Back to homepage

الشباب بين المثل والمحنة | Youth Between Ideals and Ordeal

تبعات الأجيال
طه حسين
مجلة المصور
١٣ مارس ١٩٤٧

نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.

واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:

لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!

ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.

ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.

والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!

والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!

كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.

على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!

وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!

وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.

وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!

وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!

والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!

وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!

الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!

يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!

إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ!

محنة الشباب
طه حسين
مجلة المصور
٦ ديسمبر ١٩٤٧

هي محنة خطيرة إلى أقصى غايات الخطورة، نستطيع أن نتحدث عنها فنكثر الحديث، وأن نفكر فيها فنطيل التفكير، دون أن نصوِّر آثارها المنكرة في الحياة كما ينبغي أن نصوِّرها، فإذا أردنا أن نَصِف لها الدواء وأن نَرُدَّ شرها عن مصر، فقد نحتاج إلى أشياء أخرى أبعد أثرًا من الكلام الكثير والتفكير الطويل، والحزن الذي يمزق القلوب ألمًا، ويفرق النفوس أسفًا وجزعًا! فهي لا تمس مصر في أموالها كما تمسها الأزمات الاقتصادية حين تجتاح الأموال، ولا تمس مصر في نفوس أبنائها كما تمسها أزمات الوباء حين تزهق النفوس وتضرب أطناب الموت في كل مكان، وإنما تمس مصر في قلوب أبنائها وعقولهم، وفي نفوسهم وضمائرهم، وفي شعورهم وعواطفهم؛ لأنها تجتاح أخلاقهم اجتياحًا، وتفسد طبائعهم إفسادًا.

وأخلاق الأمم أعز عليها من الأموال التي تُجتَاح؛ لأن مال الله غادٍ ورائح، يصبح الإنسان غنيًّا ويمسي فقيرًا كما كان القدماء يقولون … فإذا أضاعت مصر بعض أموالها اليوم — وليس من المصلحة أن نضيعها — فقد تستطيع غدًا تكسب مكانها أموالًا أخرى، وأخلاق الشعوب أعز عليها من النفوس التي تُزهق والدماء التي تُراق، فما دامت في الأمم حياة فالأجيال تخلق الأجيال، والأحياء يعزون عن الأموات، والموت ملم بالشعوب كلها في كل يوم من أيام الأسبوع، وفي كل ساعة من ساعات اليوم يكثر الموتى حين يلم الوباء، أو حين تلم الحرب، ويقلُّون حين ينجلي الوباء، وحين تضع الحرب أوزارها، وتجد الأمم بعد ذلك من حياتها وقوتها وأملها ما يعزيها عما فقدت من المال، ومَنْ فقدت من الناس، ولكنها لا تستطيع أن تجد ما يعزيها عن الأخلاق إذا فسدت، ولا عن القلوب إذا أشعرت خيانة وغدرًا، وامتلأت كيدًا ومكرًا، وشاع فيها الرياء والنفاق … وهذا بالضبط هو الذي يُمتحَن به شبابنا البائسون في هذه الأيام الشداد السود!

وربما كان في حياتنا المعاصرة ما هو شر من هذه المحنة وأعظم منها نكرًا، وهو أننا نرى المحنة ونصبر عليها، وأننا نرى المحنة ونطمئن إليها، وأننا نرى المحنة ونعنيها على أن تزداد انتشارًا، وتأكل قلوب الشباب وضمائرهم كما تأكل النار الحطب!

كان يُقال لنا إن أجيال الكبار قدوة لأجيال الصغار، إن الأجيال الناشئة لا تتأثر بشيء كما تتأثر بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، ولا تفسد لشيء كما تفسد للقدوة السيئة والأسوة القبيحة. وكان يقال لنا إن الأساتذة يعلمون تلاميذهم بما يعرضون عليهم من سيرتهم أكثر مما يعلمونهم بما يلقون عليهم من ضروب العلم. وكان يقال لنا إن الذين يعظون الناس ويؤدبونهم خليقون أن يعظوهم بالسيرة والقدوة، أكثر مما يعظونهم بالخطب المطولة والألفاظ المنمقة، والكلام الذي يصل إلى الآذان ولكنه لا يتجاوزها إلى القلوب.

كان هذا كله يقال لنا، وما زال هذا كله يقال لنا، ولكن أرجو من كل قارئ أن يتحدث إلى نفسه إذا خلا إليها، وأن يتحدث إلى الشباب المتعلمين إذا خلا إليهم عن هذه المُثُل الصالحة التي تعرض أمام الأجيال الناشئة ليعجبوا بها وليحبوها، ثم ليرغبوا فيها وليطلبوها؛ فأنا واثق بأن الحديث سيملأ قلبه روعًا وجزعًا، وحزنًا وهلعًا!

فالجيل الناشئ ينظر فلا يرى قدوة صالحة، ولا أسوة صالحة، ولا مثلًا تثير في القلوب حبًّا وإعجابًا، وتدفع النفوس إلى السمو والطموح، وإنما يرى نقائض هذه الأشياء كلها، ويراها بشعة كأشنع ما تكون البشاعة، منكرة كأقبح ما يكون النكر!

واسمع إلى الشباب وهم يتحدثون حين يخلو بعضهم إلى بعض عما يأخذون به أساتذتهم ومعلميهم من ألوان النقد وضروب العيب، وفنون السخرية والاستهزاء، وقد كدت أُمْلي فنون الانتقاص والازدراء.

فقد كنا نعبث بأساتذتنا حين كنا صغارًا، وقد كان التلاميذ يعبثون بنا حين كنا أساتذة، ولكن هذا العبث لم يكن يتجاوز بعض المظاهر التي تثير الابتسام وتغري بالضحك أحيانًا، فأما الآن فاستمع للطلاب وهم يذكرون أساتذتهم حين يختصمون ويتنافسون، وحين يسعى بعضهم بعض إلى الرؤساء، وحين يكيد بعضهم لبعض عند السلطان، وحين يلقى بعضهم بعضًا بوجوه هاشة باشة، وثغور باسمة، وألفاظ عذبة، وتحيات حارة، ثم لا يكادون يفترقون حتى يقول بعضهم في بعض شر ما يقول الناس في الناس، لا يستترون بذلك ولا يتحفظون فيه، ولا يتحرجون من أن يقولوا ذلك أمام الطلاب والتلاميذ أو من أن يقولوا ذلك للطلاب والتلاميذ!

فهؤلاء الطلاب والتلاميذ بين اثنتين: إما أن يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم وإذا هم يسيرون سيرتهم ويذهبون مذهبهم في الحياة، وإما ألا يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم، وإذا هم يلتمسون مُثُلَهم العليا عند غيرهم من الناس، أو لا يلتمسونها عند أحد! وهم على كل حال لا يؤمنون بأساتذتهم ولا يحفلون بما يرون منهم إذا عملوا، وما يسمعون منهم إذا قالوا!

وإذا فَقَدَ الطلاب والتلاميذ الثقةَ بالأساتذة والمعلمين فلا تنتظر منهم خيرًا لا في سِيرَتهم حين يسيرون، ولا في تعلمهم حين يتعلمون! لا تنتظر خيرًا من قلوبهم ولا من عقولهم، فإن ثقة الشباب بالشيوخ هي الأساس الأول والأخير لاستقامة حياة الأمم والشعوب!

وقد قلت إننا نُمتَحن بشرٍّ من هذا الفساد العظيم، وهو أننا نراه ونغضي عنه، بل نراه ونمعن فيه؛ فالأساتذة والمعلمون يعرفون ذلك من أنفسهم، ومن طلابهم، ومن تلاميذهم، ثم لا يغيرونه ولا يحاولون له تغييرًا … والآباء يسمعون ذلك من أبنائهم فلا يزيدون على أن يحوقلوا ويُصبِّروا أنفسهم على المكروه … والسلطان يعرف ذلك فلا يحاول له تغييرًا، وإنما يُعِين عليه ويرغب فيه … والشر كله يأتي من السياسة التي تقيم أمور الحكم على الترغيب والترهيب، وجعل المناصب والدرجات والترقيات والعلاوات مِنَحًا تُهدى إلى الذين يحسنون نصر الحكومات والتقرب منها، والتوسل إليها بما لا يلائم طهارة القلوب ونقاء الضمائر وتنزه الأخلاق عن الدنيات. وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ للعلم والمتعلمين، ولكنه لا يأمن على علمه وتلاميذه إلا إذا رضي عنه السلطان، بل هو لا يأمن على عيشه إلا إذا رضي عنه السلطان؟!

وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ لعلمه وتلاميذه، ولكن من حقه كذلك أن يُوسِّع على نفسه وعلى أهله وعياله في الرزق، وليس له إلى ذلك سبيل إلا أن يرضى عنه السلطان، والسلطان لا يرضى إلا إذا سلك هذه الطريق لا تلك، وأظهر هذا الرأي لا ذاك، ومال إلى ذلك الحزب، لا إلى ذلك الحزب، ومالأ هذا الفريق لا ذلك الفريق؟!

وإذا شُغِل الأساتذة والمعلمون بإرضاء السلطان وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى عنده، فهناك التنافس والتزاحم، وهناك السعاية والكيد، وهناك الرياء والنفاق، وهناك إذلال النفوس وخفض الرءوس … ومن وراء هذا كله، أو من أمام هذا كله، شباب يقولون ويسمعون، ويتحدثون ويفكرون، ثم ينكرون أساتذتهم ومعلميهم، وينكرون أنفسهم بعد ذلك، ثم ينتهون إلى الشك في كل شيء، والاستخفاف بكل شيء، والانقياد لكل شيء، والانتقاض على كل شيء!

