Back to homepage

حواجز في طريق زعيم الوفد: ١٩٣٤ | Barriers in the Wafd Leader’s Path, 1934

غيبة …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ يناير ١٩٣٤

غابت عن القاهرة في أيام العيد شموسها المشرقة ونجومها المتألِّقة؛ فأظلم جوها وكان من حقه أن يُضيء، وأقفرت أرضها وكان من حقها أن تعمر، وفَتُرَ فيها العيد وكان من حقه أن ينشط ويقوى ويملأ الناس نشاطًا وقوةً. وليست هذه الشموس المشرقة والنجوم المتألقة رجال الوفد وزعماءه؛ فهؤلاء قوم يستطيعون أن يذهبوا ويستطيعون أن يجيئوا؛ فلن يُظْلِمَ لذهابهم جَوٌّ ولن تضيء بمجيئهم سماء، أولئك قوم لا يعرفهم أحد ولا يعرفون أحدًا، لا يَخِفُّ لوداعهم أحد إذا ذهبوا ولا ينشط لاستقبالهم أحد إذا جاءوا. هم قوم مثلك ومثلي لا يحسهم الناس، وأكبر الظن أنهم لا يُحِسُّون أنفسهم؛ فانتقالهم واستقرارهم سواء. إنما الشموس المشرقة والنجوم المتألقة والكواكب الوضيئة والمصابيح المضيئة هم وزراؤنا الأفذاذ، الذين تتنافس فيهم مدن مصر وتختصم حولهم قرى الريف، لا يُلِمُّون بمدينة إلا امتازت من المدن، ولا ينزلون بقرية إلا ارتفعت فوق القرى، يصحبهم اليسر أينما كانوا، ويسبقهم البشر إلى حيث يَمَّمُوا، فمَقْدِمُهُم خير كل الخير خليق أن يشتدَّ فيه التنافس ويعظم فيه الخصام.

غابوا عن القاهرة أيام العيد؛ فغاب عنها العيد، وتفرقوا في المدن والقرى؛ فتفرق معهم العيد في المدن والقرى، كل أخذ معه جزءًا يوزعه على الناس توزيعًا، ويقسمه بينهم تقسيمًا، وكان رئيس الوزراء الرجل الطيب أعظمهم حظًّا من العيد، أخذ معه نصفه أو ثلثيه هدية إلى أهل مصر العليا؛ فلم يكد يبلغ أسوان حتى استحالت عيدًا كلها، وكانت أسوان وفيَّة عارفة للجميل، شاكرة للنعمة مقرَّة بالحق؛ فاستقبلت رئيس الوزراء أحسن استقبال، واحتفلت له أفخم احتفال، ولم يكد يبلغ الفندق فيها حتى وقف له الأجانب رافعين قلانسهم صائحين حتى بلغ صياحهم عنان السماء.

وفي أثناء ذلك كان رئيس الوفد ينتقل بين سمنود والمنصورة والقاهرة؛ فلا يشعر به أحد ولا يحتفل له أحد، ولا يرفع الأجانب له قلانسهم، ولا يمتلئ الجو من حوله بالصياح؛ لأن رئيس الوفد لم يكن يحمل معه إلى الناس عيدًا ولا جزءًا من عيد، وإنما كان رجلًا عاديًّا، يؤدي واجبات عادية، فيتركه الناس وما يؤدي من واجبات. وأحست الوزارة خطر هذه الرحلة التي عمد إليها الرجل الطيب في أقصى الصعيد، وأشفقت الإدارة من إقبال الناس على رئيس الوزراء، وهتاف الناس لرئيس الوزراء؛ فاحتاطت الوزارة واستعدت الإدارة، وحمت الناس من فتنة رئيس الوزراء، وحمت رئيس الوزراء من كَلف الناس به وتهالكهم عليه.

وشهدت أسوان وشهدت الأقصر أيامًا لم تشهدها مدينة من مدن مصر في يوم من أيامها العظام؛ حُشِدَت الجنود في أسوان ألوفًا، واحتفرت الخنادق في أسوان طويلة عريضة عميقة، وهَمَّ رئيس الوزراء أن يصلي الجمعة في مسجد عَيَّنَه؛ فكثر الناس الذين هموا أن يصلوا في هذا المسجد، حتى اضطرت الوزارة إلى أن تأمر بإغلاق المسجد ورد المصلين عنه اتقاءً للفتنة، ودفعًا للكوارث والأحداث.

ومع أن الوزارة قد بذلت من الجهد ما لم تبذله الوزارات، وحشدت من الجند ما لم يحشد من قبل. ومع أن الجند كان نشيطًا جريئًا، يُعْمِلُ العصي والسياط في غير حساب. ومع أن الخنادق كانت مُخِيفَة، ومع أن الاحتياط لم يبلغ في يوم من الأيام ولا في مكان من الأمكنة ما بلغ في أسوان؛ فقد استطاعت جماهير الناس أن تقتحم المدينة اقتحامًا، وتردَّ الجند ردًّا، وتحتفل برئيس الوزراء رغم الوزارة، وتنصر رئيس الوزراء على الوزارة، وتسجل للوزارة على نفسها يومًا مشهودًا، وتُثبِت للناس جميعًا أن الوزارة قد تنتصر على الوزارة، وأن الحكومة قد تنهزم أمام الحكومة، وأن الشعب أقوى وأعظم وأضخم وأنشط من أن يرده وزير الداخلية مهما تبلغ قوته وبأسه عن أن يُظهِر ما يُضْمِر من الحب، ويُكِنُّ من الإكبار والإجلال لرئيس الوزراء.

وكذلك ألقى أهل أسوان أمسِ درسًا بليغًا في التواضع على الوزارة القائمة؛ فعلموها أن التواضع فضيلة بشرط ألا يتجاوز الحدَّ؛ فإن تجاوزه كان نقيصة ولم يعد على أهله إلا بالإخفاق والخذلان، وعلموها أن من الحق عليها ألا تسرف في المفاخرة بقوتها، ولا تغلو في ازدراء قوة الشعب؛ فالوزارة تعلم حق العلم أن الشعب يحبها ويفتن بها، وهي تريد أن تردَّ الشعب عن هذا الحب وعن هذه الفتنة، وتحمله على الاقتصاد فيهما، ولكن الشعوب لا تُصْرَفُ عن الحب بالقوة، ولا تُحْمَلُ على الاقتصاد في الإعجاب والإكبار كرهًا، وما يضرُّ الوزارة أن يظهر حب الناس لها وافتتانهم بها، وأن تقوم الأدلة الناصعة على أن الوفديين قوم يحلمون.

لقد نَشَرَت الصحف أنباء زيارة الرجل الطيب لأسوان، وأنباء زيارة رئيس الوفد للمنصورة، فيا لها من أنباء! رئيس الوزراء يحفل به الناس رغم الوزارة، ورئيس الوفد يلتفت يمينًا وشمالًا وينظر إلى أمام وينظر إلى وراء فلا يجد من يستقبله حين يقبل، ولا يجد من يودعه حين يعود. والغريب أن بين الناس مَنْ يشك في أن الرجل الطيب قد قال الحق ونطق بالصواب، حين أعلن إلى الشعبيين يوم العيد أن وزارته كوزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام. يشكون في ذلك ويأبون تصديقه، ويتكلف رئيس الوفد فيضع حديث رئيس الوزراء موضع الشك والريب.

وأَمْر رئيس الوفد غريب؛ فهو قد ظنَّ أن ما وقع في أسوان لرئيس الوزارة قد وقع له هو في المنصورة، وهو قد اعتقد أن ما حُشِدَ من الجند قد حُشِدَ في المنصورة لرد الناس عنه ورده هو عن الناس، وأن ما حفر من الخنادق قد حفر في المنصورة لأخذ الطريق عليه وعلى الذين يسعون لتحيته، وأن ما رُفِعَ من الجسور قد رُفِعَ في المنصورة لجعل النهر حائلًا بينه وبين قُصَّادِه ومُرِيدِيهِ، وأن هذه العصيَّ والسياط التي كانت تنهال على الرءوس والأبدان فتهشِّم العظام وتلهب الجلود، إنما كانت تنهال على أهل المنصورة؛ لتفرقهم عنه وتَحُول بينهم وبين الالتفاف حوله.

ظن رئيس الوفد هذا فتحدث به إلى ثلاثة أو أربعة من النفر الذين لقوه في خطبة نشرت في الصباح وتنشر في المساء، ولو أن رئيس الوفد فكَّر وقدَّر وتنبَّه؛ لعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث له ولا لأصحابه، ولم يُدَبَّرْ له ولأصحابه، وإنما حدث هذا كله لرئيس الوزراء وعشَّاق رئيس الوزراء، ودُبِّرَ هذا كله للرجل الطيب والمفتونين بالرجل الطيب.

وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة أمس فلم يجد في محطتها أحدًا، ولم يحفل به في شوارعها أحد، ثم ذهب إلى داره وهو يتحدث إلى الناس بأن أهل القاهرة قد خَفُّوا لاستقباله واحتفلوا بلقائه، وإنما رأى رئيس الوفد ما سيحدث غدًا حين يعود رئيس الوزراء إلى القاهرة؛ فينشط لاستقباله أهل القاهرة، ويحتفلون به احتفالًا يضطر الشرطة إلى إعمال العصي والسياط في الرءوس والأبدان.

ولست أدري إلى أي حد كان ينتهي احتفال الناس برئيس الوزراء لو أن الجمعية العمومية لحزب الشعب اجتمعت يوم العيد وانتخبته رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا؛ إذن لزُلْزِلَت الأرض زلزالها، ولاحتفل الناس بالرجل الطيب احتفالات لا تنقضي: بعضها لأنه رجل طيب ومصر تحب الرجال الطيبين، وبعضها لأنه رئيس الوزراء ومصر تُكْبِرُ رؤساء الوزارات، وبعضها لأنه رئيس حزب الشعب ومصر تذوب في حب الرؤساء لحزب الشعب. ولكن الرجل الطيب رفق بالمصريين وعطف على مصر؛ فأرجأ اجتماع الجمعية العمومية، وأرجأ انتخابه رئيسًا لحزب الشعب؛ حتى لا تخرج مصر عن طورها، ولا تتجاوز في الاحتفال به حدود الرزانة والعقل والحكمة.

والناس يتساءلون بعد ذلك عن سبب هذا الإرجاء؛ فقد ظهر هذا السبب فينبغي أن يبطل العجب. وهم يتساءلون عن الموعد الذي حدده الرجل الطيب لاجتماع الجمعية العمومية وانتخابه رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا، فيجيبهم بعض المجيبين بأن هذا قد يكون قبل عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يكون بعد عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يستكثر الرجل الطيب على نفسه رياسة حزب الشعب تواضعًا لله، وقد يستكثر الرجل الطيب نفسه على حزب الشعب ارتفاعًا عما لا يليق بالرجال الطيبين فلا تجتمع الجمعية العمومية، ولا ينتخب حزب الشعب لنفسه رئيسًا. وما حاجة حزب الشعب إلى رئيس؟ وإنما تحتاج الأحزاب إلى رؤساء حين تنتظر طول البقاء. ومهما يكن من شيء فقد طالت غيبة الرجل الطيب عن مدينة القاهرة، واشتد شوق القاهرة إلى رجلها الطيب؛ فليسرع الفلك في دورته، وليسرع القطار في عودته، ولتستقبل القاهرة رجلها الطيب غدًا سعيدة به، سعيدًا بها، ولتنقضِ هذه الغيبة التي مهما تقصر فهي طويلة.

ومَنْ يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يصل إلى القاهرة قبل الأوان، لعل الناس أن يُفْتَنُوا به ويَهِيمُوا بحبه؛ فيخشى وزير الداخلية عليهم وعليه فيخطفه من بينهم خطفًا ويرده إلينا في قطار سريع، فلوزير الداخلية خطفة في كل شتاء، وأي الناس أحق أن يخطف من رئيس الوزراء؟!

منع …
طه حسين
كوكب الشرق
٢١ يناير ١٩٣٤

وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن
يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا
وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها
الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها
من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام
القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية
حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت
وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد
فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا
وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك
أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه،
ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي
لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا
النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض
حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر
لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات
جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد
وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب،
حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت
من الرشد أقصاه.

ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم
العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد
أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا
قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم
إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ
المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا
يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل
الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه
فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن
وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم
وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من
غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف
العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها
الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا
وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون
القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر
التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون
الضعف ويكلفون بالغباء.

وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور
بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم
الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم
الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام
يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات
القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا
لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا
فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في
ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك
سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا
يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث
وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد
قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق،
ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن
ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا
أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما
لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال
للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال
لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ
دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد
قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا
بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع
بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما
يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار
في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون
إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف
الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا
تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من
الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟
هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد
وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن
على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا
حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص
الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق
إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن
يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون.
ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت
إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية
كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما
أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا
الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم
إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى
استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين
نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر
في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه
القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟
وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما
أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ،
وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا،
دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما
قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن
الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ
لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد
وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول
الدستور والقانون.

هيبة …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ يناير ١٩٣٤

أما أن وزارتنا مهيبة رهيبة، فهذا شيء لا يحتمل الشك، ولا يأتيه الريب من أي ناحية من نواحيه.
وكيف تشك في هيبة الوزارة أو ترتاب في أن الرهبة تصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس واللهب عن
النار؟ وهي قادرة على أن ترفع الجسور المنصوبة، ويقيم من حولها الجنود. فإذا استعصى عليها رفع
الجسور حَصَّنَتْهَا تحصينًا، وأقامت عليها السيارات تأخذ عرضها وطولها ولا تدع سبيلًا
للسالكين. حَدِّثْنِي كيف تستطيع أن تشك في الهيبة والرهبة إذا استطاعت الوزارة رفع الجسور التي
ترفع، ومنع الجسور التي ليس إلى رفعها سبيل؟ ومتى رأيت وزارة ضعيفة ضئيلة الشأن تقوَى على رفع
الجسور وأخذ الطرق؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يزعُم أن الضعفاء يقدرون على رفع الأثقال؟ فالجسور
ثقيلة من غير شك، ولا بد من جهد عنيف وبأس مخيف لتُرْفَعَ من أماكنها، وقوة وزارتنا ليست مقصورة
على عضلاتها وأذرعها، وإنما هي قوة بالغة عريضة تتناول العقل، وتتناول الذكاء، وتتناول الحيلة؛
فتتمكن من حل المعضلات وإزالة المشكلات. وقد تَحَدَّثَ الناس أن في طريقٍ من الطُّرُق التي تؤدي
إلى القليوبية جسرًا ثابتًا لا يتحول، ولا يتحرك، ولا يمكن أن يرفع، وكان من الممكن أن يتخذ
رئيس الوفد وأصحابه هذه الطريق، وأن يعبروا على هذا الجسر الذي لا يمكن تحويله ولا رفعه.
والغريب أن الوزارة قد قدرت هذا، وفطنت له وحسبت حسابه، وأقامت لرئيس الوفد وأصحابه الأَدِلَّة
على أن الحديد بالحديد يفلح، وعلى أنهم إن كانوا ريحًا فقد لقوا إعصارًا. وعلى أنهم إن فكروا في
أخذ هذه الطريق فإن الوزارة قد سبقتهم إلى التفكير وقطعت عليهم الطريق، وعلى أن الذكاء ليس
مقصورًا على الشعب، وإنما هو نعمة من نعم الله يشيعها بين الشعب والوزراء، ولعله يختص بها
الوزراء ثم يتفضل الوزراء فينزلون منها عن جزء يسير يهَبُونه للشعب؛ ليستطيع أن يعيش ويتصرف في
شئون الحياة.

وكذلك أقامت الوزارة للمصريين وللأجانب الذين يرقبون المصريين دليلًا ساطعًا قاطعًا على أنها
قوية ذكية، رفعت الجسر في طريق شبرا لأنه كان يرتفع، وأقامت على الجسر الآخر صفوفًا من السيارات
أمامها ووراءها صفوف من الجند، ولم يبقَ شك في أن الدول الأوروبية قد عَرَفت أن مصر الآن أبعد
منالًا من النجم، وأمنع من عقاب الجو، ولن تفكر منذ الآن دولة في الإغارة على مصر، أو الاعتداء
عليها؛ لأن في مصر وزارة تعرف كيف تقطع الطرق على المُغِيرِينَ؛ فترفع الجسور إن كانت قابلة
للرفع، وتسد الجسور إن كان رفعها عسيرًا أو مستحيلًا.

وكذلك ذاعت شهرة مصر في الآفاق، واستقرَّت هيبة مصر في القلوب، وتلقَّى الوزراء المفوَّضون
درسًا قاسيًا، ولكنه ظريف، يعلمهم أن مصر ليست من هذه البلاد التي يطمع فيها الأجانب فينكروا
على قاضي القضاة خُطبته، ويسعوا إلى رئيس الوزراء بالاحتجاج، وأصبح من المُحَقَّقِ أن المحاكم
المختلطة سَتُلْغَى غدًا أو بعد غدٍ، وأن الامتيازات ستصبح حديثًا من الأحاديث، ولن يفكر وزير
فرنسا في أن يسعى باحتجاج أو إنكار إلى رئيس الوزراء؛ لأن الوزارة ستأخذ عليه الطريق إلى دار
الرياسة. ستقيم في كل الطرق التي توصل إلى مكتب الرجل الطيب صفوفًا من السيارات وراءها وأمامها
صفوف من الجند. وسيُضطر وزير فرنسا إلى أن يعود محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطِع أن يبلغ
الاحتجاج ويلقى رئيس الوزراء. كما عاد رئيس الوفد محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطع أن يخرج من
القاهرة ولا أن يصل القليوبية. وكيف يخرج من القاهرة وقد رفعت الوزارة له جسرًا، وسدت عليه
جسرًا آخر؟! وأكبر الظن أن الوزراء المفوضين سيلزمون القاهرة كلما هموا باحتجاج، وسيمتنعون عن
الرياضة في الجزيرة أو أي مكان آخر يضطرهم إلى عبور النيل أو إلى عبور قناة من الأقنية. فمن
يدري لعل الوزارة ترفع من دونهم الجسور، أو تسدها فلا يستطيعون إلى دورهم قفولًا؟

وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا لهوًا ولعبًا، وضحكًا وإغراقًا في الضحك، ولِمَ لا؟
أليس الناس على دين وزرائهم، فإذا لعب الحاكمون وَجَبَ أن يلعب المحكومون. وما دامت وزارتنا
ترفع الجسور وتُحسِن رفعها؛ فلنضحك نحن للجسور المرفوعة، ولنُحسِن الضحك، وما دامت وزارتنا ترى
أن أقصى ما تستطيع أن تصل إليه من القوة هو أن تأخذ الطريق على الناس حين يغدون ويروحون، ليعلم
الناس أنها قوية وأنها ذكية؛ فلنؤمِّن نحن لها بالقوة والذكاء ولنُبَاهِ نحن بها الأمم
والشعوب.

لا تكره الوزارة منا ذلك، ولا تكره منا أن نجربها فيه من حين إلى حين، فنحن حِراصٌ على أن تظل
قوية ذكية وعلى ألا تنسى قوتها وذكاءها؛ وإذن فلا بد من أن تُقام الولائم، ويُدْعَىْ إليها
الوفد والوفديون لتمنعها الوزارة، ولترفع في سبيلها جسورًا وتسد جسورًا أخرى.

وإذا كان من الحق أن نُشْعِرَ الأجانب بهيبة مصر؛ فإن من الحق أن نُضحك الأجانب ونسليهم بعض
الشيء. وقد نضحكهم ونسليهم في الأوبرا إذا كان الليل، فلنضحكهم ولنسلِّهم في طريق شبرا وطريق
المطرية إذا كان النهار. ذلك شيء تفرضه علينا الضيافة، وما امتزنا به من الكرم والجود. وإذا
أَبَتِ الوزارة على المصريين أن يكرم بعضهم بعضًا، أو يضيف بعضهم بعضًا؛ فليس ينبغي لها أن تأبى
على المصريين أن يُكرموا الأجانب ويضيفوهم، ويؤدوا إليهم واجب التسلية والتلهية؛ حتى تَحسُن
سمعتنا، ويعلم الناس أننا أصحاب بأس، وأننا أصحاب رفق ولين، وأننا نخيف العدو، وأننا مع ذلك
نضحكه ونلهيه.

وبعد، فهل نستطيع أن نفهم من تصرُّفات الوزارة منذ كان هذا العيد أنها قوية كما قال الرجل
الطيب، وهل نستطيع أن نفهم من هذه التصرفات أنها ضعيفة كما نقول نحن. أما أنا فواثق بأن الوزارة
قوية كما قال الرجل الطيب، وبأنها ضعيفة كما نقول.

قوية ما دامت تستطيع رفع الجسور وحشد الجند، وضعيفة ما دامت تحتاج إلى هذا لتمنع رجلًا أو
رجالًا من أن يزوروا قرية من القرى، أو مدينة من المدن، أو إقليمًا من الأقاليم.

قوية لأنها تستطيع أن تخالف الدستور وتخرج على القانون، دون أن تُقَالَ وتوقَف أمام القضاء،
وضعيفة لأنها لا تستطيع البقاء في مناصبها إلا بمخالفة القانون، والاعتداء على الحقوق والخروج
على الدستور، والأمن من العقاب.

قوية لأنها تقول إنها قوية، وضعيفة لأنها لا تستطيع أن تثبت قوتها إلا إذا عاملت العاصمة
معاملة المدن المحصورة، وأرغمت المصريين على أن يعيشوا عِيشة الأسرى لا ينتقلون إلا بمقدار، ولا
يتحركون إلا في أماكن تُعَيَّنُ لهم تعيينًا.

وزارتنا قوية جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية. وزارتنا ضعيفة جدًّا، وآية
ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية؛ لأنها لم تستطع ولن تستطيع أن ترد قلوب أهل القليوبية عن
رئيس الوفد.

وزارتنا قوية جدًّا لأنها ما زالت تختلف إلى مكاتبها وإلى البرلمان. ووزارتنا ضعيفة جدًّا
لأنها مُضطرة إلى الظلم والجور لتستطيع الاختلاف إلى مكاتبها وإلى البرلمان.

نعم وزارتنا قوية، ووزارتنا ضعيفة، والنظام الحاضر ثابت، والنظام الحاضر قَلِقٌ، والإنجليز
يَرَوْنَ هذا كله ويعجبون بهذا كله، ويضحكون لهذا كله.

وما الذي يمنع الإنجليز من أن يضحكوا إذا أرادوا الضحك، وفي مصر قوم يأبون إلا أن يكونوا
عندما يريد الإنجليز؟!

دروس
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ يناير ١٩٣٤

قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.

ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.

وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.

وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.

وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.

ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.

ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.

فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.

أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.

تجارب …
طه حسين
كوكب الشرق
٥ فبراير ١٩٣٤

زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس
جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من
الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم
كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة
على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر
الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما
تريد.

وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا،
فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان
على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء،
ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب،
وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ
الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من
التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن
لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة
وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا
هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم
عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون
بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.

ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد
ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ
مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر
فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر
إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس،
ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة
السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.

وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء،
وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال
حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ
وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟

ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم
التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس
إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم
يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ
لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا
ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت
عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من
هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.

ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا
الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها
بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر
المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون
يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس
وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس
إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد
ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!

ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم
يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على
القلوب قد زال.

وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ
ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء،
وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن
قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.

ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ
الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من
الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين
الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد
الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل
إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق
الوقت.

هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها
الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ
تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا
وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن
تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات
من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.

إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة
الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر
ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ
تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي
تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي
قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء،
ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!

فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول
زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا
شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.

وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات
من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من
تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه
الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة
بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن
يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل
ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه
أحد، ولا يعطف عليه أحد.

ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود
فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما
ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟!

رحلة . . .

أما القسم الأول منها فقد تم صباح اليوم، بعد أن شهد المصريون والأجانب فيه ما يدعو أولئك وهؤلاء إلى التفكير الطويل، رأوا شعبًا ووزارة يختصمان في بلد يقال إنه ديمقراطي دستوري، ولا ينبغي أن يكون فيه الخصام بين الشعب والوزارة، وإنما ينبغي أن تنزل فيه الوزارة عند إرادة الشعب فتنفذ أمره، وتحقق آماله، وترعى منافعه وحرماته، أو تستقيل. ولكن المصريين والأجانب، مع هذا، رأوا خصومة بين الشعب والوزارة في بورسعيد، وخصومة مختلفة الألوان، متباينة الأشكال، فيها الجد الذي يدمي القلوب ويفطر الأكباد، وفيها الهزل الذي يرسم الابتسامات المرة على الثغور.
هذا الصراع بين الشعب والشرطة يسقط فيه الجرحى من الشعب والشرطة لشيء إلا لأن الإدارة تريد أن تتحكم في الناس، وتخضعهم لإدارتها، على حين لم توجد الإدارة لتتحكم ولا لتفرض إرادتها على الناس. ثم هذه الحيل الملتوية تلجأ إليها الوزارة من ناحية لتحول بين رئيس الوفد وبين ما يريد، ويلجأ إليها الشعب من ناحية أخرى ليظفر بما يريد برغم تحكم الوزارة وممانعتها إياه. يريد رئيس الوفد أن يزور الجرحى في المستشفى، فتأبى الوزارة عليه هذه الزيارة، فيصر رئيس الوفد على ما يريد فتضطر الوزارة إلى شيء من اللعب أقل ما يوصف به أنه غريب. تأمر بأن يُنقل الجرحى من المستشفى على عجل وتُخفي المكان الذي نقلوا إليه، حتى إذا ذهب الرئيس إلى المستشفى لم يجدهم فإذا سأل عنهم قيل إنهم نقلوا إلى مكان مجهول! والوزارة التي تضطر إلى هذا اللعب، وتلجأ إلى هذه الحيلة، تريد أن يؤمن الناس لها بالقوة وأن يستشعروا لها الهيبة، وأن يعترفوا لها بالبأس والسلطان. ولكن القوي لا يعبث حين يجب الجد، ولا يمكر حين تجب الصراحة، ولا يحتال حين تجب مواجهة الحقائق في حزم وعزم وإقدام. فالوزارة القوية المهيبة حقًا تخلي بين رئيس الوفد وبين زيارة المرضى في المستشفى، وماذا تخاف من هذه الزيارة وماذا تتوقع أن يكون حين يدخل رئيس الوفد إلى المستشفى ليزور من فيه من المرضى؟ والوزارة القوية المهيبة حقًا تمنع رئيس الوفد من زيارة المستشفى إذا استيقنت أن في هذه الزيارة شرًا. فأما هذا التردد والاضطراب بين الإذن والمنع، فأما هذا اللعب فيما لا يجب اللعب به، فأما هذا الاحتيال فيما لا يجب الاحتيال فيه، فأما خطف المرضى من المستشفى وإخفاؤهم في مكان مجهول، فكل
هذا لا يدل على قوة، ولا على هيبة، ولا على جد في الأمر، وإنما يدل على الضعف، والوهن، والالتجاء إلى المكر للفرار من المشكلات.
لعبت الوزارة مع الشعب، فلعب الشعب مع الوزارة، كما جدّت الوزارة مع الشعب، فجدّ الشعب مع الوزارة. ونظن أن الوزارة قد استيقنت الآن أنها واجدة عند الشعب ما يريد، إن جدًا فجد، وإن هزلًا فهزل. أراد الشعب أن يصحب الرئيس إلى مقابر الشهداء، فأبت عليه الوزارة ذلك، فاحتال واصطنع تشييع جنازة ومضى في تشييعها حتى انتهى إلى المقابر، وهناك تم له ما كان يريد من مشاركة الرئيس في تحية الشهداء. والمقطم هي التي تروي هذا النبأ، لا صحف الوفد. ومن كان في حاجة إلى أن يضحك من لعب الوزارة، ومن مجاراة الشعب لها في هذا اللعب فليضحك. أما نحن فنرى هذا محزنًا حقًا، لأنه يدل على أن الصلة بين الوزارة والشعب قد أصبحت عرضة للفكاهة والتندر، وحسبك بهذا شرًا ونكرًا.
ومهما يكن من شيء فقد زار رئيس الوفد وأصحابه بورسعيد وعرف الشعب في هذه المدينة كيف يُكره الوزارة على أن تعترف بأنه موجود وبأنه يحب الوفد ولا يحبها، وبأنه يؤيد الوفد ولا يؤيدها، وبأنه يعرف كيف يصبر للملمات، وكيف يصل إلى ما يريد. وارتحل رئيس الوفد عن بورسعيد صباح اليوم، وقد قامت الحجة، وما زالت قائمة، ونهض الدليل وما يزال ناهضًا، وتبين الأغبياء قبل الأذكياء، أن سلطان الوفد على قلوب المصريين أقوى وأوسع وأعمق وأثبت من أن يطمع فيه الطامعون. وهذا رئيس الوفد يسلك طريقه إلى الإسماعيلية ثم إلى الشرقية، والحجة قائمة والأدلة ناهضة هنا وهناك، على أن الوزارة وجِلة، قد ألهاها الوجل عن جد الأمر، فزعة، قد صرفها الفزع عن الصواب. ما هذا؟ ما التحكم الغريب الذي يظهره السلطان في الزقازيق والذي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفه؟ متى اشترت الوزارة أهل الشرقية واتخذتهم لها عبيدًا تُصَرِّف أمرهم ووجهتهم على هذا النحو الذي لا يلائم منطقًا ولا تفكيرًا مستقيمًا؟ أيريد أهل هذه المدينة أن يقيموا سرادقًا لاستقبال الرئيس فتأبى الوزارة عليهم ذلك معتزة بقانون الاجتماعات. يريد أهل هذه المدينة أن يسعوا لاستقبال الرئيس في المحطة، فتأبى الوزارة أن تبيح هذا السعي إلا لعشرة من ألوف. يريد أهل هذه المدينة أن يقيموا مأدبة خاصة للرئيس، فتأبى الوزارة إلا أن تتحكم في عدد الذين يحضرون المأدبة وفي أشخاصهم. لا ينبغي أن يزيد العدد عن كذا ولا ينبغي أن يحضر المأدبة إلا من تأذن
الوزارة له بالحضور. يريد أهل المدينة أن يزور الرئيس وجوههم وأصحاب المكانة فيهم، فتأبى الوزارة إلا أن تعرف من يزور الرئيس لتأذن بالزيارة أو ترفضها. ثم تأبى الوزارة إلا أن يحدد لها أهل المدينة الطريق التي سيسلكها الرئيس حين يذهب في المدينة ويجيء وأن يعطوا على أنفسهم عهدًا ألا تتغير هذه الطريق مهما تكن الظروف.
كلام يُعجِب ويُلهي لو أننا نقرؤه في أحاديث ألف ليلة وليلة، وهو يدعو إلى العبرة والعظة، لو أننا نقرؤه في بعض كتب التاريخ التي تصور عصور الظلم والاستبداد، ولكنه يُحزِن ويثير حين نعلم أنه يصور ما تأتيه الوزارة الآن في إقليم من أقاليم مصر في القرن العشرين، وفي ظل النظام والقانون والدستور. وما الذي كان يصنعه وزير الداخلية بأهل الشرقية لو أنه اشتراهم، واشترى أرضهم، وسار فيهم وفي أرضهم سيرة المالك فيما يملك؟ أليس غريبًا أن يقال إن مصر بلد متحضر، وأن هذا البلد قد أصبح جزءًا من أوروبا، وأنه يعيش في عصر الحرية والنور، وأن وزير الداخلية مع ذلك يتحكم في أهله على هذا النحو الذي ليس إلى وصفه ولا إلى فهمه من سبيل؟!
على من تقع تبعة هذا التحكم؟ ومن الذي ينبغي أن يُسأل عن هذا العسف؟ أهم الوزراء المصريون وحدهم؟ فما نظن أنهم كانوا يقدرون على ذلك، أو على بعض ذلك، لو لم تكن لهم قوة يأوون إليها ويعتزون بها. أهم الموظفون الإنجليز، والمحتلون الإنجليز؟ فما نظنهم كانوا يقدرون على ذلك أو على بعض ذلك، لو لم يكن لهم أعوان من المصريين يُتمّون لهم ما يبدأون، وينفذون لهم ما يرسمون. إنما يُسأل عن هذا التحكم في شعب حر، وعن هذا الإذلال لشعب عزيز، هؤلاء المتعاونون المتضامنون من المصريين الذين لا يرعون لبلادهم إرادة، ولا يقدرون لشعبهم مشيئة، ومن الإنجليز الذين لا يكادون يتركون بلادهم إلى قصر حتى يتركوا فيها كل احترام للحق، وكل إكبار للعدل، وكل اعتراف يحق للشعوب في أن تعيش حرة في بلادها. فما أجدر المصريين أن يفكروا في هذا كله، وأن يروه، فقد ينفعهم هذا التدبر وقد يُعلّمهم هذا التفكير.
طه حسين
الوادي، ١ أغسطس ١٩٣٤.

عطاش

هم هؤلاء الإنجليز الذين يعملون في خدمة الإدارة المصرية مع رجال الشرطة المصريين. فقد يظهر أن القيظ اشتد عليهم في بلاد القيظ، وأن أكبادهم تتحرق عطشاً، وأن أفواههم قد جفت من الظمأ، وأنهم في حاجة إلى أن يبلوا هذا الظمأ، ويروو هذا الصدى، وينسوا هذا الغليل الذي لا يستطيعون الصبر عليه، ويظهر أن ماء النيل يستطيع أن يبل ظمأ المصريين لا ظمأ الإنجليز، وأن يشفي غلة المصريين لا غلة الإنجليز. ويظهر أن في مصر شيئاً واحداً هو النافع الناجح، في بل الظمأ، وشفاء الغليل إذا تحرقت لهما أو بهما أفئدة الكونستبلات الإنجليز، وهو دم المصريين.
فقد سمعنا أمس، وقرأنا اليوم نبأً لا نستطيع أن نشك فيه، لأن الذي حدثنا به أصدق من أن يرقى إلى كلامه الشك، وأنزه عندنا وعند الإنجليز أنفسهم من أن يسعى إلى إخباره الريب.
سمعنا أن هؤلاء الكونستبلات من الإنجليز كانوا قساة أمس إلى أقصى حدود القسوة، حين انصرف رئيس الوفد من صلاة الجمعة. وكانوا مترفين في قسوتهم يفتنون فيها افتناناً، ويصطنعون فيها أناةً لا تصدر إلا عن المترفين، الذين يفكرون قبل أن يقدموا، ويقدرون قبل أن يعملوا، ويستبقون اللذة ما وسعهم استبقاؤها. كانوا لا يفرقون الناس حين يستقبلون رئيس الوفد، وإنما يفرقونهم بعد أن يمر رئيس الوفد. وكانوا لا يفرقونهم بالقول، ولا بالإشارة، وإنما يفرقونهم بالمقارع والعصي، يهوون بها إلى الرؤوس، ويصبونها على الأبدان، ولو أنهم صبروا عليهم بعض الوقت لتفرقوا بعد أن رأوا زعيمهم وحيوه.
ولكنهم فيما يظهر لم يكونوا يريدون تفريقاً ولا محافظة على الأمن، ولا حماية للنظام، وإنما كانوا يريدون صب العذاب، وإنزال العقاب، وشفاء الغليل الذي تتأجج ناره في الصدور.
لقد حدثنا محدثنا الذي لا نشك في صدقه، أنه رأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز يصب عصاه الغليظة صباً على رجل من الناس بعد أن مضت سيارة رئيس الوفد فيسقط هذا الرجل على الأرض، وقد شق رأسه شقاً، وتفجرت منه الدماء، كما يتفجر الماء من الينبوع. والإنجليزي لا يعنيه ولا يشفق عليه، وإنما يمضي في ضربه وإيذائه، كأنما يريد المزيد من هذا الدم الذي يتفجر فيصبغ الأرض ويتطاير بعض رشاشه إلى الثياب. وحدثنا هذا المحدث الذي لا نرتاب في صدقه أنه التفت مرة ينظر إلى هذه المعركة الآثمة فرأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز وقد اصطبغت مواضع من ثيابه، بهذا الدم المصري البريء. وكانت “الأجيبشيان جازيت” قد أنبأت قراءها صباح أمس بأن تدبيراً خاصاً سيدبر لصلاة الرئيس فقد رأينا إذن هذا التدبير وهو مضاعفة القوة المحشودة والإكثار من الإنجليز القساة لأن المصريين لا يحسنون القسوة على المصريين، وإعمال العصي والسياط في الناس، لا صرفاً لهم عن استقبال الرئيس، بل عقاباً لهم على هذا الاستقبال بعد أن تم، وفرغ الناس منه.
فلنسجل أن “الأجيبشيان جازيت” قد أصبحت فيما يظهر لساناً من ألسنة الإدارة تنطق باسمها، وتعرب عما أرادت أو تريد. أو فلنسجل أن العناية برئيس الوفد، وتفريق الناس عنه وعقاب الناس إذا أحاطوا به والتفوا حوله قد خرجت من أيدي الإدارة المصرية، إلى أيدٍ إنجليزية خاصة تستطيع “الأجيبشيان جازيت” أن تعلم علمها وتتلقى عنها الوحي، وتذيع أعمالها في الناس قبل أن تتم هذه الأعمال. ثم لنهنئ “الأجيبشيان جازيت” بهذه المكانة الجديدة التي ظفرت بها عند الإدارة المصرية، أو عند هذه الإدارة الإنجليزية الخاصة ثم لنسجل بعد ذلك على الإنجليز غير شاكين – فالمصريون بحمد الله أكبر من الشكوى – لنسجل على الإنجليز أنهم يظهرون في هذه الأيام كما أظهروا في بعض الأيام الماضية ميلاً إلى القسوة والعنف، وظمأ إلى الدم المصري، ورغبة جديدة في صبغ الأرض المصرية، بدماء أبنائها المصريين على حين لا يثور المصريون بالإنجليز ولا يتحدونهم ولا يخاصمونهم إلا في حدود السلم، ولا يجادلونهم إلا بالحق، وبالتي هي أحسن.
ثم لنسأل بعد ذلك وزير الداخلية القيسي باشا رأيه في هذا؟ أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه، أهو الذي أمر به، وتقدم فيه، وإذن فهو يسلط عصي الأجانب وسياطهم وقسوتهم وعنفهم على مواطنيه؟ أم لم يأمر به، وإذن فماذا يصنع بسلطان الوزير، وما بقاؤه في الوزارة إذا كانت الأمور تجري على غير ما يريد، وإذا كانت الأحداث تحدث والدماء تراق، وهو لم يأمر بذلك ولم ينه عنه؟
ثم لنسأل النائب العام ما رأيه في هذا، وما موقفه بإزائه؟ أيرى النائب العام أن الشرطة إن كانت تملك تفريق الناس محافظة على النظام فهي لا تملك عقاب الناس، إذا خالفوا النظام، وإنما عقاب الناس إذا تجاوزوا الحدود رهين بتحقيق النيابة وحكم القضاء؟ وإذا كان النائب العام يرى هذا وما نظنه يرى غيره، فهل يرى النائب العام أن من الحق على النيابة أن تسأل عن هذا الدم المصري كيف أريق؟ وعن هذا العقاب كيف صبه على الناس، من لا يملك صب العقاب؟
أيرى النائب العام أن إراقة الدم المصري في هذه القسوة وبهذا العنف خليقة أن تكون موضوعاً للتحقيق؟
أيوافقنا النائب العام على أن إراقة الدم المصري على هذا النحو ليست أقل استحقاقاً للعناية واستلزاماً للتحقيق من سرقة تقترف، أو صدام يقع، أو خطبة تلقى، أو فصل يكتب، أو كلمة تقال؟ وإذن فهل نستطيع أن نرجو من النائب العام سؤالاً عما كان أمس، وتحقيقاً فيما كان أمس، فقد يكون لهذا السؤال إن صدر عن النائب العام، وقد يكون لهذا التحقيق إن أمر به النائب العام، أثر من الآثار، يمنع قساة الإنجليز من ضرب المصريين، ويمنع عصي الإنجليز من تفليق هامات المصريين، ويمنع أيدي الإنجليز من إراقة دماء المصريين؟
لقد سمعنا أن النيابة تسأل عن تحطيم الإنجليز للعلم المصري، فأرضتنا عناية النيابة بكرامة العلم المصري. فهل نسمع أن النائب العام يسأل عن إراقة الإنجليز للدم المصري؟ لننتظر، فمن يدري؟ لعل النائب العام يجيبنا إلى ما نريد.
طه حسين
الوادي،١٢\٨\١٩٣٤.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading