Back to homepage

التربية والمواطنة وصورة مصر | Education, Citizenship and Egypt’s Image

سمعة مصر
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٦ سبتمبر ١٩٤٦

نظيف المظهر لطيف المخبر، يُبرق ويُرعد، ويقصف ويعصف، ولكن سماءه دائمًا صاحيةٌ صافيةٌ، ونفسه دائمًا مشرقةٌ متألِّقةٌ، وقلبه دائمًا رقيقٌ رفيقٌ. وقد يظن كثيرٌ من الناس أن سيف الأحكام العربية العرفية المسلولة في يده يحيطه بسياج مفزع مفظع، ولكن السياج الذي يحيط برئيس الوزراء سياج أنيق، ظاهره فيه القسوة والعنف، وباطنه من قبله الرحمة واللين.

ولست أدري أتسرُّه هذه المقدمة أم تسوءه، ولكني أعلم أني لا أكتب لأسرَّه أو لأسوءه، وإنما كتبت لأسوق إليه بعض الحديث، مطمئنًّا إلى أنه لن يمنع نشره كما كان يفعل غيره من رؤساء الوزارات الذين سبقوه، ولن يصادر الأهرام إذا نشرته كما كانت تفعل وزارة الداخلية قبل عهده، وكما فعلت بعد عهده عن رضًا منه أو عن سخط لا أدري.

بل أنا أكتب لأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أنه لن يمد إليه يده بما أكره، ولو قد أراد لم تصل إليَّ يده، فقد تقصر يده وقد تطول، ولكنها لن تبلغني من وراء بحر الروم. وهو كما يعلم وكما يقول قصَّاص ألف ليلة وليلة: بحر عجاج متلاطم الأمواج. بل أنا أزعم أني سأسوق إليه بعض الحديث مطمئنًّا إلى أن يده لن تنالني بما أكره حين أعود إلى مصر إن شاء الله. وليس من شك في أني حين يأذن الله لي بالعودة إلى مصر سأزوره، وليس من شك كذلك في أنه سيلقاني في عنف وعبوس، ثم يستحيل عنفه إلى رفق، وعبوسه إلى الابتسام، فأمكث معه ما شاء الله أن أمكث، ثم أخرج من عنده إلى داري لا إلى السجن.

ليس عليَّ بأس إذن من أن أقول في صراحة ما أريد أن أقول، وأول ذلك أن من بين زملائه وزيرًا لا تعجبني سياسته. وليس معنى هذا أن سياسة غيره من الوزراء تروقني أو تشوقني، بل معناه أن سياسة غيره من الوزراء لا تكاد تعنيني ما دمت بعيدًا عن مصر. فأمَّا سياسة زميله ذاك فإنها تُحْفِظني وتُغِيظني، غائبًا وشاهدًا. وأحسبها تحفظ وتغيظ من المصريين كلَّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وسياسة هذا الوزير الخطير لا تحفظني ولا تحفظ غيري من المثقفين لأنها تأتي أمورًا لا ينبغي أن تؤتى وتترك أمورًا لا ينبغي أن تُترك فحسب، وإنما هي تُحفظ وتغيظ لأنها تضرُّ ولا تنفع، وتسوء ولا تسر، ولأنها عبث لن يغير من حقائق الحياة المصرية شيئًا، ولكنه يضايق الناس في غير حاجة إلى المضايقة، ويؤذي سمعة مصر وهي في حاجة إلى ألَّا تُؤذى.

وقد فهم رئيس الوزراء بالطبع أني أريد أن أتحدث عن وزير المعارف وعن سياسته هذه التي لا تمتاز حتى بالطرافة أو الفكاهة، والتي كانت تُضحِك وتدعو إلى المزاح منذ عشرين سنة، ولكنها الآن لا تضحك ولا تدعو إلى مزاح، وإنما تملأ الصدور حرجًا والنفوس ضيقًا؛ لأنها تضيع الوقت والجهد وتؤذي سمعة مصر، ولا تغني عن الوزير ولا عن غيره من الناس شيئًا. تشدد الوزراء قبل وزير المعارف القائم في المحافظة، فلم يقدموا ولم يغيِّروا من حقائق الحياة الحديثة في مصر شيئًا. فما استئناف عبث قد مضى وانقضى؟ وما الرجوع إلى سيرة قد ظهر أنها لا طائل تحتها، وأنها لا تزيد على أن تضيع من وقت مصر وجهدها ما هي في حاجة إليه؟!

