت الحرب قائمة حتى كسبتا النصر، ثم لم تستطيعا أن تمضيا في الاتفاق، فعجزتا عن تنظيم السلم. وقد انتهت الحرب في أوروبا منذ عام وبعض عام وما زال المنتصرون عاجزين عن أن يقروا السلم وينظموه؛ لأنهم عاجزون عن أن يتفقوا فيما بينهم. وليس الخلاف بينهم مقصورًا على تقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب، ولكنه أبعد من ذلك مدًى، وأشد من ذلك عنفًا؛ لأنه يتجاوز الدول المنتصرة نفسها لما تملك من حول وطول ومن قوة وأيدٍ، إلى الشعوب التي تمثِّلها هذه الدول. فالشعوب نفسها مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، يريد بعضها أن يسلك طريق الحرية على أن يكونَ العدل تابعًا للحرية لا متبوعًا، ويريد بعضها الآخر أن يسلك طريق العدل على أن تكون الحرية نافلة تتحقق إن سمح العدل بتحقيقها، ويضحَّى بها إذا لم يكن بدٌّ من التضحية بها في سبيل العدل الشامل والمساواة الكاملة بين الناس.
ثم تختلف الشعوب في حياتها الداخلية نفس هذا الاختلاف بين الدول، فتكون فيها الأحزاب المتباينة التي يذهب بعضها مذهب الحرية الكاملة، ولا يتردد في التضحية بالعدل إذا اقتضت الحرية هذه التضحية، ويذهب بعضها مذهب العدل الشامل، ولا يتردد في إهدار الحرية إذا اقتضى تحقيق العدل إهدارها.
وكذلك يشهد العالم هذا المنظر الرائع الغريب؛ دول تختلف فيما بينها، تختصم حول الحرية والعدل، وأحزاب تختلف فيما بينها، تصطرع حول الحرية والعدل، وأفراد يختلفون فيما بينهم يتمارون في الحرية والعدل. والحياة تمضي متعثِّرة في طريقها لا تكاد تخطو خطوات إلى أمامٍ حتى تضطر إلى أن تنحرف إلى يمينٍ أو إلى شمالٍ، وقد تضطر أحيانًا إلى أن ترجع القهقرى، وتعيد للناس نظمًا كانوا يظنون أنها قد ذهبت إلى غير رجعة، ومضت إلى غير مآب.
وقد يبلغ من اضطراب الشخص الواحد أن يذهب إلى مذهب الحرية إذا أصبح، فلا يكاد يمسي حتى يذهب مذهب العدل. وقد يبلغ من اضطراب الشعب الواحد أيضًا أن ينحرف اليوم إلى يمين ليؤيد الحرية، فإذا كان الغد انحرف إلى شمال ليؤيد العدل، وهو بهذا التذبذب بين اليمين والشمال لا يحقق حريَّةً ولا عدلًا، وإنما يمضي في الاضطراب، ويَغرق في الارتباك إلى أذنيه، وقد يُغرِق معه أممًا وشعوبًا أخرى؛ لأنها خاضعة له أو متأثِّرة به قليلًا أو كثيرًا.
هذه كلها حقائق يسيرة قريبة، يلاحظها الإنسان حين يقرأ صحف الصباح، وحين يقرأ صحف المساء، وكل ما في الأمر أنه ينظر إليها نظرة سريعة غير متعمِّقة ولا مستأنية، ينظر إليها كما ينظر إلى أحداث الحياة اليومية التي يغيرها مرُّ الغداة وكرُّ العشي. فالشعب الإنجليزي مثلًا حين تخلَّص من سلطان المحافظين في العام الماضي، وألقى بمقاليد الأمر إلى العمال، لم يزد على أن انحرف من طريق الحرية المحافظة إلى الشمال حيث العدل، أو قل — إن شئت — حيث الطموح إلى العدل، وحيث التضحية، أو قل — إن شئت — حيث الاستعداد للتضحية بكثير من حرية الفرد والجماعة في سبيل تحقيق هذا العدل.
ولكن الشعب الإنجليزي نفسه حين يضطر حكومة العمال إلى أن تلتزم سياسة محافظة خارج بريطانيا العظمى، فلا تفرط في شيء من مستعمراتها، ولا تتخلى عن قليل من مصالحها في البلاد التي تخضع لنفوذها قليلًا أو كثيرًا، وإنما تستمسك بالإمبراطورية، كما تلقتها من حكومة المحافظين، وتحافظ على مصالحها في أقطار العالم كله على نفس النحو الذي كان يصطنعه المحافظون — أقول: إنَّ الشعب البريطاني حين يضطر حكومة العمال إلى أن تسلك هذه الطريقة، لا يزيد على أن يتراجع، فينحرف من شمال إلى يمين، ويضحِّي بشيء من العدل ليستبقي حريته تلك التي أتاحت له أن يستذل ويستغل جزءًا عظيمًا من الأرض.
والشعب البريطاني حين يتخلص من سلطان المحافظين، ويجعل أمره إلى العمال، ويتيح لرئيس وزرائه ووزير خارجيته أن يتحدثا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن حق العالم في أن يخلص من الاستعباد والاستبداد، يخطو خطوة إلى الشمال في سبيل العدل الدولي، ولكنه لا يلبس أن يعود أدراجه، ويخطو خطوة إلى يمين في سبيل الاحتفاظ بحريته القديمة، التي كانت تتيح له أن يتحكم في مصير الشعوب، وإذا هو يذهب في سياسته مع اليونان ويوجوسلافيا نفس المذهب الذي كان يذهبه المحافظون.
وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوة إلى شمال، حين يعلن رئيس وزرائه ووزير خارجيته أنه يريد الجلاء عن مصر بلا قيد ولا شرط، ثم لا يلبث أن يعود أدراجه بتأثير المحافظين، وإذا هو يشترط للجلاء شروطًا تلغيه، ويقيده بقيود تمنعه من الحركة والنشاط؛ لأنه يضحِّي بالعدل الدولي في سبيل حريته التي تتيح له أن يتحكم في مصير مصر، فلا يجلو عنها إلا حين يريد، وبالشروط والقيود التي يريد أن يعرضها.
وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوات إلى الشمال، حين «يؤمِّم» طائفة من المرافق البريطانية، ثم يتردد ويتراجع حين يعرض لتأميم طائفة أخرى من المرافق، يلغي حرية الأفراد والجماعات في سبيل العدل، ولكنه يلغيها بمقدار؛ لأنه لم يؤمن بالعدل إيمانًا كافيًا، ويحتفظ بهذه الحرية للأفراد والجماعات بالقياس إلى بعض المرافق الأخرى؛ لأنه لم يؤمن بالعدل إيمانًا كافيًا أيضًا. فهو مذبذب بين الطموح إلى العدل والاحتفاظ بالحرية، وكل المصاعب التي يلقاها، وكل المشكلات التي تأتلف منها حياته، إنما تأتيه من هذا التذبذب بين العدل الذي يقتضيه التضحية بحرية التسلط على الأمم والشعوب، والتحكم في مصير الدول والأقطار، وبين الحرية التي تحتفظ له بالقدرة على أن يتحكم في مصير هذه الأمم والشعوب.
والشعب الفرنسي يذهب هذا المذهب نفسه، فهو يتذبذب بين الحرية والعدل؛ يُقبل على انتخاباته العامة في أكتوبر الماضي، فيندفع اندفاعًا قويًّا إلى شمال، ويؤلِّف الكثرة في جماعته التأسيسية من الشيوعيين والاشتراكيين، وإذا هو يؤمم طائفة من مرافقه، ثم لا يلبث أن يأخذه الخوف ويملكه الذعر، وإذا هو يرفض الدستور الذي وضعته له هذه الجماعة التأسيسية الشمالية، فإذا طلب إليه أن ينتخب جماعة تأسيسية أخرى، انحرف إلى يمين، فألَّف كثرتها من المعتدلين، وجعل اليساريين لهم تبعًا أو شيئًا يشبه التبع، ودلَّ بذلك على أنه يريد العدل ولكن بمقدار، ويحرص على الحرية أكثر مما يحرص على أي شيء آخر.
وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى حديثين، دار أحدهما بيني وبين رجل من عامة الشعب في مارسيليا قبل رفض الدستور بيوم واحد. فقد قال لي هذا الرجل: إنه سيرفض الدستور إذا كان الغد لأنه لا يريد دستورًا يساريًّا، ولكنه سيصوِّت لليساريين بعد ذلك لأنه يريد الإصلاح الاجتماعي، ولا يريد برلمانًا رجعيًّا أو حكومة مسرفة في الاعتدال. ودار الآخر بيني وبين أستاذ من أساتذة السوربون في باريس بعد أن رفض الدستور بيومين. وهذا الأستاذ يساريُّ الميل متطرف في حبه لليسار، ولكنه رفض الدستور مع أصحاب اليمين. فلما كلمته في ذلك قال: نعم، رفضت الدستور لأني لا أريد أن أخضع للرقابة فيما أنشر من الكتب وما أذيع من الفصول، وما أُلقِي من الدروس والمحاضرات. فهو إذن يريد العدل، ولكن بشرط ألا يقيد هذا العدل حريته حين يكتب أو يقول. وصاحب الصناعة يستطيع أن يقول كما قال هذا الأستاذ ذاته، رفض الدستور اليساري؛ لأنه لا يريد أن يخضع للرقابة فيما تنتج مصانعه، وفيما تغل عليه من ربح.
وكذلك يتردد الفرنسيون — كما يتردد جيرانهم البريطانيون — بين العدل والحرية: يطمحون إلى العدل، ولكنهم يخافون منه إذا كمل وشمل كل شيء، ويحرصون على الحرية، ولكنهم لا يكرهون تقييدها حين تضطرهم الظروف إلى ذلك. وقل — إن شئت — إنهم يؤثرون الحرية على كل شيء، ولا يضحون بقليل منها إلا ليحتفظوا بما يستطيعون أن يحتفظوا به. فهم يتحدثون عن العدل، كما كان مستر تشرشل يتحدث عن استقلال الشعوب أثناء الحرب. يتحدثون عن العدل على أنه من هذه المثُل العليا التي يتوق الإنسان إليها ويجدُّ في تحقيقها، ولكنه لا يبلغها لأنها من الظرف واللطف والأناقة بحيث تحسن الدلال، وتمتنع على الطامحين إليها والطامعين فيها، تغريهم بنفسها وتدعوهم إلى محاسنها، ولكنها تنأى عنهم كلما دنوا منها، وتتركهم يتمثَّلون قول جميل لبثينة:
ومَنَّيْتِنِي حتى إذا ما ملكتِنِي بقولٍ يُحِلُّ العُصْمَ سهل الأباطحِ
تناءيتِ عني حين لا لِيَ حيلةٌ وغادَرتِ ما غادرت بين الجوانحِ
وهم يحبون من المثل العليا هذا التدلُّل والامتناع، وهم يستمتعون بلذة هذه النار التي تضطرم بين جوانحهم وتحرق قلوبهم شوقًا إلى العدل، وهم يكرهون أن تخمد هذه النار وأن تبرد جوانحهم، وأن يبلغوا العدل فيطمئنوا إلى أنهم بلغوه. وهم يحبون الحرية على نحو آخر، يحبون أن يأخذوها بين أيديهم، ويضموها إلى صدورهم، ويستمتعوا منها بأعظم حظ ممكن، لا ينالون منها حظًّا إلا طمعوا في حظ أعظم منه، ولا يفقدون منها شيئًا إلا تقطَّعت قلوبهم عليه حسرات؛ ذلك لأن هناك فرقًا خطيرًا جدًّا بين الاستمتاع بالحرية والاستمتاع بالعدل.
فالاستمتاع بالحرية يثير هذه اللذة المتَّعبة؛ لأنه يدفع إلى العمل والنشاط، ويغري بالكد والجد، ويمنع الإنسان من أن يريح ويستريح. أما الاستمتاع بالعدل فمريح حقًّا؛ لأنه يقتل الطمع، ويُغري بالرضا، ويزين القناعة في القلوب، أو قل: يفرض القناعة على القلوب فرضًا. فأي غرابة في أن يكون الإنسان أشد إيثارًا للحرية التي تملؤه قوة ونشاطًا، وتدفعه إلى الأمل والعمل، وتمسكه في هذا القلق الحلو المتصل، الذي لا يعرف الرضا ولا يحب الاطمئنان، منه للعدل الذي لا يثير قوة ولا نشاطًا، ولا يدفع إلى مزيد من أمل أو عمل، والذي يملأ القلوب أمنًا ورضًا ويعصمها من القلق والخوف!
والأمر في سائر أوروبا الغربية كالأمر في فرنسا وبريطانيا العظمى: حب مؤكد للحرية، وحرص مصمم عليها، وطموح إلى العدل كما يطمح العشاق العذريون إلى من يعشقون.
وحَسْبُك أن تنظر إلى بلجيكا وهولندا، فهما كبريطانيا العظمى وفرنسا، تمجدان العدل، وتُغنِّيان بمحاسنه، ولا تكرهان أن تحققا منه شيئًا في الأرض البلجيكية والهولندية مختارتين أو مضطرتين، ولكنهما في الوقت نفسه تُؤْثِرَان الحرية أشد الإيثار: تؤثرانها في السياسة الخارجية؛ فالعدل لم يُخلَق لإندونسيا مثلًا ولا للكونجو البلجيكية، كما أنه لم يخلق للمستعمرات البريطانية والفرنسية وللشعوب الضعيفة بوجه عام. وهو إن كان قد خُلِقَ لأوروبا، فإنما خلق لها لتصيب منه بمقدار، كالملح الذي يُصلح قليله الطعام فإذا كثر فسد له الطعام فسادًا شديدًا. ولذلك تحتفظ بلجيكا وهولندا — كما تحتفظ فرنسا وبريطانيا العظمى — بحرية واسعة شديدة السعة للأفراد والجماعات، وتحاولان تحقيق شيء من العدل؛ لتُسكتا هؤلاء الطامعين فيه المطالبين به، الذين لا ينفكون يجأرون بطلب العدل الاجتماعي حين يمسون وحين يصبحون.
وليس من اليسير أن نتبين ميول ألمانيا المنهزمة؛ فهي لم تظفر بعدُ بهذا القدر اليسير من الحرية لتعرب عما تريد في مستقبلها القاتم، ولكنها — على كل حال — قد قُسمت بين المنتصرين، يحتل كل منهم جزءًا من أرضها. وهؤلاء المنتصرون يهيئون الشعب الألماني، أو يحاولون تهيئته لما يحبون ويألفون من مذهب في السياسة والاجتماع. فأوروبا الغربية وأمريكا تهيئان جزءًا من الشعب الألماني — أو تحاولان تهيئته — لهذه الديمقراطية التقليدية التي تؤثر الحرية على العدل، وتتخذ الإصلاح الاجتماعي وسيلة إلى إرضاء الطبقات البائسة من جهة، وإلى الدفاع عن نفسها والاحتفاظ بما بقي لها من السلطان والقوة من جهة أخرى. ولكن روسيا السوفييتية تحتل جزءًا عظيمًا من ألمانيا، وهي تهيئه — أو تحاول تهيئته — لمذهبها في السياسة والاجتماع. ومذهبها واضح معروف؛ فهي تؤثر العدل والمساواة وإلغاء التنافس والتزاحم والتفوق والامتياز على الحرية، وما تستتبع من اصطراع بين الأفراد والجماعات، واستباق إلى تحقيق المنافع، واستئثار بهذه المنافع إذا تم تحقيقها.
وهذا الخلاف العنيف القائم بين هاتين القوتين: قوة الحرية في أمريكا وغرب أوروبا، وقوة العدل في روسيا، هو الذي جعل حياة المنتصرين عسيرة منذ وَضَعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب، وهو الذي حال بينهم وبين الاتفاق حين اجتمعوا في أكتوبر الماضي، وحين اجتمعوا في أبريل ومايو، ويوشك أن يحول بينهم وبين الاتفاق حين يجتمعون بعد أيام قليلة في باريس.
وليس الستار الحديدي الذي يقال إن روسيا قد ألقته من دون جزء عظيم من أوروبا الشرقية والجنوبية إلا سورًا منيعًا يحول بين الحرية والعدل وبين أن يلتقيا وجهًا لوجه ويصطدما في ميدان واحد. فأوروبا الغربية خاضعة للحرية، وما تستتبع من تنافس وخصام، وأوروبا الشرقية خاضعة للعدل، وما يستتبع من تسلط وقهر وكبح لجماح المنافع والأطماع. وإذا أجرت الأمة اليونانية انتخاباتها بأعين الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين، وكانت نتيجة هذه الانتخابات ميامنة لا مياسرة، قال الروسيون: إنَّ هذه الانتخابات لم تجر حرة، ولم تكن بمأمن من تدخل الديمقراطية الغربية وما يسندها من رأس المال.
فإذا دبرت بلغاريا ورومانيا والمجر ويوجسلافيا وتشكوسلوفاكيا شئونها بالانتخابات أو بإقامة الحكومات المؤقتة، وكانت نتيجة هذا كله انحراف هذه الأمم إلى اليسار، قال الإنجليز والأمريكيون والفرنسيون معهم: إنَّ هذه الأمم ليست حرة في تقرير مصيرها، وإنما هي متأثرة بالسلطان الروسي العنيف في كل ما تعمل وفي كل ما تقول. وليس لهذا كله معنًى إلا أنَّ الشعوب الصغيرة في أوروبا قد اضطرت هي أيضًا إلى التذبذب بين مذاهب الأقوياء من أنصار الحرية والعدل، فهي في غرب أوروبا منحازة إلى الحرية؛ لأن الأقوياء من المنتصرين هناك ينحازون إليها.
والواقع أنَّ إرادة هذه الشعوب لم يُتَحْ لها ما ينبغي أن يتاح لها من الفرص لتظهر جلية لا يشوبها لبس ولا غموض. وقد يكون الموقف الأسباني من أوضح الأشياء دلالة على هذه الخصومة بين العدل والحرية. ويجب أن نلاحظ أنَّ التسلط والقهر هما الأداتان اللتان يصطنعهما العدل كما تصطنعهما الحرية، يدافع بهما كل منهما عن نفسه، ويثبِّت بهما كل منهما سلطانه.
فالجيش البريطاني هو الذي أيَّد الحرية في اليونان على حساب العدل، والجيش الروسي هو الذي أيَّد العدل في شرق أوروبا على حساب الحرية. وليس لأحد من المنتصرين جيش في إسبانيا الفاشية، ولو قد وجد هذا الجيش لانحازت إسبانيا الفاشية إلى مذهب الحرية إن كان الجيش بريطانيًّا أو أمريكيًّا، وإلى مذهب العدل إن كان الجيش روسيًّا. ولكن إسبانيا ليست محتلة، ولذلك كان موقفها دليلًا واضحًا على اشتداد الخصومة بين هذين المذهبين. فأما أنصار العدل — وهم الروسيون والفرنسيون حين كان الأمر في فرنسا إلى اليسار — فيريدون إلغاء النظام الفاشي في إسبانيا، وإن أدَّى ذلك إلى التدخل العسكري في الشئون الأسبانية. وأيسر ما يطلبونه أن تقطع العلاقات السياسية بين جميع الدول المنتصرة على اختلاف مذاهبها وبين إسبانيا الفاشية، وأن تعترف الدول المنتصرة بالحكومة الأسبانية المنفية، التي أقامت في أمريكا اللاتينية حينًا، وتريد أن تنتقل إلى فرنسا في هذه الأيام. وهم يعتمدون فيما يطلبون على أنَّ الديمقراطية المنتصرة لا ينبغي أن تسمح للفاشية بالبقاء، وعلى أنَّ نظام الأمم المتحدة وميثاق سان فرنسسكو يفرضان ذلك فرضًا، وعلى أنَّ إسبانيا الفاشية قد ظاهرت ألمانيا وإيطاليا؛ لأنها مدينة لهما بالوجود.
ولكن البريطانيين والأمريكيين يؤمنون هنا بحرية الشعوب إيمانًا يوشك أن يكون تعصبًا؛ فالشعب الأسباني حر في اختيار الحكومة التي تسيطر على أمره، وما ينبغي للسلطان الخارجي أن يتدخل في الشئون الأسبانية الخالصة، ولا أن يفرض على إسبانيا حكومة وإن كانت ديمقراطية، ولا أن يخلص إسبانيا من حكومة وإن كانت فاشية، قد حاربت الديمقراطية، وأعانت عليها ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.
ونتيجة هذا كله أنَّ الشعب الأسباني نفسه منقسم في ظاهر الأمر على الأقل: فريق منه يريد أن يعود إلى النظام الجمهوري اليساري، وفريق آخر يريد أن يحتفظ بالنظام الفاشي الميامن. فأما قبل الحرب فقد أقبلت ألمانيا وإيطاليا في غير تردد على تأييد النظام الفاشي في إسبانيا بالسلاح. وأما بعد الحرب وبعد انتصار الديمقراطية، فإن بريطانيا العظمى وأمريكا تأبيان حتى قطع العلاقات السياسية مع الفاشية الأسبانية، التي أعانت على الديمقراطية ودبرت لها ألوان الكيد.
فالأمر كله إذن إنما يرجع — قبل كل شيء وبعد كل شيء — إلى الصراع بين هذين المذهبين: مذهب الحرية الذي يعتمد على رأس المال، ومذهب العدل الذي يعتمد على الشيوعية.
وكما أنَّ روسيا ألقت ستارًا حديديًّا من دون الشرق الأوروبي والجنوب الأوروبي، فإنَّ بريطانيا العظمى وأمريكا تلقيان ستارًا حديديًّا آخر من دون الغرب الأوروبي. وكل هذا قد يكون له خطره في مستقبل العالم، ولكن هناك ما هو أشد خطرًا من هذا كله، وهو أنَّ الشعوب نفسها منقسمة في حياتها الداخلية أشد الانقسام، ينحاز فريق منها إلى الحرية، فيتبع بريطانيا العظمى وأمريكا، ويستعين بهما على خصومه إن احتاج إلى ذلك، وينحاز فريق آخر إلى العدل فيتبع روسيا، ويستعين بها على خصومه إن احتاج إلى ذلك.
وينشأ عن هذا أن تصبحَ كلمة الاستقلال من الكلمات الجوفاء، التي لا تدل الآن على معنى محقق في حياة هذه الشعوب.
وقد كان من المضحك حقًّا أثناء الصراع الانتخابي في فرنسا أن يتهم أنصار الحرية خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من موسكو، ويريدون أن يجعلوا فرنسا ذيلًا لروسيا، وأن يتهم أنصار العدل خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من واشنجطون، ويريدون أن يجعلوا فرنسا ذيلًا لأمريكا.
والواقع أنَّ أولئك وهؤلاء كانوا يسرفون ويعلمون أنهم يسرفون. فقد أصبحت فكرة العدل أساسًا لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينًا، وأصبحت فكرة الحرية أساسًا لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينًا أيضًا. فالذين ينحازون إلى هذا المذهب أو ذاك، ويؤمنون بهذا الدين أو ذاك، مضطرون بالطبع إلى أن يظاهروا شركاءهم في الرأي وإخوانهم في الدين. فانحياز أنصار العدل في فرنسا إلى روسيا كانحياز أنصار الحرية فيها إلى أمريكا، ظاهرة طبيعية يمكن أن تقاس إلى انحياز المسلمين في وقت من الأوقات إلى عاصمة الخلافة، وإلى انحياز النصارى في وقت من الأوقات إلى عاصمة المسيحية في روما.
على أنَّ هذا الاختلاف بين المذهبيين لم يلبث أن تعقَّد بعد الحرب العالمية الأولى بظهور مذهب وسط يريد أن يحتفظ بالحرية وأن يحقق العدل في الأرض، ولكنه لم ينظر إلى الحرية من حيث هي ولا إلى العدل من حيث هو، وإنما نظر إليهما جميعًا من ناحية خاصة هي ناحية الدين. فأنصار العدل من الشيوعيين والاشتراكيين يعتمدون قبل كل شيء على المادية، التي تجحد الديانات جحودًا تامًّا، وتنظر إلى الحياة الاجتماعية على أنها نتيجة لازمة لتطور تاريخي محتوم.
وأصحاب الحرية — ولا سيما منذ الثورة الفرنسية — لا يكادون يحفلون بالدين، ولا يكادون يلقون إليه بالًا. فإذا أمكن أن ينشأ مذهب ثالث بين هذين المذهبين، يلائم بين الحرية والعدل من جهة وبين الدين من جهة أخرى، ويتخذ الدين أساسًا لحياة إنسانية جديدة ترتفع عن المادة، وترقى إلى المثل العليا، وتؤمن بأن في الإنسان قوة لا تستطيع أن تحيا ولا أن تثمر ولا أن تتيح للإنسان حظه من الرقي إلا إذا اتصلت بمصدرها القدسي الأول من طريق الإيمان والثقة والأمل — أقول إذا أمكن أن ينشأ هذا المذهب كان في نشوئه الخير كل الخير؛ لأنه يصلح ما أفسدت الثورة، فيرد إلى الدين مكانته في القلوب وسلطانه على النفوس، ويعصم الناس من المادية الجامحة والإلحاد المتمرِّد، ويكفل لهم في الوقت نفسه نصيبًا معتدلًا من الحرية، ويتيح لهم في الوقت نفسه سعيًا متصلًا إلى تحقيق العدل في الأرض.
وكذلك نشأت الاشتراكية المسيحية التي لا تقيم العدل على الجبر التاريخي، ولا تجعل الإصلاح نتيجة للتطور المادي، ولا تلغي حرية الفرد ولا حرية الجماعات، وإنما تقيم أمور الناس على التعاطف والتعاون والحب، وتجمع قلوبهم حول هذه المثل الإنسانية والإلهية العليا.
وليس من شك في أنَّ أهوال الحربين العالميتين كان لها أعظم الأثر في إنشاء هذا المذهب وانتشاره وانتصاره في بعض الأقطار. فهذه الأهوال التي صبَّتها الحرب على الناس، وهذه الكوارث التي تغلغلت في حياة الأفراد والجماعات، وهذه القسوة التي قطعت ما بين الناس من أرحام أمر الله أن توصل، كل هذا قد زهَّد الناس في الإيمان بسلطان العلم وتفوقه، وصرفهم عن هذه الفتنة التي ملأت قلوبهم، وملكت أمرهم في القرن الماضي، واضطرهم إلى التفكير في أن العلم ليس كل شيء، وفي أنَّ العقل ليس كل شيء، وفي أنَّ الإنسان لا يأتلف من العقل والجسم فحسب، ولكن له ملكات أخرى لا ينبغي أن تهمل، وحاجات أخرى لا ينبغي أن تزدَرَى.
ومن أهم هذه الملكات ملكة الشعور، ومن أهم هذه الحاجات الحاجة إلى الإيمان بقوة قدسية مدبِّرة لشئون الإنسان تسمو به إلى الخير، وتنهاه عن الشرِّ، وتنأى به عن الموبقات. وقد أعان على انتشار هذا المذهب وانتصاره بعد الحرب العالمية الثانية، أن أتيح حق الانتخاب للنساء في أكثر الشعوب الأوروبية بعد أن كان هذا الحق مقصورًا على الرجال؛ ولذلك انتصرت الاشتراكية المسيحية في فرنسا أخيرًا بانتصار الحركة الجمهورية الشعبية على حساب الاشتراكيين الماركسيين، وانتصرت الديمقراطية المسيحية في إيطاليا على حساب الاشتراكية الماركسية أيضًا، وأصبحت هذه الاشتراكية المسيحية الجديدة قوة لها خطرها في الحياة السياسية لأوروبا الغربية بوجه عام.
ولست أدري أيتاح لهذه الاشتراكية المسيحية فوز متصل، أم هي أعقاب الحرب لا تكاد تمضي عليها الأعوام حتى تعود الحياة الأوروبية إلى طبيعتها، ويُستأنف الصراع عنيفًا بين هذين المذهبين: مذهب الحرية ومذهب العدل؟! ذلك أن هذا المذهب الاشتراكي المسيحي جميل رائع في نفسه، مثله في ذلك مثل مذهب العدل ومذهب الحرية، ولكنه لا يكاد يخرج إلى الوجود اليومي ويعالج مشكلات الحياة الطارئة حتى يصيبه ما يصيب المذهبين من هذه الأعراض التي تبغِّضه إلى فريق من الناس وتحببه إلى فريق.
فالاشتراكية المسيحية لا تلغي رأس المال، وإذن فسيطمئن إليها رأس المال، وسينفر منها طلَّاب المساواة الخالصة والعدل المطلق. والاشتراكية المسيحية لا تنكر الإصلاح الاجتماعي وإنما تدفع إليه دفعًا، وقد تتطرف فيه أحيانًا، وإذن فسيستغلها المتطرفون لتحقيق بعض ما يريدون، وسيشفق منها المحافظون؛ لأنها تكلفهم أكثر مما يريدون أن يتكلفوا. والاشتراكية المسيحية بحكم عنوانها واستمساكها بالدين مضطرة إلى مصانعة الكنيسة، أو قل إلى طاعة الكنيسة وإرضائها، وإذن فسينفر منها جمهور ضخم من الأوروبيين ومن المفكرين الذين قطعوا ما بينهم وبين الكنيسة من الأسباب منذ وقت طويل.
وخذ مثلًا واحدًا لهذا الموقف الوسط الذي يضطر الاشتراكية المسيحية إلى الحرج في بلد كفرنسا؛ فهذه الاشتراكية المسيحية تطالب بحرية التعليم التي يطالب بها المحافظون الغلاة. وحرية التعليم هذه ينكرها عدد ضخم من الفرنسيين الذين ناصروا الفصل بين الكنيسة والدولة، والذين حملوا الجمهورية الفرنسية الثالثة على أن تجعل التعليم من شأن الدولة خاضعًا لسلطانها ملتزمًا للحيدة الدينية الكاملة.
فليس بدٌّ إذن من أن تجد الاشتراكية المسيحية كثيرًا جدًّا من العناء حين تعالج هذه المسألة؛ لأن أنصار العدل الماركسي لم يضعفوا ولم يستيئسوا، وإنما هم محتفظون بقوتهم التي تزداد انتشارًا وانتصارًا من يوم إلى يوم. فالاشتراكية المسيحية في حقيقة الأمر توشك أن تكون طورًا من هذه الأطوار الانتقالية، التي تطمئن إليها الشعوب حين تجهدها الحرب، وتكلفها الأزمات من الجهد والمشقة ما لا تطيق. فإذا استجمت واستردت قوتها ونشاطها ضاقت بالمواقف المتوسطة، واستأنفت الصراع بين القديم والجديد، بين المحافظة والتطرف، أو قل — إن شئت — بين الاستمساك بالحرية والطموح إلى العدل.
والشيء الذي ليس فيه شك هو أن طبيعة الإنسان تدفعه دائمًا إلى الترقي؛ فهو لا يبلغ من الرقي طورًا حتى يسمو إلى طور خير منه، «وحاجة من عاش لا تنقضي.» كما يقول شاعرنا العظيم. والحضارة الإنسانية المادية مسرعة إلى التطور، وإلى تيسير التطرف، وإذاعته، وجعله في متناول الناس جميعًا. فليس للإنسانية بدٌّ من أن تلقي على نفسها دائمًا هذا السؤال: لماذا يتاح النعيم لفريق من الناس ويحظر على فريق آخر؟ لماذا يفرَّق بين الناس في الاستمتاع بالحياة على حين يسوَّى بينهم في الدخول إلى الحياة والخروج منها؟ لماذا يعمل العامل ويزرع الزارع، ويملأ كلاهما الأرض بأسباب الترف ووسائل النعيم؛ لينتفع بنتيجة هذا العمل فريق من الناس لا يعملون ولا يزرعون ولا يبذلون جهدًا ولا يحتملون في الحياة عناءً؟
ولماذا يتاح الفراغ لقلة من الناس، ويفرض العناء على كثرتهم؟ هذه الأسئلة ألقيت على الناس منذ أقدم العصور، ولكنهم لم يحققوها في أنفسهم كما يحققونها الآن، وهم يعتقدون — مصيبين أو مخطئين، راضين أو كارهين — أن العدل يجب أن يكون هو الغاية الأخيرة للحياة، وأن المساواة الصحيحة في تمكين الناس من أن ينتفعوا بهذا العدل هي الوسيلة إلى تحقيق هذه الغاية الكبرى. فإذا ذكرت لهم الحرية ومآثرها ومحاسنها — وما أكثر ما للحرية من مآثر ومحاسن! — فسيقولون لك: إنَّ الحرية لن تطعم الجائع ولن تكسو العاري ولن تسقي الظمآن، وسيقولون لك: إنَّ الرجل البائس لا يستطيع أن ينتفع بحريته؛ لأن الحرية لا تغني إلا مع الاستطاعة، وسيقولون لك: إنَّ الحرية خير ما في ذلك شك، ولكن بشرط أن تُمنح للناس بعد أن تتحقق بينهم المساواة ويستقر بينهم العدل ويصبح بمأمن من كل عبث ومن كل طغيان. وسيقولون لك: إنَّ الحرية إذا منحت للناس قبل أن يستقر بينهم العدل أثارت بينهم التنافس، وأذاعت بينهم البغض، وأشاعت فيهم الطمع والحسد والحقد، وجعلت بعضهم لبعض عدوًّا.
وسيستدلون بالتاريخ كله على هذا كله. وسيقولون: يجب أن يتحقق العدل أولًا، وأن يتساوى الناس في الانتفاع بالحياة كما تساووا في الدخول إليها والخروج منها. فإذا تم لهم ذلك فامنحهم الحرية إن شئت. فلن تعرِّضهم للشر، ولن تثير بينهم كيدًا ولا مكرًا ولا غدرًا ولا عداءً.
وقد تعترض عليهم بأن تحقيق العدل الذي يريدونه، والمساواة التي يطمحون إليها ويطمعون فيها، يدعو إلى كثير من الشر، وأول هذا الشر إلغاء الحرية وإنزال القوي عن قوته والمتفوق عن تفوقه والغني عن غناه، وحمل الناس على ألوان من الحياة متشابهة بغيضة لتشابههما، وأخذُهم بالعنف حتى يحملوا على الجادة ويهتدوا إلى الصراط المستقيم. وقد تضرب لهم الأمثال بما يجري هنا وهناك في البيئات التي حاولت تحقيق العدل والمساواة من العنف المنكر والتسلط الذي لا يطاق، ولكنهم سيجيبونك دائمًا بأن الإنسانية مريضة، وبأن شفاء المريض لا يكون بمداعبته وتدليله، وإنما يكون بحمله على تعاطي الدواء مهما يكن مرًّا بغيضًا، وبحمله أحيانًا على ما هو أشق مشقة وأجهد جهدًا وأثقل ثقلًا من الدواء المرِّ البغيض.
فالإنسانية بين اثنتين: إما أن تريد الشفاء، فتسلك إليه طريقه المستقيمة، وإما أن تؤثر المرض، فتشقى بآلامه وأثقاله حتى يدركها الفناء. وكذلك ستظل الإنسانية مضطربة بين هذين المذهبين: مذهب العدل وما يقتضي من وسائل قد تكون منكرة في كثير من الأحيان، ومذهب الحرية وما يستتبع من نتائج ليست أقل من وسائل العدل نكرًا. ومن يدري؟! لعل يومًا من الأيام قريبًا أو بعيدًا يرى ذلك الفيلسوف الذي يبتكر للإنسانية مزاجًا معتدلًا من الحياة يتحقق فيه العدل من غير عنف، وتتحقق فيه الحرية من غير ظلم، ويذوق الناس فيه سعادة لا يشوبها بؤس ولا شقاء. ويرحم الله عمر؛ فقد أراد أن يحمل المسلمين على ذلك، ومضى بهم في سبيله قُدُمًا، وحقق لهم منه شيئًا كثيرًا. ولكن الشاعر الذي رثاه لم يخطئ حين قال:
عليك سلامٌ من إمامٍ، وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزَّقِ
فمن يسعَ أو يركب جناحي نعامةٍ ليدرك ما قدمت بالأمس يُسبَقِ
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها بوائقَ في أكمامها لم تفتقِ
Leave a Reply