ما أجدر الذين يُعنَون بتسجيل الظواهر الاجتماعية في حياتنا البائسة المنحلة أن يتلطفوا للشباب ليسمعوا آراءهم في أساتذتهم ومعلميهم، وفي قادتهم ومؤدبيهم، بل وفي آبائهم أيضًا! … إذن يستبين لهؤلاء الذين يسجلون الظواهر الاجتماعية أن الشباب المصريين يخضعون في هذه الأيام السود لمحنة منكرة قاسية، يجب أن تُرفَع عنهم إن كنا نريد لهذا البلد المنكوب خيرًا …

ندوة الهلال: مشاكل الشباب كيف نحلها؟
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٤٨

شباب اليوم هم رجال الغد، وعماد المستقبل، وفي حل مشاكلهم تمهيد لا بدَّ منه لإقامة ذلك المستقبل، وتوطيد أركانه على أساس ثابت متين. وقد دعونا خمسة من أقطاب الرأي وأعلام البيان للمناقشة في هذا الموضوع الحيوي … وإليك ما دار بينهم من حديث سجَّلناه حرفيًّا.

بدأ الحديث بين حضرات المجتمعين في الندوة عن مشكلة التعليم … فقال أستاذنا أحمد لطفي السيد باشا: أعتقد أن مشكلة التعليم هي أهم مشاكل شباب اليوم، بل مشاكل البلاد عامة؛ ذلك لأن حلها يستتبع حتمًا حل أكثر المشاكل التي نعانيها، والتي تقف عقبة في سبيل رفع مستوانا العام.

الدكتور بهجت بدوي بك: إن أهدافنا هي رفع المستوى الأدبي والمادي للجيل الجديد، وتحقيق هذه الأهداف إنما يقع العبء الأكبر منه على عاتق الخاصة، أقصد الطبقة المستنيرة؛ فيجب أن نُوجِّه عنايتنا إلى تكوين هذه الطبقة، وتدعيمها بالكفايات العلمية والاقتصادية والفنية؛ أي أن نُوجِّه عنايتنا إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني. والعناية التي تُصرف في سبيل هذا النوع من التعليم ينبغي ألَّا تكون دون العناية التي تصرف في سبيل التعليم العام. وكما يجب أن يزداد الكم يجب كذلك أن يتحسن الكيف. وليس بخَفِيٍّ أن المدنيَّة الغربية الحديثة إنما قامت على أكتاف الجامعات التي بدأت مهمتها هناك منذ قرون، بينما التعليم العام لم يبدأ مهمته إلا منذ ٦٠ أو ٧٠ سنة. الدكتور بقطر: التعليم العام هو الذي يكشف الكفايات، والغرض منه تنوير أذهان الأمة؛ فالوعي القومي لا يوجد إلا في أمة متعلمة بها كفايات في كل المرافق. نشأت باشا: في اعتقادي أن الظروف الحالية أو ظروف الكوليرا العارضة تعطينا فكرة صحيحة عن أيهما أفضل: التوسع في التعليم العام أم التوسع في التعليم الجامعي؛ فهذه الظروف قد أكدت أن ما ينقص الشعب المصري — ولا بدَّ له منه أولًا وقبل كل شيء — هو تفهُّم قواعد الحياة، وتبين المسالك المؤدية إلى أحسن الغايات دون التعرض للمهالك والأخطار. وهذا هو ما يتيحه التعليم العام. أمَّا التعليم الجامعي، فالغرض منه إيجاد القادة لا أكثر، ولا شك في أنَّ مَن عندنا من الجامعيين فيهم الكفاية لهذا وزيادة، لولا أن انعدام التعليم العام من شأنه أن يجعل مهمتهم تعترضها الصعوبات، فمثلهم ومثل العامة عندنا كمثل جياد أصيلة كثيرة تحاول جر عربة تنقصها العجلات. وثمة دليل آخر على ضرورة عنايتنا أولًا بالتعليم العام بما فيه التعليم الزراعي والصناعي، وذلك أن عددنا قد تضاعف في نصف القرن الأخير، ومع هذا لم نُفِدْ شيئًا من هذه الزيادة، بل نقصت الأراضي المزروعة عندنا حوالي مليون فدان، برغم ما جدَّ من الوسائل الزراعية … فإذا كنَّا نتألم الآن لما تعانيه البلاد من المرض والفاقة؛ فذلك مرده إلى أن أكثريتنا لا تزال في جهالة عمياء — ومن هذا كانت زيادة عددنا ضِغْثًا على إبَّالة — وبعد أن كان الفلاح الجاهل الفقير المريض يكد ويكدح ليحصل على رغيف، أصبح هناك آخر من أمثاله يكد ويكدح ليقتسم معه هذا الرغيف بدلًا من أن يبحث لنفسه عن رغيف آخر. أمَّا الأغنياء من الزراع، فأكثرهم كذلك ينقصهم التعليم؛ ولهذا يعيشون بعقول القرون الوسطى، فلا يفيدون ولا تفيد البلاد من غناهم إلا بمقدار ضئيل محدود. الدكتور بقطر: في اختباراتي بأمريكا ما يؤيد هذا كل التأييد، فالرخاء السائد هناك إنما يعود إلى تعميم التعليم الفني والزراعي والصناعي، وإفادة الشعب جميعًا منه في المدارس الثانوية، وقليل هم الذين يدخلون الجامعات بعد ذلك، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين: لو خُيِّرتُ بين إقفال المدارس وإقفال الجامعات لاخترت إقفال الأخيرة. الدكتور طه حسين بك: الحياة جهاد، يُحتاج فيه إلى القادة كما يُحتاج إلى الجنود، ولا قيمة مطلقًا لكفاية القادة ونشاطهم وإخلاصهم ما لم يكن جنودهم أصحاء صالحين للقتال، متدربين على فنونه من هجوم ودفاع. وإذا كانت الجامعات هي التي تخرِّج القادة، وكانت عامة الشعب هي التي تتألف منها الجنود، فلا قيمة مطلقًا لمن تخرجهم الجامعات ولا لكفايتهم ونشاطهم وإخلاصهم إذا لم يكن العامة على قسطٍ من التعليم العام، يفهمون به واجبهم كما يجب أن يُفهم، ويهيئهم لقبول التوجيه وتأدية مهمتهم أحسن ما يكون الأداء … فالتعليم الإجباري العام إذن أوجب وأولى بعنايتنا واهتمامنا من التعليم العالي والتعليم الخاص، ثم هو إلى ذلك يتيح تكافؤ الفرص لأبناء الشعب جميعًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، كما يتيح للجامعة نفسها أن تحسن اختيار أبنائها ممن تتوافر فيهم الكفايات والاستعدادات والميول المطلوبة … وقد يكون الاتجاه نحو التعليم العام شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم قبل القرن التاسع عشر. ولكن الذي لا شكَّ فيه أنه جاء نتيجة للوعي العالمي، والقصد إلى إنقاذ الإنسانية من الكوارث العديدة التي جرَّها عليها الجهل ونظام الإقطاع أو الاحتكار الذي كان سائدًا وقتذاك في جميع فروع الحياة، ولا شكَّ كذلك في أن الإنسانية قد أفادت وتقدمت أشواطًا بعيدة في طريق الرقي ورفع المستوى العام بفضل هذا الاتجاه. فمن السخف أو العبث أن نحاول القضاء على الفقر أو المرض، أو أن نقر العدل والديمقراطية الصحيحة ما لم نَمْضِ أولًا في ذلك الاتجاه، ونحقق في البلاد تعميم التعليم بمعناه الصحيح. الدكتور بهجت بدوي بك: ليس هناك من ينكر ضرورة التعليم العام وفوائده، ولعل أخص فوائده أن يتيح الفرصة لإبراز أكبر مجموعة من المواهب والكفايات والانتفاع بها، بدلًا من قصر هذه الفرصة على طبقة معينة: هي طبقة القادرين، وعلى هذا الوجه لا تُهدر تلك المواهب التي يزخر بها الشعب، والتي ينقصها التعليم للكشف عنها، على أنه ليس في إمكاننا الآن أن نعلم الشعب كله؛ لأن مواردنا محدودة أو هي غير مستغلة كما ينبغي أن تُستغل. ويجب مواصلة الاهتمام بتحسين هذا الاستغلال حتى تزداد الموارد، ويمكننا الإنفاق على تعليم الشعب. وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى إعداد الكفايات التي كُشِف عنها إعدادًا صالحًا يُمكِّنها من أن تؤدي مهمتها حق الأداء؛ وذلك بأن نهيئ للجامعة جوًّا علميًّا صحيحًا يجعلها أقدر على تخريج الأكفاء الذين يقوون روح الإنتاج، ويمضون بالأمة في الطريق الموصل إلى ما تريد. الدكتور طه حسين بك: قد يكون مستوى المتخرجين في الجامعة اليوم أقل منه منذ عشر سنين، ذلك لأخطاء قد تكون منَّا، وقد تكون من الظروف العالمية … أصبحت معها الجامعة ما تزال مدارس عالية، وانقطعت العلاقة بين أساتذتها وزملائهم في الخارج، ولم يبقَ للدرجات الجامعية من قيمة أكثر من أن تتيح الترقية لأصحابها حتى في الجامعة نفسها. وقد يستطاع إصلاح هذا الحال بالرجوع إلى الأساس الذي نهضت عليه الجامعة عندنا منذ سنين … على أن هذا لن يغني كثيرًا عن حاجتنا الملحة إلى التعليم العام. وعلى المسئولين أن يُدبِّروا المال اللازم لذلك بزيادة الضرائب على الأرباح والأملاك، وتنظيم جبايتها، واختيار الوجوه التي تنفق فيها، مع ملاحظة تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما لا فائدة من الاهتمام به الآن. فمثلًا قد أنفقنا على الجيش حوالي اثني عشر مليونًا من الجنيهات، وكان يمكن أن نُوفِّر هذه الملايين لننفقها في نشر التعليم العام؛ فلا شكَّ في أن الجيش بعد ذلك يكون أكثر فائدة. أمَّا الآن فلا أذكر أن البلاد قد أفادت منه فائدة تُذكر منذ عصر إسماعيل. لطفي السيد باشا: هذا كلام جميل، وأجمل منه أن نجد الحاكمين الذين يفهمونه حق فهمه، ويسارعون إلى تنفيذه، أو أن نجد المحكومين الذين يؤمنون بفائدته لهم وللبلاد، ويقبلون عليه راضية به نفوسهم. وأين نحن الآن من هذا وذاك؟! الدكتور بهجت بدوي بك: مهمة المصلحين هي التوجيه والتبصير بعواقب الأمور، وما دام إيمانهم قويًّا فسيأتي اليوم الذي تتحقق إصلاحاتهم فيه.

ثم انتقل الحديث إلى التربية الخلقية …

الدكتور بهجت بدوي بك: الواقع أن القدوة الحسنة هي التي تؤثر في الناشئة وليس الوعظ أو الإرشاد. الدكتور بقطر: أعتقد أن الطريقة المثلى للإفادة من التربية الخلقية هي أن نبدأ بها أولًا في البيت، ثم يتعاون البيت مع المدرسة. الدكتور طه حسين بك: هذا ما لا سبيل إليه بعد أن يُعمم التعليم العام أيضًا. أمَّا قبل ذلك فالبيئة المنزلية — مع الأسف الشديد — لا تزال أبعد ما تكون عن الاضطلاع بمثل ذلك العبء العظيم؛ لأنها هي نفسها في حاجة إلى الإصلاح. فلو فرضنا أن البيئة المدرسية عندنا صالحة لذلك؛ فإن التعاون بينها وبين البيئة المنزلية لتحقيق تلك الغاية لا سبيل إليه إلا بعد حين طويل. الدكتور بقطر: في استطاعتنا أن نقتبس الطرق المفيدة التي سبقنا إليها الغربيون في ذلك، كتنظيم مؤتمرات عامة للشباب، وإصدار الكتب والمجلات الخاصة بهم، والإكثار من الإذاعات التي يحبُّونها، وتوجيههم إلى ذلك من حيث لا يشعرون، والعمل على إنشاء الأندية الرياضية والاجتماعية لهم، بشرط أن تكون بعيدة عن الطائفية أو الحزبية. وفي استطاعة الحكومة أن تشرف على تنظيم هذه الوسائل. لطفي السيد باشا: أرى أن الحياة الآن أرقى بكثير مما كانت عليه قبل ربع قرن، وهي — إن شاء الله — ستكون بعد ربع قرن آخر أرقى منها الآن؛ فلنترك الزمن يتولى بنفسه حل هذه المشكلة. أمَّا أن نكل حلها إلى الحكومات فهذا يتطلب أن يُختار الحاكمون من الفلاسفة ورجال الأخلاق، وهذا ما لا يقره السياسيون.

وتناول المجتمعون مشكلة ثالثة هي من أهم مشاكل الشباب؛ وهي «التربية الجنسية»، فقال الدكتور طه حسين بك: المسألة التي ينبغي أن نفكر فيها في مصر وفي كثير من البلاد الأخرى هي مسألة «التربية الجنسية»؛ فالواقع أن الحب لا يحتاج إلى توجيه.

الدكتور بهجت بدوي بك: أعتقد أن هذه المسائل ينبغي أن تُترك للشباب ليحلها بمحض سلطانه. الدكتور بقطر: في البلاد المحافظة كبلادنا يعجبني أن حل أمثال هذه المسألة يتم شيئًا فشيئًا، وبمعرفة الوالدين، بعكس الحال في البلاد الغربية مثلًا؛ حيث يمكن القول بأن الجنسين هناك قد تُرك لهما الحبل على الغارب متى بلغَا مبلغ الشباب. لطفي السيد باشا: ومشكلة تعدد الزوجات قد حلَّها الزمن هي الأخرى؛ فلا يزيد ما لدينا منه الآن على ٣٪ من عقود الزواج القائمة. فالأمر كما ترون لا يحتاج إلى تشريع ولا توجيه. الدكتور بقطر: هل هناك تعاون بين الجنسين في الجامعة عندنا كما هو الشأن في جامعات أوروبا وأمريكا؟ الدكتور طه حسين بك: الذي أعرفه أن اختلاط الجنسين في الجامعة موجود معمول به منذ سنين، فالطالب والطالبة يجلسان جنبًا إلى جنب في الدروس والمحاضرات، ويتناقشان معًا خارج الدرس، ولا حرج عليهما البتة من هذا القبيل. الدكتور بقطر: قبل انفضاض الندوة، أحب أن أعود هنيهة إلى مسألة التعليم العام لأقول: إن الحكومة الأمريكية تفرض ضريبة على الأثاث تُجبى سنويًّا لذمة التعليم، وفي هذا ما يؤيد ما قاله الدكتور طه حسين بك من ضرورة فرض الضرائب هنا لنشر ذلك التعليم. الدكتور طه حسين بك: أكثر من هذا يا سيدي أن الحكومة المصرية نفسها في أوائل عهد الاحتلال الإنجليزي فرضت ضريبة خاصة بالتعليم في مجالس المديريات؛ فليس ما يمنع الآن من فرض مثل هذه الضريبة على أن تختفي المركزية، إذ إن ضررها محقق في مثل هذه الشئون وهذه الظروف. لطفي السيد باشا: إلى هنا أرى أن مشاكل شباب اليوم قد حُلَّت على الورق، فلعلها — إن شاء الله — تُحل كذلك في الدواوين. الدكتور طه حسين بك: المهم أن تحل فى المدارس والبيوت!

المثل الدنيا
طه حسين
النداء
١٣ يناير ١٩٤٨

يقال: إن الأمم المتحضرة ترى في ارتفاع قامة الإنسان إلى السماء بدلًا من انحنائها إلى الأرض، رمزًا لما ينبغي لنفسه المثقفة الممتازة من التصعيد في أجواء الرقي التماسًا للمثل العليا. ويقال كذلك: إن النفس الإنسانية التي تعنى بصغائر الأمور ودنياتها ليست خليقة بالإنسان الذي خلق للكمال أو للجد في سبيل الكمال، وإنما هي خليقة بالحيوان الذي انحنى جسمه إلى الأرض، وفُرِض عليه أن يعيش مستجيبًا لغرائزه، لا يتجاوزها ولا يتخطى أغراضها اليسيرة المنحطَّة، التي لا تتجاوز حاجات الجسم إلا قليلًا وفي أحيان قليلة.

يقال هذا، ويقال كلام كثير مثل هذا، ويتعلل كثير من الذين يعنون بالتربية والتهذيب بهذا الكلام الكثير الذي يقال، فلا يكاد الصبي يعقل الأشياء والناس حتى يُسَلَّط عليه وابل لا ينقطع ولا يخفُّ من النصائح والمواعظ والعبر والأمثال والحكم، كلها يدعوه إلى أن يرفع رأسه ولا يخفضه، وإلى أن ينظر ببصره في السماء لا إلى الأرض، وبألا ينظر ببصره في الأرض إلا ليستخرج من هذا النظر فيها علمًا أو معرفةً أو ثقافة ترده إلى السماء عزيزًا أبيًّا؛ لأنه خلق لينظر في السماء، ثم ليسعى إليها، ثم ليصعد فيها، ثم ليعيش هناك في الملأ الأعلى، سعيدًا مغتبطًا ممتازًا مترفعًا عن الصغائر، متنزهًا عن الدنيات، تاركًا تراب الأرض للحيوان الذي خلق منه ليعود إليه.

وقد خُلِق جسم الإنسان من تراب الأرض، وهو عائد إليه ما في ذلك شك، ولكن جسم الإنسان ليس إلا أداة لنفسه وعقله وقلبه وروحه؛ فإن الإنسان نفس أولًا وجسم يخدم النفس بعد ذلك؛ يخدمها لتبلو ما في هذه الأرض وتعلم علمها، حتى إذا قضت من هذا كله وطرًا؛ طرحت هذا الجسم إلى أصله وارتقت إلى حيزها الأعلى، فأقامت فيه مستمتعة بما علمت قبل أن تهبط إلى الأرض، وبما استكشفت حين أقامت في الأرض؛ فهي على كل حال سماوية لا أرضية، وهي على كل حال قد خُلِقَت للتسامي لا للتداني، وللتعالي لا للتسافل، وللارتفاع لا للانخفاض.

وما يزال الصبي يسمع هذا الكلام وأمثاله، حتى إذا بلغ الشباب كان قد استقر في ضميره أنه كائن ممتاز، خلق ليسود الخليقة، ويتسلط على العالم، ويقضي في الدنيا كما يشاء هو لا كما تشاء هي، وظواهر الأشياء تثبت في نفسه هذا الغرور، وتزين في قلبه هذه الكبرياء، وتملؤه بنفسه إعجابًا وعنها رضًا ولها حبًّا؛ فهو يسخِّر المادة والقوة لأغراضه ومنافعه، وهو يستخدم الحيوان لحاجاته ومآربه، وهو يستغل ضعاف الناس أنفسهم ليرضي لذَّاته وشهواته ومطامعه ومطامحه، وهو من أجل هذا كله مؤمن بنفسه واثق بتفوقها مستيقن بأنه قد اسْتُخْلِفَ على الأرض استخلافًا.

ولست أدري أيستقيم هذا التفكير ويصدق هذا الكلام بالقياس إلى هذا الجيل الذي نعايشه من المصريين، أم لا يستقيم ولا يصدق؟! وإنما هو لغو من اللغو، وكلام من الكلام، وفضل من سخف الأحاديث، فقامات المصريين مرتفعة في الجو كقامات غيرهم من الناس، وعيونهم تستطيع أن تنظر إلى السماء وأن تنظر إلى الأرض، ونفوسهم تستطيع أن تصعد في أجواء الرقي لتلتمس المثل العليا، ولكن البائسين لا يجدون الوسيلة إلى شيء من ذلك، تشغلهم حياة أجسامهم عن حياة نفوسهم، وتصرفهم منافعهم القريبة عن منافعهم البعيدة، وتستغرق المثل الدنيا جهودهم كلها؛ فلا يجدون ما ينفقون في سبيل المثل العليا من هذه الجهود. والأمر يسيرٌ كل اليسر، لا يحتاج فهمه وتقريره إلى تعمُّق ولا استقصاء.

فطبيعة المعلم هي أن يشغل بالعلم عن غيره من الأشياء، وأن يشغل بالعلم ليرفع نفسه به، وليرفع تلاميذه معه إلى الآفاق العليا، وليتيح للناس بهذا أن يرتقوا أولًا، وأن يستغلوا الطبيعة في سبيل هذا الارتقاء ثانيًا. وطبيعة المتعلم هي أن ينظر إلى معلمه مرتفعًا بين هذا كله، فلا يستمتع به ويتمسك بأسبابه ليترقَّى كما يترقَّى أستاذه، وليصعد معه في آفاقه العليا، ولينعم معه بهذا الخير الذي نسميه معرفةً وفنًّا وأدبًا.

ولكن أين المعلمون والمتعلمون من هذا كله في مصر؟! أحق أن العلم يشغلهم عن كل شيء؟! أم الحق كل الحق أن المعلم يفكر في طعامه وشرابه وكسائه وفي طعام أسرته وشرابها وكسائها، أكثر مما يفكر في العلم والتعليم؟ وهو من أجل ذلك يتخذ العلم والتعليم وسيلة، لا إلى أن يرقى ويرقي تلميذه، بل إلى أن يعيش ويتيح لأسرته أن تعيش، وهو من أجل ذلك يلاحظ أن العلم والتعليم لا يرزقانه كما ينبغي أن يُرزَق؛ فيطالب بالمزيد من الرزق، ثم يمشي إلى أمثاله من المعلمين ليطالبوا جميعًا بالمزيد من الرزق، ثم ينظمون معًا هذه المطالبة، ثم يجاهدون معًا في سبيلها، ثم يلحون معًا في هذا الجهاد، ثم يشغلون بهذا الجهاد عن العلم والتعليم؛ فيجتمعون ليتفرقوا، ويتفرَّقون ليجتمعوا، ويكتبون المذكرات، ويعقدون المؤتمرات، وينشرون في الصحف، ويخطبون في المجامع، ويشغلون أنفسهم بأنفسهم، ويشغلون وزارة التعليم بأنفسهم، ويشغلون الآباء والأبناء بأنفسهم أيضًا، ويضيع التعليم بين هذا كله؛ فلا يستمتع به معلم، ولا ينتفع به متعلم.

وإذا أتيح للمعلمين شيء من وقت فخلوا إلى طلابهم وتلاميذهم، فهل يفرغ الطلاب والتلاميذ لما يلقي عليهم الأساتذة والمعلمون من الدروس في هذه الأوقات القصار التي يختلسونها من جهادهم في سبيل الرزق اختلاسًا؟ أم هل يمنح الطلاب والتلاميذ أساتذتهم ومعلميهم أنصاف نفوسهم أو أثلاثها أو أرباعها، ويشغلون سائرها بمستقبلهم القريب أو البعيد، بقيمة الشهادات والإجازات التي يسعون إليها؛ لأن التعليم ليس وسيلة إلى ترقية النفس وتهذيب الطبع وترقية الخلق وتصفية الذوق، وإنما هو وسيلة لتحصيل الإجازة أو الشهادة التي تقوم بهذه الجنيهات التي تتيح لهم إذا أصبحوا رجالًا أن يشتروا ما يأكلون ويشربون ويلبسون.

فالطلاب والتلاميذ حِرَاص على أن يستوثقوا من قيمة الشهادات والإجازات، ومن أن هذه القيمة يجب أن ترتفع؛ لأن أثمان الغذاء والكساء ترتفع في كل يوم، وهم يدفعون للتعليم أثمانًا تقبضها الدولة؛ فيجب أن تغُلَّ عليهم هذه الأثمان إجازات وشهادات ترد عليهم ما أنفقوا من المال. فالقصة تجارة لا أكثر ولا أقل: المعلم يبيع العلم؛ فيجب أن تدفع الدولة لهذا العلم ثمنًا يمكِّن صاحبه من العيش، والدولة تبيع العلم الذي تأخذه من المعلم للطلاب والتلاميذ بهذه الأجور التي تأخذها منهم؛ فيجب أن تكون هذه الصفقة بين الدولة والشباب رابحة تتيح للشباب أن يعيشوا حين يصيرون رجالًا. فأما التربية والتثقيف، وتهذيب الطبع، وتصفية الذوق، وترقية الخلق، ورفع النفس إلى الملأ الأعلى لتلائم قامة الجسم المرتفعة في الجو، وجعل الإنسان إنسانًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في البيئات المتحضرة؛ فكل هذه أشياء لا ينظر إليها ولا يحتفل بها، وإنما تكون أو لا تكون، وتجيء أو لا تجيء، وتقبل إن جاءت ولا يسأل عنها إن لم تجئ، المهم هو أن يعيش المعلمون وأسرهم وأن يهيأ للمعلمين من الوسائل ما يمكنهم من العيش؛ فأما ما فوق ذلك فأعراض لا قيمة لها ولا تفكير فيها.

ودع المعلمين والمتعلمين وانظر إلى غيرهم من الطبقات المثقفة؛ فسترى أن أفرادها مشغولون بالغذاء والكساء عن غيرهما من المثل العليا والمآرب الرفيعة والآمال السامية، فقد ينبغي أن يعيش الناس قبل أن يفكروا في الرقي فضلًا عن أن يسعوا إليه، فضلًا عن أن يبلغوا حظهم منه، فضلًا عن أن يتزيَّدوا من هذا الحظ. ولا تسل نفسك بعد ذلك لماذا ترقى الحضارة على اختلاف فروعها في البلاد المتحضرة الأوروبية والأمريكية وتظل راكدة في مصر مع أنها قد ارتقت في أطوار كثيرة من أطوار الحياة المصرية القديمة؟!

فعِلَّة ذلك قريبة أشد القرب يسيرة أعظم اليسر؛ لأن الحضارة لا ترقى إلا إذا فرغ لترقيتها المثقفون على اختلاف طبقاتهم وألوان ثقافتهم، وهم لا يفرغون لترقيتها إلا إذا أراحتهم بطونهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء، وأراحتهم بطون أهلهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء وتكاليف هذه الحياة المادية السخيفة. والله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، وإنما جعل له قلبًا واحدًا، وهذا القلب إما أن يشغل بالعلم والمعرفة والمثل العليا على اختلافها، وإما أن يشغل بالغذاء والكساء، فأما أن تشغله بالمثل العليا والمثل الدنيا جميعًا فشيء لا سبيل إليه.

وما دام المثقفون من المصريين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في الحياة مشغولين بما يقيم أَودَهم وأَودَ أهلهم ويمسك عليهم وعلى أهلهم حياتهم المادية التي تنحل آخر الأمر إلى غذاء وكساء ويقظة جاهدة ونوم تشغله أحلام سخيفة تتصل هي أيضًا بالغذاء والكساء؛ فلا تنتظر منهم للثقافة خيرًا ولا تنتظر منهم للحضارة رُقيًّا، ولا تقل: إن في مصر أجيالًا من المثقفين يرفعون نفس الإنسان ليلائموا بينها وبين قامته المعتدلة المرتفعة، ويطمحون ويشيعون الطموح إلى المثل العليا، ولكن قلْ راضيًا أو كارهًا، مسرورًا أو محزونًا: إن في مصر مثقفين يتخذون الثقافة وسيلة لا غاية، ويتخذونها وسيلة إلى المثل الدنيا لا إلى المثل العليا.

والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading