حياتنا العقلية في التعليم العالي
طه حسين
جريدة الجديد
٢٨ أكتوبر ١٩٢٩
لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى؛ لما شهدنا هذه الحركة العنيفة التي نشهدها في هذه الأيام حول الجامعة ومدرسة المعلمين العليا ومعهد التربية. ولكن الأمور تسلك في مصر طريقًا شاذةً بعض الشذوذ، ذلك بأن العصر الذي نحن فيه ليس عصر انتقال زمني فحسب، وإنما هو عصر انتقال زمني ومكاني إن صحَّ هذا التعبير.
فمصر لا تنتقل من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كما تنتقل البلاد والأمم الأخرى، ولكنها إلى ذلك تنتقل من الشرق إلى الغرب، أو من أفريقيا إلى أوروبا، أو بعبارة واضحة تستبدل حضارةً بحضارة وحياةً بحياة؛ تدع الحياة الشرقية الخالصة إلى حياة غربية توشك أن تكون خالصة، وتدع الحضارة الشرقية الصرفة إلى حضارة غربية توشك أن تكون صرفة. وإذا كان الانتقال الزمني وحده خليقًا أن يستتبع الحركات العنيفة والاضطراب الشديد في أصول الحياة وفروعها، فالانتقال المكاني أشدُّ استدعاءً لتلك الحركات واستتباعًا لهذه الاضطرابات.
فنحن معذورون إذا لم نستقبل ضروب الإصلاح بما تستقبل به في البلاد الأخرى من الهدوء أو الاضطراب الصحيح المنتج. نحن معذورون لأن كثيرًا منَّا يفهمون الحياة الغربية والإصلاح الغربي بعقول شرقية لم تُهيأ بعد لفهمهما على وجههما.
لم يَكَدْ يتغيَّر النظام السياسي في هذه الأيام بعضَ التغير حتى ثارت هذه الثائرة حول التعليم العالي، وحتى انتهز كثيرٌ من الناس فرصة التطور السياسي ليُفْسِدوا من أمر التعليم ما لم يصلح إلَّا بعد مشقة عظيمة وعناء شديد؛ ذلك أن مسألة الجامعة ومدرسة المعلمين ومعهد التربية ليست مسألة هذا الأسبوع أو هذا الشهر أو هذه السنة أو هذا النظام السياسي دون ذلك النظام، ولكنها مسألة قديمة كان حقها أن تُحَلَّ منذ أعوام لو أن الأمور تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى دون إضاعة للأوقات والأموال والجهود.
كان حق هذه المسألة أن تُحَلَّ يوم إنشاء الجامعة الأميرية، فتَّتَخِذ الجامعة المصرية القديمة والقسم الأدبي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية الآداب، ويَتَّخِذ القسم العلمي من مدرسة المعلمين نواةً لكلية العلوم، كما اتُّخِذَتْ مدرسة الحقوق ومدرسة الطب نواتين لكلية الحقوق وكلية الطب.
وكان الحق يومئذ أن ينشأ معهد التربية بمجرد استعداد كلية الآداب والعلوم لتخريج الطلاب على النظام الجديد. ولكن ذلك لم يتم؛ لأن الذين كانوا يُشْرِفون على التعليم سنة ١٩٢٥ كانوا منقسمين إلى فريقين مختلفين أشدَّ الاختلاف؛ فريق ينكر مدرسة المعلمين ويراها قديمة سيئة النظام، ويُشفِق منها على الجامعة الجديدة، وفريق آخر يخاف الجامعة ويراها جديدة مسرفة في الجدة، ولا يطمئنُّ إليها في تخريج أساتذة الغد. فمضى أصحاب الجامعة في طريقهم وأنشئوا جامعتهم جديدة من كل وجه، ومضت وزارة المعارف في طريقها واحتفظت بمدرسة المعلمين كما كانت، وأخذت الدولة تنفق المال على المعهدين كريمة به غير مقتِّرة ولا مترددة.
ولعلي أول من نبَّهَ إلى هذا النحو من التناقض في حياتنا العلمية، وإلى هذا النحو من الإسراف في أموال الدولة؛ فدعوت إلى تنظيم العلاقة بين الجامعة ومدرسة المعلمين، وألححت في الدعاء كاتبًا في الصحف، متحدثًا إلى رجال التعليم من المعهدين، ساعيًا عند وزير المعارف وأعوانه. وأخذت المسألة طريقها حتى أُلِّفت لجنة تمثِّل الجامعة ومدرسة المعلمين ووزارة المعارف، فدرست المسألة درسًا دقيقًا، وانتهت إلى وجوب الاقتصاد في الجهد والوقت والمال، وإلى أن يكون التعليم الأدبي والعلمي في الجامعة، وإلى أن تصبح مدرسة المعلمين معهدًا فنيًّا للتربية، ورفعت اللجنة تقريرها إلى معالي الأستاذ علي باشا الشمسي. ولكن وزارة المعارف كانت لا تزال محتفظة برأيها القديم في مدرسة المعلمين وإشفاقها من الجامعة، فنصح أعوان الوزير له في ألَّا يتعجَّل الأمر ولا يقضي فيه حتى يستشير الخبراء من الأوروبيين.
وعجبت أنا من هذه المشورة التي لم تكن تقدِّم ولا تؤخر؛ فقد كانت لجنتنا درست الموضوع من كل وجوهه، واستقصت بين مدارس المعلمين والجامعات في البلاد الراقية التي تعودنا أن نتأثَّر بها في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان تقديرنا أن هذه المشورة التي قدمت إلى وزير المعارف إنما كانت كعلة يُراد بها كسب الوقت وتأخير ما لا بدَّ من وقوعه. على أن وزير المعارف قَبِل المشورة ودعا خبيرين أحدهما من إنجلترا والآخر من سويسرا، وأنفقت الدولة على هذين الخبيرين آلافًا من الجنيهات لعلها كانت تستطيع أن تسدَّ حاجة من حاجات التعليم الكثيرة في هذه البلاد. وقضى الخبيران أشهرًا في مصر يتنقَّلان في أقطارها، يصعدان في الشتاء ويهبطان في الربيع، يقيس أحدهما ذكاء الأطفال والشبَّان، ويتحدث أحدهما الآخر إلى أولئك وهؤلاء من رجال التعليم، وكانت نتيجة هذا كله أن طلب إلى وزير المعارف الأستاذ أحمد لطفي السيد بك ما طلبته اللجنة إلى وزير المعارف الأستاذ علي الشمسي باشا.
ولكن وزارة المعارف كانت ما تزال مترددة مشفقة، فلم تقبل ما قبلته منه في غير تحفظ، وإنما قبلت فصل الدراسة العلمية من الدراسة الفنية، وأن تكون هذه الدراسة العلمية في الجامعة بشرط أن تُعِيد الجامعة درس الموضوع، وتلائم بين نظامها الجامعي وحاجات التعليم الثانوي. وقد فعلت الجامعة هذا تيسيرًا للأمر وتعجيلًا لشيء لا بدَّ من تحققه؛ لأنه يلائم المصلحة العلمية والاقتصادية معًا.
وأبت وزارة المعارف أن تترك معهد التربية إلى الجامعة كما كان يطلب الخبيران أحدهما أو كلاهما، ولم تتشدد الجامعة في هذا لأنها لم تكن تريد التوسع أو بسط السلطان.
هذا تاريخ المسألة فصَّلناه تفصيلًا، وهو يدلُّ على أن هذه المسألة قديمة، وعلى أن إعادة التنظيم لمدرسة المعلمين كانت شيئًا طبيعيًّا تحقق هذه السنة، وقد كان يجب أن يتحقَّق منذ سنين، وهو متحقق من غير شك، حتى لو سمعت الحكومة القائمة لأنصار النظام القديم، فردَّت الأمر إلى ما كان عليه. وهذا التاريخ الذي فصَّلناه يدلُّ أيضًا على أن الناحية السياسية التي يلجأ إليها ويستغل مكانتها أنصار النظام القديم لم تفاجأ بهذا الإصلاح، بل سعت إليه وجدَّت فيه وكادت تحققه.
فالأستاذ علي باشا الشمسي لم يؤلف اللجنة عبثًا، ولم يدع الخبيرين عبثًا، وإنما كان يريد أن يعتزَّ برأي اللجنة ورأي الخبيرين ليضع النظام الجديد ويعرضه على البرلمان. سيقولون ولكن هذا النظام لم يُعرض على البرلمان ولم يُعرف رأي نواب الشعب فيه، فنقول يجب إذن أن تعطل أكثر مدارس الحكومة، وأن توقف أكثر فروع التعليم لأن هذه المدارس وهذه الفروع من التعليم تسير على نُظُمٍ لم يقرها البرلمان؛ منها ما وضع في غيبته، ومنها ما وضع في حضوره، وكلها لم يتسع وقت البرلمان لدرسه.
على أن وزارة المعارف قد أنشأت هذا المعهد الجديد على أنه تجربة قابلة للتغيير والإصلاح. أليس الخير أن يدرس نظام المعهد وينقد ويُشار على الحكومة والبرلمان بما قد يظهر من وجوه إصلاحه وتغييره. ولكن قلت لك إن الأمور لا تجري في مصر على نحو ما تجري عليه في البلاد الأخرى، وما أشدَّ حاجتنا إلى الاقتصاد في القول والوقت والجهد والمال.
في التعليم والمعلمين
طه حسين
مجلة مجلتي
١٥ مايو ١٩٣٥
أظن أن حديث الناس في هذه الأيام سيكثر عن التعليم والمعلمين، إلَّا أن تشغلهم أحداث السياسة كما تعودت أن تفعل فتصرفهم عن كل قول نافع وعمل مفيد. وإذا قدرت أن حديث التعليم خليق أن يشغل الناس في هذه الأيام، فمصدر ذلك هذه القنبلة الرسمية، إن صح هذا التعبير. فقد ألقى وزير المعارف قنبلة (وإن لم يتعود الوزراء إلقاء القنابل) حين أصدر تقريره عن التعليم الثانوي، مبيِّنًا فيه عيوب هذا التعليم، مقترحًا ما يرى من أسباب الإصلاح. وليس من شأني أن أعرض لهذا التقرير بنقد أو تقريظ، ولا أن أناقش هذه العيوب التي سجلها الوزير تسجيلًا، ولا أن أناقش هذه الاقتراحات التي يعرضها الوزير ليعرف فيها رأي الناس. ليس من شأني أن أعرض هنا لهذه الأشياء، فقد يكون لي فيها موقف آخر يومًا ما في غير الصحف والمجلات. وإنما الذي يعنيني الآن، هو أن ألاحظ أن وزارة المعارف قد حكمت على نفسها في هذا التقرير، أو أن وزير المعارف قد حكم على وزارته، حكمًا أو أحكامًا كان الرأي العام قد أصدر كثيرًا منها منذ زمن طويل، وكانت الحكومة تأبى أن تقبلها أو تعترف بها. فلنحمد لوزير المعارف شجاعته على قول الحق، ولنحمد له — قبل كل شيء — هذا الدرس القيم الذي ألقاه على وزارته حين بيَّن لها في غير تردد وفي غير إيماء، بل في حزم وعزم وتصريح، أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا يكره أن يعترف على نفسه بالعيب، وأن يلتمس إصلاح هذا العيب بعد أن يتبينه ويتعرف أسبابه وآثاره.
ونحن نرجو أن تنتفع وزارة المعارف بهذا الدرس الذي ألقاه الوزير، وأن تتعود منذ الآن مواجهة أمور التعليم في شجاعة وحزم، والاعتراف بما اقترفت من أغلاط، وما تورطت فيه من خطأ، والاجتهاد في إصلاح هذا الخطأ وتلك الأغلاط.
ونحن نرجو أيضًا أن يدرس وزير المعارف فروع التعليم الأخرى كما درس التعليم الثانوي، ويصدر في أمر كل فرع منها تقريرًا كهذا التقرير الذي أذاعه في أمر التعليم الثانوي، فهو إن فعل أحسن إلى المصريين وإلى وزارة المعارف من وجوه.
منها أنه يستكشف عيوب التعليم ويدعو الناس إلى درسها والنظر في إصلاحها، ومنها أنه يضع بكل تقرير تاريخًا صحيحًا دقيقًا متقنًا لفرع من فروع التعليم. فإذا استوفى وضع تقريراته كلها، فقد وضع تاريخًا ممتعًا للتعليم المصري في هذا العصر الحديث، ينتفع به هذا الجيل كما تنتفع به الأجيال المقبلة. ومنها أنه يخرج من هذه العادة المنكرة التي ألفها الوزراء، فأفسدت عليهم أمرهم كل الإفساد، وأفسدت على البلاد نفسها أمرها كل الإفساد، وعرضت الحق لخطر عظيم، وجعلت الحقائق الرسمية في ناحية هي ناحية الشك والريبة، والحقائق الواقعة في ناحية أخرى هي ناحية الصدق واليقين والخوف من الجهر بها في كثير من الأحيان. وهذه العادة المنكرة هي هذه التي تحمل الوزراء على أن يعتقدوا أن أول ما يجب عليهم لوزاراتهم إنما هو تصويرها في صورة الكمال الذي يفرض لها الصواب فرضًا، ويعصمها من الخطأ؛ فهي لا تقول إلَّا حقًّا، ولا تأتي إلَّا خيرًا، ولا يعرض لها الضعف من وجه من وجوهها، ولا يدركها الزلل في طريق من طرقها.
فوزير المعارف حين خرج على هذه العادة، فاعترف على وزارته بأغلاطها، واجتهد في إصلاح هذه الأغلاط؛ فتح بابًا جديدًا نرجو أن يلجه الوزراء، ولا سيما وزراء الإصلاح.
على أني لم أكتب لأتحدث في هذا التقرير كما قلت، وإنما اتخذته وسيلة للحديث في شيء آخر: هو نشاط المعلمين وعنايتهم بصناعتهم في البلاد الأجنبية، واضطرارهم في مصر إلى فتور يشبه الموت. ولقد انتهى إليَّ بريد فرنسا في اليوم الذي انتهى إليَّ فيه تقرير وزير المعارف عن التعليم الثانوي، فلما أخذت أنظر في الصحف الفرنسية رأيت من ألوان النشاط الذي ينشطه المعلمون الفرنسيون أثناء ما يُتاح لهم من الإجازات أمرًا عجيبًا، ثم رأيت في تقرير وزير المعارف هذه الحقيقة المؤلمة التي سجَّلها تسجيلًا، وهي أن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، ولكنه يضعف شخصية المعلمين، ونظَّار المدارس، ويوشك أن يمحوها محوًا. وقد يكون من الخير أن يظهر القارئ المصري على شيء من نشاط المعلمين الفرنسيين أثناء الإجازات. وقد يكون من الخير أن يظهر وزير المعارف نفسه على شيء من هذا النشاط أيضًا؛ ليستيقن أنه لم يكن مخطئًا ولا مسرفًا حين رثى للمعلمين المصريين، وأن المعلمين المصريين هؤلاء يلقون من وزارة المعارف شططًا لا يشبهه شطط، ويحتملون منه ظلمًا عظيمًا، وأن إصلاح التعليم لا سبيل إليه مهما تنفق الجهود وتبذل القوى وتصرف الأموال إذا لم يظفر المعلمون بهذه الحرية التي تفتح لهم أبواب النشاط في مصر، والتي قد ضربت بينهم وبينها حجب صفاق.
كان المعلمون الفرنسيون منذ أيام يتمتعون بإجازة الفصح، فلم يلهوا ولم يلعبوا، ولم يتهالكوا على النوم والكسل، والاختلاف إلى الملاعب والقهوات، وإنما أنفقوا إجازاتهم — أو بعض إجازاتهم — على أقل تقدير في عقد المؤتمرات المختلفة، يفدون إليها من أقصى الأرض، ويعرضون لدرس الموضوعات المختلفة التي تمس التعليم والمعلمين من قريب أو بعيد. وثق بأنهم يعقدون مثل هذه المؤتمرات في الصيف من كل عام أيضًا، يعقدونها مرة في باريس ومرة في غير باريس من مدن فرنسا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.
ولست أريد أن أتحدث عن نقابات المعلمين وجماعاتهم المختلفة، ولا عن مجلاتهم التعليمية التي لا تُحصى، ولا عن الموضوعات التي يتناولونها بالدرس في هذه المجلات، ولا عن اشتراكهم في المؤتمرات الدولية المختلفة، وإنما أتحدث عن مؤتمراتهم الخاصة التي يعقدونها في بلادهم كل عام، وعن الموضوعات التي يعرضون لها في هذه المؤتمرات.
وحسبي أن أذكر هنا مؤتمرات ثلاثة عقدها رجال التعليم في باريس أثناء إجازة الفصح، فأمَّا أولها فمؤتمر اتحاد المعلمين الأوليين، وقد عقدوها في التاسع عشر من شهر أبريل، وتناولوا فيها موضوعات مختلفة أهمها هذه الموضوعات الثلاثة:
الأول: الصلة بينهم وبين الحكومة منذ سنة ١٩٣٣. فقد دعت الأحداث السياسية الفرنسية، وما أثير من خصومات عنيفة بين الأحزاب إلى أن يسوء ظن الحكومة برجال التعليم الأولي، فتشفق منهم على النظام الجمهوري لمكانهم من التطرف إلى الشمال، ثم صلحت الأمور واستقرت الأحوال، وسجَّل هؤلاء المعلمون في مؤتمرهم هذا أن العلاقات قد حسنت بينهم وبين السلطان، وأكدوا أنهم لا يعنون بالسياسة ولا يحفلون بالإضراب، ولا يفكرون حين يُعلِّمون إلَّا في الوطن ورقيه واستقلاله، وحمايته من غارة الأجنبي. الثاني: رقي المعلمين أنفسهم، وما يجب لهم من الاستعداد لأداء واجبهم الفني على أحسن وجه ممكن، وهم ينتهون إلى قرار إجماعي له خطر عظيم في الحياة الفرنسية. ومن الخير أن تلتفت إليه وزارة المعارف المصرية. فهم يريدون ألَّا يشتغل بالتعليم الأولي إلَّا من ظفر بالشهادة الثانوية قبل أن يدخل مدرسة المعلمين الأولية. وهم لا يريدون الشهادة الثانوية السهلة اليسيرة التي يسمونها الشهادة الثانوية الحديثة، وإنما يريدون هذه الشهادة العسيرة، التي لا بدَّ فيها من اللاتينية؛ لأنهم يؤمنون بأن العلم بلغتهم، وتعليم هذه اللغة موقوفان على العلم باللاتينية، ولأنهم يؤمنون بأن للاتينية أبعد الأثر في تكوين عقول الشباب. وخطر هذا القرار يأتي من أن رجال التعليم الأولي، وهم يعدون في فرنسا بعشرات الألوف، ومعهم الاشتراكيون والديمقراطيون من أهل الشمال كانوا دائمًا خصومًا للغة اللاتينية، يمانعون في تعميمها كل الممانعة. وقد تأثر بهم البرلمان الفرنسي في كثير من الأوقات، فخفف تعليم اللاتينية تخفيفًا، وأنشأ شهادات ثانوية لا تشترط فيها اللاتينية، فتحول رجال التعليم الأولي عن هذا الرأي. ومطالبتهم باللاتينية بعد أن كانوا يلحون في أن يُباح لهم دخول الجامعة ونيل درجاتهم دون علم باللاتينية دليل على أن الحياة الفرنسية تتطور تطورًا خطيرًا نحو التعمق في العلم، والنظر إليه على أنه وسيلة إلى تكوين الرجل لا إلى اكتساب العيش. الثالث: أمر المعاشات. فهم يطالبون بأن تنظم قوانين المعاشات للمعلمين الأوليين تنظيمًا يكفل لهم شيخوخة هادئة بعد أن أنفقوا شبابهم وكهولتهم في خدمة الدولة والوطن.
وليس المؤتمر الثاني الذي عقده نظار المدارس الأولية وناظراتها في اليوم نفسه بأقل خطرًا من هذا المؤتمر، فالنظار والناظرات يطالبون باللاتينية كما يطالب بها المعلمون، والنظار والناظرات يطالبون بحرية المعلم وحمايته من أهواء الأحزاب السياسية وشهوات الوزراء، والنظار والناظرات يطالبون بإصلاح نظام المعاش كما يطالبون بإصلاح الحياة الاجتماعية والصحية لصغار التلاميذ. والذي يستحق العناية أن رجال الحكومة والبرلمان يشهدون هذه المؤتمرات ويشتركون في مناقشتها. فمدير التعليم الأولي يشهد هذا المؤتمر، ويجيب على ما يوجه إليه من سؤال، ويعد برفع قرارات المؤتمر إلى الوزير، وبالجد في تحقيق ما يمكن تحقيقه منها. وعضو من أعضاء مجلس الشيوخ يشهد ذلك المؤتمر، ويشترك في مناقشاته، ويبيِّن للمؤتمرين مسلك مجلس الشيوخ بالقياس إلى التعليم الأولي، ويعد بالدفاع عن آمالهم ومطالبهم أمام لجنة التعليم وفي المجلس نفسه، ويكون هذا كله في بناء السوربون.
وهناك مؤتمر ثالث لعله أعظم خطرًا من هذين المؤتمرين، وهو الذي عقده رجال التعليم العام، وخصصوا في الثامن والعشرين من شهر أبريل جلسة من جلساته لتحديد معنًى من المعاني الخطيرة التي يحرص عليها الفرنسيون أشد الحرص، ونريد نحن أن نتخذه مثلًا أعلى للتعليم في مصر، وهو حيدة التعليم العام بالقياس إلى السياسة والدين. فهم يسجلون أن الدولة لا تفرض ولا ينبغي لها أن تفرض على طلابها رأيًا ما في سياسة أو علم أو خلق أو فلسفة أو دين. وإنما محور التعليم يجب أن يكون الحق والحق وحده. وهم يسجلون أن الدين يجب أن يعلم، على أن يقوم بتعليمه رجال الدين أنفسهم في يوم من أيام الأسبوع، وأن لكل معلم أو أستاذ حريته الكاملة في مذهبه السياسي والديني والخلقي، بشرط ألَّا يقحم ذلك في التعليم، وألَّا يتكلف حمل المتعلمين بالعنف أو باللين أو بالتصريح أو بالتلميح على رأي من آرائه أو مذهب من مذاهبه. وهم يطالبون بأن ينظم القانون في غير لبس ولا غموض حقوق المعلمين وواجباتهم، وبأن يحمي القانون معاهد العلم من كل عبث يصدر عن الشهوات السياسية أو المذهبية مهما تكن. وكان الذي أعلن هذه المطالب وجهر بها وانتهى إلى التأييد الإجماعي من المؤتمرين، أستاذًا معروفًا من أساتذة التعليم العالي في الكوليج دي فرانس، هو الأستاذ لوروا.
فأين هذه الحرية التي يستمتع بها المعلم الفرنسي في الاجتماع والتفكير وإعلان الرأي من حرية المعلم المصري؟ وأين هذا النشاط الذي يبذله المعلم الفرنسي فيما يمس شئون التعليم وشئون المعلم من نشاط المعلم المصري؟ ولعلك تسأل بعد ذلك عن مصدر فتور المعلمين المصريين، وإحجامهم عن مثل هذا النشاط، وإشفاقهم من درس مثل هذه الموضوعات، وإعلان آرائهم فيها! فلا توجه إليَّ هذا السؤال، ولكن وجهه إلى وزارة المعارف، ولا تنتظر جواب وزارة المعارف، فهو موجود صريح في التقرير الذي أذاعه الوزير في هذه الأيام.
أليس الوزير يعترف بأن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، وإنما يضعف شخصية المعلمين والنظَّار، ويوشك أن يمحوها محوًا؟!
وكيف ينشط المعلم، وكيف يفكر، وكيف يعلن رأيًا من الآراء ونظام التعليم نفسه حرب على شخصيته، يحول بينها وبين كل نشاط؟!
تكوين الصفوة المثقفة
طه حسين
جريدة الأهرام
٢ مارس ١٩٣٩
شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».
جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:
الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.
وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين!
ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم
طه حسين
مجلة المصور
٩ فبراير ١٩٤٠
أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:
لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.
ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.
وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.
***
وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.
***
أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.
***
هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.
***
أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.
مسألة القبول في الجامعات
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ أكتوبر ١٩٤٠
بدأ أمس العام الدراسي في كليات جامعة فؤاد الأول بالقاهرة وفرعها بالإسكندرية، وقد التحق بالجامعة عدد يسير من الناجحين ممَّن حصلوا على مجموع من درجات النجاح يزيد على ٥٥٪، وبقي كثيرون من الراغبين في الالتحاق بالكليات المختلفة، وينقصهم المجموع المطلوب، حائرين لا يعرفون ماذا يصنعون.
ونذكر في هذا المقام أن مدير الجامعة وبعض عمداء الكليات والسكرتير العام للجامعة يميلون إلى عدم الخروج عن القرار السابق، في حين أن كثيرين من الأساتذة — ولا سيما في الكليات النظرية — يَرَوْنَ تذليل العقبات القائمة في وجوه الطلاب هذه السنة.
ويتجه الآن أولياء أمور التلاميذ صوب رئيس الجامعة الأعلى؛ رجاء حل هذه المسألة في الأيام القريبة القادمة، خشية أن يطول الزمن على أولادهم وهم خارج الدرس.
وقد اتصل أمس كثيرون من أولياء أمور الطلاب بمندوبنا، وذكروا له أنهم اعتزموا التوجُّه نحو ساحة المليك؛ لرفع الأمر إلى الذات العلية.
كلمة للدكتور طه حسين بك وقد سأل أحد محرري «الأهرام» الأستاذ الدكتور طه حسين بك، أستاذ الأدب العربي بالجامعة، ومراقب الثقافة العامة بوزارة المعارف، رأيه في مشكلة الطلاب الذين رَفضت الجامعة قبولهم هذا العام، فأدلى إليه بالحديث التالي: «كنت دائمًا من أشد الناس ممانعة في تضييق التعليم العالي، مهما تكن الحجج التي يحتج بها أنصار هذا التضييق؛ لأني أعتقد أن مصر ما زالت بعيدة كل البُعد عن الوقت الذي يصح فيه أن توضع مسألة التعليم العالي موضع المناقشة. وكنت وما زلت أعتقد أن الدولة المصرية لم تَقطع بعدُ الطريقَ التي ينبغي أن تقطعها في نشر التعليم الثانوي والعالي، وأن من المضحك حقًّا أن يتناقش الناس في هذا في بلد لا يبلغ المتعلمون فيه عشرين في المائة وله ميزانيته الضخمة وله ثراؤه العريض. وكنت وما زلت أعتقد أن الذين يرغبون في تضييق التعليم، إمَّا أن يكونوا من الذين يأخذون بظواهر الأمور فيتحدثون عن أزمة التعليم في مصر كما يتحدث الناس في أوروبا وأمريكا ليس غير، وإمَّا أن يكونوا من الذين يريدون أن تتكون في مصر طبقة ممتازة بالثقافة، كما تتكون فيها طبقة ممتازة بالمال. فأمَّا الذين ينظرون إلى الأمور نظرة صادقة ديمقراطية خالصة لمصلحة الوطن، فلا ينبغي أن يفكروا في تضييق التعليم قبل أن يتسع التعليم بالفعل. كذلك كنت وما زلت أعتقد، ولكننا في هذه السنة أمام مشكلة جديدة يجب أن نَنظر إليها نظرًا خاصًّا، وأن تُعالج في حزم وسرعة كما تُعالج الطوارئ التي تطرأ في أوقات الحرب. وقد أصبح سفر أبنائنا إلى أوروبا مستحيلًا، وأصبحت إقامتهم فيها عسيرة جدًّا، ولا بدَّ مع ذلك من أن يتعلموا. كما أن الحكومة تُعنى بأن تجد في مصر الأشياء الضرورية التي كُنَّا نستوردها من أوروبا ثم أصبح استيرادها عسيرًا، فقد يجب على الحكومة أن تعلِّم الشبَّان الذين كنا نعلِّمهم في أوروبا ثم أصبح تعليمهم فيها مستحيلًا. وكنت أعتقد أن الجامعة ستؤجل المناقشات الأفلاطونية في رفع مستوى التعليم العالي أو خفضه أو الاحتفاظ به كما هو إلى أن ينتهي وقت الطوارئ. ولكني آسف لأني أرى هذه المناقشات مستمرة في هذا العام كما كانت في الأعوام الماضية، كأنَّ الصلة بيننا وبين أوروبا ما زالت سريعة منظمة. ويُخيَّل إليَّ — بعد أن انقضى على الحرب عام كامل ودخلت في العام الثاني من أعوامها — أنه قد آنَ الوقت لنعرف أن العالم في حرب، وأن للحرب ظروفَها القاسية التي تقتضي نُظُمًا ملائمة لها، والتي حملت الحكومة والبرلمان على إعلان الأحكام العرفية. ولا غرابةَ في أن تتجاهل الجامعة هذا كله، فمن طبيعة العلماء أن يعيشوا في «برجهم العاجي» وأن يشعروا بما حولهم من الأحداث، ولكن إن الغرابة إنما هي في أن الحكومة لا تُنبئ الجامعة بأن في الأرض حربًا، وبأن هناك طلابًا يجب أن يتعلموا، وبأن تركهم يضطربون في الشوارع إن جاز في أوقات السلم لا يجوز في أوقات الحرب. وأظن أن من الحق على وزارة المعارف أن تُدافع عن شهادتها الثانوية، فما ينبغي أن تُغلَق أبواب الجامعة في وجه طالب يحمل هذه الشهادة، مع أن هذه الشهادة نفسها تفتح له أبواب الجامعات الأوروبية كافة. وقد تكون هناك أعذار للجامعة، ولا سيما بالقياس إلى الكليات التي تحتاج إلى المعامل، ولكن من الحق على الحكومة أن تُعِين الجامعة على تذليل هذه العقبات. وأذكر أن وزير المعارف القائم الآن قد كان له موقف في وزارته السابقة ما أظن أن الجامعة نسيته. فليقِفْ هذا الموقف مرة أخرى، وإن من الظريف حقًّا أن تقبل كلية الحقوق وكلية الآداب حملة الشهادة الثانوية من شعبتي العلوم والرياضة في أثناء السِّلم، فإذا جاءت الحرب وأزماتها رفضت الكليتان هؤلاء الطلاب. إن الأمر لا يحتمل — فيما أعتقد — ريثًا ولا أناةً، كما أنه لا يحتمل فكاهةً ولا دعابةً، فلتأخذه الجامعة والحكومة بالجِدِّ والحزم؛ فإن لآباء التلاميذ من أزمات الحرب المالية والاقتصادية ما يكفي، فلنُرِحْهم من هذه الأزمة التعليمية، فذلك أيسر ما يجب لهم علينا.»
جامعة الإسكندرية: رأي الدكتور طه حسين
طه حسين
جريدة الأهرام
١٥ ديسمبر ١٩٤١
يُعنى مجلس الوزراء في هذه الأيام بمسألة إنشاء جامعة في الإسكندرية، ويشغل هذا الموضوع أذهان رجال جامعة فؤاد ووزارة المالية. وقد رأى أحد محرري «الأهرام» استطلاعَ صاحب العزة الأستاذ الدكتور طه حسين بك المراقب العام للثقافة العامة رأيه في هذا الموضوع، فوجه إليه السؤال التالي: ما رأيك في هذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة في سبيل إنشاء كلية مستقلة للحقوق في الإسكندرية؟
فأجاب: رأيي أنها خطوة خطيرة جدًّا؛ لأن مدينة الإسكندرية قد كسبت بها كلية من الكليات، وكل خطوة تؤدي إلى إنشاء معهد من معاهد التعليم مهما يكن نوعه هي مصدر خير، ينبغي أن نغتبط به. ولكن هذه الخطوة ظريفة كل الظَّرف؛ لأنها تسجل علينا لونًا من ألوان التناقض الذي لا ضرر فيه، بل فيه النفع كل النفع؛ لأنه يسلينا من جهة، ويضطرنا آخر الأمر إلى أن نضع لأنفسنا سياسة واضحة الأعلام نقيم عليها تعليمنا الوطني. ولعلك لم تنسَ — كما أني لم أنسَ — أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين شكوا وأطالوا الشكوى من كثرة الذين يتخرجون في كلية الحقوق. ولعلك تذكر كما أذكر أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين فكروا في إقفال جدول المحاماة، وكان لهذا التفكير أثرٌ لم يخلُ من عنف في حياة الجامعيين. بهذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة تدل دلالة واضحة على أن مصر لم تستوفِ حظها من الفقهاء الذين يحملون الليسانس في علوم القانون، ولم تستوفِ حظها من المحامين، ولا من القضاة ورجال النيابة. أو هي دليل على أن مصر قد استوفت حظها من هؤلاء جميعًا، واستوفت أكثر من حظها، ولكن ذلك لا يمنع من إنشاء كلية جديدة للحقوق؛ لأن العلم لا يُقاس بالحاجة إلى المحامين والقضاة ورجال النيابة وكتَّاب الدواوين، وإنما يُقاس بحاجة الشعب إلى المعرفة، وحاجة الشعب إلى المعرفة لا تنقضي؛ لأن الشعب يعيش، وحاجة من عاش لا تنقضي كما قال الشاعر القديم. ما من شك في أن الجامعة والحكومة تصححان الموقف بهذه الخطوة الكريمة، وتدلان على أن مصر قد بلغت رشدها العقلي، وأصبحت لا تعلِّم أبناءها بمقدار الحاجة إلى الموظفين، وإنما تعلمهم بمقدار الحاجة إلى العلم.
هنا يظهر التناقض الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث. فحاجة مصر إلى الحقوق لا تنقضي من غير شك، ولكن حاجتها إلى العلوم والآداب وإلى فنون الهندسة والزراعة والتجارة لا تنقضي أيضًا. فما بال حاجتنا إلى الحقوق تظفر بالرضا والعناية، وما بال حاجتنا إلى العلوم والفنون الأخرى تقوم في سبيلها العقاب والصعاب. هذه هي عقدة العقد المعقدة تعقيدًا كما كان يقال في بعض التمثيل المضحك.
لعلك توافقني على أن من أظرف الأشياء وأطرفها أن يطالب الشعب المصري بإنشاء المعاهد التي يُقبل فيها مئات الطلاب الذين ظفروا بالشهادة الثانوية من شعبة العلوم والرياضة، فتنشئ له الجامعة والحكومة كلية الحقوق في الإسكندرية التي تتشدد من غير شك — كما تتشدد شقيقتها الكبرى — في قبول الطلاب، وستأبى من غير شك — كما تأبى شقيقتها الكبرى — قبول الطلاب، إلَّا أن يقدموا إليها الشهادة الثانوية من شعبة الآداب، ومن شعبة الآداب وحدها. ومعنى ذلك أن الطلاب الذين لم يستطيعوا دخول الجامعة في هذا العام، والذين لا يستطيعون دخول الجامعة العام المقبل سيظلون في الشوارع؛ لأن مصر كانت تريد كليات للعلوم والطب والهندسة، فأنشأت لها الجامعة والحكومة، وسينشئ لها البرلمان إن شاء الله كليةً للحقوق. وهذا يذكرني للمرة الواحدة أو الثانية بعد الألف بجملة بدأ بها أحد الكتَّاب الفرنسيين قصة من قصصه، وأنا أذكرها في كل يوم؛ لأن حياتنا المصرية تفرضها عليَّ فرضًا. قال الأب لابنته: تحبين مون شاناه فستتزوجين كورسييه! وقالت الدولة المصرية لمصر: تريدين مني كلية للعلوم وأخرى للطب وأخرى للهندسة، فسأنشئ لك كلية الحقوق!
وأظرف من هذا كله أننا كنا نظن أن الجامعة والدولة إنما تفكران في الإسكندرية محل الأزمة الجامعية التي تتجدد في كل عام، فقد اجتمع مجلس الوزراء وتكشف اجتماعه يوم الإثنين الماضي عن إنشاء كلية الحقوق، لا لشيء إلَّا لأن فرع الحقوق في الإسكندرية قد أتم أعوامه الأربعة، وأصبح قادرًا على أن يقدم تلاميذه لدرجة الليسانس، فأصبح أصلًا فرعًا، وأصبح من الواجب أن يسمَّى كلية، وأن تكون هذه الكلية مستقلة لها مجلسها الخاص، ولكنها ستتبع جامعة القاهرة، وسيكون لها ممثلوها في مجلس الجامعة. ولن يشكو الشاكون من كثرة المحامين ورجال الحقوق فحسب، ولكن مجلس الجامعة نفسه سيشكو بإذن الله من كثرة رجال الحقوق فيه، فسيكون فيه ستة من رجال الحقوق على حين لا يكون للكليات الأخرى فيه إلَّا ثلاثة من الممثلين.
وإذن، فأنت ترى أن الحل الصحيح للمشكلة إنما هو إنشاء الجامعة، ما في ذلك شك، وما من ذلك بد. فالحكومة تقدم اليوم إلى البرلمان قانونًا لإنشاء كلية مستقلة في الإسكندرية، وستضطر في العام المقبل إلى أن تقدم إلى البرلمان قانونًا آخر لإنشاء كلية الآداب في الإسكندرية؛ لأن فرع الآداب في الإسكندرية سيبلغ الرشد، ولولا ظروف خاصة لبلغ الرشد في هذا العام. وسيصبح في مجلس الجامعة منذ العام المقبل ستة من أساتذة الآداب، كما سيصبح فيه ستة من أساتذة الحقوق. وللضرورات حكمها، فهناك أكثر من ألف لم يقبلوا هذا العام في الجامعة، وسيتضاعفون في العام المقبل، وستنشئ لهم الدولة راضية أو كارهة كليات يتعلمون فيها، وستتقدم إلى البرلمان بقانون لإنشاء كلية الطب، وآخر للعلوم، وثالث للهندسة، وهلم جرًّا. ولو كنت عضوًا في البرلمان لرددت إلى الحكومة قانونها الذي تنشئ به كلية الحقوق، ولطلبت إليها أن تختصر الطريق، وأن تقدم قانونًا واحدًا ينشئ جامعة الإسكندرية المستقلة، على أن يكون فرع الحقوق والآداب نواة لها، وعلى أن تنشأ الكليات الأخرى تدريجًا بمقدار حاجة الشعب من جهة، وبمقدار طاقة الدولة من جهة أخرى.
ذلك أدنى إلى المنطق وأقرب إلى المعقول، وأخلق أن يرضي عزة الشعب وأن يحقق آمال مدينة الإسكندرية. ومن حق مدينة الإسكندرية أن تطمع في أن تكون لها جامعتها، وهي أسبق المدن الشرقية إلى إنشاء الجامعات.
ولو كنت عضوًا في البرلمان لطلبت إلى الحكومة إنشاء هذه الجامعة الثانية، أو إلغاء نصف المدارس الثانوية ونصف المدارس الابتدائية لسبب بسيط، وهو أن مصر في أول هذا القرن لم يكن فيها إلَّا ست مدارس ثانوية تشرف عليها الحكومة، وكانت فيها معاهد التعليم العالي التي تألفت منها الجامعة بعد الحرب الكبرى.
وقد أصبح عدد المدارس الثانوية الحكومية الآن سبعًا وثلاثين، وما زالت معاهد التعليم العالي كما كانت لم تتغير إلَّا أسماؤها ونظمها. ومن الخطأ أن يُظن أن نهضتنا الاستقلالية قد أنشأت جامعة فؤاد الأول، وإنما الصواب أن جامعة فؤاد الأول قد أنشأت نهضتنا الاستقلالية. فهذه الجامعة كانت موجودة بالفعل قبل الحرب الكبرى، وكل ما حصل بعد الاستقلال هو أن معاهدها ضُمَّت وأُنشئت لها إدارة واحدة قبل الحرب إلى حدٍّ ما. فقد كانت هناك مراقبة التعليم العالي في وزارة المعارف. وإذن، فالاستقلال والنهضة والثورة الوطنية، كل ذلك لم يستفد منه التعليم العالي إلا اسمًا ونظمًا. فأمَّا الحقائق فليس منها شيء جديد. فما رأيك في بلد يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا بثورته الوطنية ونهضته القومية واستقلاله التام، وهو بعد هذا كله لم يستطع أن ينشئ معهدًا واحدًا من معاهد التعليم العالي. والشيء المهم هو أن المدارس الثانوية قد نيفت على الثلاثين، والجامعة ما زالت واحدة، وهي عاجزة عن تعليم الذين يخرجون من المدارس الثانوية. وقد علمت أن مجلس الوزراء سيفرغ لدرس هذه المشكلة في يوم قريب، فأرجو أن يفكر الوزراء في أن ليس أمامنا إلَّا طريقان لا ثالث لهما: فإما أن تنشأ جامعة ثانية يتعلم فيها الذين تخرِّجهم المدارس الثانوية الحكومية والحرة. [و] الشيء الذي لا أشك فيه؛ أن مجلس الوزراء لن يقدم على إلغاء مدرسة ثانوية واحدة فضلًا عن إلغاء عشرين مدرسة ثانوية.
وإذن، فالخير أن ننتظر ما ينتهي إليه بحث مجلس الوزراء، وأكبر ظني أنه لن يجد من إنشاء الجامعة الثانية بدًّا.
Leave a Reply