تهنئة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ مارس ١٩٣٣
نعم لا بد من تهنئةٍ، بل من تهنئاتٍ كثيرة يساق بعضها إلى الأمة، ويساق بعضها إلى الحكومة،
وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمر دون أن تُهنَّأ عليها الأمة، ودون أن تُهنَّأ عليها
الحكومة، ولست أدري لماذا لا أحس حاجة إلى الاستعجال في تهنئة الأمة، وإنما أنا حريص أشد الحرص
على أن أقدم للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها؛ لما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في فن
التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم.
ومع ذلك، فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل، الذي ألغاه وزير التقاليد، أو غيره
من معاهد التمثيل في أوروبا! ولسنا نعلم أن أحدًا منهم تخرج على زعيم من زعماء الفن المضحك
المُلهي في مسرح من مسارح القاهرة، أو ملعب من ملاعب لندرة وباريس، ولكن الناس جميعًا يذهبون
إلى الملاعب ودور السينما، ويشهدون فنون البارعين من اللاعبين الذين يسحرون العقول بمهارتهم،
ويستهوون الألباب بلباقتهم، وقدرتهم العجيبة على الفر والكر، وعلى الظهور والاستخفاء، وعلى
الخطف والاختلاس؛ فليس غريبًا أن يبرع منهم ذوو الكفاية والذكاء في تقليد اللاعبين ومحاكاتهم،
وقدرتهم على الإتيان بالأعاجيب.
ومن ذا الذي ينكر أن لسادتنا اليوم حظوظًا موفورة من الكفاية والذكاء، ومن ذا الذي ينكر أنهم
قادرون على أن يستفيدوا بفضل ذكائهم وكفايتهم من اختلافهم على الملاعب ودور السينما، فيبرعوا في
فن التسلية وتجلية الهموم. ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى
المُسلِّين والمضحكين.
ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَن يُضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد أحاطت بها
الخطوب من كل مكان، وأخذت عليها الأحزان والآلام كل سبيل، ومصر ممتازة من البلاد دائمًا، وأهلها
ممتازون من الناس دائمًا، فكما أن بلدًا من البلاد لا يستطيع أن يفاخر مصر بالأهرام وأبي الهول؛
فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءُه وتسره
معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنزِل بساحته الهموم والأحزان حتى إذا غمرته من ذلك بما يُطيق وما
لا يطيق؛ رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب
يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحق: إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة
والتمثيل، فتتقن السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا كله إلا أجرًا واحدًا؟!
والمصريون معروفون بالذكاء دائمًا، ولكن حظهم من الاختراع في هذه الأيام قد ضعف بعض الشيء،
وكانوا يحسون شيئًا من الألم لتفوق الأوروبيين والأمريكيين عليهم في الابتكار؛ فقد أذن الله لهم
أن يرفعوا رءوسهم بعد أن وُفِّقت وزارتهم إلى ما لم يُوفَّق إليه موسوليني ولا هتلر، فجعلت
التمثيل المضحك أصلًا من أصول الحكم، وجعلت الدعابة فصلًا من فصول السياسة، فكيف لا تُهنَّأ
الحكومة المصرية على هذا الفوز العظيم؟ بل كيف لا تُقدَّم لها التهنئة بهذا الفوز قبل أن
تُقدَّم التهنئة إلى الأمة بأي لون من ألوان الانتصار؟
أما أنا فلن أُقصِّر في النهوض بهذا الواجب، ولن أدع للوزارة القائمة سبيلًا إلى لومي، وللعتب
عليَّ بأني لم أعرف لها حقها، ولم أُقدِّر لها ما تأتيه من جلائل الأعمال، ولن أتردد في إعلان
ما يملأ نفسي من إكبار الحكومة، والإعجاب ببراعتها فيما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في خطف
الزعماء. لغيري من الكُتاب والسياسيين والذين يعارضون الحكومة، فيحزنون لكل شيء، ويأسون لكل
شيء، ويسخطون على كل شيء، أن يلوموا الحكومة ويؤنبوها على ما اقترفت أمس من اعتداءٍ على الدستور
الذي وضعته، وجناية على القانون الذي تحوطه، وخروج على النظام الذي تحميه. أما أنا فلا أستطيع
أن أحزن لما يسر، وأغضب لما يرضي، وألوم على ما يستحق التهنئة والثناء!
أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا؛ لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة، ومضحكة
فحسب منذ حين. وقد فهمت الآن ما لم أكن أفهمه من قبلُ السببَ الحقيقي الذي دعا إلى ترقيع
الوزارة منذ أيام؛ فقد كانت الوزارة قاتمة اللون حزينة فيما تقول، حزينة فيما تفعل، باعثة للحزن
في نفوس الأفراد والجماعات، ولا سيما منذ مرض رئيس الوزراء، فظهر أن طول الحزن يفل العزائم،
ويبعث شيئًا من الفتور في الهمم، وظهر أن لا بد من أن يضاف إلى الوزارة واحد أو غير واحد من
الذين يحسنون فن التسلية والتسرية عن النفوس.
وقد اختار رئيس الوزراء فوفق في الاختيار، وأؤكد له أني شديد الإعجاب بوزير داخليتنا الجديد.
قل ما شئت، واغضب ما استطعت أن تغضب، واحتد ما وسعتك الحدة؛ فلن تستطيع أن تزيل عن شفتي ابتسامة
الإعجاب بصاحب السعادة القيسي باشا، ولن تستطيع أن تمنعني من أن أقول للذين اختاروه: إنهم قد
وُفِّقوا أحسنَ التوفيق.
هذا رئيس الوفد وصاحبه يركبان القطار ومن ورائه مدينة مائجة بالناس قد أصمت آذان الإدارة
بالهتاف لهما وبالتصفيق، وبإعلان السخط على الماضي القريب، والأمل في المستقبل القريب، وأمامهما
مدن وقرى تموج بالناس وهم يهتفون ويصفقون، وهم يسخطون على اليوم، ويبتهجون للغد، وهم ينكرون
قومًا ويعرفون آخرين، وهم يدعون لقوم وينعون على قوم آخرين، ورئيس الوفد وصاحبه يودعان هذه
الأمواج الهاتفة المصفقة، والساخطة الراضية، وقد امتلأت قلوبهما أملًا وثقة ورضى وهما يتهيَّأن
لاستقبال أمواج — كتلك الأمواج التي ودَّعاها — فيها أمل ورجاء، وفيها رضى وابتهاج، وفيها إنكار
لقوم ومعرفة لقوم آخرين، وفيها دعاء لقوم ونعي على قوم آخرين.
والقطار يسير والناس يرافقونه بأجسامهم ما وسعتهم القوة على العدْو، فإذا أعجزهم العدْو
أرسلوا قلوبهم وآمالهم تحف القطار من جانبيه، وإذا القطار يقف في الطريق، وإذا العربة التي
تقلهما تُفصل ثم تُوصل، وإذا قطار آخر يستأنف السير، بل ينهب الأرض نهبًا، وإذا رئيس الوفد
وصاحبه قد خُطفا. نعم خطفا، خُطفا من الشعب الذي خُدع وغُرِّر به، وخُطفا من أنفسهما فلم
يُنَبَّها ولم يُنْذَرا، ومتى نُبِّه المخطوف إلى أنه سيُخطَف؟ أو متى نُبِّه المسروق إلى أنه
سيُسرق؟ ومتى نُبِّه الناس إلى أن كيدًا قد دُبِّر لهم بليلٍ!
وكان هذا الكيد قد دُبِّر بليل، ولم يُدبَّر حيث تُدبَّر أعمال الحكومة، لا في رياسة مجلس
الوزراء، ولا في وزارة الداخلية، ولا في ديوان من دواوين الحكومة، ولا في مكان من الأماكن التي
يلتقي فيها الوزراء، ولا في وضح النهار وبأعين الناس كما تفعل الحكومات الساذجة العبيطة — إن صح
هذا التعبير — وإنما دبر في ظلمة الليل بعيدًا عن القاهرة في ظل الأهرام وفي هليوبوليس بعد ذلك،
ويقال إن تدبيره لم يكن سهلًا ولا ميسورًا، وإن مدبريه قد أرقوا له ليلهم كله أو أكثره.
وأكبر الظن أنهم لم يحسوا طول الليل؛ لأنهم كانوا عن النوم في شغل، وأكبر الظن أن غير واحد
منهم قد تمثل في نفسه قول بشار:
لم يَطلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ ونفَى عني الكرَى طَيفٌ ألَمْ
وكان هذا الطيف طيفين: رئيس الوفد، وطيف صاحبه الأستاذ مكرم. وكان هذان الطيفان لا يحبان
الإلمام، وإنما يحبان اللزوم المُلحَّ والزيارة الطويلة، فارتسما أمام الوزراء في الصباح
والمساء، وفي كل لحظة تمر، وفي كل مكان يستقرون فيه، فلم ينفيا عنهم الكرى وحده؛ بل نفيا عنهم
الراحة والهدوء، وزهداهما في الطعام والشراب.
فلما أُحكِم الكيدُ أُخِذ في تنفيذه، فسافر من سافر، وأقام من أقام، ونامت أعمال الدولة صباح
أمس، وغدَا وزراء الدولة على زميلهم وزير الداخلية، فأقاموا عنده يرقبون ويتحسسون الأخبار، حتى
إذا انتهى إليهم النبأ أن قد نفذ الكيدُ، وخُدع الشعب، وسُرق الرئيس وصاحبه؛ انطلقت أنفاس حارة
كانت تكوي القلوب، وتلهب الصدور.
هنالك انحلت عقدة الألسنة، وهنالك نشطت العقول للتفكير، وهنالك فكر الوزراء وقدروا وأعدوا
تفسيرًا للقصة التمثيلية المضحكة؛ فكتبوا بلاغهم الرسمي البديع. وتريدني بعد ذلك على أن أغضب!
وتريدني بعد ذلك أن ألوم الوزراء! صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى اللوم، ولم تريد أن تغضب وقد
عجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بتأييد الحياد النزيه عن أن تواجه
رئيس الوفد وتطلب إليه أن يقطع رحلته؟ وعجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش،
والمعتزة بالحياد النزيه عن أن تأخذ الرئيس وصاحبه عنوة من الأمة التي كانت تحيط بهما، وتلتف
حولهما! وعجزت الحكومة التي أقرت النظام، وملكت قياد الشعب، وملأت قلوب الناس حبًّا لها،
وإعجابًا بها، واستعدادًا لفدائها بالأنفس والأموال عن أن تدع الرئيس وصاحبه ينتقلان من مدينة
إلى مدينة لزيارة هؤلاء الأفراد القليلين الخاملين الذين ما زالوا يحبون الوفد؛ يؤمنون له بشيء
يسير — يسير جدًّا — من السلطان على القلوب.
أي شيء يغضبك في هذا؟ أكنت تريد نصرًا فوق هذا النصر؟ أكنت تريد فوزًا فوق هذا الفوز؟ أليس
يرضيك أن تضطر الحكومة كلها — بحولها وطولها وبأسها وقوتها — إلى أن تخطف من الشعب زعماء الشعب؟
أليس يرضيك أن تعترف الحكومة كلها — بحولها وطولها وجيشها وشرطتها وسلطانها على النفوس والقلوب
— أمام مصر وأمام إنجلترا وأمام العالم كله، بأنها مضطرة إلى إحدى اثنتين لترد رئيس الوفد
وصاحبه إلى القاهرة؟ فإما الحيلة والكيد وما بعدهما من الخطف والاختلاس، وإما الكر والفر وما
بعدهما مما لا أحب أن أذكره.
ستقول: لو قد تركت الحكومة رئيس الوفد وصاحبه يُتِّمان رحلتهما لما كان شرٌّ، ولما تعرض
النظام لخطرٍ ولا بأسٍ، ولكن هذا كلام تفهمه أنت وأفهمه أنا؛ لأننا نعرف مصر ونفهمها، فأما
الذين يرهبون الخيال، ويخافون من الظلال، فلا يفهمون الأمر كما نفهمه، ولا يلقون الأمر كما
تلقاه وألقاه، وإنما يحمون أنفسهم بالعنف الذي ليس فوقه عنف، أو الكيد الذي ليس دونه
كيد.
صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب، وإنما الأمر يدعو إلى تهنئة الحكومة ببراعتها في
التمثيل المضحك، وتهنئة الأمة بفوزها الذي لا حد له، والذي ستظهر آثاره في وقت قريب، أقرب مما
يظن الممثلون!
وداع (١)
طه حسين
كوكب الشرق
١ أبريل ١٩٣٣
زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …
وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.
وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!
ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.
ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!
وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!
ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!
ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!
عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟
ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.
وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.
ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.
صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.
وداع (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ أبريل ١٩٣٣
لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء، استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا! وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يُلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء، وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب! مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين للقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه لا ليعملوا معه!
وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس؟! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًّا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس! ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!
فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء إلى أن انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين؛ فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا يظهر فيه الجهد والإعياء! فانظر إلى رئيس الوزراء وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء لا في الصباح! وقد كان يذهب إلى مكاتبه مع الصبح ولا يدعها حتى يتقدم الليل! وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام …! وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين …!
ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوروبا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى، ثم تضيف الشعب أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين متى سمحت بذلك الظروف …!
كل هذا يحزن! وكل هذا يسوء! فمهما تكن خصومة الناس لرئيس الوزراء، ومهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة؟! وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا لغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع …!
كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية مودعًا، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب، أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله! ضعيفًا فضعف الناس من حوله! كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.
وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير، وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال، ويأبوا إلا إنكارها! وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم! كأن شيئًا لم يعرض لهم! وكأن حدثًا لم ينزل بهم! وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!
أمختارٌ رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم والنهوض بأعبائه الثقال رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة يأخذ منها بحظ موفور.
أَمُكرَهٌ رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقسى السياسة! وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!
وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح؟!
وسواء كان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس. حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقى بأعنتها إلى إلا الذين لا يقدرون على تصريفها حقًّا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم.
وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل وأطال التفكير، وقدر الرجل وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة، وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوروبا، وعلى أن تكون هذه الأعمال خفافًا لا مشقة فيها ولا عناء.
هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به، وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة، وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور؟ أو يستقر له نظام؟ ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها؛ لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريض إلى هذا الحد، فكيف والناس جميعًا مؤمنون — وأولهم الإنجليز — بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يَستَقِلُّوا بأثقاله، فهم قد وُضعوا في مناصبهم ليُعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.
كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر، لا أقول مصلحتها الحقيقية؛ فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.
ما أجدر رئيس الوزراء والذين يؤيدونه في منصبه أن يقرءوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك وباطنها كله عظة! وهي قصة المحامي التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي يُذكِّرنا بها ما نحن فيه الآن!
قمر
هو رئيس وزرائنا، أتمّ اللّٰه له الشفاء، وأسبغ اللّٰه عليه العافية. وقد طلع في سماء مجلس النواب فبهر الأبصار، وخلب العقول، وهزّ القلوب في الصدور، وأطلق لسان أحد النواب المحترمين بهذه الجملة الشعبية الظريفة: «طلع القمر».
ولكن القمر يطلع في أول الشهر، ويطلع في أثنائه، ويطلع في آخره. وله في مطالعِه المختلفة هذه أسماء مختلفة، منها ما يبعث السرور والبهجة، ومنها ما يبعث الأمل والرجاء، ومنها ما يبعث في النفس شعورًا هادئًا شاحبًا، لا بهجة فيه ولا سرور، ولا أمل فيه ولا رجاء.
فالهلال يبعث في النفوس الأمل لأنه سيصير بدرًا كاملًا كما قال أبو تمام. والبدر يبعث في النفوس بهجة وسرورًا وثقة، لأنه يصوّر القمر في أجمل صوره وأبهاها، وأخلبها للعقول والأبصار.
أما القمر فلا يبعث في النفوس شيئًا خاصًا، وإنما هو شعور هادئ قلّما يتجاوز هذا الجمال العام. ففي أي طور طلع قمر رئيس الوزراء أمس في مجلس النواب؟ لم يكن هلالًا من غير شك! فقد كان هلالًا منذ زمن بعيد حين ألف الوزارة ونهض بأعبائها الحكم. ولم يكن بدرًا من غير شك، فقد كان بدرًا منذ زمن بعيد حين استحكم له الأمر، واجتمعت له أسباب القوة، فسيطر على مصر غير منازع ولا مدافع، وأجرى أموره كما أحب بيد قوية حازمة لا تعرف الضعف، ولا يجد الخور إليها سبيلًا. وأطلق لسانه بألوان الخطابة في السياسة حينًا، وفي الاقتصاد أحيانًا، بالعربية حينًا، وبالفرنسية أحيانًا، في القاهرة حينًا، وفي الأقاليم أحيانًا، بل في مصر حينًا، وفي أوربا أحيانًا.
كان في ذلك الوقت بدرًا كاملًا! كان قوي البأس، شديد المراس، حديد الشكيمة. وكان صحيح الجسم، موفور النشاط. أما الآن فقد هان بأسه، ولان مراسه، وضعفت شكيمته. وتفرقت عليه الأمور فهو لا يضبطها، وندّت عليه الأعمال، فهو لا يستقل بتسييرها وتدبيرها، وأثّر فيه المرض، فهو لا يخطب فيطيل، وإنما يشكر فيوجز. وهو لا يزور فيقيم، وإنما يلمّ ثم ينصرف.
لم يكن هلالًا، ولم يكن بدرًا، وإنما كان قمرًا في آخر الشهر. على أنه لم يكن قمرًا فحسب، وإنما كان عرفًا وطيبًا أيضًا. لاح نوره في مجلس النواب، وكان المجلس مختنقًا بريح البصل كما قال بعض الخطباء! فتبددت هذه الريح، وتردد في الجو عطر خفيف ظريف، أنعش نفوسًا، وأحيا آمالًا، وأقرّ السلام في نصابه بين الفريقين المختصمين، بين المؤيدين والمعارضين.
وكان هذا السلام قد استقر من قبل في ذلك المؤتمر الذي انعقد صباح الجمعة، والذي مهد له بالاجتماعات الخاصة والمقابلات المتكررة، والذي انتهى إلى صيغتين كُتبتا، ثم قُرئتا، ثم تم الاتفاق على أن يتلو إحداهما رئيس المجلس، ويتلو الأخرى رئيس المعارضين. وقد أُنُفّذ الاتفاق في أمانة لا غبار عليها، واتخذ تنفيذه مظاهر تمثيلية لا تخلو من جمال، ولا تعوزها اللباقة والرشاقة.
فأما في الفصل الأول من القصة، فيجتمع مجلس النواب وتُفتح جلسته، ويأخذ في أعماله كأن لم يكن شيء، ولكن النظارة لا يشكّون في أن شيئًا قد كان، لأن هناك مجالس خالية ولم تكن عادتها أن تخلو، وكراسي تنتظر أصحابها ولم يكن من شأنها أن تطيل الانتظار. فأنت إذا تردد بصرك بين المجلس وهو يمضي في أعماله أو يظهر المضي فيها، وهذه الكراسي الفارغة، لا تشك في أن شيئًا ذا بال قد كان، وفي أن أمرًا ذا خطر سيكون.
فيما أنت تفكر فيما كان وتترقب ما سيكون، يدخل المعارضون وعلى رأسهم زعيمهم، فتشخص الأبصار، وتشرئب الأعناق، ويتقدم زعيم المعارضين إلى رئيس المعتذرين، فيكون حديث لا يسمعه أحد، ولكن كل إنسان يذهب في تقديره وتفسيره المذاهب. ثم يعود زعيم المعارضة إلى مكانه، ويتلو رئيس المجلس الصيغة التي كُتبت، فإذا هو يعتذر فيبسط العذر، ويؤكد حبه لحرية الرأي ولحرية الكلام. ثم إذا أتم هذه الصيغة نهض زعيم الغاضبين فتلا صيغة الرضى، وإذا هو يسجل ويشكر ويتمنى! ثم يجلس ويمضي المجلس في أعماله كأن لم يكن شيء، وكأن لم يحدث خلاف.
وتفكر أنت في العواطف التي ثارت في نفوس الغاضبين والمعتذرين، والعواطف التي هاجت في قلوب المعارضين والمؤيدين، وهم يسمعون اعتذار الرئيس واسترضاءه، وشكر الزعيم ورضاه، وتفكر في العواطف والعواصف فلا يهتدي تفكيرك إلى شيء، وتحدق النظر في الوجوه ملتمسًا للعواطف والعواصف، فلا ترى عاطفة، ولا تظفر بعاصفة. وإنما هو هدوء شامل قبل الاعتذار والرضى، وهدوء شامل بعد الاعتذار والرضى.
كان الجو ملبدًا بالغيوم كما يقولون، ويقصف فيه الرعد، ويخطف فيه البرق، ولكنك تعلم أن الجو يصفو بعد الزوبعة. وقد كانت الزوبعة يوم الأربعاء، فبدأ الجو يصفو يوم الخميس، وانجلى صباح الجمعة، وتم صفوه وانجلاؤه بعد ذلك، وعاد إلى المجلس هدوؤه الشامل وسكونه الكامل، وإذا هو يتحدث في بنك التسليف العقاري، وفي قانون البصل.
ثم يكون الفصل الثاني، وفيه يشرق القمر فيبعث في المجلس ضوءًا هادئًا فاتراً مريحًا، ولكنه باعث للنشاط، موقظ للهمم على كل حال. وإذا القوم يقفون إجلالًا للقمر، وإذا القوم يهتفون ترحيبًا بالقمر، وإذا القوم يصفقون إكبارًا للقمر، وإذا أشد القوم نشاطًا وأعظمهم قوة، يطير في الجو، ويصعد في السماء، حتى يبلغ القمر فيقبّل راحته! وأي غرابة في أن يكون للقمر راحة، ينهال عليها محبّ القمر باللثم والتقبيل؟
ثم يتكلم رئيس المجلس، فيرفع التحية إلى القمر، ويتكلم القمر فيرد التحية على محبيه، ثم يغيب القمر فتتبعه القلوب والنفوس، وتمضي في أثره الأماني والآمال.
ويعود كل شيء إلى الهدوء والاطمئنان، وقد نجا المجلس من خصومة المختصمين، واعتذار المعتذرين، ورضى الراضين. وربح البصل، وانغمس في وزارة الزراعة، يدرس ميزانيتها، في نفس العجلة التي درس فيها ميزانية وزارة الأشغال مساء الأربعاء!
كذلك تجري أمورنا في مصر: اضطراب يعقبه هدوء، وغضب يعقبه رضى، وقمر يطلع ثم يغيب، ونظارة يرون فيبتسمون، ويسمعون فيضحكون. حتى إذا أصبح الصباح وتناول الناس الأهرام، نظروا فإذا الجد كل الجد في لندرة، وإذا سياسة مصر تُدبّر في وزارة الخارجية البريطانية.
أيعود المندوب السامي فيظل القمر مشرقًا في السماء؟ أم يُنقل المندوب السامي فيهوى قمر، ويصعد مكانه قمر آخر يبدو هلالًا، واللّٰه يعلم أتتمّ دورته أم يهوى قبل أن يصير بدرًا؟
كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣
تنبيه
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أبريل ١٩٣٣
لا أعرف شعبًا كهذا الشعب المصري يلقى أشد ما تلقى الشعوب من عناء، ويبذل أقصى ما تبذل الشعوب من جُهد، ويحتمل أثقل ما تحتمل الشعوب من أعباء، مبتسمًا لهذا كله، راضيًا بهذا كله، مُخلِصًا في هذا كله، ثم هو بعد ذلك لا يُكافأ على ما يلقى ويبذل ويحتمل، إلا بالعقوق والجحود، وإلا بالاستهانة والازدراء!
يهبط الأجنبي إلى مصر فقيرًا معوزًا، فما هي إلا أن يغنى بعد فقر، ويُثري بعد عَوَز، ويهبط الأجنبي إلى مصر غنيًّا موسرًا، فما هي إلا أن يضاعف ثروته، ويعظم حظه من اليسار، ويهبط الأجنبي إلى مصر جاهلًا، فما هي إلا أن يصبح عالمًا، أو عالمًا فما هي إلا أن يصبح من كبار العلماء وأفذاذهم. قَلَّمَا ينزل أجنبي أرض مصر فتضيق به سبل الحياة أو تُغلق دونه أبواب الرجاء، أو ترده مصر عنها قانطًا خائب الأمل، والمصري يبذل ما يستطيع وما لا يستطيع ليغني الأجنبي بعد فقر، ويؤمنه بعد خوف، ويرضيه بعد سخط، ثم هو لا يجِد من الأجنبي إلا عقوقًا وجحودًا، وإلا ازدراءً وامتهانًا، هذا الأجنبي يضيق بمصر؛ لأن جوها يؤذيه في الصيف، وإن استمتع به في الشتاء، وهذا الأجنبي يضيق بمصر لأن حاجتها إلى الجمال الصناعي، والزينة المتكلَّفة، والعناية بأمور الصحة، ما زالت شديدة ماسَّة، وإن كان قد استأثر فيها بالخير، وإن كان قد استبدَّ فيها بإدارة الأموال والأعمال وإن كان قد أشرف فيها على تدبير كل شيء، فعليه التبِعة فيما يشكو منه، قبل أن تكون على أي أحدٍ آخَرَ من الناس، وهذا الأجنبي يضيق بجهل مصر وإن كان قد دُعِيَ إلى أن ينهض فيها بأمور التعليم، ومُنِحَ على ذلك أجرًا لم يكن ليحلم ببعضه في بلاده، فلما هبط إلى مصر لم يُخلِص في عمله، ولم يبذل للمصريين من علمه القليل أو الكثير إلا بمقدار، ولم يَكُفَّ في لحظة من اللحظات عن التفكير في أن بذل العلم للمصريين خطر؛ لأنه يزيل عنهم الجهل، ويكشف عنهم الظلمة، ويجعلهم مثله، وقد يغنيهم عنه، وقد يدفعهم إلى أن يضيقوا به ويشعروا بما يتعمد من إهمال وتقصير. وابحث عن حياة الأجنبي في مصر من أي ناحية من أنحائها، وفي أي سبيل من سُبُلِهَا، فستراها قائمة دائمًا على هذه القاعدة: خُذْ من المصريين أكثر ما تستطيع، وأعطهم أقل ما تستطيع. أظهر للمصريين مودةً وعطفًا، وأضمر لهم ازدراءً واستخفافًا، حتى إذا انقطعت حاجتك إليهم فأظهر لهم ما كنت تُضمِر، وأَبِن لهم عمَّا كنت تخفي! وكذلك نلقى الأجنبي في مصر، فتحس منه ظرفًا ومودةً وإيناسًا، ثم تنقطع الصلة بينك وبين هذا الأجنبي، وتسنح له فرصة الحديث عنك، فلن يقول إلا شرًّا …!
كذلك حال مصر مع الأجنبي، وليست حال مصر مع بعض المصريين بخير من حالها مع الأجانب، يُظهر المصري شيئًا من الكفاية والمقدرة، فما أسرع ما تفتن به مصر، وما أسرع ما تحوطه بألوان العناية والرعاية، وضروب التشجيع والتأييد، حتى يصبح رجلًا ذا خطر، وينزل منزلة اجتماعية ظاهرة ممتازة، وإذا هو ينسى الذين رعوه وعُنُوا به، والذين أيَّدوه وشجعوه، والذين رفعوه إلى مكانته الظاهرة، وأنزلوه منزلته الممتازة، وإذا هو يفكر في نفسه قبل أن يفكر فيهم، ويعنى بنفسه قبل أن يعنى بهم، ويصبح أثرًا من الطراز الأول، لا يعرف إلا نفسه، ولا يعمل إلا لنفسه، ولا ينظر إلى الشعب إلا على أنه وسيلة تنبه الخامل، وترفع الوضيع، وتوصل الناس إلى ما يبتغون من المنافع والمآرب والآمال، وإذا هو لا يتحرَّج إن أتيح له شيء من السلطان، من أن يتخذ السلطان وسيلة إلى المنفعة، وإن اضطره ذلك إلى العقوق والجحود، وإذلال الشعب الذي رفعه بعد ضعة، ونبَّه من شأنه بعد خمول. وتستطيع أن تبحث عن حياة كثيرين جدًّا من كبار الموظفين، فسترى أنها تقوم على هذه القاعدة: خادِع الشعب ما احتجت إلى خداعه، فإذا بلغت غايتك وحققت أملك، فأفد لنفسك ما تستطيع من منفعة، وحقق لنفسك ما تستطيع من مآرب، واحذر أن يقوم وفاؤك للشعب عقبة بينك وبين شيء مما تريد …!
وهذه وزارات لم يكُن أعضاؤها شيئًا قبل أن تُلقَى إليهم أَعِنَّةُ الحكم وأَزِمَّتُه، فما هي إلا أن يختلف أعضاؤها هؤلاء إلى مكاتبهم، ودواوينهم، حتى يتبيَّن ماضيهم القريب، ومستقبلهم المحتوم، ويُلهيهم المنصب عن كل شيء إلا لذة المنصب والجاه والسلطان، وإذا هم ينعمون بهذه اللذة، ويتهالكون عليها، ويُضَحُّونَ في سبيلها بأشياءَ كثيرة، أيسرها منافع هذا الشعب الذي إنما رفعهم إلى مناصِبِ الوزارة ليكونوا له خُدَّامًا لا أكثر ولا أقل.
وكذلك يريد الله لهذا الشعب الهادئ الوادع في نشاط وقوة، أن يكون ألعوبة للذين يحسن إليهم، ويُسدي إليهم الصنيعة والمعروف، وهو يحس هذا العقوق أحيانًا فينكره ويضيق به، ثم لا يلبث أن ينساه ويُعرِض عنه، وهو حين ينكر رفيق في الإنكار، وهو حين يضيق متسامح في الضيق، فلا يحفل بإنكاره ولا بضيقه هؤلاء الذين يعقونه ويجحدون فضله ويجزون إحسانه إليهم بالإساءة إليه، وهو حين ينسى مُغرِق في النسيان، قَلَّمَا يتذكر وقلما يتفكر، ويستغل خصومه قِصَرَ ذاكرته وسعة مغفرته، فيَغْلُون في الإساءة إليه، ويُغرِقون في ازدرائه وإهماله والانصراف عن التفكير فيه.
بهذا وحدَه تستطيع أن تفسر هذه الحياة المنكرة التي نحياها، والتي يسعى إلينا الشر فيها من كل سبيل، وتهجم علينا الكوارث فيها من كل وجه، فلو أن الذين إليهم أمورنا السياسية يقدرون أنهم حين نهضوا بأمورنا السياسية، لم ينهضوا بها لأنفسهم وإنما نهضوا بها للشعب، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم ليسوا سادتنا وإنما هم خُدَّامنا، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم لا ينبغي أن يستذلونا ولا أن يستغلونا، وإنما ينبغي أن يستذلوا أنفسهم لمصلحة أمتهم، وأن يستغلوا جهودهم لمنفعة بلادهم، لو أن الذين إليهم أمور سياستنا يقدرون هذا لَمَا طغى منهم طاغٍ، ولا بغى منهم باغٍ، ولما أُهدِرَت حقوق، وامتُهِنَتْ كرامات، ولقيت الحرية ما تلقى في هذه الأيام، ولو أن ذاكرة الشعب لم تكن قصيرة، ولو أن تسامُح الشعب لم يكن مسرفًا، لاضْطُرَّ هؤلاء الساسة أن ينكروا الشعب، ويحسبوا له حسابًا، فيردوا نفوسهم عن شهواتها، ويضطروها إلى القصد، والعدل، والإنصاف، والاعتراف بالجميل. ولو أن الأجانب الذين يَفِدُون إلى مصر يقدرون حقهم وواجبهم في مصر كما يقدرونهما في بلادهم، ويستمعون لضمائرهم في مصر كما يستمعون لضمائرهم في بلادهم، لما لقيت منهم مصر ما تلقى من هذه المودة الظاهرة والعقوق الخفي، ولو أن مصر لم تكُن مُغرِقة في التسامح، ولا مسرفة في النسيان، ولا غالية في التهاوُن بحقها وكرامتها، لما طمع فيها الأجنبي، ولا وجد إلى خداعها والمكر بها سبيلًا. ولو أن مصر إذا جاعت أَمَضَّهَا الجوع، ولو أن مصر إذا ظمئت أضناها الظمأ، لما كانت فيها هذه الحوادث التي أخذت الأزمة الاقتصادية تحدثها، والتي أخذت تبدو الآن يسيرة، ولكنها على ذلك مروعة مخيفة، تُنذِرُ بِشَرٍّ لا يعلم نتائجه المنكرة إلا الله. هذه الأعراض الخطرة للجوع والبؤس، قد أخذت تظهر في القاهرة بشكل مفزع مخيف، هذه حُمَّى التيفوس تسعى بين الفقراء المعدمين بشرها ونكرها، وهؤلاء الفقراء المعدمون يسعون بهذه الحمى فيحملونها إلى أطبائهم في القصر العيني ليردوا عنهم شرها، فإذا الشر أقوى من الأطباء، وإذا الأطباء أنفسهم يسقطون في شباك هذه الحمى، وينقلون إلى المستشفى مع مرضاهم، وإذا طلاب كلية الطب لا يخلصون من هذه الحمى، فيسقطون في شباكها أيضًا، هذا هو المرض يغزو قلعة الطب ويَضطرها إلى الدفاع، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي الغازِيَة، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي التي ترسل جيوشها إلى أحياء الفقراء والمعدمين، لتكافح فيها الشر والضُّرَّ، وترد عنها جيوش الأوبئة والأمراض، ولكن أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم تدبير ثروة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم حماية صحة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ وإنما يفكر أولئك وهؤلاء في مناصبهم أولًا، ثم في تمكُّنهم من هذه المناصب ثانيًا، ثم في استمتاعهم بلذَّات هذه المناصب وجاهها، ثم في الشعب بعد هذا وهذا وذاك، كيف السبيل إلى ذلك والمصري قد تعوَّد أن يجوع فيحتمل الجوع وأن يظمأ فيحتمل الظمأ، وأن يعدم فيألف الإعدام، تقصير من أولي الأمر في ذات الشعب، وتقصير من الشعب في ذات نفسه، والحمى تستفيد من تقصير أولي الأمر، ومن تقصير الشعب فتفتك بالفقراء، وتغزو الأطباء، كما يستفيد الأجنبي من تقصير أولي الأمر في ذات الشعب، ومن تقصير الشعب في ذات نفسه، فيعبث بحقوق الشعب وحرياته وثروته، ومقومات حياته الوطنية كلها، ويسخر بعد ذلك من المصريين جميعًا …!
فكرت في هذا كله حين قرأت في الصحف صباح اليوم أن رئيس الوزراء المريض قد حدَّد موعد سفره للاستشفاء، فسيسافر في منتصف الشهر المقبل فيقضي في أوروبا أربعة أشهر أو نحوها، ومن قبل ذلك مرض رئيس الوزراء شهرين، لم يعمل فيهما شيئًا، وبين مرض الرئيس وسفره أخذ يختلف متباطئًا متثاقلًا بحكم المرض إلى ديوانه، فلا يكاد يعمل شيئًا، ومن قبل هذا كله أقام في أوروبا ثلاثة أشهر أو نحوها مستشفيًا متروِّضًا، وهو في أثناء هذا كله يحتفظ برياسة الوزارة، ويقبض مرتب رياسة الوزارة، ويعطل مصالح البلاد لأنه مسافر يتروَّض، أو لأنه مريضٌ، أو لأنه في دور النقاهة، أو لأنه مسافر يستشفي.
لو قدر رئيس الوزراء حق بلاده عليه لما أذن لنفسه أن يحتفظ بمنصبه هذا، وهو عاجز عن النهوض به، ولو قدر المصريون حقهم على أنفسهم لما قبلوا من رئيس وزرائهم أن يحتكر رياسة الوزراء، ولا يعمل فيها إلا ثلاثة شهور أو أربعة في سنةٍ كاملة، ولكن مصدر الشر كله في مصر أن الشعب متسامح مسرف في التسامح، وأن حكام الشعب يغلون في استغلال هذا التسامح، فلا يحفلون بالشعب ولا يلتفتون إليه …!
متى يتنبه الشعب إلى حقه، فيَجِدَّ في المطالبة به والحرص عليه؟ ومتى تتنبه ضمائر الحكام فتردع أصحابها عمَّا يتورطون فيه من اعتداءٍ أو إهمالٍ؟
Leave a Reply