ولقد نقدت سياسة الوزير الخطير مداعبًا له منذ حين، فأمَّا الآن فإني لا أجد حتى الميل إلى الدعابة، إنما أبذل كثيرًا من القوة، وأُنفِق كثيرًا من الجهد حتى أملك نفسي، وحتى لا يخرجني الغضب عن الطور الذي لا ينبغي أن أتعداه حين أتحدث إلى رئيس الوزراء عن بعض زملائه الوزراء.

هناك فرق بين العبث الذي يمعن فيه المصريون حتى يغرقوا فيه إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم، دون أن تتجاوز أنباؤه الحدود المصرية وتعبر البحر إلى أوروبا وأمريكا، وبين العبث الذي لا يكاد المصريون يأخذون فيه حتى يذيعه البرق والبريد في أقطار الأرض كلها، وحتى يتحدث به الناس في العالمين القديم والجديد. المصريون يغرقون في العبث مثلًا حين يضيعون جهودهم وأوقاتهم، ويملئون صحفهم مصبحين وممسين بقصة الدوائر وتقسيمها الجغرافي أو الاجتماعي، وبعمر مجلس النواب الذي ينبغي أن يقصر أو ينبغي أن يطول. ولكن أنباء هذا العبث لا تعني العالم الخارجي، وهي من أجل ذلك لا تنقل إليه، فليغرق المصريون فيه إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، ولينفقوا فيه بياض أيامهم وسواد لياليهم، فذلك شيء يعنيهم وحدهم من دون الناس، وليس على المصريين بأس إن أحبوا أن يستبقوا هذه الحمَّى وما تستتبع من الخطرفة والهذيان.

ولكن عبث وزير المعارف لا يكتفي بأرض مصر ولا بأهل مصر، وإنما هو يتجاوز تلك الأرض وهؤلاء المصريين إلى أوروبا وأمريكا، فيجعل مصر وأهلها وحكومتها فكاهة لمن أراد أن يتفكَّه، وموضوع دعابة ومزاح للذين يحبون الدعابة والمزاح. هل يعلم رئيس الوزراء أن شركة من شركات الأنباء أذاعت في أوروبا وأمريكا أن وزير المعارف المصري يشتد أعظم الشدة وأقساها في حماية التقاليد العتيقة، فيمنع الفتاة المصرية أن تعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا وأمريكا؛ لأنه يخاف عليها الفساد، ثم هو لا يفعل ذلك بالقياس إلى الفتيات المصريات كافة، وإنما يفعله بالقياس إلى الفتيات المسلمات دون المسيحيات، كأن الفساد خطر على المسلمات خاصةً أو كأن المسيحيات لا يستأهلن من عناية الوزير أن يصدهن عن الشر ويردهن عن الإثم ويحميهن من الفساد.

وهل يعلم رئيس الوزراء أن العالم الخارجي قد عرف أن وزير المعارف المصرية يتقدم إلى المعلمات في أن يطلن الأكمام ولا يقصرنها، وفي أن يتجنبن الأصباغ، وفي أن يكنَّ قدوة حسنة لتلاميذهن في الاحتشام والمحافظة على التقاليد، وأن وزير المعارف المصرية يتقدم في إلغاء الرقص التوقيعي في مدارس الدولة ومعاهدها، ولا يرى بأسًا من أن تتعلم الفتاة من الرقص ما شاءت في بيتها وعلى نفقة أسرتها، كأن الرقص التوقيعي إثمٌ في المدرسة ومباح في البيت. ورئيس الوزراء يعرف العالم الخارجي خيرًا مما يعرفه وزير المعارف، وهو من أجل ذلك يتصور الفرنسيين والإنجليز والأمريكان حين يقرءون هذه الأحاديث، وحين يتندرون بها ويتخذونها موضوعًا للفكاهة، وينتهون منها إلى أن مصر ما زالت في القرون الوسطى، وما زال حظها من الرقي بعيدًا كلَّ البعد عما يزعمه ساستها وفقهاؤها والذين يدعون لها من الكتَّاب.

وما أحب أن أغضب المحافظين، وما أحب أن يظن بي أني أبيح التبرج والخروج عمَّا ينبغي للفتاة من الاحتشام والتحفظ والوقار، ولكن وزير المعارف كان يستطيع فيما أظن أن يتأتى لذلك في شيء من التحفظ والقصد، وفي شيء من المهل والرفق. وفي غير هذا الإعلان الذي يشعر بأن الوزير يحرص على أن يعرف الناس أنه حريص على التقاليد أكثر مما يحرص على حماية التقاليد نفسها. فحماية التقاليد لا تكون بالإعلان، ولا بالتحدث إلى الصحف، ولا بنشر القرارات فيها، وإنما تكون بإحدى اثنتين: أولاهما، لا يستطيع الوزير إليها سبيلًا، ولا يستطيع رئيس الوزراء إليها سبيلًا، ولا يستطيع أحد من الساسة إليها سبيلًا، وهي إقرار الفتيات في بيوتهن، وصدُّهن عن الاختلاف إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وأخذهن بألا يخرجن من بيوتهن إلَّا حين تقضي الضرورة الملجئة، وفي الحدود الضيقة التي يبيِّنها المتشددون من المحافظين. وأنا أتحدى وزير المعارف هذا القائم، ومن يمكن أن يأتي بعده من الوزراء، وأزعم أن أيهم يحاول ذلك، أو يهم بمحاولته، سيضطر إلى أن يترك الوزارة وإلى أن يعود إلى داره ليستقر فيها بعيدًا عن الحكم وعن تصريف الأمور.

أمَّا الطريقة الثانية التي تُحمى بها التقاليد، وهي الطريقة المجدية التي لم يسلكها وزير المعارف، وما أظن أنه يستطيع سلوكها؛ لأنه فيما يظهر يؤثر القول على العمل، ويؤثر السرف على القصد، ويؤثر العنف على اللين؛ هذه الطريق هي الدعوة إلى المحافظة على الاحتشام والوقار بالحكمة والموعظة الحسنة، والنصح الرفيق، والتعليم المستقيم. ليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن في حياة الناس لسخفًا كبيرًا، إن الفتاة المصرية لا تتعرض للخطر في أوروبا أكثر مما تتعرض له في مصر، ولا تتعرض للخطر في القارة الأوروبية أكثر مما تعرض له في الجزر البريطانية. وإن الفتى المصري ليس أقل استحقاقًا لعناية الوزير ورعايته وحماية الوزير من الفتاة. والفتى المصري يتعرض لفتنة عظيمة حين يعبر البحر أو المحيط إلى أوروبا أو أمريكا، فلماذا لا يقوم الوزير عند ثغر الإسكندرية وبورسعيد، فيصدُّ الفتيان عن السفر إلى أوروبا وأمريكا حمايةً لهم من الفتن والآثام والموبقات؟ أم يظن الوزير أن الآثام حين يقترفها الفتيان أهون شرًّا وأقل خطرًا على الأخلاق والفضيلة والدين منها حين تقترفها الفتيات؟

وليصدقني رئيس الوزراء ووزير المعارف أن الشاعر ليقول إن سوء الظن من حسن الفطن. وأخشى أن يكون هذا القول وأمثاله هو الذي يُغري وزيرنا بسوء الظن وبالإسراف فيه.

وما دام وزير المعارف يريد أن يحمي التقاليد والفضيلة والدين، فأول ما ينبغي له من ذلك يقرأ ويفهم وينفذ قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ).

أمَّا بعد، فإن من الإساءة إلى مصر كلها أن يسوء ظن وزير من وزرائها بالفتاة المصرية والمرأة المصرية، ومن الإساءة إلى مصر كلها أن يتخذها الناس هزؤًا ولعبًا في العالم الخارجي؛ لأن وزيرًا من وزرائها لم يحسن أن يأخذ لنفسه بالقصد والاعتدال.

في التربية السياسية
طه حسين
مجلة المصور
٢٢ نوفمبر ١٩٤٦

لستُ أدري إلى أي حدٍّ يستطيع هذا الجيلُ من المصريين المثقفين، ومن المصريين الذين يتداولون أمور الحكم فيما بينهم، ويتداولون أمور التمثيل البرلماني فيما بينهم أيضًا أن يرضى عن نفسه وعن بلائه في أول واجب كان من الحق عليه أن ينهض به، وهو التربية السياسية للشعب. فما أكثر ما نتحدث عن الديمقراطية المصرية! وما أكثر ما نقول إن الأمة مصدر السلطات! وما أقلَّ ما عملت وما نعمل لتحقيق هذه الديمقراطية المصرية من جهة، ولتعليم الشعب مباشرة سلطته الدستورية وتحقيق سيادته على نفسه وعلى وطنه من جهة أخرى!

ونحن حين يتحدث بعضنا إلى بعض، وحين نكتب من نقد الحياة الديمقراطية في مصر؛ نعتقد أننا نتعمق الأمر حين نقرر أن الديمقراطية لا تتحقق على وجهها الصحيح إلَّا إذا حُورِبَتِ الأمية وانتشر التعليم، وتثقف الشعب، وعرف ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق.

ثم نلاحظ بعد ذلك أن التعليم لم ينتشر كما ينبغي، وأن كثرة الشعب ما زالت أمية جاهلة، وأن الديمقراطية المصرية ما زالت من أجل ذلك، لا أقول في طور الصبا، بل أقول في طور الطفولة! ثم يمضي أصدقاء الديمقراطية منا في ملاحظاتهم، فيلحون في محاربة الجهل وتثقيف الشعب؛ لتصبح الديمقراطية حقيقةٌ واقعةٌ في مصر. وينتهز الذين تؤمن ألسنتهم بالديمقراطية وتفكر بها قلوبهم هذه الفرصة ليقرروا أن من الحق أن نرجئ الحياة الديمقراطية في مصر حتى نهيئ لها الشعب تهيئة صالحة.

فإذا لم يكن هذا الإرجاء ممكنًا، فلا أقل من ألَّا نتحرج في رعاية الديمقراطية، ونزاهة ما تحتاج إليه من الإجراءات، ولا نتشدد في حسن العناية بالدستور والدقة في تنفيذه؛ فكل هذه أشياء لا ينبغي أن نطالب بها إلَّا حين نستوثق من أن الشعب حريصٌ عليها حقًّا، يؤثرها على كل شيء ويذود عنها ما وجد إلى الذياد سبيلًا!

وما أشك في أن انتشار التعليم وسيلة من أَقْوَم الوسائل وأقواها لتحقيق الديمقراطية الصالحة، ولإعداد الشعب لمباشرة حقوقه السياسية كما ينبغي أن يباشرها.

وما أشك في أن من واجب المصريين، بل من أخطر الواجبات على المصريين، أن يبذلوا أعنف الجهد ليعلِّموا الشعب ويثقفوه في أقصر وقت ممكن، وعلى أحسن وجه ممكن.

ولكني لا أشك أيضًا في أن التعليم ليس وحده الوسيلة القويمة لتحقيق الديمقراطية وإيصالها إلى قلوب الشعب وإجرائها في عروقه، بل أعتقد أن هناك وسائل أخرى ليست أقل من التعليم أثرًا في تربية الشعب، ولعلها أن تكون أقوى منه أثرًا وأعظم خطرًا؛ لأنها لا تتصل بالحياة النظرية، وإنما تتصل بالحياة العملية اليومية التي يباشرها الناس حين يصبحون وحين يمسون.

وأنت لا تعلِّم الطفل أن يأكل ويشرب ويحبو ويمشي ويتكلم من طريق القراءة والكتابة والحساب، ولا من طريق النحو والجغرافيا والتاريخ، وإنما تدفعه غرائزه إلى هذه الألوان من النشاط. وتكمل التربية عمل الغرائز؛ لأنها تُرشِّدها وتُقوِّمها: تدفعها إن قصرت، وتردها إلى الاعتدال إن جمحت أو أسرفت.

ومن أسخف السخف أن تلقي على الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمره درسًا نظريًّا تعلمه به كيف يستقل على قدميه، وكيف يمشي بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبي يتعلم من الحياة العملية الواقعة أشياء لا يمكن أن تُقاس إلى ما يُتعلَّم في المدرسة أو الكُتَّاب.

فإذا افترضنا أن الديمقراطية المصرية ما زالت في طور الطفولة، فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يُربَّى الطفل، نعتمد على الحياة العملية أولًا، ثم على الدروس النظرية بعد ذلك.

وهذه الحياة العملية شيءٌ مخالف كل المخالفة لما أَلِفْناه منذ عُرِفَتْ عندنا الحياة الديمقراطية. فنحن مثلًا نعتقد أننا نمرِّن الشعب على الحياة السياسية الحديثة حين ندعوه إلى الانتخاب بين وقت ووقت، وحين ندعوه إلى شهود جلسات البرلمان، وننشر له في الصحف ما يدور في هذه الجلسات من جدال. وقد يكون هذا كله مفيدًا، بل هو مفيد من غير شك، ولكن هناك أشياء أخرى أدنى إلى النفع وأقرب إلى الفائدة وأشمل لأفراد الشعب. فليس المصريون جميعًا قادرين على أن يشهدوا جلسات البرلمان، أو يقرأوا ما يُنشَر عنها، وليس اختلافهم إلى صناديق الانتخاب مرة كل خمسة أعوام كما يريد الدستور أو كل عامين كما تريد التقاليد المصرية منذ صدر الدستور، ليس هذا شيئًا كافيًا ليعلم الشعب ممارسة سلطانه الدستوري، وإنما السبيل إلى ذلك — السبيل التي لم نكد نفكر فيها أو نحفل بها أو نصل بينها وبين حياتنا الديمقراطية — هي أن تكون في كل قرية من القرى المصرية وفي كل مدينة من المدن مدرسة مستقرة، يتعلم فيها أهل القرية أو أهل المدينة كيف يمارسون هذه الحقوق والواجبات!

وما ينبغي أن يرتاع القارئ ولا أن يفزع وزير المعارف؛ فهذه المدرسة يسيرة بكل اليسر، ليس من شأنها أن تُخِيف أحدًا، ولكن من شأنها أن تُحقِّق التربية السياسية للشعب على أحسن وجه وأكمله …

من الخير أن يستمتع كل مصري بلغ الرشد السياسي بحقوقه الوطنية، فينتخب النواب والشيوخ، ويرشح نفسه ليكون نائبًا أو شيخًا، ولكن هناك مجالس أخرى أقرب إلى الشعب وأدنى إلى حياته اليومية وأمسُّ بمصالحه المباشرة الفردية، وهي هذه المجالس التي تشرف على أمور القرية وعلى أمور المدينة إشرافًا يوميًّا متصلًا، وتنعقد انعقادًا منظمًا في جميع فصول السنة، ويتعلم الشعب حين ينتخبها كيف يكون الانتخاب، وفيمَ يكون الانتخاب، ويتعلم الشعب حين يراقبها كيف تكون مراقبة الرأي العام لخدَّام الرأي العام، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يستمتع ممثل الشعب بثقة الشعب، وإلى أي حدٍّ يمكن أن يشعر هؤلاء الممثلون بأنهم ليسوا سادة الشعب يأمرونه ليطيع، وإنما هم خدَّام الشعب يأتمرون بأمره وينفذون إرادته، فإن قصروا في شيء من ذلك فقدوا ثقته وصُرِفوا عن خدمته أو صُرِفَتْ عنهم خدمته!

ويكفي أن يتصور القارئ أهل قرية صغيرة ينتخبون في كل عام أو عامين مجلسهم الخاص الذي يدبِّر أمورهم بأعينهم، لا يفلت من مراقبتهم الدقيقة في هذه الحدود الضيقة حدود القرية، بل لا يفلت من نقدهم حين يجتمعون ليتحدثوا آخر النهار أو ليسروا أول الليل … يكفي أن يتصور القارئ هذا ليقدر تأثيره في التربية السياسية لأهل القرية، وفي تعليمهم معنى الحق والواجب ومعنى النيابة عن الشعب ومعنى انتخاب الشعب لنوَّابه وإشرافه على هؤلاء النواب، ومعنى مراقبة النواب لتصرفات الحكومة … فليس من شك في أن نواب القرية سيراقبون تصرف العمدة الذي سينتخب كما ينتخبون، وسيكون صلة بين القرية وبين السلطة الإدارية العامة.

ومن المحقق أننا قد أضعنا وقتًا لا سبيل إلى تقدير قيمته، فلو أن القانون المنشئ لهذا النظام صدر مع الدستور أو صدر بمجرد انعقاد البرلمان المصري لأول مرة، ولو أنه نُفِّذَ منذ ذلك الوقت لاستطاع الشعب المصري في عشرين عامًا أن يذوق الحق السياسي والواجب السياسي، وأن يعرف قيمة الديمقراطية كأحسن ما يمكن أن تُعرف هذه القيمة، وأن يباشر بعد ذلك سلطته العليا في انتخاب البرلمان ومراقبة البرلمان، بل توجيه البرلمان كما يجري ذلك في البلاد المتحضرة … ولكننا أقمنا حياتنا الديمقراطية على غير أساس؛ بنينا الطابق الأخير من الدار فظل معلقًا في الهواء يعصف به أيسر الريح!

إن الذين يسألون عن مصدر هذا الشقاء الذي ينقل الحياة المصرية، ويحول بينها وبين الاستقرار، يجعل حياتها النيابية شيئًا يشبه أن يكون عبثًا ينبغي ألَّا يتكلفوا كثيرًا من البحث. فمصدر هذا الشقاء قريبٌ جدًّا هو أننا لم نغرس شجرة الديمقراطية الصحيحة في كل قرية من قرى مصر وفي كل مدينة من مدن مصر … ولو قد فعلنا منذ عشرين سنة لكانت لنا حال غير هذه الحال، ولكان من العسير جدًّا أن تتعرض مصر لما تتعرض له الآن من هذا الاضطراب السياسي الذي تدفعنا إليه الأهواء والشهوات!

لو قد فعلنا ذلك منذ عشرين سنة لعرف كل مواطن مصري معرفة واضحة مباشرة ملموسة باليد، أن له حقًّا يجب أن يُؤدَّى إليه، وأن عليه واجبًا ينبغي أن يؤديه، وأن الشئون العامة التي ينهض بها البرلمان هي خلاصة الشئون الخاصة التي تنهض بها مجالس القرى، وأن حق الشعب على البرلمان وعلى الوزراء كحق أهل القرية على مجلس القرية وعلى العمدة.

وحدِّثْني بعد ذلك إن شئت عن حل مجلس النواب، فلن يكون لحل مجلس النواب هذه الآثار الخطيرة التي نراها الآن، والتي تنقل أمور الشعب فجأة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتي تتيح للحكومات صنع المجالس النيابية كما تُصنَع أصناف الطعام!

فلو قد أنشأنا هذا النظام الديمقراطي الأساسي في المدن والقرى؛ لأصبح حل مجلس النوَّاب أداة غير ذات موضوع كما يقول الأستاذ لطفي السيد باشا؛ لأن الشعب إن كان واثقًا بالمجلس المنحل أعاد انتخابه، ولم يقبل تزويرًا أو تزييفًا، وإن كان غير واثق بهذا المجلس انتخب مجلسًا آخر، وكان استفتاء الشعب صحيحًا حقًّا ملائمًا لإرادته حقًّا.

ويقول المَثَل الفرنسي: رُبَّ عمل متأخر خير من لا شيء. وقد أضعنا أكثر من عشرين سنة، فهل من سبيل إلى أن نستدرك ما فات، ونبدأ الطريق من حيث ينبغي أن نبدأ، ونشرع القانون الذي يجعل مجالس القرى نظامًا أساسيًّا من نظم الديمقراطية المصرية، والذي يجعل سلطان الشعب وسيادته حقيقة واقعة لا كلامًا تمضي به الريح؟!

احتكار!
طه حسين
مجلة المصور
٢ أبريل ١٩٤٨

لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في أسباب المواصلات المُختلفة، فتريحهم بالقوة الصريحة، أو بالحيلة المُلتوية — من الطَّائرات، أو من السفن، أو من القطر، أو من السيارات، أو من الترام، أو من البرق، أو التليفون، أو البريد — لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في هذه الأسباب الكثيرة المُختلفة التي يتخذونها وسائل ليلتقوا ويفترقوا، وليتصلوا وينفصلوا؛ لضاقوا بذلك أشدَّ الضِّيق، ولسخطوا على حكومتهم أشدَّ السخط، ولما استقر لهم قرار حتى يردوا حكومتهم إلى العقل والرشد والصواب؛ ذلك لأنَّ المصريين كغيرهم من النَّاس يُؤمنون بالحضارة الحديثة، ويُؤمنون بالنَّاحية المادية من هذه الحضارة الحديثة خاصة أشدَّ الإيمان وأقواه، ويُريدون أن يأخذوا من أسباب هذه الحضارة الحديثة المادية ما يستطيعون أن يأخذوا به في غير تردد ولا تلكؤ، ولا إبطاء ولا تقصير، واسمع إلى المصريين الذين يختلفون إلى أوربا وأمريكا في الطائرات كيف يحمدون ما تكفل لهم من السرعة والراحة، وتحقيق المنافع البعيدة في الآماد القصيرة، وكيف يوازنون بين سرعة الطائرات، وبطء السفن والقطارات. ومن الممكن لو فرغ النَّاس للقول والتفكير، وهذا الترف الأدبي الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا؛ أن تنشأ ألوان جديدة من الأدب الحديث، تُوازن بين أسباب المواصلات في الإسراع والإبطاء، وفي الرَّاحة والعناء، وفي العَجل والمهل، كما تخيل الشعب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلك المناظرة الطريفة بين القطار والبرق في ذلك الكُتَيِّب الظريف الذي كنَّا نقرأه أطفالًا، ونستمتع فيه بالمحاورة بين السلك والوابور!

ولكنَّنا في هذه الأيام معجلون عن كل شيء، لا نكاد نستبقي أدبنا القديم، فكيف باستحداث آداب جديدة، حول وسائل المواصلات أو غيرها؟ والمهم هو أنَّنا نحرص أشدَّ الحرص على أن نستبقي وسائل المواصلات هذه كلها، ونسرع إلى ما يمكن أن يستحدث منها، لا يخطر لنا أن نتردد في ذلك، أو أن نحتاط، فأمَّا وسائل المواصلات العقلية بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وبين أقطار الأرض على تباعدها، وبين ألوان الحضارة على تباينها؛ فإننا لا نحفل بها، ولا نقف عندها، ولا نكاد نلتفت إليها، ولا نفكر في الاحتفاظ بما عندنا منها، فضلًا عن أن نُفكِّر في أن نُضيف إليها وسائل جديدة لم يسبق لنا الانتفاع بها، وفضلًا عن أن نلوم حكومتنا أن قصرت في استبقاء ما عندنا من هذه الوسائل!

وهذه الوسائل بالطبع هي اللغات الأجنبية؛ فالطائرات والقطارات والسيارات والسفن تنقل أجسامنا، وتتيح لعقولنا أن تفكر، وتتزيد من المعرفة، واللغات تنقل عقولنا، وتتيح لها أن تتصل بما تنتجه عقول الأمم الأخرى، وتنقل قلوبنا، وتتيح لها أن تتصل بما يثور في قلوب الأمم الأخرى من العواطف والشعور.

ولكننا خلقنا هكذا: نُعنَى بأجسامنا قبل أن نُعنَى بعقولنا، وأكثر مما نعنى بعقولنا، ونهتم لمنافعنا المادية قبل أن نهتم لمنافعنا المعنوية، وأكثر مما نهتم لمنافعنا المعنوية، وآية ذلك أننا نتحضر في المادة قبل أن نتحضر في العقل، وإنَّك تجد كثيرًا من المصريين — بل تجد المصريين كلهم — ينتفعون بوسائل الحضارة المادية، دون أن يسألوا أنفسهم عن هذه الوسائل كيف نشأت، وكيف أُتيحت لهم، يركبون القطار، والطائرة، والسفينة، والسيارة، ولا يعنيهم إلا أن يركبوها! وليس في ذلك شيء من الغرابة، فليس كل إنسان مُكلفًا أن يفهم كل شيء، وليس ينبغي لكل إنسان أن يفهم كل شيء، وإنَّما الغريب ألا يفكر أولو الأمر في أنَّ الطبيعي أن يكون منَّا قوم يتقسمون فيما بينهم العلم بدقائق الحضارة وحقائقها، وفهم هذه الوسائل التي يُتاح لنا الانتفاع بها على كثرتها واختلافها وتنوعها.

وأنا أبسط هذا الحديث الطويل بمناسبة عناية وزارة المعارف بتعليم اللغات الأجنبية في مصر، فقد كان يُظنُّ أنَّ طبيعة الحياة المصرية، وطبيعة الصِّلات التي أنشأتها الحياة الحديثة بيننا وبين أمم الأرض وشعوبها، وطبيعة الرقي الذي دفعنا إليه وظفرنا منه بحظٍّ لا بأس به؛ كل ذلك سيلقي في روع وزارة المعارف أنَّ التَّوسع في تعليم اللغات الأجنبية المُختلفة قد أصبح ضرورة من ضرورات حياتنا الحديثة، وسيلقي في روعها أيضًا أن استئناف النَّظر في برامج التعليم ومناهجه فُرصة يجب أن تنتهز؛ لنجعل التَّوسع في تعليم اللغات حقيقة واقعة، ولكني أنظر فأرى وزارة المعارف لا تلتفت إلى هذا التطور الخطير في حياتنا العقلية إلا لتقلل من عنايتنا بدرس اللغات الأجنبية!

كنت أظن أنَّ حياتنا الحديثة ستحمل وزارة المعارف على أن تتيح لبعض الصبية والشباب من أجيالنا الناشئة تعلُّم بعض اللغات الأجنبية الكبرى، ليكون منَّا الذين يُحسنون الاتصال بالثقافات العالمية على اختلافها مباشرة لا بالوساطة، فيكون بين شبابنا من يترجم عن الألمانية والإيطالية والإسبانية، ولولا أن أحفظ بعض الصدور لذكرت اللغة الروسية أيضًا، ففي الثقافة الروسية أدب وعلم وفن، وليست الثقافة الروسية شيوعية كلها! ولكنَّ وزارة المعارف مع الحزن الشديد لم تُفكِّر في شيء من ذلك، وإنَّما استبقت اللغة الإنجليزية كما هي أو زادتها قوة — ولست أجد بذلك بأسًا — وأضعفت اللغة الفرنسية وردتها إلى شيء من الضيق يجعل دراسة الشباب لها إضاعة للوقت لا تنفع ولا تفيد، ولعلها تضر وتبغض إلى التلاميذ الدرس والتحصيل!

***

وليس المهم أن تُعنى الوزارة أو لا تُعنى بهذه اللغة أو تلك، وإنَّما المهم أن تلتفت الوزارة إلى أنَّ اللغات الأجنبية هي وسائل المواصلات العقلية، وإلى أنَّ المواصلات العقلية هي أساس المواصلات المادية، وإلى أنَّ حياتنا الحديثة تفرض علينا أن نُشارك في الثقافة الإنسانية العالمية مُشاركة فعلية مباشرة، كما تفرض علينا أن نفهم أصدقاءنا وخصومنا، وكما تفرض علينا أن ننفع وننتفع، وكما تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا في النفع والانتفاع، وألا نكون عيالًا على غيرنا.

***

وكل ذلك يفرض علينا أن نُتيح للشباب المصريين درس اللغات الأجنبية على كثرتها واختلافها؛ فليس من ذلك بدٌّ إذا أردنا أن نكون أمة راشدة حقًّا، وقد جعلنا العقل المصري حكرًا تقتسمه الثقافة الفرنسية والإنجليزية منذ بدأت نهضتنا الحديثة، وقد آن لنا أن نُحرِّر العقل المصري والقلب المصري من هذا الاحتكار، وسبيل ذلك أن تعدل وزارة المعارف أولًا عما عمدت إليه في إصلاحها الأخير من إهمال اللغة الإضافية، سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية، وأن تستأنف النظر في تعليم اللغات فتبيح للشبان والصبية وأسرهم أن يختاروا لغتين أجنبيتين من اللغات العالمية الكبرى، لا يتقيدون بهاتين اللغتين اللتين ألفناهما إلى الآن!

***

وإذا لم تتح لوزارة المعارف أن تُجاري هذا التطور الحديث، فإنَّ البرلمان لم ينشأ عبثًا، وإنَّما أُنشئ ليرد الحكومة إلى القصد إنْ جارت عنه، وليبصرها بمواضع النفع. وإصلاح التعليم معروض على البرلمان أو سيعرض عليه، فلتؤد وزارة المعارف واجبها، وليؤد البرلمان واجبه، وليذكر المثقفون أنَّ للثقافة عليهم حقوقًا ينبغي أن تُراعى.

من بعيد …
ثورتنا (٤)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أغسطس ١٩٥٤

أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.

وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.

وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.

وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.

وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.

وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.

وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.

كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.

وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.

وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.

هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.

كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.

وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.

ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading