Category: Uncategorized

  • كلية الآداب تحت الحصار: نظرة عن قرب | The Faculty of Arts Under Siege: A Closer Look

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    استقلال
    ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
    إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
    وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
    وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
    فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
    فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
    وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
    وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
    زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
    فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
    ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
    ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
    كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
    أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
    ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
    ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
    ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
    فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
    وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
    فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
    على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
    أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
    إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
    وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
    نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
    كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣

  • طه حسين الناقد: الشرق يلتقي الغرب | Taha Hussein the Literary Critic: East Meets West

    قصة فيلسوف عاشق
    في الأدب الغربي
    للدكتور طه حسين
    واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
    وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
    ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
    وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
    وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
    ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
    ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
    وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
    ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
    وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
    وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
    أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
    فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
    ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    “أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها”.
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

    في الحب
    سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!

    ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.

    وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:

    سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ

    أم هل لقلبي عنكم زاجرُ



    قد سمع النَّاس بوجدي بكم

    فمنهم اللائم والعاذرُ





    ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.

    وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.

    فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.

    وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.

    أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.

    فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.

    وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.

    فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.

    وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.

    وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.

    كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.

    في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.

    وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.

    والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.

    ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

    أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.

    أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.

    وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.

    وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.

    ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.

    وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.

    فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.

    فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.

    ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.

    كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.

    وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.

    وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.

    وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.

    وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.

    فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.

    وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.

    ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.

    كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.

    على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.

    وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.

    وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.

    فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.

    على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟

    أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.

    وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.

    فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.

    وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.
    الكاتب المصري فبراير ١٩٤٦

  • طه حسين وتوفيق الحكيم | Taha Hussein and Tawfiq al-Hakim

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    إلى الدكتور طه حسين من الأستاذ توفيق الحكيم
    يا دكتور
    يعنيك طبعا أن تعلم كيف يرى الجيل الجديد عملك وعمل أصحابك، إن رسالتي إليك ليست حكما يصدره الجيل الجديد، إنما هي تفسير لذلك العمل، لك أن تقره ولك أن تنكره. لا ريب إن العقلية المصرية قد تغيرت اليوم تحت عصاك السحرية، كيف تغيرت؟ هذا هو موضوع الكلام، إن شئون الفكر في مصر حتى قبل ظهور جيلك كانت قاصرة على المحاكاة والتقليد، محاكاة التفكير العربي وتقليده، كنا في شبه إغماء، لا شعور لنا بالذات، لا نرى أنفسنا ولكن نرى العرب الغابرين، لا نحس بوجودنا ولكن نحس بوجودهم هم، لم تكن كلمة (أنا) معروفة للعقل المصري. لم تكن فكرة الشخصية المصرية قد ولدت بعد. رجل واحد لمعت في نفسه تلك الفكرة فأضاء لكم الطريق: (لطفي بك السيد)، وسرتم ركضا حتى بلغتم اليوم هذه الغاية، وإذا الجيل الجديد أمام روح جديدة وأمام عمل جديد. لم يعد الأدب مجرد تقليد أو مجرد استمرار للأدب العربي القديم في روحه وشكله، وإنما هو إبداع وخلق لم يعرفهما العرب. وبدت الذاتية المصرية واضحة لا في روح الكتابة وحدها بل في الأسلوب واللغة أيضا، من ذا يستطيع أن يرد أسلوب طه حسين إلى أصل عربي قديم؟ بون شاسع بين الأمس واليوم. حتى أمس القريب كانت مقامات الحريري ورسائل عبد الحميد وبديع الزمان مثلا تحتذي في كتابات حفني ناصف والمويلحي وغيرهما ممن رسفوا في أغلال التقليد راضين أو مرغمين. لقد بدأنا نعي ونحس بوجودنا، وأول مظاهر الوعي شخصية الأسلوب واستقلال طريقة التعبير وما يتبعها من ألفاظ وأخيلة، بهذا يبشر صاحبكم احمد أمين اليوم، ويصيح في هذا الجيل كي ينظر فيما حوله ويعبر عما يراه بخياله هو لا بخيال العرب. كل هذا جلي معروف، ولم أبعث برسالتي من أجله، حاجة مصر إلى الاستقلال الفكري أمر لا نزاع اليوم فيه، وعملك أنت وأصحابك لهذا الاستقلال أمر لا نزاع فيه أيضا. ولقد مضى كلامكم في هذا، إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري. معرفة أنفسنا: حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة، لقد فهمنا عنكم مميزات الأسلوب والشكل، وما فهمنا بعد جيدا مميزات النفس والروح، ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟
    ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا إن لنا روحا خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة. وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر. حتى إذا ما تم تمييز الروحين إحداهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، وكان لكم أن تقولوا لنا: (ها نحن أولاء أنرنا لكم الطريق إلى أنفسكم فسيروا) لا بد لنا إذن أن نعرف ما المصري وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت ادرس الفنين المصري والإغريقي. وكانت المسالة عندي وقتئذ: ما المصري وما الإغريقي؟ وأذكر أني أثرت هذه المسألة أمام بعض أصدقائي في حي (مونبارناس)، أذكر أني لخصت لهم الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلا: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله، نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، وعار جلي عند الإغريق، كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عند المصريين مستتر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس، وفي اليونان المادة والعقل. نظرة أخرى في أسلوب النحت تدعم هذا الكلام. أن المثال المصري لا يعنيه جمال الجسد ولا جمال الطبيعة من حيث هي شكل ظاهر، إنما تعنيه الفكرة، انه يستنطق الحجر كلاما وأفكارا وعقائد. على انه يشعر مع ذلك بالتناسق الداخلي، يشعر بالقوانين المستترة التي تسيطر على الأشكال، يشعر بالهندسة غير المنظورة التي تربط كل شيء بكل شيء، يشعر بالكل في الجزء، وبالجزء في الكل، وتلك أولى علامات الوعي في الخلق والبناء؛ هذا كله يحسه الفنان المصري لأن له بصيرة غريزية أو مدبرة تنفذ إلى ما وراء الأشكال الظاهرة لتحيط بقوانينها المستترة، فنان عجيب لا يصرفه الجمال الظاهر للأشياء عن الجمال الباطن. إنه يريد أن يصور روح الأشكال لا أجسامها، وما روح الشكل إلا القانون العام الأعلى المستتر خلفه؛ إن ولع المصريين بالقوانين الخفية لشيء يبلغ حد المرض، مرض إلهي، لو أن الآلهة تمرض لكان هذا مرضها: فرط البحث عن القانون! كل شئ في مصر إلهي، لأن مصر التي منحتها الطبيعة الخير واليسر وسهولة العيش وكفتها مشقة الإجهاد في سبيل المادة استلقت منذ الأزل تتأمل ما وراء المادة. . حظها في هذا حظ الهند: أمة كثيرة الخير كذلك دانية القطوف لا حاجة بها إلى الكفاح ولا عمل لها إلا استمراء ترف الحكمة العليا، انقطعت هي أيضا من قديم تحت أشجارها المقدسة تبحث عما وراء الحقيقة.
    مصر والهند حضارتان قامتا على الروح لأنهما قد شبعتا من المادة، الإغريق على النقيض، أمة لم تشبع من المادة، أمة نشأت في العسر والفاقة، أرضها لا تدر من الخير إلا قليلا، كان لزاما عليها الكفاح في سبيل العيش، وكان حتما عليها الجري وراء المادة، حرب تلو حرب، وفتح بعد فتح، وضرب في مشارق الأرض ومغاربها، على هذا النحو لم يكن للإغريق ذلك الضمير المطمئن ولا ذلك الشعور بالاستقرار، ولا ذلك الإيمان بالأرض الذي يوحي بالتفكير فيما وراء الأرض والحياة، إن عاطفة الاستقرار والإيمان ممزوجة بالدم عند المصريين، لأن المصريين نزلوا من بطن الأزل إلى أرض مصر، لا يعرف لهم نسب آخر على وجه التحقيق، واختلاف العلماء في أمر أصلهم لم ينته بعد، وفي كل يوم يبدو دليل على أن العمران والاستقرار وجدا في مصر قبل التاريخ المعروف، ولقد ظهرت الحضارة المصرية في التاريخ تامة كاملة دفعة واحدة، كما يظهر قرص الشمس في الأفق عند الشروق، ولقد قال سولون: إن الكهنة المصريين يعنون العناية كلها بذكريات تلك القارة العظيمة ذات المدنية الزاهرة التي أبتلعها المحيط قبل مبدأ التواريخ: (قارة الأتلانتيد). أترى كانت الحضارة المصرية استمرارا لتلك المدنية المندثرة؟. . . لم يقم دليل، على كل فرض. مصر أمة مستقرة مؤمنة زهدها عمرها الطويل وخيرها الكثير في مباذل الحياة، وهذا الزهد والتفكير فيما وراء الحياة ظهر أثرهما على وجه الفن المصري، ولا شيء يدل على عواطف أمة وعلى عقليتها مثل فنها. فلقد طالع العالم الحديث على وجه الفن المصري الصرامة والجد والعمق ولا أكاد أفتح كتابا في الفن المصري حتى أجد كلمة (الصرامة) نعتا من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتابا في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة (الحياة) وكلمة (الإنسانية) من نعوت هذا الفن، نعم. الحياة هي كل شيء عند الإغريق، قد يدفعهما حب البحث إلى لمس حدود الحياة الأخرى فيلمسونها بالعقل والمنطق لا بالقلب والروح. فلسفتهم فلسفة العقل والمنطق والحياة، فلسفة الحركة لا فلسفة السكون، عند مصر والهند السكون، عند الإغريق الحركة، قرأت حديثا (المقبرة البحرية) لـ (بول فاليري) وهو المتصل اتصالا مباشرا بالفلسفة اليونانية. فإذا هو يشير في القصيدة إلى الحركة والسكون، وإذا الحركة عنده من خصائص الكينونة الواعية الفانية، والسكون من خصائص العدم الخالد غير الواعي، وهو يعارض زينون الألياتي في إنكاره للحركة ويتغنى في آخر القصيدة بانتصار الحركة على قصرها وفنائها، فهو في ذلك لم يخرج عن يونانيته المكتسبة. ولم يفهم في رأيي روح مصر والهند، ولم يشرف على ذلك العالم الخالد غير الواعي، كان دون هذا الإشراف والاتصال والتجرد التام من كل عقل آدمي أو منطق بشري، هذه هي الصعوبة في فهم مصر والهند، وهذا ما جعل الفن المصري سرا مغلقا حتى أوائل هذا القرن، وما صرف الناس إلى دراسة اليونان وحدها، فهي واضحة المعنى يسيرة المنال. لأنها لزمت شاطئ الحياة.
    حظ الإغريق في كل هذا حظ العرب. العرب أيضا أمة نشأت في فقر لم تعرفه أمة غيرها، صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء، جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة، أمة لاقت الحرمان وجها لوجه، وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كان حتما عليها ألا تحس المثل الأعلى في غير الحياة الهنيئة، والجنات الخضراء، والماء الجاري، وألوان النعيم واللذائذ التي لا تنضب ولا تنتهي، أمة بأسرها حلمت بلذة الحياة ولذة الشبع، فأعطاها ربها اللذة ومنحها الشبع. كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة، لذة سريعة منهومة مختطفة اختطافا، لأن كل شيء عند العرب سرعة ونهب واختطاف، عند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافا ركضا على ظهور الجياد، كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماض ولا عمران! دولة أنشأتها الظروف ولم تنشئها الأرض، وحيث لا أرض فلا استقرار، وحيث لا استقرار فلا تأمل، وحيث لا تأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال واسع ولا تفكير عميق ولا إحساس بالبناء، لهذا السبب لم تعرف العرب البناء، سواء في العمارة أو الأدب أو النقد، الأسلوب العربي في العمارة من أوهى أساليب العمارة التي عرفها تاريخ الفن، وإذا عاش لليوم فإنما يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية، إن العمارة العربية ـ إلا في مصر ـ ما هي في رأيي سوى زخرف لا بناء، فلا أعمدة هائلة ولا جبهة عريضة ولا وقفة قوية ولا بساطة عظيمة ولا روعة عميقة، إنما هي وشي كثير وجمال كجمال الحلي المرصع يهز البصر ولا فكر خلفه. أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ. والزخرف عند العرب وليد ذلك الحلم باللذة والترف، كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل، إنما هو وشي مرصع جميل يلذ الحس، فسيفساء اللفظ والمعنى، و(آرابسك) العبارات والجمل. كل مقامة للحريري كأنها باب جامع المؤيد، تقطيع هندسي بديع. وتطعيم بالذهب والفضة لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذا بالبهرج الخلاب، كذلك الغناء العربي (آرابسك) صوتي، فلا مجموعة أصوات متسقة البناء كما في (الديتيرامب) أو (الأوركسترا) الإغريقية أو كما في (الكورس) الجنائزي المصري، ولا حتى مجرد صوت ينطلق حرا بسيطا مستقيما. إنما هو صوت محمل بألوان المحسنات من تعاريج وانحناءات والتواءات وتقاسيم كأنها (ستالاكتيتات) غرناطية، لا يكاد يسمعه (القاضي الفاضل) حتى يستخفه الطرب ويضع نعله فوق رأسه؛ كان هذا في العهد الأول للموسيقى إذ كانت عند جميع الشعوب بسيطة عارية تخرج من القلب تعبيرا عما في القلب، أو رمزا لفكرة من الأفكار. والموسيقى كالعمارة من الفنون الرمزية لا الشكلية، ولكن العرب لا يحبون الرموز، ولا طاقة لهم بالفن الرمزي، ولا يردون إلا التعبير المباشر بغير رموز، وإلا الصلة المباشرة بالحس، فجعلوا من الموسيقى لذة للأذن لا أكثر ولا أقل، ولقد حاول الفارابي فيما أذكر التقريب بين الموسيقى العربية والموسيقى الإغريقية، وكان لا بد له من الإخفاق لأسباب قد أذكرها بعد، كذلك التصوير العربي على جماله ودقته ليس إلا مجرد تزيين وزخرف للكتب والمخطوطات لم يؤد لغير تلك الغاية (المنياتور) الفارسي. قد يكون للدين دخل في تأخر النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين. أن العرب كانوا دائما ضد الدين كلما وقف الدين دون رغبات طبائعهم، لقد حرم الدين الشراب، فأحلوا هم الشراب في قصور الخلفاء، وما وصفت الخمر ولا مجالس الخمر في أدب أمة بأحسن مما وصفت في الأدب العربي، لا شيء في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يحول بينهم وبين اللذة، أما النحت أو التصوير الكبير فليس في طبيعتهم، لأن تلك فنون تتطلب فيمن يزاولها إحساسا عميقا بالتناسق العام مبناه التأمل الطويل والوعي الداخلي للكل في الجزء وللجزء في الكل، وليس هذا عند العرب، فهم لا يرون إلا الجزء المنفصل وهم يستمتعون بكل جزء على انفراد، لا حاجة لهم بالبناء الكامل المتسق في الأدب، لأنهم لا يحتاجون إلا للذة الجزء واللحظة، قليل من الكتب العربية في الأدب تقوم على موضوع واحد متصل، إنما أكثر الكتب كشاكيل في شتى الموضوعات تأخذ من كل شيء بطرف سريع: من حكمة وأخلاق ودين ولهو وشعر ونثر ومأكل ومشرب وفوائد طبية ولذة جسدية، وحتى إذ يترجمون عن غيرهم يسقطون كل أدب قائم على البناء، فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولا تراجيديا واحدة ولا قصة واحدة، العقلية العربية لا تشعر بالوحدة الفنية في العمل الفني الكبير، لأنها تتعجل اللذة، يكفيها بيت شعر واحد أو حكمة واحدة أو نغم واحد أو زخرف واحد لتمتلئ طربا وإعجابا، لهذا كله قصر العرب وظيفة الفن على ما نرى من الترف الدنيوي وإشباع لذات الحس، حتى الحكمة، وشعراء الحكمة كانوا يؤدون عين الوظيفة: إشباع لذة المنطق، والمنطق جمال دنيوي ولا أستغرب غضب نيتشه على إيروبيد لإسرافه في هذا المنطق على حساب الموسيقى، ومن المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشؤون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر. إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتتشبث به تشبث المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها من الحياة وأن تعب من لذتها عبا قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاوة الصحراء، وقد كان. إن موضع الحضارة العربية من (سانفونية) البشر كموضع الـ (سكيرتزو) من سانفونية بيتهوفن: نغم سريع مفرح لذيذ!!
    لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف!
    مقابلة عجيبة: مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصرا الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا التلقيح! إني أؤمن بما أقول يا دكتور. وأتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة، والسكون بالحركة، والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف! تلك ينابيع فكر كامل ومدنية متزنة لم تعرف البشرية لها من نظير، إن أكثر المدنيات تميل إما إلى ناحية الروح وإما إلى ناحية المادة.
    حضارة واحدة قيل أنها استطاعت في وقت ما هذا المزج بين الروح والمادة وهذا الاتزان بين عنصري الوجود، تلك حضارة الإغريق. نعم أعود فأرد إلى أمة الإغريق اعتبارها، وأعترف أني عندما وضعتها في كفة المادة كنت متأثرا بكلام (تين) فضللت السبيل. (تين) عقل خلاب لكنه عقل. والعقل وحده بعيد عن فهم الجانب الروحي للمدنيات. ما هداني إلى الحق إلا القلب. . . ألا طول تأملي في جبهة (البارتينون). من دماغ ذلك الجواد الذي خلقته يد (فيدياس) فوق هذا المعبد خرجت أفكار توحي إلي بأن أولئك القوم كانوا أعمق مما نظن، وكانوا يشعرون بشيء آخر غير مجرد المادة الظاهرة، وما لبثت (ميلبومين) أن جاءتني ببينة أخرى، وتأملت قليلا فرأيت القناع قد كشف. ذكرت أن أصل الإغريق جنسان مختلفان: اليونان القادمون من آسيا المعروفون عند الهنود باسم (اليافاناس) أي عباد (يونا) والدوريون الحربيون البرابرة الهابطون من الشمال، اله اليونانيين: (ديونيزوس) إله الدوريين (أبولون). وهاهنا تفسير الإغريق: في هذا الصراع بين ديونيزوس رمز الروح والقوى الشائعة والنشوة. . . وبين أبولون رمز الفردية والشخصية الفارزة والوعي، الصراع بين الروح والمادة، وبين القلب والعقل، وبين النشوة والوعي، ديونيزوس إله آسيوي فيما يخيل إلي، جلب من الهند بالأمراء. فغدا في اليونان ينبوع الموسيقى، لهذا السبب قدرت إخفاق الفارابي، أن الموسيقى العربية وليدة عقل واع، لأن العرب أمة الفردية والوعي والمنطق العقلي والظاهر المحسوس، إن العرب من عباد أبولون وهم لا يشعرون. إن العرب لا يمكن أن يفهموا ديونيزوس ولا نشوة ديونيزوس. تلك النشوة الدينية الجارفة التي تخرج صاحبها من سيطرة العقل والوعي كي تصله مباشرة بالطبيعة. إن أغاني عباد (باكوس) الحماسية في الغابات ومزامير الـ (ساتير) لشيء بعيد إدراكه على العقلية الفردية، شعور الإنسان في لحظة أنه انقلب مخلوقا له جسم جواد ورأس رجل أو أرجل ماعز. هذا الاتحاد بين الحيوان والإنسان إحساس ليس له مثيل إلا عند المصريين القدماء، وهذا التلاقي بين الأنواع وبين القوى في مخلوق واحد لهو عند الأولين بقية ذكرى تلك المخلوقات الإلهية البائدة التي كانت تحكم الأرض قبل ظهور الإنسان. . . مخلوقات لا هي من الإناث ولا هي من الذكور، ولا هي من الحيوان، ولا هي من الإنسان، لأن الأجناس والفصائل لم تكن قد فرزت. كذلك (الساتير) في الميثولوجيا الإغريقية رمز الإنسان الأول، ذلك الإنسان الداني من الحيوان القريب من الآلهة، يدنو من الحيوان بغريزته الجنسية المتيقظة ينبوع القوة الخالقة عند الإغريق كما هي عند المصريين، ويقرب من الآلهة بغريزته الروحية المتصلة بقوى الطبيعة الإلهية، فهو ما زال يحتفظ بقبس من الحكمة العليا بدون أن يشعر، وببريق من ذلك النور الروحي والإلهام الذاتي يرى به كتلة الزمن من ماض وحاضر ومستقبل في شبه لمحة واحدة.
    تلك القدرة الخفية هي حاسة بائدة كانت للإنسان الأول، وفقدناها اليوم، نعم فقدنا كل القوى الروحية التي منحتنا إياها الطبيعة يوم كنا نحبها ونتصل بها، ولم يبقى لنا اليوم إلا العقل المحدود والمنطق القاصر. وها نحن اليوم في هذا الكون الهائل مخلوقات منفردة منبوذة! أين ذهب ديونيزوس؟ وهل يبعث من جديد؟ وإذا بعث فهل يجد من يعرفه في هذا العصر ذي الحضارة المادية الفردية؟!
    رجل واحد ما زال يذكر هذا الإله ويستطيع أن يعرفه إذا ظهر كما عرف غالياس أصحاب الكهف!! وهو وحده كذلك الذي يستطيع أن يستقبله باسم هذا العصر، هذا الغالياس العصري هو: (تاجور) انه يتكلم كثيرا عن ذلك الاتحاد بين الإنسان والطبيعة. وعن ذلك الفاصل المرفوع بين الحياة الخاصة والحياة العظمى التي تخترق الكون. وعن ذلك الحب بين الإنسان والجماد. هذا كلام جميل. لكن هل تراه يشعر بحقيقته؟ يخيل إلي أن تلك الحقائق قد انطوت بانقضاء دولة الإغريق. بل لقد انقضت قبل أن تنقضي دولة الإغريق. انقضت بطغيان منطق سقراط على روح هوميروس. انقضت بطرد ديونيزوس من تراجيديات ايروبيد (غضبة نيتشه المعروفة) انقضت بظهور براكسيتيل على فيدياس، انقضت بغلبة الإحساس العقلي على الإحساس الروحي، انقضت بانتصار (أبولون) في النهاية على (ديونيزوس). وهكذا اختل التوازن، ورجحت كفة المادة، وانطفأت الحضارة الإغريقية إلى الأبد. ولم ترث أوربا منها غير كنوز العقل والمنطق، وبقيت في الظلام كنوز ديونيزوس الخفية.
    لم تنجح اليونان إذن النجاح المطلوب في تطعيم الروح بالمادة، فهل تأمل مصر بلوغ هذه الغاية يوما؟ أرجو من الدكتور أن يجيب، أنت وأصحابك ومدرستك قد فرغتم من تصوير وجه الأدب المصري، ولم يبقى إلا صبغه باللون الخاص، وطبعه بالروح الخاصة، فما هو هذا اللون؟ وما هي هذه الروح؟ إن ردك على هذا السؤال نور يلقي على طريق الجيل الجديد.
    الرسالة، ١ سبتمبر ١٩٣٣

    إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
    سيدي الأستاذ
    لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
    لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
    وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
    قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
    كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
    نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
    لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
    وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
    وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
    أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
    هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
    أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
    الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣

    الرسالة الثانية:
    من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين

    عزيزي الدكتور،
    قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
    نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
    إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
    اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
    النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
    أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
    الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
    ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
    إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
    إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
    خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
    الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
    فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
    ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
    هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
    وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
    أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
    التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
    إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
    لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
    بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
    ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
    إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
    لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
    جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
    القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
    بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
    وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
    لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
    لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
    إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
    ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
    إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
    إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
    ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
    أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
    أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
    فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
    أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
    ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
    هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
    ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
    إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
    وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
    كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.

    توفيق الحكيم

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    “قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…”.
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    “أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين”.
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: “ظهر كاتب روسيا الأعظم!”؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: “هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!”؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: “أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد”، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

    فارق الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر
    توفيق الحكيم

    فجيعة كبيرة….
    فجيعة الأدب العربي في عميده العظيم، وفجيعتي أكبر في أخ قديم كريم، وإذا كان اللسان العربي منذ نطق أدبا سوف ينطق إلى آخر الدهر باسم طه حسين وفضله على لغة العرب فإن لسان القلب لن يكف عن ترديد ذكراه ما بقيت على قيد الحياة.
    فقد جمعتنا أجمل أيام العمر كما جمعنا الفكر على صفحات كتاب … إنك أيها الصديق العزيز إذ تعبر اليوم الدار الفانية إلى الدار الباقية إنما تعبرها بنفس مطمئنة راضية بعد أن عبرت بلادك الهزيمة. أن روحك العظيمة لم تشأ أن تفارق جسدك إلا بعد أن فارق اليأس روح مصر …
    اللهم اغمر برحمتك الواسعة ابنا لمصر من أعظم أبنائها الذين أدوا لها من الخدمات ما سيبقى منقوشا في سجل الخلود…
    الأهرام ٢٩ – ١٠ – ١٩٧٣

  • التعليم الأولي ومعلمو مصر | Primary Education and Egypt’s Teachers

    مسألة التعليم
    ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين. وإنما المسألة هي أن نعلم لِمَ ندرس العلم؟ ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه. على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى إليه هذه المسألة. فلو أنك سألت وزارة المعارف لِمَ تدرس العلم في مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين. أحدهما يصدر عن الإنجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة. أما الإنجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه. تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون: وهو أننا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالًا صغارًا يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الإنجليز. وإذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة. القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلًا وقليلًا جدًّا من القلة بحيث لا يسمح لنا أن نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين.
    القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردي أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار.
    هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى إليها الإنجليز في وزارة المعارف: يجب أن نعلم قليلًا وأن نُسئ علم هذا القليل. يجب ألا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئًا على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية. بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف في الحياة. فإذا عني بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الإنجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل. هذا جواب الإنجليز. وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغي أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قويٍّ خليق بالاستقلال قادر عليه.
    أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الأحيان غير موجود. فكثير جدًّا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى أنفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضًا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات. يعملون ليتقاضوا أجورهم. يعملون ليعيشوا. وهم معذورون فقد كان سلطان الإنجليز قويًّا شديدَ الأثر في نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا. خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلي طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الأصول التي ينبغي أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية. وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم وأغراضه ولكن هناك شيئًا لا أدري ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بيّنة لهذا التفكير. ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين إنجليزي مستعمر ومصري خاضع أو متهالك على الخضوع. ثقيل جدًّا هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح. فهو مضطرب حائر ليس له رأي أو له رأي لا يكاد يتبينه. وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون في الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الإنجليز والاستئثار بمناصبهم. ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الإنجليز. ذلك أن الإنجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد آن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فإذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون في إصلاح التعليم.
    هذه فيما أعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف، في إصلاح التعليم وهي أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قومًا آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها. قد تسأل عن غاية التعليم قومًا هم المعلمون. وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال. ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقسامًا كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون أقسامًا مختلفة. فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم في أمته. فيفكر ويقرأ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيًا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه. ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان. يريد أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش. ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة. ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه في الديوان. يستعمر أكثر مما يعلم. والأمر غير واقف عند هذا الحد. فإن هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الإنجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون. هم خاضعون لهذه النظم والقوانين. فهم أقل الناس حظًّا من حرية الرأي. يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا. يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم إن أعلنوا آراءهم أو نشروا شيئًا من أفكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون. وإذن فاليأس أسرع إليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى أن يعملوا في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون. هم خاضعون لهذه النظم. وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويرًا رديئًا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون إليها حق السعي ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين. فإذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعًا حينًا وساخرًا حينًا آخر: غاية التعليم هي شيء شاق. شاق جدًّا. هي أن ينجح الطلبة في الامتحان. فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه. هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر. نستغفر الله! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم. ولكنك قد تلقي نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين. بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابًا واحدًا: غاية التعليم هي أن أنجح في الامتحان. هي أن أحصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانًا من دواوين الحكومة والتي تكفل لي التفوق على غير المتعلمين.
    كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف. وكذلك يجيبك المعلمون. وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة. وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة. وكل هذه الأجوبة على اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين: أحدهما أن الذين يُعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم.
    والثاني أن الإنجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم في أنفسنا صورة ما. ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرًا وجوًّا، أن يُحبَّ – كما يقول الفرنسيون – وإنما هو إن لم يكن يسيرًا كل اليسر، فليس عسيرًا كل العسر.) لِمَ نتعلم؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها. فهناك التعليم الأولى. وهناك التعليم الثانوي. وهناك التعليم العالي. وهناك التعليم الفني. وقد تشترك كل هذه الأنواع في أنها نافعة مكونة للعقل الإنساني. منمية للملكات الإنسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية. قد تشترك كل هذه الأنواع في هذه الأغراض وما يشبهها. ولكن يُخَيَّل البيان أن لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضًا يجتهد في الوصول إليه.
    ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمي ملكاته المختلفة. ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء. بل إن هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير في شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه. الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الأخلاق وهذه الملكات. وهذه الصورة نفسها يجب أن يُنظر إليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص: أحدهما أنك تريد أن تكون رجلًا وأن تمنحه من التعليم سلاحًا يمكنه من النضال في الحياة. الثانية أنك تريد أن تكون فردًا من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائمًا لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو إليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع. أنت إذن في المدرسة الأولية مكلف أن تنظر إلى هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالًا شديدًا. فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد. وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية. وإذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفرادًا قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة.
    ولقد نعلم أن هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل. ولقد نعلم أن هذا كله غامض يحتاج إلى التوضيح. وليس التفصيل علينا عسيرًا. وليس التوضيح علينا شاقًا. ولكننا نريد أن نجتنب الإطالة. فنكتفي بمثل واحد نعتقد أنه يفصل هذا الرأي ويوضحه.
    علامَ تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على أننا أمة قد سُلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود. فإذا استردت هذه الحقوق وأثبتت هذا الوجود السياسي فهي تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا الوجود وسيلة إلى الرقي السياسي وغير السياسي. وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو أن تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصًا على استرداد هذه وإثبات هذا. فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصري يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصري بأن له وطنًا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقًا سياسية أو وجودًا سياسيًّا. ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد. فإن لنا في الحياة آمالًا ولنا في الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال. فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه الآمال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ في هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب. نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيًّا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية. نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال. نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بيّنة قوية. فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة. نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبًا تُصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون. ومن هنا لا نجد سبيلًا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه. ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يُصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية.
    هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه. فإذا تعقّد هذا الغرض وتنوّع. ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال.
    طه حسين
    السياسة، ٢٢ يونية ١٩٢٣.

    العبث بالعلم والتعليم والمعلمين
    نكتب في إصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف لأننا ننتظر الخير العاجل مما نكتب، فنحن يائسون من هذا الخير العاجل، مقتنعون بأن الأمور كلها قد تتغير وتتبدل وبأن الأرض قد تندك من حول وزارة المعارف دون أن تشعر وزارة المعارف بشيء أو تحفل بشيء في هذه الأيام. ذلك لأن وزير المعارف في شغل عن وزارة المعارف بهذه الحوادث الجسام والنكبات المختلفة التي تنال مصر من يوم إلى يوم، هو عن وزارة المعارف في شغل بما يدبر في مجلس الوزراء من تأمينات وتعويضات واجتماعات إلى آخر هذه القوانين المختلفة، هو في شغل بالسياسة عن التعليم. ولست أقول هذا منتحلاً له أو متكلفًا إياه، ولكني أذكر أني تحدثت إلى وزير المعارف في يوم من الأيام فلما ألححت عليه في مراقبة المدارس الحرة أجابني بأن هذا خير وبأنه معني به ولكن الوزارة الآن في شغل عن هذا كله… وأذكر أني لم أكن في ذلك الوقت فطناً ولا حسن الرعاية لمقتضى الحال… فسألت وزير المعارف: وما شأن وزارة المعارف فيما يقع في مصر مما لا يمس التعليم؟ أجابني الوزير في لطف وسخرية وشيء من الغضب قليل: أظن أن لوزير المعارف صلة بمجلس الوزراء!
    نعم. كان وزير المعارف محقاً في هذا الجواب. فله صلة بمجلس الوزراء لأنه عضو من أعضائه، ومجلس الوزراء في شغل عن التعليم وما يشبه التعليم بأشياء أخرى ليس من شأنها أن تعين على إصلاح التعليم لأنها توجه أموال الدولة إلى حيث لا يستطيع أن يستفيد بها التعليم. كان وزير المعارف محقاً ولكنه كان مخطئاً أيضاً. فليست وزارة المعارف محصورة في شخص الوزير، وإنما فيها الفنيون والمشيرون والمديرون لأمور التعليم. وهؤلاء مقصورة جهودهم على التعليم، ليس لهم أن يتجاوزوه إلى غيره ولا أن يشتغلوا عنه بالسياسة العامة وأخطارها. فإذا شغل وزير المعارف عن التعليم فليس لرجال المعارف أن يشغلوا عن التعليم. وفي الحق أن رجال المعارف ليسوا مشغولين عن التعليم وإنما يعنون به ويفكرون فيه ويعملون له، ولكن الرحى في وزارة المعارف تدور إلى الشمال لا إلى اليمين فتسمع لها جعجعة ولا ترى لها طحناً. نعم. رجال المعارف يشتغلون بالتعليم ولكن على غير وجهه؛ لأن رجال المعارف قد أخذوا بنوع من أنواع العمل والتفكير، هم عاجزون عن أن يتجاوزوه إلى غيره، قد ألفوا سياسة تعليمية خاصة وضعها دنلوب فليس من اليسير عليهم بل ليس من المتاح لهم أن يتبدلوا من هذه السياسة سياسة أخرى مهما تتبدل الظروف وتتغير الأحوال، ومهما يقتضي استقلال مصر ودستور مصر أن يقوم التعليم على أساس الاستقلال والديمقراطية لا على أساس الاستعمار والاستبداد. وزير المعارف مشغول عن التعليم ورجال المعارف قاصرون عن أن يفهموا التعليم كما ينبغي أن يُفهم الآن. وإذن فنحن يائسون من الخير العاجل حين نطالب بإصلاح التعليم وتنظيم وزارة المعارف. نحن يائسون من هذا الخير ولكننا نرجو خيراً كثيراً من البرلمان. فستعرض على البرلمان أمور وزارة المعارف جليلها ودقيقها وسيشعر البرلمان بما بين هذه الوزارة وبين آمال الأمة ومستقبلها من البون الشاسع والبعد العظيم فيفكر في إصلاح هذه الوزارة ويعمل ليلائم بينها وبين حياة أمة مستقلة ديمقراطية وأملنا في البرلمان هو الذي يحملنا على أن نكتب وعلى أن نلح في الكتابة؛ فإن الواجب الوطني يقضي على كل مصري بأن يظهر ما يشعر به من عيوب التعليم والنظام في هذه الوزارة ليعد الرأي العام إلى ما ليس منه بد قريباً أو بعيداً من إصلاح هذه الوزارة. وقد رأينا في مقال سابق أن نظرية المركزية في وزارة المعارف قد أفسدت فيها شيئاً كثيراً وأضاعت فيها كفايات مختلفة كان من الحق والمنفعة ألا تضيع. فكلفت رجال التعليم الثانوي العناية بالتعليم الأولي وأهملت رجال التعليم الأولي الإهمال كله. بل كلفت أمر التعليم من ليس لهم صلة بالتعليم ووكلت نظار المدارس الثانوية إلى من لم يعرفوا المدارس الثانوية، وخالفت في هذا كله مصلحة الأفراد ومصلحة الأمة ومصلحة العلم نفسه. فرغنا من هذا في مقال مضى، ويظهر أن رجال التعليم الذين ليس لهم في الوزارة حول ولا طول يشعرون بنفس ما نشعر به ويشكون من نفس ما نشكو منه. ولكن الرقابة عليهم شديدة. فهم لا يستطيعون أن يجهروا بما يشعرون؛ لأن السلطة المركزية لهم بالمرصاد، وهي تبث عليهم الجواسيس، وتأخذ عليهم الطرق حتى إن أحد أصدقائي من المعلمين طلب إلي ذات يوم أن أكف عن نقد وزارة المعارف إذا كنت أريد حقاً أن تظل الصلة بينه وبيني قائمة متينة؛ لأنه يخشى عواقب هذه الصلة إن مضيت أنا في هذا النقد. وربما كان ميلي إلى هذا الصديق شديداً وحرصي على منفعته عظيماً. ولكني أشد ميلاً إلى التعليم وحرصاً على منفعة التعليم مني إلى هذا الصديق ومنفعة هذا الصديق. فسأمضي في هذا النقد والله يتولى أصدقائي المعلمين بشيء من الحياطة والرعاية.
    هذه المركزية التي بينت آثارها في مقال مضى قد أنتجت آثاراً أخرى شديدة الشر على التعليم لم أتمكن من الإشارة إليها. وأريد اليوم أن أذكرها في أسطر قليلة لأنها لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفصيل ولأنها تنطق بأنها شر ليس فوقه شر. فكرت وزارة المعارف – فيما يظهر – في إصلاح التعليم على اختلاف درجاته ومنازله، وليس في هذا التفكير إلا الخير. فالتعليم في حاجة إلى الإصلاح ووزارة المعارف أحق الوزارات بالإعداد لهذا الإصلاح، ولكنها سلكت إلى هذا الإصلاح غير سبيله، فأنت لا تطلب إلى الحداد القيام بصناعة الخباز ولا إلى الخباز القيام بصناعة الحداد، ولكن لكل صانع صناعته ولكل اختصاصي فنه واختصاصه. ذلك شيء لا معنى للإطالة فيه، ولكنه غير مفهوم في وزارة المعارف، أو هو مفهوم ولكن أحداً لا يحفل به لأنه يناقض المركزية التي هي أساس كل شيء في هذه الوزارة. إذا أردت أن تصلح التعليم وجب عليك أن تؤلف لإصلاح التعليم لجاناً من الأخصائيين. أول هؤلاء الأخصائيين هم المعلمون الذين مارسوا التعليم فبلوا حلوه ومره وعرفوا خيره وشره – وقد ألفت وزارة المعارف لجاناً لإصلاح التعليم، ولكن ما رأيك في أن هذه اللجان تخلو خلواً تاماً أو تكاد تخلو خلواً تاماً من المعلمين. هي مقصورة على المفتشين ورجال المعارف الذين لم يمارس أكثرهم التعليم إلا قليلاً. ولعل منهم من لم يمارسه قط.
    ما رأيك في هذه اللجان التي ستصلح التعليم وهي لا تعرف التعليم إلا معرفة نظرية تؤخذ من الكتب والأسفار والتقارير لا من معالجة الطلاب والتلاميذ والوقوف على نفسيتهم وملكاتهم وما ينبغي أن يسلك معهم من المناهج المختلفة المتباينة. أتظن أن هذه اللجان تستطيع أن تصلح التعليم حقاً؟ كلا. فإن إصلاح التعليم موقوف على فهم التعليم وعلى فهمه فهماً عملياً، فإنما على التجربة وطول المراس. ولكن وزارة المعارف لا تستطيع أن تستشير المعلمين في إصلاح التعليم، فإن استشارتها للمعلمين رفع لأقدارهم واعتراف بمكانتهم وهي لا ترفع للمعلمين قدراً ولا تعترف لهم بمكانة وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى قوم يعملون؛ لأن من الحق عليهم أن يعملوا فليس لهم أن يفكروا ولا أن يبتكروا ولا أن يشيروا. وهم إن فكروا أو ابتكروا أو أشاروا فقد تجاوزوا الحدود، وأي تجاوز للحدود شيء من التطاول على السلطة المركزية التي لا ينبغي أن يعرض لها إنسان إلا بالحمد والثناء وضروب الإعجاب والتمليق؟
    في وزارة المعارف مضحكات كثيرة. منها أنها خالفت هذه القاعدة التي ذكرتها لك فأدخلت بعض المعلمين في لجنة من لجان إصلاح التعليم، ولكن انظر على أي وجه. ألفت لجنة لوضع مناهج التعليم لمدرسة دار العلوم وأدخلت فيها معلماً. فهل تظن أنها اختارت هذا المعلم من دار العلوم؟ من الذين بلوا تلاميذ دار العلوم وعرفوا قوتهم ونفسيتهم وملكاتهم وميولهم؟ كلا، اختارت معلمها من مدرسة المعلمين العليا! من الأساتذة الذين قد يسألون عن حملة الشهادة الثانوية فيحسنون الجواب؛ لأنهم عاشروهم ودرسوا لهم، ولكنهم إذا سئلوا عن الشيوخ من طلاب الأزهر لم يحيروا جواباً؛ لأنهم لا يعرفون من أمر هؤلاء الشيوخ أمراً. أتستطيع أن تفسر هذا العمل الغريب؟ أما أنا فأفسره بإحدى اثنتين: الأولى وهي التي أرجحها لأني حسن الظن بوزارة المعارف أنها تعمل دون تفكير ولا نظام وإنما تترك الأمر للمصادفة وحدها. الثانية الأغراض والأهواء والميل إلى التفريق بين المعلمين وتأليب بعضهم على بعض. وقد تكون هذه الثانية شيئاً لم تقصد إليه وزارة المعارف، ولكنها من غير شك شيء تورطت فيه وزارة المعارف، فلماذا يسكت أساتذة دار العلوم وغيرهم ويُقضى في أمورهم ويستشار في مدرستهم وفيهم الكفء وفيهم الخبير بأمر هذه المدرسة وفيهم القادر على أن يشير في أمرها بالخير.
    تحدثت منذ حين إلى وزير المعارف فأنبأني بأنه حريص كل الحرص على أن يشترك في إصلاح التعليم رجال من الأخصائيين وبالغ في ذلك حتى طلب إلي أن أسمي له ناساً يقدرون على الخير في هذا وإن لم يكونوا من وزارة المعارف وبالغ في هذا فأعلن إلي أنه يتمنى أن يستعين بالأخصائيين من أهلها على إصلاح التعليم يندبهم لذلك خاصة. فحمدت للوزير هذا القول الحسن الذي يدل على فطنته وذكائه وحسن رأي في التعليم. ولكنني بحثت عن الأخصائيين في رجال الإصلاح فرأيت أن الأجانب لم يُدعوا، وأن المصريين الخارجين عن وزارة المعارف لم يُدعوا، وأن المعلمين أنفسهم لم يهتموا، بل رأيت شراً من هذا. رأيت أن لجنة قد ألفت لوضع مناهج التعليم في دار العلوم وجمعت بين رجال المعارف ومعلمي المدرسة وآخرين ليسوا من المعارف ولا من المدرسة. فعدل عن هذه اللجنة لأنها كانت سيئة التأليف إلى لجنة أخرى حسنة التأليف ليس فيها أجنبي عن الوزارة؛ لأن ثياب الوزير يجب أن تغسل في الوزارة، وليس فيها معلم من المدرسة؛ لأن أساتذة المدرسة يجب أن يشعروا بأنهم جنود في هذه المدرسة يؤمرون فيأمرون دون أن يستشاروا أو يشيروا أو يحفل لهم برأي.
    اقرأ هذا وفكر فيه وحدثني عما يمكن أن ينتج من خير، وحدثني عن الوزارة التي تسلك هذا السبيل ملحة في سلوكها مهما يشير عليها المشيرون وينصح لها الناصحون. أتستطيع أن تنتهي بالتعليم إلى الخير؟ ثم حدثني ألست محقاً حين أنبئك في أول هذا المقال بأني يائس من الخير العاجل حين أكتب في نقد هذه الوزارة، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى ما هو شر منه. فقد أحدثك بقيمة المعلم في وزارة المعارف ولكن في غير هذا المقال.
    طه حسين
    السياسة، ٣١ يولية ١٩٢٣.

    التعليم الأولي
    يجب أن نحمد الله. فقد أصبحت وزارة المعارف تشعر بأن من الحق عليها أن تحفل ولو قليلاً بنقد الناقدين، وتؤبه ولو قليلاً لنصح الناصحين. فلعلك تذكر إنا كتبنا منذ أيام ننقد الطريقة التي اتخذتها الوزارة في تأليف اللجان التي أُلّفتها لإصلاح التعليم، وقد نقدنا هذه الطريقة من وجوه مختلفة، نقدنا خلوها من المعلمين الذين هم أقدر الناس على فهم التعليم ثم على صلاحه، ونقدنا احتكار هذه اللجان للموظفين في وزارة المعارف حين تقتضي المنفعة أن يشترك في هذه اللجان الأكفاء من وزارة المعارف وغيرها من وزارات الحكومة بل من موظفي الحكومة وغيرهم من الذين يُعْنَوْنَ بالتعليم من المصريين بل من أكفاء المصريين والأجانب بنوع عام.
    نقدنا هذه الطريقة من هذين الوجهين ومن غيرهما، ويسرنا الآن أن وزارة المعارف قد نشرت أو وعدت بأن تنشر على الناس قراراً فيه تأليف لجنة للنظر في تعميم التعليم الأولي أو للنظر في المشروع الذي كان قد وُضع لهذا التعميم. وقد قرأنا أسماء الأعضاء الذين تتألف منهم هذه اللجنة. فيجب أن نلاحظ مسرورين أن هذه اللجنة ليست محتكرة للموظفين في وزارة المعارف، بل هي شائعة بين الموظفين في هذه الوزارة وبين الموظفين في غيرها من الوزارات، بل فيها شخصان ليسوا موظفين في الحكومة أحدهما أستاذ في الجامعة والآخر من رجال المحاماة. هذه خطوة قصيرة ولكنها خطوة إلى العدول عن الاحتكار، وقد يحسن أن نلاحظ أن هذه الخطوة القصيرة ليست جديدة فإن اللجنة التي أُلّفت لدرس تعميم التعليم الأولي ووضع مشروعه في سنة ١٩١٧ لم تكن مقصورة على رجال المعارف وإنما كانت تتعداهم إلى غيرهم فكان فيهم المديرون وكان فيهم قوم آخر من يعملون في غير وزارة المعارف. الخطوة إذن قصيرة وهي غير جديدة ولكن ذلك لا يمنع أن نقدرها ونعترف بأن فيها شيئاً من الخير. فيها شيءٌ من الخير. وليس فيها الخير كله، لأن هذه اللجنة التي تتألف من قوم أكثرهم كفء شديد الذكاء قادر كل القدرة على فهم التعليم والتصرف فيه تنقصها مع ذلك أمور كثيرة ويتعرض تأليفها للنقد من وجوه عدة.

    فهي قبل كل شيء تخلو من المعلمين. تخلو منهم خلوّاً تاماً. فليس فيها إلا أستاذ واحد هو الأستاذ الدكتور علي العنان الأستاذ بالجامعة المصرية، وهو على كفايته وحسن اختيار الوزارة له يمثل التعليم العالي من جهة والتعليم الحر من جهة أخرى، هو أستاذ في الجامعة لا في مدرسة من مدارس المعلمين الأولين ولا في مدرسة أولية، وهو أستاذ في معهد حر فأساتذة وزارة المعارف جميعها سواء منهم أساتذة التعليم الأولي على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي قد عُدِلَ عنهم عندما أُلّفت هذه اللجنة كأنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى الخير أو أن ينفعوا في وضع نظام لتعميم التعليم الأولي على طريقة نافعة منتجة في أقرب وقت عُدِلَ عن هؤلاء المعلمين واستغنى عنهم بطائفة من الموظفين في وزارة المعارف لا نشك في كفاية أكثرهم وأظننا لا نشك في أن المعلمين الذين يباشرون التعليم بالفعل ويبلون حلوه ومره ويعرفون بواسطة الحياة نعمه ما فيه من وجوه النقص وما يحتاج إليه من ضروب الإصلاح هم أقدر على العمل النافع في هذه اللجنة من غيرهم، فلم يكن بُدّ من اشتراكهم في هذا العمل الجليل.

    عُدِلَ إذن عن المعلمين وليس يعنينا أن نبحث عن الأسباب المعقولة أو غير المعقولة التي اضطرت وزارة المعارف إلى أن تعدل عن المعلمين، ولكن لنا أن نقول أن تأليف هذه اللجنة ليس أمراً مقضياً وأن من الممكن بل من الواجب أن تعيد وزارة المعارف النظر في هذا التأليف وأن تضم إلى هذه اللجنة نفراً من المعلمين. ففي هذا الخير للمشروع في نفسه، في هذا رد الحق إلى أهله وإنصاف معنوي للمعلمين إذا لم يكن إلى إنصافهم المادي من سبيل، بل هناك شيء آخر، هناك كفايات في وزارة المعارف عُنيت بالتعليم الأولي عناية عملية منتجة وأظهرت في هذه العناية مقدرة وحسن بلاء، ولسنا نريد أن نسمي هذه الكفايات فوزارة المعارف تعرفها حق المعرفة، وهي تعلم أن العدول عنها لا يلائم منفعة التعليم الأولي. فمن الواجب على وزارة المعارف ألا تهمل هذه الكفايات وأن تضمها إلى الجماعة التي تتألف منها اللجنة.

    ثم هناك شيء آخر وهو أن وزارة المعارف أرادت أن تشترك في هذه اللجنة قوماً ليسوا من رجال المعارف فأحسنت الاختيار حيناً وساءته حيناً آخر وضمت إلى هذه اللجنة من لا يعرف من أين يؤكل التعليم أو من أين يشرب ومن لا ينبغي أن يلجأ إليه في مثل هذه المسائل ذات الخطر الفني الخاص.

    أذكرتنا بذلك شيئاً وقع في الأزهر الشريف عند أول عهده بالإصلاح الجديد بعد أن تركه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فقد وُكِلَ نظام الإصلاح الجديد في يوم من الأيام درس الإملاء إلى أستاذ من أساتذة الأزهر مكفوف لم يكتب قط ولم يقرأ قط. كذلك فعلت وزارة المعارف فضمت إلى لجنة فنية لإصلاح التعليم من ليست له بالتعليم صلة إلا أنه متعلم يقرأ ويكتب، وهذا شيءٌ وإصلاح التعليم شيءٌ آخر.

    ثم هناك أمور أخرى يجب أن نلفت الوزارة إليها، منها أن الاستقلال لا يستلزم الاحتكار، وإنما يستلزم العمل في سبيل الخير والمنفعة بعزيمة وحسن بصر في الأمور. وليس من شك في أن الأجانب أكفاء قادرون على فهم التعليم وعلى المشورة النافعة في إصلاح التعليم، ولم تلجأ وزارة المعارف إلى الأجانب في تأليف لجنتها هذه، وإنما ضمت إليها المستر روب وهو من موظفي المعارف وضمت إليها إنجليزياً مفتشاً في مصلحة من مصالح المباني. وكنا نحب أن تستعين وزارة المعارف برجال التعليم الحر من الأجانب المقيمين في مصر. فللفرنسيين بعثات دينية ومدنية تشتغل بالتعليم على اختلاف منازله، وللإيطاليين كذلك بعثات تشتغل بالتعليم، وقل مثل ذلك في الإنجليز وقل مثل ذلك في الأمريكيين. وليس من جدال في أن المشرفين على هذه البعثات الأجنبية المختلفة أكفاء إن لم تنفع آراؤهم فلن تضر. ويقيننا أنها ستنفع كثيراً. فهم بهذا التعليم في بلادهم وفي بلادنا خبرة قد نأسف بأنها لا تتاح لرجال التعليم المصريين. وإذن فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تضم نفراً من هؤلاء العلماء الأخصائيين لجنتها؟

    وجملة ما نقول إنا نقترح على وزارة المعارف أن تعيد النظر في تأليف هذه اللجنة فتضم إليها نفراً من المعلمين أولاً، وتضم إليها هذه الكفايات التي أُهملت في وزارة المعارف ثانياً، وتحسن اختيار من تضمهم إلى اللجنة من غير رجال التعليم ثالثاً، ثم تضم إلى اللجنة نفراً من الأجانب المشتغلين بالتعليم في مصر رابعاً. فهي إن تفعل ذلك تَدْنُ من الخير والمنفعة. وسواء أسمعت لنا وزارة المعارف أم لم تسمع فنحن مغتبطون بتأليف هذه اللجنة. وسندرس مشروع التعليم الأولي الذي كلفت اللجنة درسه وننشر آراءنا في هذا المشروع. ويقيننا أن هذه اللجنة ستقدر نقد الناقدين خيراً مما تقدره وزارة المعارف.
    طه حسين
    السياسة، ٥ أغسطس ١٩٢٣.


    طغيان . . .

    إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم .
    والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه .
    أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى .
    ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها .
    وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم .
    نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص .
    ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان
    نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين .
    أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه .
    فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه .
    فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة .
    ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون .
    يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول .
    طه حسين
    جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ .

    إنصاف
    لسادة اليوم وأعوانهم عناية بالألفاظ أشد جدا من عنايتهم بالمعاني، وتهالك على الظواهر أشد من السعي إلى الحقائق، ورغبة في الإعلان ونشر الدعوة أشد جدا من أن يكون هذا الإعلان أو هذه الدعوة ملائمين لواقع الأمر وحقائق الأشياء.
    وهذا الاستعداد الغريب يدعوهم إلى أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس أيضا عما يحيط بهم وبنا من الظروف، وعما يتعرضون له ويعرضون بلادهم له من أخطار قد تكون أبعد مدى وأقبح أثرا مما يظنون أو يقدرون. ولعل أوضح دليل على هذه الظاهرة في نفوس سادة اليوم وأعوانهم قصة التعليم الإلزامي هذه التي يبتهج بها فريق فيسرف في الابتهاج، ويشفق منها فريق فيشتد في الإشفاق. ولا يقدر أحد أنها أجل خطرا، وأبعد في حياتنا أثرا من أن ينظر إليها هذا النظر السريع، ومن أن تتخذ وسيلة من وسائل الدعاية السياسية للوزارة أو لغير الوزارة.
    ففرض التعليم الإلزامي في مصر أمنية قومية، لا يتردد فيها مصري، ولا يستطيع مصري أن يقصر في تحقيقها دون أن يخالف إرادة الشعب، ودون أن يسيء إلى البلاد، ودون أن يظهر بمظهر الذين يحرصون على أن لا تسرع مصر نحو الرقي، وتخلص مصر من وصمة الجهل التي تعاب بها الأمم الحية، والتي تحول بينها وبين حقها الطبيعي في الرقي الصحيح. ولكن فرض التعليم الإلزامي ليس من المسائل اليسيرة الهينة التي يُقضَى فيها الوزير أو البرلمان بعد دراسة مهما تطل فهي قصيرة، ومهما يشتد فيها التحقيق والتدقيق فهي سطحية قليلة الحظ من التثبت والإتقان.
    ويكفي أن نلاحظ أن مجلس النواب لم ينفق في درس هذه المسألة أسبوعا. وأين يقع الأسبوع من دراسة مسألة كهذه ستغير حياة مصر تغييرا لا حد له، وستعرض حياة مصر لأخطار شديدة جدا إذا لم نحطها من ضروب العناية والتثبت وتقدير الظروف والعواقب بما ينبغي.
    وأريد الآن أن أقف عند وجه واحد من وجوه الخطر في هذه المسألة، وهو وجه الصلة بين رجال التعليم الإلزامي وبين حياتنا العامة، لا من الوجهة السياسية وحدها، بل من الوجهة الاجتماعية أيضا. فقد كان النواب الذين عرضوا لرجال التعليم الإلزامي خفافا حقا حين عرضوا لهم وتحدثوا عنهم، وقدروا مكانهم من الحياة المصرية. ظنوا أنهم جماعة من الموظفين، ومن صغار الموظفين، ومن أصغر الموظفين فأرسلوا القول فيهم إرسالا، وأسرفوا في هذا القول، ولم يحاسبوا أنفسهم على صحة ما قالوا. ظنوا أن الكلام في التعليم الأولى كالكلام في انخفاض أثمان البصل أو أثمان القطن أو في أي مظهر من مظاهر الأزمات المؤقتة التي لا بد من علاجها. ظنوا أن الكلام في رجال التعليم الأولى كالكلام في غيرهم من الموظفين الذين يراد أحيانا أن تنقص مرتباتهم، ويراد أحيانا أن تزاد مرتباتهم، وتضطرب الدولة في أمورهم بالزيادة والنقص حتى تعجز عن أن تضع لهم سياسة واضحة مضبوطة، فتضطر إلى التشديد، ثم إلى التخفيف، ثم إلى التشديد مرة أخرى ثم إلى الاستثناء، ثم إلى التوسع في هذا الاستثناء. وينشأ عن اضطراب الدولة في سياستها مع الموظفين أنفسهم، فإذا هم يشكون ويتنافسون، ويمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض، ونشكو نحن من فساد الحال بين الدولة والموظفين أنفسهم، ونشفق من تأثير هذا الفساد في مرافقنا العامة، ولكن أمر رجال التعليم الأولى أعظم خطرا من أمر الموظفين عامة، لأن أمر هؤلاء الموظفين لا يعدو أن يكون موقوتا، ولا يعدو أن يكون محدودا في المصالح والوزارات التي يشتد فيها الاضطراب ويكون فيها للاستثناء.
    أما رجال التعليم الإلزامي فأمرهم لا يكاد يحد في الزمان ولا في المكان. هم منتشرون في أقطار مصر كلها وسيزداد عددهم ازديادا مطردا. وأثرهم في حياتنا لا حد له. وهو شديد الاتصال بما يملأ نفوسهم من سخط أو رضا، وما يملأ قلوبهم من اطمئنان أو اضطراب. فالمعلم الذي يلقى درسه وهو راض أو ساخط يترك في نفس تلميذه الصبي أثرا ملائما لرضاه أو سخطه. وكذلك تستطيع أن تقيس مستقبل جيل من الأجيال بالحياة النفسية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يكونون نفوس الأطفال وعقولهم، وينشئون قلوب الأطفال وعواطفهم. فإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة راضية أو كالراضية، لا يشكون ولا يمتعضون، ولا يتكلفون الحيل ليعيشوا، ولا يترددون بين الفضيلة وبين الحياة، فثق بأنهم سيهيئون جيلا راضيا مبتسما مستعدا للقاء الحياة في شجاعة ونشاط وأمل. وإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة سيئة، فيها بؤس وحرمان، وفيها هم وتنغيص، وفيها ضيق باليوم، ويأس من غد، فثق بأن الجيل الذي ينشئونه سيكون جيلا حزينا، مظلم النفس شديد التأثر ما يدعو إلى السخط، قليل الانبساط لما يدعو إلى الرضا، شديد الإسراع إلى اليأس، ضعيف المقاومة للحوادث والخطوب.
    فأنت ترى أن هذه الطبقة التي أرادها جماعة من النواب منذ أيام، والتي لا تكاد الحكومة تعنى بها إلا من حيث إنها أداة لمظهر من مظاهر الدعاية، هي نشر التعليم في غير تقدير لهذا التعليم، خليقة أن يُعْنَى بها الوزراء والنواب والشيوخ وكل من يفكر تفكيرا صادقا في حياة هذه البلاد ومستقبلها. ولست أقول إنهم خليقون بهذه العناية لأنهم مصريون فيجب أن يأخذوا نصيبهم من الحياة المصرية خيرها وشرها كغيرهم من المصريين. ولست أقول إنهم خليقون بالعناية لأنهم ناس كغيرهم من الناس، عليهم واجبات يجب أن ينهضوا بها، ولهم حقوق يجب أن يظفروا بها، ولهم آمال يجب أن تيسر لهم سبلها. لست أقول هذا الآن، ولو قلته لما تجاوزت القصد والإنصاف، وإنما أريد أن أقول إن العناية بهؤلاء الناس عناية بالأجيال التي ينشئونها فهي عناية بالشعب المصري كله، وهي عناية بالمستقبل القريب والبعيد لهذا الشعب، فمن أراد أن يكون لمصر أجيال حرة حقا مستعدة حقا للرقي، طامحة حقا إلى الحياة السعيدة التي يملؤها الأمل والنشاط فليعن بهؤلاء الناس الذين يكونون هذه الأجيال، والذين يتلقون الأطفال من آبائهم وأمهاتهم فيصوغونهم هذه الصيغة الوطنية القومية، ويجدون ما استطاعوا في أن يكونوهم تكوينا يلائم المثل العليا التي نصورها نحن في قانون التعليم الإلزامي.
    هناك ناحية أخرى أيسر من هذه الناحية فهما، وأقرب من هذه الناحية متناولا، وأدنى إلى عقول الذين يشتغلون بالسياسة ويصرفون أمور الحكم، لأنها تمس منافعهم العاجلة، وتتصل بالعلاقة بينهم وبين الشعب، وهي أن طبقة المعلمين هذه هي أشد الطبقات اتصالا بالشعب، وانتشارا بين أفراده، وأقرب الطبقات إلى قلوب الناس، وأشد الطبقات تأثيرا في آمالهم وأعمالهم وفي ميولهم وأهوائهم. فليس من مصلحة حكومة ما أن يضيق هؤلاء الناس بالحياة أو يعبسوا لها، أو يتبرموا بها، لأنهم حينئذ خليقون أن يبثوا ضيقهم هذا راضين أو كارهين، مريدين أو غير مريدين من حولهم، وخليقون أن يكونوا أداة لنشر السخط والامتعاض في أقطار البلاد، وفي طبقات الناس على اختلافها.
    وقد عرفت لهم البلاد الأوروبية هذه المنزلة كما أشرت إليها آنفا فحاطتهم من العناية والرعاية بما يعصمهم من الضيق والسخط، وبما يجعلهم أداة للرقي المنظم الهادئ، لا أداة للاضطراب وزعزعة النظام السياسي والاجتماعي فإذا كانت الحكومات المصرية على اختلافها واختلاف الأحزاب التي تكونها وتؤيدها؛ حريصة حقا على أن تحتفظ لمصر بنظامها الاجتماعي المعتدل، وتعصمها من التورط في نظام الطبقات، وما يتبعه من النتائج الخطرة، فأول واجب عليها هو أن تضمن لهؤلاء الناس حياة معتدلة مطمئنة تحول بينهم وبين السخط الذي يدعو إلى التماس السعادة العاجلة أو الآجلة من طرق يكرهها النظام.
    وأول واجب على هذه الحكومات مهما تختلف هو أن تضع هؤلاء الناس بمعزل عن التفكير في السياسة والتعصب للأحزاب، وتجعلهم أمناء على تكوين الأطفال من حيث هم أبناء مصر، فيجب أن يكونوا لمصر، لا لحزب دون حزب، ولا لسلطة دون سلطة. وتخطئ الحكومات أشد الخطأ وأشنعه إن ظنت أنها تستطيع أن تمنع هؤلاء المعلمين من الاشتغال بالسياسة بحكم السلطان والقانون. فهي لن تستطيع أن تمنعهم بالسلطان والقانون إلا في ظاهر الأمر. ولن تستطيع أن تسيطر على ضمائرهم وقلوبهم، ولن تستطيع أن تحرمهم حق الانتخاب وحق الدعوة الطبيعية إلى ما يرون في الانتخاب. فالمنفعة الحقيقية إذن إنما هي في أن تكون حياة هؤلاء الناس بحيث لا تسخطهم ولا تحقد قلوبهم وتضطرهم إلى أن يعرضوا أنفسهم على الأحزاب أو يتهالكوا عليها، بل تمكنهم من أن يستمتعوا بحقوقهم السياسية في هدوء واعتدال وتقدير صحيح للمصلحة العامة في غير تأثر بدوافع المصالح الخاصة.
    هذا كلام نقوله مخلصين، لأن مصلحة مصر تريده، ولأننا مقتنعون بأن التعليم مهما تكن درجاته يجب أن يكون فوق الأحزاب وخصوماتها السياسية.
    فخليق بالذين يريدون أن يحققوا أمنية مصر في فرض التعليم الإلزامي أن يفكروا في هذا ويطيلوا التفكير، وأن يقدروا أن هذا التعليم لا سبيل إليه بدون المعلمين وأن صلاحه وفساده رهينان بما قد تكون عليه حال المعلمين من صلاح أو فساد.
    لذلك كله أنكرنا وما زلنا ننكر خفة النواب الذين عرضوا لهؤلاء الناس في غير عدل ولا إنصاف، وقالوا فيهم غير الحق، وأصغروا من شأنهم وهو كبير، وإني لأرجو أن يكون حظ هؤلاء المعلمين عند الشيوخ خيرا من حظهم عند النواب. وأنا واثق كل الثقة على كل حال بأن حظهم عند مصر يوم ترد إليها حريتها وتفوض إليها أمورها؛ سيكون هو الحظ الذي يحبون ويرضون، لأن مصر تعرف حقها على نفسها، وتعلم أن مكان المعلم الأولى من الطفل إنما هو مكان الأب الثاني، ومصر الحرة شديدة الحرص على البر بالآباء.
    كوكب الشرق في ٦ – ٦ – ١٩٣٣ .

    أزياء
    يقال إن الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعًا بنص واضح صريح من نصوص الدستور، ويقال إن هذا النص لم يغير، ولم يصبه تعديل ولا تبديل حين غُير الدستور القديم وأقيم مقامه الدستور الجديد، ولكن يظهر أن هذا النص إنما وضع في الدستور زينة وتحلية! لأن الدساتير كلها تشتمل على مثله، ولأن الأمم الحديثة كلها تحرص أشد الحرص على أن يقال إنها تكفل الحرية الشخصية للناس، ومصر- كما تعلم – جزء من أوربا، فينبغي أن يكون لها دستور كغيرها من البلاد الأوروبية وينبغي أن يشمل دستورها على مثل ما تشتمل عليه الدساتير الأوروبية من النصوص، وأن يقوم دستورها على مثل ما تقوم عليه الدساتير الأوروبية من القواعد والأصول، وإلا لم تكن مصر جزءًا من أوربا، ولم يكن أهلها قومًا متحضرين، ولم تكن دولتها خليقة أن تُعد بين الدول الراقية.
    وقد تكون هذه النصوص في نفسها سقيمة سخيفة، وقد يكون الدستور في نفسه لونًا من ألوان الكلام الذي لا فائدة منه، ولا خير فيه، ولكنه على كل حال شيء لا بد منه في هذه الأمم لكل بلد يريد أن ينظر إليه نظرة فيها إكبار وتقدير. فليكن لنا دستور وليشتمل هذا الدستور على نصوص تكفل الحرية الكاملة للأفراد والجماعات في حدود القانون، ولكن لنكن مهرة، لبقين في احترام هذا الدستور وتنفيذ هذه النصوص، فإن الأجانب لم يتعمقوا في درس شؤوننا وتعرف أخبارنا وأحوالنا والتحقق من احترامنا للدستور أو إعراضنا عنه. سيكتفون بأن لنا دستورًا، وبأن دستورنا هذا يشبه ما عندهم من الدساتير. وإذا خدعنا الأوروبيين عن أنفسنا، وخيلنا إليهم أننا قوم مثلهم، فلنصنع فيما بيننا وبين أنفسنا ما نشاء، ولننظر إلى هذه الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور النظرة التي تستحقها. فالواقع أن هذه الحرية الشخصية ضرب من السخف، وفن من فنون الهزل، وأن الناس جميعًا لا يستحقون أن يستمتعوا بها، ولا أن يُخلى بينهم وبينها. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن قومًا كرجال المعارضة يستحقون أن يستمتعوا بحريتهم الشخصية في حدود القانون فيقولوا ما يشاءون، ويأتوا من الأمر ما يريدون، ويتنقلوا من أرض مصر حيث يشاءون؟ ومن الذي يستطيع أن يزعم أن من الخير أن يُخلى بين هؤلاء الناس وبين الحرية الشخصية التي تبيح لهم القول والنشاط والانتقال فلا يكادون يقولون أو ينشطون أو يتنقلون حتى يتصل بهم الشعب الذي يحبهم، ويفتتن بهم الشعب الذي يكبرهم، وإذا هم والشعب معهم خطر على الأمن والنظام، وخطر على الوزارة قبل الأمن والنظام!
    يجب إذن أن تضيق الحرية الشخصية لهؤلاء الناس، وألا يُمنحوا منها إلا ما يمكنهم من الطعام والشراب والنوم، فأما ما يزيد على هذا فينبغي أن يُقتر عليهم فيه، وألا يأخذوا منه بحظ إلا أن يأذن به وزير الداخلية! ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن هؤلاء الناس الذين يسمون أنفسهم أفراد الشعب، ومنهم الصانع والزارع، ومنهم التاجر والموظف يستحقون أن يستمتعوا بهذه الحرية الشخصية! وهم قاصرون لا يُحسنون التفكير في شؤونهم والنظر إلى مرافقهم. وهم محتاجون دائمًا إلى الأوصياء يعلمونهم كيف يعيشون، وكيف يتصرفون في شؤون الحياة، وحظهم من السذاجة عظيم، يرون نصًا في الدستور يكفل لهم الحرية الشخصية حقًا، وينسون أن احترام هذه الحرية الشخصية في النصوص وعلى الورق، وأن احترامها العملي في الحياة اليومية شيء آخر.
    انظر إلى رجال التعليم الأولي والإلزامي كيف خدعوا عن هذه الحقيقة الواضحة الجلية، فخيلوا إلى أنفسهم أنهم أحرار، يستطيعون أن يتخذوا من الأزياء وأشكال الناس ما يشاءون، وما يلائم منافعهم وميولهم، فعدل كثير منهم عن العمامة إلى الطربوش، وعن الجبة والقفطان إلى الجاكتة والبنطلون حتى فسدت بذلك أمورهم وأمور القرى، واضطربت أحوالهم وأحوال القرى، وشك الناس فيهم وساءت بهم الظنون.»
    وما رأيك في قوم لبسوا البنطلون فصرفهم عن غشيان المساجد وأداء الصلاة؟ وغطوا رؤوسهم بالطربوش فحال بينهم وبين القدرة على الوعظ والإرشاد!! أتظن أن هؤلاء الناس أهل لأن يستمتعوا بالحرية الشخصية حتى ولو كفلها ألف دستور؟ كلا، يجب أن تُلف أجسامهم في الجبب والقفاطين وأنوفهم راغمة! يجب أن يُخيروا بين الحرية الشخصية وبين العيش! فمن شاء منهم أن يأكل ويشرب ويطعم أهله ويسقيهم فلينزل عن حريته الشخصية هذه! ومن شاء منهم أن يستمتع بهذا البدع الجديد، ويكون رجلًا حرًا، يلبس ما يشاء هو، لا ما يشاء رؤساؤه، فلينزل عن عمله في التعليم، وعن رزقه الذي يعيش منه، ويلتمس قوته وقوت أهله عند هذه الحرية الشخصية، وليلتمس مسكنه ومسكن أهله عند هذه الحرية الشخصية. يجب أن يختار المعلمون بين مناصب التعليم وكرامة الرجال. فمن شاء أن يكون معلمًا فلينزل عن كرامته، ومن شاء منهم أن يكون كريمًا فلينزل عن التعليم.
    أنت تقرأ هذا الكلام فتعجب، ويخيل إليك أني أذهب في الهزل والدعابة إلى حد بعيد، ولكني لا أحب الهزل ولا الدعابة في هذا الموضوع، وإنما أصور الحق الواقع الذي لا شك فيه. وقد تستطيع أن تقرأ في غير هذا المكانِ منشورًا أذاعه مدير الدقهلية في رجال التعليم الأولي والإلزامي، يخيرهم فيه بين الزي الإفرنجي ومناصبهم في التعليم، ويؤجلهم شهرين ليختاروا، ويأخذ عليهم عهدًا بأنهم قد تسلموا هذا المنشور، وقرأوه فهم ملزمون به.
    فإذا أردت بعد ذلك أن توفق بين عمل هذا المدير، وبين ما كفله الدستور للناس من الحرية الشخصية فستضيع وقتك في غير طائل، وستضيع جهدك في غير عناء، فالمدير بهذا العمل معتدٍ على الحرية الشخصية، متعمد للطغيان على هؤلاء المعلمين، مخالف أبسط قواعد الحق والعدل وأوضح أصول الدستور والقانون. فليس للدولة بحال من الأحوال، ولا للسلطة الإقليمية بحال من الأحوال أن تدخل بين الناس وبين ثيابهم إلى هذا الحد.
    وأنت تعلم حق العلم أن المدير يلبس الطربوش، ويلبس الجاكتة والبنطلون، وهو رجل مسلم يمثل حكومة إسلامية، ومن الحق عليه لو احترمت شعائر الإسلام في هذا البلد أن يشهد الصلوات الخمس كل يوم في المسجد العام، فهل يشهدها؟ فإن كان يشهدها فهل يغير زيه كلما ذهب إلى الصلاة؟ أم هل يذهب إليها بزيه الإفرنجي؟ وإن كان لا يشهدها، فما حكم الله فيه؟ وما حكم الدولة الإسلامية فيه؟ وما رأي البرلمان الإسلامي فيه؟ وما باله يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟ وما باله يأخذ الناس بتغيير أزيائهم ويحتفظ هو بزيه لا يغيره ولا يبدله؟ ومن الذي أعطاه هذا السلطان يطغى به على حياة الناس وأرزاقهم ويتخذه وسيلة إلى العبث بحرية الناس وكرامتهم؟ وما قيمة هذا المعلم الذي يصبح عبدًا للمدير فيلبس ما يشاء المدير، لا ما يشاء هو؟ وما قيمة الطفل الذي يُنشئه هذا المعلم العبد؟ أينشأ شابًا حرًا، أم شابًا رقيقًا؟ وهب هؤلاء المعلمين أبوا أن يذعنوا لأمر هذا المدير فأبعدوا عن مناصبهم، وقطعت عنهم أرزاقهم، فما تصنع بهم الدولة؟ أترزقهم من غير عمل؟ أم تتركهم مشردين يموتون جوعًا إن آثروا الفضيلة، ويقترفون الآثام إن آثروا الحياة؟!
    نريد أن نعتقد أن السلطة المركزية في القاهرة أعقل وأحزم وأكرم على نفسها من أن تدع هذا العبث يذهب فيه المديرون إلى غير حد، فهي إن فعلت فتحت بابًا للفتنة عظيمًا. إن الناس يُفتنون في آرائهم ومذاهبهم، فلا ينبغي أن يُفتنوا في
    لباسهم وأزيائهم. ومن الذي زعم أن العمامة تدعو إلى الصلاة وتأمر بالمعروف، وأن الطربوش يدعو إلى المعصية ويأمر بالمنكر؟ أفكل وزرائنا ورجال دولتنا الذين يلبسون الطربوش عصاة لله، تاركون للصلاة، آمرون بالمنكر، ناهون عن المعروف؟ وإذن فما بقاؤهم في مناصبهم؟ وكيف يتفق هذا مع أن دين الدولة هو الإسلام؟ وإذا كان الطربوش إثمًا إلى هذا الحد فما بال البرلمان لا يصدر قانونًا بتحريمه على الناس جميعًا؟ وما بال الطربوش يباح لرجال التعليم كلهم إلا رجال التعليم الأولي والإلزامي؟
    أحق أن العمامة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وإذن فما بال الشيخ الأزهري الذي يشغل منصب التفتيش على التعليم الديني ثم لا يتحرج من أن يسرق مقدارًا ضئيلًا من المال فيما يقال من أموال الدولة؟ استغفر الله من أموال المسلمين؟ وما بال الشيخ الأكبر يسكت على هذا الشيخ أو يسكت عنه فلا يبرئه من تهمة السرقة ولا يعاقبه عليها؟
    كلا ليس المعروف والمنكر أثرًا من آثار العمامة أو الطربوش، وإنما هما أثرٌ من آثار التربية الصالحة والتعليم الصحيح. ولم نعرف بعد أن أحدًا من رجال التعليم الأولي سرق من أموال الدولة، أو سافر في الدرجة الثانية، وأخذ من الدولة أجرة السفر في الدرجة الأولى.
    يجب أن يضع وزير الداخلية حدًا لطغيان مدير الدقهلية وأن يأمر عماله في الأقاليم بأن يكفوا عن هذا العبث السخيف الذي يوشك أن يفتح على مصر أبوابًا من الشر ليس إلى إغلاقها من سبيل!!!
    كوكب الشرق في ٩ – ٦ – ١٩٣٣ .

    بين الرضى والسخط . . .
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.
    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.
    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

    شكاة …
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين
    الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤

  • ثورتان | Two Revolutions

    ثورتان
    كانت إحداهما في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، وكانت الثانية في العراق أثناء القرن الثالث للهجرة، وقد عرَّضت أولاهما الجمهورية الرومانية كلها لخطر عظيم، وعرَّضت ثانيتهما الخلافة الإسلامية كلها لخطر عظيم، وقد كانت لكل واحدة منهما أعقاب كثيرة خطيرة ظهرت آثارها فيما بعد، كما كانت لكل واحدة منهما خصائص أظهرت أبطالاً من المختصمين يستحقون الدرس والبحث، ويستوجبون العناية، ويدعون إلى كثير من التفكير.
    فأما أولاهما فهي ثورة الرقيق في إيطاليا، تلك التي قادها سبرتاكوس، وأما ثانيتهما فهي ثورة الزنج في البصرة، تلك التي قادها عبد الله بن محمد المعروف بصاحب الزنج.
    وقد يسأل القارئ فيمَ تعرضي لهذا الموضوع وقد ذهب الرق وانتهت أيام الأرقاء، وليس في حياة الناَّس الآن ما يدعو إلى التفكير في مثل هذا الموضوع والعناية به، وأحب أن ألاحظ قبل كل شيء أن من الجائز أن يكون الرق الفردي قد ذهب وانقضى عصره، وإن كنت لا أثق بذلك ولا أطمئن إليه، ولكن الرق الاجتماعي لم يذهب بعد ولم ينقضِ عصره، ولست أدري متى يذهب ومتى تنقضي أيامه، فهناك شعوب تسترقُّ شعوبًا، وهناك طبقات من الناَّس تسترق طبقات من الناس، ومع ذلك، فأنا لم أختر هذا الموضوع لأتحدث عن استرقاق الشعوب واستغلال طبقات الناَّس لطبقات الناس، وإنما اخترت هذا الموضوع لسبب آخر سيعرفه القارئ بعد حين، وأحب أن ألاحظ بعد ذلك أن ثورة الزنج في البصرة لم تكن في حقيقة الأمر بدعًا من حياة المسلمين؛ فقد عرف المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة سخط الساخطين على النظام السياسي والاجتماعي، وثورة الثائرين بالنظام السياسي والاجتماعي، ولقيت دولة بني أمية كما لقيت دولة بني العباس من طلاب العدل السياسي والاجتماعي ألوانا من العناء يعرفها الذين يدرسون تاريخ الخوارج، ويتتبعون تطور مذاهبهم منذ كانت نظرية التحكيم، فليست ثورة الزنج، في حقيقة الأمر إلا مظهرًا من مظاهر المطالبة بالعدل الاجتماعي، قد اعتمد على مذهب الخوارج أكثر مما اعتمد على أي شيء آخر، ويكفي أن نلاحظ أن صاحب الزنج قد كتب على رايته بالخضرة والحمرة الآية الكريمة: ﴿إنَِّ الله اشْترََ ٰىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنَفُسَهُمْ وَأمَْوَالَهُم بِأنََّ لَهُمُ الْجَنةََّ ۚ يقَُاتِلُونَ فيِ سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتلُوُنَ وَيقُْتلَُونَ﴾ إلى آخر الآية، فالثورة في مظهرها خارجية، قد باع الثائرون فيها أنفسهم لله يقاتلون في سبيله فَيَقْتلُوُنَ ويقُْتلَُونَ، كما كان الخوارج يصنعون من قبل، وكما كانوا يصنعون من بعد، وكما كان خارجي آخر يصنع في الوقت نفسه، فيكلف الدولة عناءً ثقيلاً، يقاتل ومعه أصحابه كما كان يزعم في سبيل الله فَيقَْتلُُونَ ويقُْتلَُونَ، وهو مساور الذي خرج على الدولة في أعماق إيران.
    وأحب أن ألاحظ آخر الأمر أن ثورة الرقيق على الجمهورية الرومانية في إيطاليا قد أثارت كثيراً من القول، فكتب فيها المؤرخون القدماء وكتب فيها المحدثون، بل تأثر بها بعض المحدثين في آرائهم الاجتماعية والسياسية، وما زالت تلُهِم الكتَّاب الأوروبيين إلى الآن، وهذا هو الذي دفعني إلى أن أعرض لهذا الموضوع في هذا الحديث.
    فقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة قصة رائعة للكاتب المجري أرتور كوسلر، موضوعها «سبارتاكوس وثورة الرقيق على روما» فسألت نفسي: ما بال ثورة الزنج لم تحدث في حياتنا الأدبية مثل ما أحدثته هذه الثورة الإيطالية القديمة؟ لقد سجل المؤرخون أحداثها كما سجل المؤرخون الرومانيون أحداث الثورة الإيطالية، وقال الشعراء المعاصرون في الثورة كثيراً من الشعر، كما تحدث الأدباء الرومانيون من قبل في اللاتينية واليونانية عن ثورة سبارتاكوس، ولكن الأوروبيين لم ينسوا تاريخ روما وأحداثه، ولم ينظروا إليه على أنه تاريخ ليس غير، وإنما جعلوه جزءًا من حياتهم ومن حياتهم الواقعة التي يحيونها بالفعل؛ فهم يستلهمونه كما يستلهمون التاريخ اليوناني وكما يستلهمون أساطير اليونان والرومان، وكما يستلهمون التوراة فيما يكتبون من نثر وما يقرضون من شعر، فأما نحن فنعرض عن التاريخ العربي إعراضًا يوشك أن يكون تامٍّا، لا نكاد نحفل منه إلا بعصر البطولة الذي نجتمع كلنا على حبه والإعجاب به، فنحن نتحدث عن عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين، ونحن نذكر دمشق عاصمة بني أمية، ونذكر بغداد عاصمة بني العباس، ونذكر القاهرة عاصمة الفاطميين، نذكر هذا كله نلتمس فيه الفخر بالقديم ونلتمس فيه العبرة والعظة أيضاً، وقد نلتمس فيه ما يدفعنا إلى الجد ويثير فينا النشاط، ويعزينا عن بعض ما نلقى مما لا يلائم كرامتنا ولا يوافق مجدنا القديم، وكل هذا حسن من غير شك، ولكن من الخير أيضًا أن ننظر إلى تاريخنا على أنه مصدر من مصادر الإلهام الأدبي، وعلى أنه جزء من حياتنا الواقعة لم تنقطع بيننا وبينه الأسباب، فنحن ما نزال نشارك القدماء فيما شعروا وفيما أحسوا، لا يفرق بيننا وبينهم إلا هذا التطور الذي لا بد منه للأحياء.
    وربما كان من الطريف أن نلاحظ أن كثيراً منا يفكرون في العدل الاجتماعي، ويحسون حاجة الجماعات إليه، ولكنهم ينظرون إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط، ليلتمسوا في أوروبا مصادر هذا الشعور بالحاجة إلى العدل الاجتماعي، ومظاهر المطالبة به والسعي إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي، كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليل منهم بل أقل من القليل أولئك الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة وتطورها في البيئات الإسلامية الثائرة، وما أنتجت من ألوان الأدب، قبل أن تتأثر بالثقافات الأجنبية وبعد أن تأثرت بهذه الثقافات، وما كان لها من أثر في حياتنا العقلية المعقدة في الفلسفة والكلام وفي الفقه والأصول، فضلاً عن أن يفكروا في استلهام هذا اللون من ألوان الحياة الإسلامية حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي أبطال من حقهم أن يدُرَّسوا، ومن حقهم أن يلهموا الكتاب والشعراء، كما جرت المطالبة بالعدل الاجتماعي على المسلمين في جميع أقطار الأرض الإسلامية خطوبًا هائلة من حقها أن ي تت ي ت. اكيكي . . تدرَّس وتجلى، ومن حقها أن تلهم الكتاب والشعراء حين يكتبون وينظمون.
    وأنا بالطبع لا أريد في هذا الحديث أن أدعو إلى إحياء حركات الخوارج والزنج والقرامطة، كما أني لا أريد أن أدعو إلى أن نستعير من أوروبا هذا المذهب أو ذاك من مذاهب المطالبين بتحقيق العدل الاجتماعي، وإنما أحب أن ألفت أدباءنا إلى أن لنا في المطالبة بالعدل الاجتماعي تاريخًا حافلاً عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه بين حين وحين، فلعلَّنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من الأصول في تنظيم الحياة الاجتماعية لم تسُتكشَف في أوروبا إلا أثناء القرن التاسع عشر أو في عصر الثورة الفرنسية الكبرى.
    فنحن إذن لسنا عيالا ولا يمكن أن نكون عيالا على المطالبين بتحقيق العدل والثائرين على الظلم الاجتماعي من الأوروبيين، وإنما نحن أبعد منهم عهدًا وأشد منهم ممارسة لهذا النحو من محاولة الإصلاح. مِنْ قدمائنا مَنْ طلب الإصلاح الاجتماعي في رفق ولين، ومنهم من طلبه في ثورة وعنف، ومنهم من أثارها حرباً شعواء على النظم القائمة فعرضها للخطر، وكاد يمحو سلطانها محوًا.
    والثورتان اللتان أريد أن ألم بهما في هذا الحديث تصوران لوناً من ألوان السخط يستحق أن يطيل الأدباء التفكير فيه، فقد نشأت ثورة الرقيق على روما من عادة بشعة كان الرومانيون قد ألفوها، ولكنها لم تلبث أن تجاوزت مصدرها الضيق وأصبحت ثورة شاملة على النظام الاجتماعي كله في إيطاليا. هذه العادة البشعة التي أنشأت هذه الثورة هي عادة الاستمتاع بمنظر الرقيق المصطرعين، فقد ألف الرومان أن يشتروا الرقيق ويثقفوهم في فنون الصراع الذي ينتهي إلى الموت، حتى إذا برعوا في هذه الفنون عرضوهم على النظارة في الملاعب وأغروا بعضهم ببعض، وجعل النظارة يستمتعون بما يكون بينهم من كَرٍّ وفرٍّ ومن إقدام وإحجام، وبما يسُفَك بينهم من دماء، وبما يزُهَق بينهم من نفوس، وكان الرومانيون يؤثرون هذه اللذة الآثمة على كل شيء، ينعمون حين يصرع الإنسان الإنسان، وينعمون حين يصرع الحيوان الحيوان، وينعمون حين يكون الصراع بين الإنسان والحيوان، وكانوا في أعقاب الجمهورية وفي أيام الإمبراطورية يطلبون إلى سادتهم وقادتهم، كما هو معروف، شيئين اثنين: الخبز واللعب.
    ففي مدينة من المدن الإيطالية كان رجل من أصحاب الملاعب قد جمع طائفة من الرقيق يثقفهم هذه الثقافة البغيضة، ويعرض صراعهم على النظارة بين حين وحين، فهربت جماعة الرقيق من مدرسة هذا الرجل في مدينة كابو، وكان عددها ينيف على السبعين، وانطلقت أمامها لا تلوي على شيء، واستعان صاحبها بالشرطة فلم تقدر على ردهم، ولكنهم لم يكادوا يتقدمون في هربهم حتى انضمت إليهم أعداد أخرى من الرقيق، لم تكن تتخذ للصراع وإنما كانت تتخذ للخدمة على اختلاف ألوانها، وما هي إلا أن ينتشر النبأ ويتسامع به الناَّس حتى ينتشر معه هرب الرقيق وانضمامهم إلى هؤلاء الآبقين، ثم لا يقف الأمر عند الرقيق وإنما يتجاوزهم إلى أشباه الرقيق من الفقراء والبائسين الذين يعملون في الأرض والذين لا يعملون، والذين يحتملون من ألوان البؤس ما يطاق وما لا يطاق، وإذا الجماعة تضخم شيئا فشيئا حتى تصبح خطرًا تحسب له الجمهورية حسابًا، ثم يتجاوز الأمر هؤلاء جميعًا إلى ألوان من الناَّس لم يكونوا رقيقا ولم يكونوا أحرارًا فقراء، وإنما كانوا ساخطين على النظام الاجتماعي، يرون فيه ظلمًا يجب أن يرُفَع ويطمحون إلى مثل عليا يجب أن تتحقق. من هؤلاء من كان معنياٍّ بالأدب والبيان ومنهم من كان معنيا بالقضاء والمحاماة، وكل هؤلاء قد نسوا مدرسة الصراع وهرب المصارعين، وأصبحوا لا يفكرون إلا في النظام الاجتماعي السيئ الذي كانوا يحاولون تغييره، ولست في حاجة إلى أن أصور سوء النظام الذي كان هؤلاء الناَّس يثورون به ويسخطون عليه، وإنما يكفي أن ألاحظ أن الثروة الرومانية الضخمة كانت قد انحصرت في أيدي طائفة قليلة من الناَّس يمكن إحصاؤهم؛ فهم الذين يملكون الأرض ويسخرون فيها الرقيق ويقصون عنها الأحرار، وهم الذين يحتكرون التجارة داخل إيطاليا من وراء البحار، وهم الذين يحتكرون الحكم في جميع أرجاء الإمبراطورية ويستغلونه لا للشعب، وهم بحكم هذه الثروة الضخمة التي صارت إليهم يستطيعون أن ينشئوا الجيوش على نفقاتهم الخاصة، ينشئونها في الأرض الإيطالية، وينشئونها في أقاليم الإمبراطورية ويستعينون بها على تحقيق ما يريدون من المآرب والآمال.
    في ذلك الوقت كانت كثرة الأحرار من أهل إيطاليا متعطلة قد فقدت ما كانت تملك من الأرض وأصبحت عالة على الأغنياء، تعيش لهم وبهم، تتلقى منهم رزقها وتمنحهم أصواتها في الانتخاب، كما تمنحهم سواعدها حين يجد الجد وتثار الحرب، وفي هذا الوقت كانت الثورات في الأقاليم منتشرة عنيفة: فثورة في إسبانيا، وأمر مضطرب في آسيا، وفي هذا الوقت كان البحر ثائرًا على روما، قد استبد به جماعة من القرصان فتحكموا في المواصلات كما تحكموا في التجارة، وقضوا على سلطان أساطيل الدولة قضاءً يوشك أن يكون تامٍّا، فلا غرابة أن يضطرب مجلس الشيوخ الروماني أشد الاضطراب حين يثور الرقيق وتعظم جماعة الثائرين منهم، وينضم إليهم عدد ضخم من الأحرار، ويتعرض النظام كله لهذا الخطر العظيم، وقد أرسل مجلس الشيوخ جيشًا لقهر هؤلاء الثائرين وردهم إلى مواليهم، فمضى الجيش حتى ألجأ الثائرين إلى قمة جبل لاذوا بها، وحاصرهم الجيش هناك وقطع عنهم الميرة، وأقام واثقًا بأنهم سينزلون على حكمه في يوم من الأيام، ولكن الثائرين احتالوا حتى انحدروا من الجبل إلى مكان أمين وداروا حول الجبل حتى أخذوا الجيش على غرة، فهزموه هزيمة منكرة وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وغنموا ما كان في المعسكر من سلاح ومؤنة وأداة، فاشتد بذلك بأسهم وعظمت قوتهم، واشتد خوف مجلس الشيوخ في روما فأرسل إليهم جيشًا آخر لم يكن حظه خيراً من حظ الجيش الأول، ثم أرسل جيشًا آخر يقوده القنصلان، فلم يصنع هذا الجيش شيئاً، وإنما انهزم كما انهزم الجيشان اللذان سبقاه، وكان انتصار الثائرين في كل مرة ينشر لهم الدعوة في إيطاليا نشرًا هائلاً، ويحرض الرقيق أن يأبقوا ليلحقوا بهم، ويحرض البؤساء على أن ينضموا إليهم، حتى كثف جمعهم، وحتى فقدت المدن الإيطالية الأمن أمام الخطر الداهم الذي يأتيها من خارج من هذا الجيش الضخم، والذي يأتيها من داخل من هؤلاء الرقيق الذين يعملون في الدور والقصور والأرض ودور التجارة؛ ولذلك اهتمت روما لهذا الأمر اهتمامًا خاصٍّا، فاختارت لقتال هؤلاء الثائرين رجلاً ممتازًا من رجالها، ممتازًا بشيئين: بالثروة الضخمة التي لم تكن ثروة أخرى تعدلها في روما، والتي أتاحت له أن يتحكم في الأغنياء والفقراء جميعًا، وبالطموح الهائل الذي لم يكن يعدله إلا عجز الرجل وقصوره عن النهوض بجلائل الأعمال، وهو مع ذلك قد كان يرى أصحابه وأترابه يشغلون المناصب العليا ويدبرون شئون الدولة ويحكمون الأقاليم، وكلهم كان مديناً له بالمال القليل أو الكثير.
    هذا هو ماركوس كراسوس الذي اختارته روما لقتال الثائرين، وأرسلت معه جيشا ضخمًا حسن العدة، فما زال يتتبع الثائرين يقهرهم حيناً ويقهرونه حيناً حتى ألجأهم إلى شبه الجزيرة، يأخذهم البحر من أكثر أقطاره ويأخذهم هو من قطره الأخير، وهناك حصر الثائرين، فاحتفر بينه وبينهم خندقًا وأقام على هذا الخندق سورًا منيعًا وانتظر أن يلقوا إليه بأيديهم، وقد تعرض الثائرون لجهد هائل، فقد انقطعت عنهم الميرة حتى ألح عليهم الجوع والظمأ والمرض، وهمَّ زعيمهم سبارتاكوس أن يستعين بالقرصان على تموينهم، فعبثوا به وأخذوا منه ماله ولم يمنحوه إلا المواعيد، وهمَّ أن يصالح القائد الروماني على أن يترك للناس حريتهم يصنعون بها ما يشاءون، ويأخذ القادة ليصنع بهم ما يشاء، ولكن كراسوس أبى إلا التسليم بلا قيد ولا شرط، كما يقول الناَّس في هذه الأيام، وقد استيأس سبارتاكوس واستيأس أصحابه وأبوا أن يلقوا بأيديهم، فاحتالوا حتى عبروا الخندق وتقدموا للموقعة اليائسة. هنالك تقدم سبارتاكوس بين الصفين فنحر فرسه وقال لأصحابه: إن أقُْتلَْ فلست في حاجة إليه وإن أنتصر فلن أعدم فرسًا مكانه، ثم كانت الموقعة وقُتِلَ سبارتاكوس وقُتِلَ أكثر أصحابه وأسر سائرهم، وعاد كراسوس وقد جعل من هؤلاء الأسارى نكالاً للذين يحاولون الثورة على النظام الاجتماعي، فأقام الصلبان على طول الطريق بين ساحل البحر وروما، وجعل كلما تقدم أميالاً صلب جماعة من الأسارى، حتى امتلأت الطريق بين البحر وروما صياحًا وعويلاً ودماءً، وكان كراسوس يظن أن هذا الفوز على الثائرين سيكفل له التسلط على روما، ولكن الشيوخ لم يقدروا هذا الفوز إلا تقديرًا متواضعًا لأنه كان فوزًا على العبيد لا على الجيوش ذات العدة، وقد استطاع كراسوس مع ذلك بفضل ثروته الضخمة وغناه العريض أن يحالف قيصر ويومبيوس، وأن يفرض الثلاثة أنفسهم على روما، وأن يقتسموا الإمبراطورية بينهم، وكانت آسيا نصيب كراسوس، فذهب إليها ومعه جيشه الضخم، ولكنه لم يعد منها كما لم يعد منها جيشه. اندفع إلى حرب البارتيين وغرته قوته ولم تسعفه مهارة ولا سياسة ولا علم بفنون الحرب ولا استماع لنصح الناصحين، فقُتِلَ ابنه أولاً وقُتِلَ هو بعد ذلك ومُحِق جيشه محقا.
    وقد نستطيع أن ننظر من أمر هذه الثورة إلى بطلين من أبطالها: أحدهما سبارتاكوس قائد الثورة، والآخر كراسوس ماحق الثورة، فأما أولهما فقد كان راعياً للقطعان في تراقيا، وقد جُلِب منها فيمن كان يجُلَب من العبيد، فتنقل به الرق من مكان إلى مكان ومن يد إلى يد، حتى انتهى إلى صاحب اللعب المصارعين في تلك المدينة الإيطالية، وكان رجلاً سمح النفس، طيب القلب، ساذج الطبع، كان راعيًا من رعاة القطعان بأوضح ما لهذه الكلمة من معنى، لا يحب قتلا ولا قتالا، ولا يريد شرٍّا ولا خصومة، وإنما يؤثر هذه الحياة السهلة الراضية على خشونتها، يتبع قطعانه في مراعيها، كل همه أن يرد عنها الشر ويصد عنها العدوان، ولكنه لم يستطع أن يرد عنها ولا عن نفسه شرٍّا، ولا أن يصد عنها ولا عن نفسه عدوانا، فأخذ في بعض الغنائم كما أخِذت قطعانه، وبِيع في بعض الأسواق كما بيعت قطعانه أيضًا، وهمَّ سيد من سادته أن يقدِّمه إلى الموت كما كانت قطعانه تقُدَّم إلى الموت، فهرب فيمن هرب من المصارعين، لا يريد بغياً ولا اعتداءً، وإنما يريد أن ينجو بنفسه من أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، وأن ينجو بنفسه كذلك من أن يكون سلعة تباع وتشترى، وأداة تسخر لغير ما تريد، مع أن لها قلبًا يشعر، وعقلاً يفكر، وإرادة تعرف ما تقصد إليه.
    وكان سبارتاكوس رجلاً قوي الجسم، مرتفعًا في السماء، عريضًا في الفضاء، شجاعًا لا يعرف الخوف، مصممًا لا يحب التردد، قانعًا لا يطمع إلا في أن يعيش حرٍّا، ولا يتمنى إلا أن يعود إلى وطنه في تراقيا ويستأنف حياته تلك مع قطعانه ينتقل بها في الرياض والمروج، ولو أطاعه أصحابه لكان من الممكن أن يبلغ من ذلك ما أراد، وقد كان ينصح لهم دائمًا ويلح عليهم في النصح أن يخرجوا من هذه الأرض الظالم أهلها، وأن يعبروا الألب ويفترقوا بعد ذلك فيمضي كل واحد منهم إلى وطنه، ويستأنف حياته الهادئة التي كان يحياها قبل أن يبسط الرق عليه يده الظالمة، ولكن أصحابه لم يطيعوه ولم يسمعوا له، كانوا قلة ضئيلة ثم أصبحوا كثرة عظيمة، فأعجبتهم كثرتهم ولكنها لم تغنِ عنهم من الموت شيئا.
    ولم يكن سبارتاكوس يبغض شيئا كما كان يبغض النهب والسلب والإغارة على المدن الآمنة، ولو سمع له أصحابه بعد أن رفضوا العودة إلى أوطانهم لاستقروا في هذه الناحية أو تلك من نواحي إيطاليا وعاشوا من كسب أيديهم، ولانتشرت دعوتهم في هدوء وسلم، ولكان من الممكن أن ينعموا بحياة مطمئنة، وأن يدافعوا عن هذه الحياة إن احتاجوا إلى الدفاع عنها، ولكن أصحابه لم يسمعوا له؛ فقد كانت قلوبهم مغيظة محنقة، وكانت نفوسهم ساخطة واجدة، وكانوا مظلومين، فلم يكفهم أن يخرجوا أنفسهم من الظلم، وإنما أرادوا أن يظلموا الناَّس كما ظلمهم الناس، وأن يذيقوا سادتهم مثل ما أذاقهم سادتهم من الذل والهوان؛ ولذلك اعتدوا على المدن، فحرقوا وخربوا وقتلوا ومثلوا وملأوا أيديهم مما لا يحل لهم من أموال الوادعين الهادئين، فأحفظوا الناَّس على أنفسهم من جهة وأغروا الضعفاء وأصحاب المطامع باتباعهم من جهة أخرى، وكانوا لا يمر بهم يوم إلا ازداد إقبال الناَّس عليهم وبغض الناَّس لهم، فكانوا يستكثرون في كل يوم من الأعداء والأولياء جميعًا، وقد هم سبارتاكوس أن يأخذ أصحابه بالحزم ويحملهم على الجادة ويمنعهم من اقتراف الآثام، فأبى بعضهم أن يسمع له وفارقوه إلى حيث لقوا حتفهم، وسمع له الآخرون وقتًا ما ثم لم يلبثوا أن ضاقوا بهذه الحياة الهادئة التي يعُتدَى عليهم فيها ولا يعتدون على أحد، فعادوا إلى سيرتهم وملأوا الأرض من حولهم شرٍّا حتى انتهوا إلى تلك العاقبة التي صورتها آنفًا.
    وأما قامع الثورة كراسوس فقد كان — كما رأيت — رجلاً لا حدَّ لثرائه ولا حد لمطامعه ولا حد مع ذلك لعجزه وقصوره، ولم يكن ماهرًا إلا في شيء واحد هو جمع المال يأخذه بحقه قليلاً ويأخذه بغير حقه كثيراً، كان مرابياً مفحشًا في الربا، ولكنه يشتط على الضعفاء وييسر الأمر تيسيراً للأغنياء وأصحاب الجاه، يأخذ من أولئك أموالهم لأنه لا ينتظر أن يأخذ منهم شيئا آخر، أما هؤلاء فيعطيهم ماله، ولا يأخذ منهم ربحًا مالياٍّ؛ لأنه ينتظر أن يأخذ منهم الجاه والسلطان، فلما ارتفع أمره واحتاج إلى جاه الأغنياء وسواعد الفقراء، طابت نفسه عن المال لأولئك وهؤلاء جميعًا، فكان يولم الولائم لأهل روما كافة، كان يقيم الوليمة التي تشتمل على ألف مائدة، وكان يتلقى الناَّس على اختلاف طبقاتهم في كثير من البشاشة والإيناس، كان كما يقول أبو نواس:
    فتى يشتري حسن الثناء بماله
    ويعلم أن الدائرات تدور
    ولكنه لم يكن يشتري حسن الثناء وحده بالمال، وإنما كان يشتري معه سوء القالة وبغض البائسين، فقد كان يتتبع المحتاجين يشتري منهم ما يملكون بأبخس الأثمان، ولعله كان يدفع الناَّس إلى الحاجة ويضطرهم إلى أن يبيعوه ما يملكون، كان يتتبع الحريق هنا وهناك ويشتري الدور التي تشب فيها النار، وكان قد احتكر إطفاء الحريق، وألف لذلك فرقة منظمة قوية؛ فكان إذا شبت النار في دار من الدور فاوض المالك في بيعها، ولم يرسل فرقة المطافئ لإطفاء النار حتى يتم البيع، وكان قد احتكر مواد البناء على اختلافها وصناعة البناء على تنوعها، واتخذ من الرقيق والأحرار فرقًا تعمل في هذا كله؛ فكانت مدينة روما كلها أو أكثرها ملكًا له وكانت له أملاك واسعة في مدن كثيرة أخرى، وكانت له أرض زراعية لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكانت غلات هذا كله تئول إلى خزائنه فينفق منها عن سعة ويشتري بها ما يشاء مما يباع وما لا يباع، وكانت هذه الثروة على ضخامتها لا ترضيه ولا تقنعه؛ فقد كان يطمع في السلطان، يريد أن يكون قنصلاً وحاكمًا من حكام الأقاليم وقائدًا للجيوش ومنتصرًا على الأعداء ومتحكمًا في الأولياء، وكان يرى أن ثروته يجب أن تبلغه من هذا كله ما يريد، ولم يكن مخطئاً؛ فقد كان النظام السياسي والاجتماعي من الفساد بحيث بلغته ثروته من هذا كله ما أراد. اشترى بومبيوس واشترى قيصر واشترى أعضاء مجلس الشيوخ واشترى أصوات الناخبين، وارتقى إلى أعلى مناصب الدولة، وسيطر على آسيا وتحكم في ملوكها، وسعى في كثير من الطغيان والجبروت حتى لقي الموت كما يلقاه غيره من الناس، كأنه لم يملك من الثروة ما ملك، ولم يبلغ من السلطان ما بلغ، ولم يتحكم في أشراف روما وملوك آسيا ما تحكم.
    وكذلك قتِل زعيم الثورة سبارتاكوس، كما قتِل قامع الثورة كراسوس. جاهد أولهما في سبيل حريته وحرية أصحابه وفي سبيل العدل، فظفر بالحرية التي انتهت به وبأصحابه إلى الموت، ولم يظفر من العدل لنفسه ولا لغيره بشيء، بل لم يستطع أن يحقق العدل في معسكره، ولا أن يمنع أصحابه الذين كانوا يطلبون العدل من أن يملأوا الأرض جورًا وظلمًا، وجاهد ثانيهما في سبيل نفسه، فأذل نفوسًا لا تحصى وأزهق نفوسًا لا تحصى، وأهان الفضيلة في سبيل المطامع وازدرى الحق والواجب في سبيل الشهوات، وخدع الشعب واستذل سلطانه وأكرهه على ما لم يكن يريد، ثم قاد الجيوش لا إلى النصر ولا إلى الهزيمة، بل إلى الموت الساحق الماحق الذي لا يبقي ولا يذر. كل هذا كان في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، فأما أحداث العراق فقد كانت تشبه هذا كله من وجوه كثيرة وتخالفه من وجوه كثيرة أيضًا، ولم تكن أقل منه هولاً على كل حال.
    لم يكن عبد الله بن محمد صاحب الزنج غنيٍّا ولا شيئاً يشبه الغنى، وأكبر الظن أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، ولولا هذه الثورة لجهله التاريخ كما يجهل الملايين التي لا تحصى من الناَّس في كل جيل، ولكنه كان — فيما يظهر — ذكي القلب بعيد الأمل دقيق الحس حاد المزاج، ضابطًا لأمره مالكًا لإرادته، يصبر نفسه على المكروه في غير مشقة ولا جهد.
    كان يعيش — فيما يقول المؤرخون — ببغداد متصلا ببعض الخدم المعروفين في قصر الخلافة، يرى الفساد يملأ الأرض من حوله، كان يرى فساد السياسة وفساد النظام الاجتماعي وفساد الأخلاق، وعبادة اللذة هنا وعبادة المطامع هناك، كان يرى الحياة من حوله مغامرات لا تنقضي؛ رفيع يتضع ووضيع يرتفع، فقير تنهض به المغامرة إلى الثروة العريضة وغني تنحط به المغامرة إلى البؤس الضيق، وأغمار يأتون من هنا وهناك فإذا هم يرقون إلى أعلى المناصب ويستأثرون بشئون الخلافة ويتحكمون في حياة الخلفاء، كان يرى ذلك من قرب فتنكره نفسه أشد الإنكار. أكانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف، أم كانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا طموحًا تريد أن تشارك فما يشارك فيه المغامرون وأن تأخذ نصيبها من الدنيا؟ مسألة فيها نظر. يرى المؤرخون أنه لم يكن إلا مغامرًا شريرًا، آثر نفسه بالخير وطمع لها في الرياسة واقترف في سبيل ذلك آثامًا يشيب لها الولدان، والمؤرخون لا يسمونه إلا الخبيث واللعين، ولا يصفونه إلا بأنه عدو الله وعدو المسلمين، ولكن بماذا كان المؤرخون يسمونه لو أنه انتصر؟ وبماذا كان المؤرخون يصفونه لو أتيح له الفوز؟
    فالناس من يلق خيراً قائلون له
    ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل
    مهما يكن من شيء فقد كره عبد الله بن محمد ما رأى في بغداد، وكره ما كان يحُمَل إلى بغداد من أخبار الأقطار الإسلامية، فقد كان عرش الخلافة يضطرب أشد الاضطراب، يعبث الأتراك به في الحضرة ويستبدون من دون الخلافة بالأمر ويسومون الخلفاء من الذل والهون ما يريدون، وكان الأمراء والعمال والناجمون في الأطراف يستبدون بما في أيديهم وينشئون الدول المستقلة في الشرق والغرب، يصانعون السلطة المركزية حيناً ويبادونها بالعدوان والحرب في أكثر الأحيان، وكان لكل قوي ضعفاء يستذلهم، ولكل غني فقراء يستغلهم، فأي غرابة في أن ينكر عبد الله بن محمد هذا كله، وفي أن يتحدث بهذا كله أو ببعضه إلى نفر من أصحابه، وفي أن يؤامرهم على أن يغامروا كما غامر الناَّس ويحاولوا تغيير هذا الشر كما حاول الناَّس من قبل، وكما كانوا يحاولون في أيامه تغيير هذا كله؛ وقد ارتحل بنيته هذه من بغداد إلى هَجَر فحاول أن يحدث فيها حدثاً، وكاد ينجح لولا أن أثِيرت حوله العصبية وكثر القتل بين أصحابه وخصومه، فكرهه الناَّس وضاقت به هَجَر، فانتقل منها إلى الأحساء، ثم ضاقت به الأحساء، فانتقل منها إلى البادية، وجعل يطوف بأحياء العرب يدعوهم إلى مذهبه، والعرب يستجيبون له حينا، ويمتنعون عليه حيناً آخر حتى ضاقت به البادية أيضًا، وجعل يفكر في وجه يقصد إليه ليبدأ مغامرته ولينتهي بها إلى غايتها.
    وهنا يتحدث المؤرخون عنه بالأعاجيب فيزعمون أنه أطال التفكير ذات يوم فإذا سحاب يظهر في السماء ثم يبرق ويرعد، وإذا هو يسمع في صوت الرعد، أو ينبئ أصحابه أنه سمع في صوت الرعد أن وجهته يجب أن تكون البصرة، وقد زعم المؤرخون أنه كان يتحدث إلى أصحابه ألواناً من الحديث يزعم أنها من ألوان الغيب، فقد ظهرت له آيات فيما يقول على إمامته، فحفظ سورًا من القرآن ألقِيت في روعه فجاءة ولم يكن يحفظها من قبل، وكُتِب له على الحائط كتاب كان يقرأ فيه، يراه هو ولا يراه أحد من أصحابه، وعُرِضت عليه النبوة فيما قال — أو فيما زعم المؤرخون أنه قال — فأباها، واكتفى بالإمامة؛ لأن أعباء النبوة أثقل من أن يستطيع النهوض بها.
    ومن الجائز أن يكون عبد الله بن محمد قد زعم هذا كله أو بعضه لأصحابه؛ فقد كان هذا النحو مذهبًا من مذاهب نشر الدعوة ووسيلة إلى إثارة الجماهير، ومن الجائز كذلك أنه لم يقل من ذلك شيئاً، وإنما تكلف المؤرخون ذلك غضٍّا منه وتشهيراً به وزراية عليه؛ لأن النجاح لم يكُتَب له، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه قصد إلى البصرة، وهمَّ أن يثير فيها الفتنة، فنذر به السلطان، وأخذ بعض أصحابه وهرب هو، فعاد إلى بغداد وأقام فيها مع جماعة من رفاقه يحكمون أمرهم، حتى إذا عُزِل عامل البصرة قصد قصدها، وهناك بدأ مغامرته الخطيرة سنة خمس وخمسين ومائتين بعد أن أنفق في التدبير والتمهيد والتجربة ست سنين.
    بدأ مغامرته الخطيرة في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين؛ اتصل بالرقيق الذين كانوا يعملون حول البصرة في كسح السباخ وفي إصلاح الأرض، وفي استخراج الملح وفي غير ذلك من هذه الأعمال التي سخر أهل البصرة لها عشرات الألوف من الرقيق السود، والظاهر أن أصحاب رءوس الأموال كانوا قساة على هؤلاء العبيد، يسومونهم الخسف ويعنفون عليهم في السيرة ويقترون عليهم في الرزق ويكلفونهم من العمل أكثر مما يطيقون، وآية ذلك أن عبد الله بن محمد لم يكد يتصل بهم حتى استجابوا له مسرعين وحتى تكاثروا حوله، وإذا هو يعدهم ويمنيهم، ويمنحهم الحرية، ويحلف لهم جهد أيمانه أنه سيملكهم الأرض وسيجعلهم سادة يملكون الرقيق، بعد أن كانوا رقيقا يملكهم السادة، وسيملكهم سادتهم، والرقيق يسمعون له ويحفون به، ويفنون في طاعته، وهو يبر لهم بما وعد، ويعطيهم ما مناَّهم، أليس قد حكمهم ذات يوم في بعض وكلائهم ومواليهم، فأباح لهم أن يطرحوا هؤلاء الوكلاء والموالي وأن يضربوهم بالسياط؟ ثم هو يتخذ من هؤلاء السود قادة ويؤمِّرهم على الجند ويسوِّي بينهم وبين البِيض الأحرار، يغُِير بهم على القرى ويغُِير بهم على السفن، فإذا أحرزوا ما في القرى والسفن، قسمه بينهم لم يفرق بين عبد وحر، فقد أصبحوا جميعًا أحرارًا، ولم يفرق بين أسود وأبيض، فليس لإنسان على إنسان فضل إلا بالطاعة وحسن البلاء.
    وكذلك انتشرت الدعوة بين الرقيق، فتكاثفوا وضخم عددهم، وقلق السادة فأرسلوا إليه يفاوضونه ويخوفونه غدر هؤلاء السود وفرارهم، ويعرضون عليه خمسة دنانير عن كل واحد منهم، فلا يحفل بشيء من ذلك ولا يلتفت إليه، وإنما يمضي في نشر دعوته وتحرير الرقيق من السود، وتأليب الأحرار من الفقراء والبائسين، وإذا هو صاحب جيش ضخم يهتم له السلطان فيرسل إليه الحملة إثر الحملة، وهو ينتصر على ما يرُسَل إليه من الجيوش، وهو يقهر القائد إثر القائد ويهزم الوالي إثر الوالي، ويزعج أهل البصرة إزعاجًا شديدًا بعد أن ألقى في روعهم أنهم أصبحوا في متناول يده، ليس عليه إلا أن يبسطها ليأخذهم متى شاء وكيف شاء، والسلطان المركزي في بغداد يرسل الوالي إثر الوالي والجيش بعد الجيش فلا يظفر بشيء أو لا يكاد يظفر بشيء، حتى أخاف صاحب الزنج هذا القسم من العراق، فأفزع البصرة والأبلة والأهواز، ونشر الرعب حتى اضطر الناَّس إلى الهجرة والهرب، وهو متنقل بجيشه من مكان إلى مكان، مغير بهذا الجيش على مدينة بعد مدينة، يغير بنفسه حيناً، ويرسل أصحابه إلى الغارة حيناً آخر، حتى إذا استيقن القدرة على اقتحام البصرة دفع إليها أصحابه دفعًا فخربها تخريبًا وقتل أهلها تقتيلا منكرًا، واستصفى ما كان عندهم من المال، واضطر من بقي منهم إلى الفرار، وأخذ الأسرى من أحرار العرب والعجم من خيار الرجال وكرائم النساء، فوزعهم على أصحابه رقيقًا بعد أن كانوا سادة، وعرضهم في الأسواق للبيع والشراء كما كانوا يعرضون الزنج في الأسواق للبيع والشراء، وقد جزع الخليفة المعتمد لهذا الأمر جزعًا شديدًا، فكلَّف أخاه الموفق إدارة هذه الحرب، وأعد له جيشًا لم ترَ بغداد مثله منذ عهد بعيد، وذهب الموفق فلقيت جيوشه صاحب الزنج مرة ومرة ومرة دون أن تبلغ منها شيئاً، وإنما كانت الهزيمة تدركها في أكثر الأحيان، واضطر الموفق إلى اعتزال هذه الحرب إما يأسًا من الفوز وإما لأن الخلافة كانت في حاجة إليه لحرب أخرى في الشرق لم تكن أهون من حرب الزنج شأناً ولا أقل منها خطرًا، والمهم أن صاحب الزنج استأثر بالأمر كله في هذا القطر من أقطار الدولة الإسلامية، وملأ العراق رعبًا وفرقًا ونغَّص الحياة على أهل بغداد، وسلَّمت له كور وأقاليم جعل يجبي خراجها وينفق منه على تدبير أمره وتقوية جيشه، وكان هذا القطر من أقطار العراق قد نظُِّم الري فيه أحسن تنظيم وأكمله، فجرت فيه الأقنية والأنهار من كل وجه واتخذت فيه هذه الأقنية والأنهار وسائل للري ووسائل للمواصلات، ثم اتخذت وسائل للحرب أيضًا فكانت هذه الأقنية والأنهار دروعًا يتُقَّى بها العدو حين تتحارب الجيوش على الأرض، كما كانت هذه الأنهار والأقنية ميادين للقتال حين تتحارب الجيوش على ظهر الماء، وقد اتخذت الأساطيل النهرية من صغار السفن وكبارها، وكانت جيوش السلطان وجيوش صاحب الزنج تلتقي وتقتتل، على ظهر الأرض وعلى وجه الماء.
    ولما عظم أمر صاحب الزنج وأصبح خطرًا لا على ما يليه من الكور والأقاليم فحسب، بل على عاصمة الخلافة وسلطان الدولة كله، أعاد المعتمد إلى أخيه تدبير أمر الحرب وأطلق يده في أموال الدولة يدبرها كما يشاء وينفق منها كما يشاء، وأطلق يده في جيوش الدولة أيضًا يوجهها حيث يشاء ويكلفها من الأمر ما يشاء، ونهض الموفق لهذه الحرب مصممًا هذه المرة على ألا يعود حتى يمحق الفتنة محقًا، وقد أتيح له ما أراد، ولكن بعد أن بذل أي جهد، وبعد أن احتمل أيَّ عناء، وبعد أن أنفق أي مال، وبعد أن ضحى بعشرات الألوف من الجند وبعد أن عرض نفسه وابنه وقواده لأي مخاطرة، يكفي أن تعلم أنه أنفق في هذه الحملة الأخيرة أعوامًا متصلة غير قليلة لم يرح فيها ولم يسترح، ولم ينفذ فيها أحكامه وأوامره حسب العرف المألوف، وإنما فرضها دكتاتورية عنيفة شملت أكثر أقطار الخلافة واستغرقت أكثر مرافقها، وينظر الموفق ذات يوم وإذا أخوه أمير المؤمنين قد ضاق بهذه الدكتاتورية ولم يطق صبراً على ما تفرض عليه وعلى جنده من الضيق، وإذا هو يخرج ذات يوم من بغداد قاصدًا إلى الغرب، يريد أن يأوي إلى مصر ليعيش في ظل ابن طولون مغاضبًا لأخيه، ولكن الموفق كان أحزم من ذلك وأمضى رأياً وأوسع حيلة، فيأمر بعض قواده في الأقاليم أن يتلقى الخليفة ووزراءه وقادته، وأن يقبض عليهم ويردهم إلى بغداد كارهين إن لم يعودوا إليها راضين، والقائد يطيع أمر مولاه، ويرد أمير المؤمنين وأصحابه إلى العاصمة، وقد ضبط الموفق الأمر وأحكمه في الأقاليم التي كانت خاضعة لسلطان الخلافة، ومضى في الحرب لا يعرف هوادة ولا رفقًا ولا ليناً، يقدم ابنه أبا العباس بين يديه وينتظر منه أن يخاطر بنفسه ليخاطر القواد بأنفسهم وليخاطر الجنود بأنفسهم أيضًا، أليس هو يخاطر بنفسه كلما سنحت الفرصة؟!
    وكان أمر صاحب الزنج قد بلغ من العلو والارتفاع أن اتخذ لنفسه ولقواده المدن الجديدة، ينشئها إنشاءً، ويحصنها تحصينا هائلا؛ فهو يقيم في المدينة المختارة، وقائد آخر يقيم في المدينة المنيعة، وقائد ثالث يقيم في المدينة المنصورة، وقد ملئت الأرض من حول هذه المدن بالجند وأداة الحرب، وملئت الأنهار والأقنية بالسفن، فينشئ الموفق لنفسه مدينة يتخذها قاعدة للحرب يسميها الموفقية، ويجمع فيها كل ما يجتمع في العواصم الكبيرة من المرافق والصناعات التي يحتاج الناَّس إليها في السلم والحرب، ولا يزال بجيوش صاحب الزنج الأشهر والأشهر، ثم العام بعد العام، حتى يضطرها إلى أن تترك خطة الهجوم وتلتزم خطة الدفاع في مدنها وحصونها، ثم لا يزال بهذه المدن والحصون حتى يستخلصها مدينة مدينة وحصناً حصناً، وحتى يضطر الفلول المنهزمة إلى المدينة المختارة حيث يقيم صاحب الزنج، وإذا الناَّس يكثرون في هذه المدينة حتى تضيق بهم، وحتى تقصر مرافقها عن إرضاء حاجاتهم، ولكن الموفق يتقدم حتى يضرب حولها الحصار، ويقطع عنها الميرة، وهنا يظهر الموفق من النبوغ والامتياز ما لم يمكن أن يظهره كراسوس في حرب سبارتاكوس، فقوة الموفق هائلة لا تقُهَر، وهو قادر على أن يأخذ المدينة بالحصار، يضَُيقِّ عليها حتى يلقي أهلها بأيديهم، وهو قادر على أن يقتحم المدينة وإن كلفه ذلك خسائر هائلة، ولكنه يبدأ فيعرض الأمان على صاحب الزنج، فإذا رفض التسليم مضى في حرب غريبة حقا، فحارب بالرهبة التي لا تعدلها رهبة، وبالرغبة التي لا تشبهها رغبة؛ فهو يبذل الأمان والعفو والخلع السنية لمن شاء من قواد صاحب الزنج وجنوده لا يبخل من ذلك بشيء، فإذا استأمن إليه بعض الناَّس تلقاه فعفا عنه وأحسن إليه وخلع عليه وكرمه أجمل تكريم، ثم عرضه في سفينة من السفن في هيئته الجديدة ليراه المشرفون من السور فيطمعوا في مثل ما أتيح له من النعيم، وما أكثر ما كان هذا المنظر يطمع ويغري! وما أكثر ما كان قواد صاحب الزنج يتأثرون بهذا الإطماع والإغراء، ويستأمنون للموفق ويصبحون له على قائدهم ورئيسهم ظهيراً!
    وإذا أخذ أصحاب الموفق بعض الأسرى وأبوا أن يستأمنوا ضرب أعناقهم، ثم يجمع رءوسهم إلى رءوس الذين يقُتلون في الموقعة، ثم ينصب هذه الرءوس على السفن ليراها المشرفون من السور فتمتلئ قلوبهم فزعًا وروعًا، وقد يقُتلَ القائد الوجيه فيحُتزَ رأسه ثم يرُمَى به من وراء السور، ومع المنشور من منشورات الموفق قد ملأه الترغيب والترهيب، وكذلك أخاف الموفق كثيراً من الناس، وأطمع كثيراً من الناس، واجتذب إلى نفسه كثيراً من الناس، حتى إذا آن له وقت الهجوم أمر بهدم الأسوار واقتحام المدينة وتهديم الحصون حصناً حصناً، والدور دارًا دارًا، وجدَّ في ذلك حتى بلغ منه ما أراد بعد مشقة شاقة وجهد عنيف.
    كل ذلك وعبد الله بن محمد صاحب الزنج يقاوم كأحسن ما تكون المقاومة، ويدافع كأعنف ما يكون الدفاع، لا تفل عزمه خيانة الصديق ولا يثبط همه قتل الأنصار، وإنما – ٠يم ا ي.اات يا فاي يي ي م مام: يا هو يقاوم في مدينته ما وسعته المقاومة، ثم يقاوم في داره حتى تقتحَم عليه، ثم يقاوم في كل شبر من الأرض حتى يتفرق عنه أنصاره، منهم من قُتِل ومنهم من أخُِذ ومنهم من لاذ بالفرار، وهو قائم يدافع لا يتزحزح عن مكان إلا ليثبت في مكان آخر، حتى إذا أحُِيط به لم يستسلم ولم يلُق السلاح، وإنما قاتل حتى قُتِل، وحتى احتزَُّ رأسه وحُمِل مممم
    إلى الموفق، وقد ثبت معه جماعة من قواده دافعوا كما دافع، وأبلوا كما أبلى، قُتِل بعضهم في الميدان، وأخُِذ بعضهم إلى بغداد، فقُتِلوا وصُلِبوا على شاطئ النهر.
    وظن الناَّس أن ثورة الزنج قد انتهت، ولكنها أعوام تمضي، وإذا ثورة أخرى تظهر في العراق فتملأ الأرض هولاً، لا في العراق وحده ولكن في جزيرة العرب وفي الشام، وقد تصل أطراف منها إلى مصر؛ كانت البصرة ضحية ثورة الزنج، ثم صارت الكوفة ضحية ثورة القرامطة. ألم يكن هناك سبب بين هاتين الثورتين؟ بلى قد كان هناك سبب أي سبب؛ طابعهما واحد، هو الخروج على النظام السياسي والاجتماعي والانتساب إلى آل علي، وغايتهما واحدة هي تحقيق العدل في الأرض بعد أن أفسدها الظلم والجور، ونتيجتهما واحدة هي هذا الروع الذي ملأ القلوب وهذا الهول الذي سفك الدماء، وأزهق النفوس ودمر الأمصار، وهذا الجهد الضائع الذي لم يزل ظلمًا إلا ليقيم مكانه ظلمًا آخر، والذي يحاول أن ينصف الناَّس فلا يبلغ من الإنصاف شيئاً. أكُتِبَ على الإنسانية إذن أن تكون الجهود التي تبذلها في سبيل الإصلاح مضيعة، وأن يصبح الذين يحاولون إزالة الظلم وإقرار العدل أنصارًا للظلم وأعداء للعدل؟ كانوا يريدون أن ينقذوا أنفسهم وينقذوا الناَّس من ظلم الظالمين، فلم يكتفوا بالإنقاذ، وإنما جزوا السادة ظلمًا بظلم، فكان هذا أول الشر، ثم تجاوزوا ظلم الظالمين من الأعداء إلى ظلم الأنصار والأتباع، فأصبحت الحرية استبدادًا، وأصبحت المساواة استئثارًا، وأصبح الإنصاف بغياً وعدواناً، ومضت كلمة القضاء في الناس: سعيٌ متصل إلى المُثلُ العليا، وعجزٌ متصل عن تحقيق هذه المُثلُ أو الوصول إليها، وظلم متصل في أثناء ذلك للظالمين وغير الظالمين.
    وقد أظهرت ثورة سبارتاكوس رجلين اثنين هما قائد الثورة وقامعها، أما ثورة الزنج فقد أظهرت رجالاً كثيرين لا أستطيع بالطبع أن أتحدث عنهم، وإنما ألاحظ مسرعًا أنها أظهرت رجلين اثنين من رجال الدولة المحافظين على النظام، وأظهرت طائفة من الناس كلهم ممتاز خليق أن يحفظ التاريخ اسمه من ناحية الثورة، فلم ينهض بالثورة عبد الله بن محمد وحده، ولم يعتمد فيها على الزنج وحدهم، وإنما نهض معه قوم من أصحابه كانوا في مثل سنه، منهم من خرج من غمار الناَّس لم تكن له سابقة ولا لأسرته ذكر، كهذا البحراني الذي كان كيالاً في وطنه قبل أن تتصل أسبابه بصاحب الزنج، فأصبح بعد ذلك قائدًا مجربًا، وسياسياٍّ لبقًا، ومدبرًا داهية، ومنهم من كان من أهل البيوتات، ومن الأسر الأرستقراطية العريقة، كعلي بن أبان المهلبي، هذا الذي ينتسب إلى قامع ثورة الخوارج أيام بني أمية والذي أصبح خارجياٍّ مع صاحب الزنج، والذي أظهر براعة في الحرب ودهاءً في السياسة وصبراً على المكروه لا يشبهه فيها إلا أبو العباس ابن الموفق، ومنهم آخرون جاء بعضهم من عرض الطريق فكشفت الأحداث منهم عن رجال أفذاذ حقٍّا ليسوا أقل استعدادًا للنهوض بجلائل الأعمال وعظائم الأمور من هذه الأرستقراطية التي احتكرت شئون الحكم احتكارًا، فإذا دل هذا كله على شيء فإنما يدل أولاً على أن روح المغامرة قد كان شائعًا منتشرًا في جميع الطبقات، وعلى أن انتشار الثقافة قد فتح للناس وللمغامرين منهم خاصة أبوابًا لم تكن تفُتحَ لهم من قبل، وأشعرهم بأن ما يفُرَض عليهم من نظم الحكم تلك التي اشتملها الفساد، وما يفُرَض عليهم من نظم الاجتماع تلك التي قامت على الظلم والجور، كل هذا خليق أن يغُيرَّ، فحاولوا تغييره ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. نجحوا أول الأمر هنا وهناك، ثم أدركهم الإخفاق في كل مكان؛ لأن تقدم العقل لم يكن قد بلغ طوره الذي يمكنه من أن يسيطر على الإرادة والغريزة، وأظنك توافقني على أن تقدم العقل لم يبلغ هذا الطور إلى الآن، فما أكثر الثورات التي قامت في العصر الحديث لتغير النظم السياسية والاجتماعية وترد الناَّس إلى العدل والمساواة، فلم تبلغ من ذلك إلا أقله، وما زال أكثره أملاً يرُقَب ولا يتُاح الوصول إليه!
    ولنقف وقفة قصيرة جدٍّا عند قائد ثورة الزنج عبد الله بن محمد، وقامع هذه الثورة أبي أحمد الموفق بن المتوكل، فأما أولهما فقد كان رجلاً من غمار الناَّس حقٍّا، زعم
    المؤرخون أنه انتسب إلى آل علي ولم يكن منهم في شيء، وأنه تردد في سلسلة نسبه إلى زيد بن علي بن الحسين، وزعم المؤرخون أيضًا أن نسبه في عبد القيس، وجائز أن يكون نسبه في عبد القيس، وجائز أيضًا ألا يكون له نسب في قبيلة من قبائل العرب، وأكبر الظن أنه لم يكن يحفل بشيء من ذلك فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين أصحابه، وإنما كان يتكلف بعض ذلك ليستهوي قلوب العامة ويجمعهم حوله، فقد كانت العامة في العراق وبلاد العرب وأجزاء من بلاد الفرس مؤمنة بأن تغيير النظم السياسية إن قُدِّر له أن يكون فلن يقع إلا على يدٍ علوية تتصل بأهل البيت.
    والشيء المحقق هو أن عبد الله بن محمد قد كان رجل حزم وجلد كما كان رجل طمع وطموح. كل شيء في سيرته يدل على صلابة الرأي ومضاء العزم والثبات على المبدأ، والشجاعة التي لا تعرف ضعفًا ولا فتورًا، والمرونة التي لا تعرف ترددًا ولا حيرة أمام المشكلات، وقد يضيف المؤرخون إليه سيئات كثيرة منكرة، وأكبر الظن أنه قد اقترف كثيراً من هذه السيئات، فأسرف في القتل والتدمير، وأنهب أصحابه الأموال، ورد الأحرار إلى الرق كما رد الرقيق إلى الحرية، ولكن كثيراً من سيئاته هذه لا ينبغي أن يحُمَل عليه وحده، وإنما ينبغي أن يحُمَل على عصره وعلى الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر، سواء منهم من حافظ على النظام القديم ومن أراد تغييره، وكل ثورة خطيرة على النظم السياسية والاجتماعية تستتبع ألوانا من الهول لا يسيغها الخلق ولا يقرها العقل ولا يرضاها الدين، ولكنها تقع مع ذلك لأن الغريزة هي التي تدفع إليها، ولأن الغريزة هي التي تثور، وإذا ثارت، فقلَّ أن تعرف لنفسها حدٍّا تنتهي إليه. والناس يعرفون أهوال الثورة الفرنسية كما يعرفون أهوال الثورة الشيوعية، والناس لا يكرهون الثورة عبثاً، وإنما يكرهونها لما تدفع إليه من هول وما تورط فيه من إثم، وما يقترف الناَّس فيها من المنكرات، ومع ذلك فقد يخطئ المؤرخون، وينسون أنهم يكتبون عن عدو الله الخبيث اللعين صاحب الزنج، قد يخطئ المؤرخون وقد ينسون هذا كله، فيذكرون أمورًا تدل على الصدق والرفق، ولا تصدر عن خائن خبيث يتعمد الشر ويتخذ الشيطان له إمامًا، فهو يأبى مثلاً أن يأذن بالإغارة على قرية لأن رجلاً من أهلها قتل رجلاً من أصحابه، يريد قبل الإيقاع بهذه القرية أن يتبين ويتثبت لعل أهل القرية أبرياء لم يعينوا صاحبهم ولم يشاركوا في إثمه، وهو يلقى بعض أهل القرى وقد أقبلوا يعرضون عليه أموالهم لينصرف عنهم، فيجزيهم خيراً ويترك لهم أموالهم ولا يلقاهم بكيد، وهو يحس أن الزنج يشفقون من أن يتركهم أو يسلمهم لكثرة ما كان يوجه إليه من إغراء، فيجمعهم ويؤمنهم ويطلب إليهم أن يحيطوه بجماعة منهم ترقب سيرته، فإن رأت منه انحرافًا عن العهد أو ميلاً إلى الإغراء، فتكت به، وهو يوفي عهده، ويثبت على مبدئه، فلا يستأمن حين يعُرَض عليه الأمان، ولا يستسلم حين يستيئس من الفوز، ولا يحاول أن ينجو بنفسه بعد أن فقد الأمل، وإنما يقاتل حتى يقُتَل.
    أما خصمه أبو أحمد فلم يكن كما رأيت من عامة الناس، وإنما هو من سلالة الخلفاء، أبوه المتوكل بن الرشيد، وقد كانت سلالة الخلفاء من حوله قد أدركها الضعف، وانتشر فيها الخمول، وأترفت حتى تحكمت فيها اللذة، ثم تحكم فيها الرقيق من الخدم في القصور والجند خارج القصور، فظهور أبي أحمد في هذه البيئة المترفة التي أفسدها الترف حتى غلبت على أمرها، وتفوقه هذا الرائع في إدارة السياسة والاقتصاد والحرب، كل ذلك آية على أنه قد كان رجلاً نابغة كأكمل ما يكون الرجل النابغة، وقد نظلمه أقبح الظلم إذا وازنا بينه وبين كراسوس قامع الثورة الإيطالية. قد كان أبو أحمد مناقضًا لهذا الروماني المترف العاجز الذي أفسده الثراء، فلم يبقِ له شجاعة ولا خلقا ولا دينا كل المناقضة؛ كان أبو أحمد أشجع بني العباس في عصره، وأشجع من كان يعمل لبني العباس من قادة الترك والموالي عامة، وكان يملك الشجاعة بأروع معانيها وأرفعها، فهو قوي على نفسه، ثم هو قوي على أهله وذوي قرابته قبل أن يكون قوياٍّ على غيره من الناس، يخاطر بنفسه في المواقع، ويحمد من ابنه مخاطرته بنفسه في المواقع، فإذا أحس من أخيه أمير المؤمنين ترددًا أو ضعفًا أو اضطرابًا، أخذه بالحزم ورده إلى القصد، وأكرهه على الاعتدال، وإذا رأى من ابنه نفسه بعد الفوز إسرافًا في الجموح أو الطموح، قسا عليه أشد القسوة، وألقاه في غيابات السجن، لم يحفل بحبه له وعطفه عليه، والناس يثورون غضبًا للأمير الشاب، ولكن أبا أحمد يلقى الثائرين ويردهم إلى الهدوء ويسألهم: أترون أنكم أحب له وأحدب عليه من أبيه؟ وأبو أحمد لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار. كانت شئون الدولة مضطربة أشد الاضطراب، فكان مضطربًا مثلها، يدافع الشر حيث ينجم الشر، يحاول أن يقهر ابن طولون في الغرب، ويقمع الثورة في العراق كما يقمعها في شرق الدولة، وحين يعجز عن الحركة، ويضطر إلى لزوم الفراش، فهو يدبر الأمر من سريره، ثم يعاد إلى بغداد، وقد عجز عن الركوب، فيحُمَل في سرير، يتناوب نقله أربعون رجلاً، وهو يحس أن حامليه يشفقون بحمله فيقول لهم في بعض الطريق: وددت لو أني كنت واحدًا منكم، أسعى كما تسعون، وأشقى كما تشقون، ولا ألقى من الألم والعجز ما ألقى، ولكنه على ألمه وعجزه، يدبر أمور الدولة إلى آخر لحظة من لحظات حياته، ويفرضها دكتاتورية حازمة لا يعفي من سلطانها ابنه ولا أخاه.
    أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن في أحداث التاريخ العربي القديم ما يستطيع أن يلهمهم حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر؟ أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن من حق هذه الأحداث عليهم أن ينظروا فيها بين حين وحين، كما ينظرون إلى أحداث أخرى وإلى ألوان أخرى من التاريخ؟
    الكاتب المصري مايو ١٩٤٦

  • إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    Arabic calligraphy merging into birds flying over a vintage parchment background

    طريقة الإصلاح
    المقتبس ١-٢-١٩١٢
    لا أعرف في إصلاح اللغة إلا طرقًا ثلاثًا، قديمة غير جديدة، أي أني لست مبتدعًا لها، بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى: نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين: إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول، والثانية شعور القراء بفخامة ذلكم الجد الضائع والشرف المفقود شعورًا يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع. ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس. وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطريق شأوًا بعيدًا، فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب، فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود. وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قرارًا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا، وقد مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة، وإني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر.

    الثانية: تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها، تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أشرت إليها آنفًا، وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب، وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى، وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب. وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية، فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها. وقد وجدت منذ سنين شيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير، فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء، ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق، وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال.

    الثالثة: تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية، فلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي. ولست أرى أكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانه الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام. فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الأخلاق والعقول، فقد حق له عليّ الثناء الجميل، وقد حق علينا جميعًا أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله.

    وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلًا نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم.

    طه حسين
    المقتبس ١-٢-١٩١٢

    من أوراق الدكتور طه حسين
    تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
    بقلم: د. محمد حسن الزيات
    مجلة الهلال ١-٦-١٩٨٨
    بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ، وجهه إلى وزير التربية والتعليم، أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت، عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية، يقول فيه: «إن لهاتين المسألتين المشكلتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان». وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم، مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي، إلى التفكير في استعمال الحروف اللاتينية، فأنكر طه حسين ذلك عليه، وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام. على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية. فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل لهاتين المسألتين المشكلتين.
    يقول طه حسين في خطابه:
    حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العموميةتفضلتم فتحدثتم إليَّ في مسألتين لهما في حياتنا الفعلية أبعد الأثر وأبلغه. إحداهما تتصل بتيسير النحو العربي وجعله ملائمًا لطبيعة العصر الذي نعيش فيه، موافقًا لمزاج العقل الحديث. والأخرى تتصل بإصلاح الكتابة العربية بحيث تعصم القارئين عن الخطأ، وتمكنهم من أن يقرؤوا الكلام كما أراد صاحبه أن يكتبه، وكما يحب صاحبه أن يقرأه الناس.

    وما أشك في أن لهاتين المسألتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان، وحسبي أن أقول إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين. وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة، ونخادعها أشنع الخداع، حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية، وندققهم فيها، ونبصرهم بها، ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا عما يريدون، أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف، أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين، على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم، وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.

    فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا، وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا، ولا تتعرض لريب، أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة، فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها، العالم بها، المتقن لدقائقها وأسرارها. وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية، وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا، ويحتملون في ذلك، ويحتمل معهم أساتذتهم، جهدًا ثقيلًا. فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي، وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية، وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث، فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الأصيل.

    وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها بهذه الحقيقة، بعد أن أقنعتها التجربة بها، ودلتها الحوادث عليها، فساقت إلى الذين يعنون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر، وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب منه. وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر، فيمن تلقاه، وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة، وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات. ولكني آثرت الصمت، واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه، لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة، وواثقًا بأنها لن تغني شيئًا، مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة فيما يصل إليها من الإجابات، فتقرأ أولًا، ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين، أو تسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.

    وكنت محققًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء؛ لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها الهيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل، ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.

    وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم، وإلى الجرأة والإقدام، وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها. وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور، وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا، وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين، لولا أني وجدت من حديث معاليكم، ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية، ما رد إليَّ بعض الأمل، وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة، مغتبط أشد الاغتباط، حين ألاحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة لما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة. فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا، ومقدمة سعيدة لخطوات موفقة إن شاء الله.

    ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين أن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يعلم في البصرة والكوفة وغيرهما من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة؛ أي إننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يعلم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت، وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها، إلا علوم اللغة العربية، فإنها ظلت كما هي، لم تتطور ولم تتغير، إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا، ولعله يصعب السهل، ويدفع الواضح إلى الغموض.

    وليست العلوم وحدها هي التي تطورت، أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم، إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير، فأنتج علمًا مخالفًا لما كان نتيجة من قبل، وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يستسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير في أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي، أو بطليموس، أو أرسطاطاليس، أو جالينوس، ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.

    ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد، ثم استقر في نفوسهم، وامتزج بعقائدهم، وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة، وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفساد لها. ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل، وأن يبقى المساس بها، على أي وجه من الوجوه، يعرضها للتغير أو التطور.

    وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل، دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث، أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا أو كثيرًا، ولكن الناس لم يفطنوا لهذا، أو لم يحفلوا به، وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة، وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم.

    ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره. وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية، واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن، واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء، فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة، ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل.

    وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر؟ وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء، أو ترفع بضمة قبل الواو، وتنصب بفتحة قبل الألف، وتجر بكسرة قبل الياء، أو تعرب بالحركة والحرف جميعًا، أو تعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف؟ سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه، وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف، مهما تكن علامة إعرابها.

    وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة، ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو، فقلنا إن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا، لما كان لهذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي؛ لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان، فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه، هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين، وهو الابتداء، أو عناء الفهم لهذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر، والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.

    وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه، وتعقدت ألوان المعرفة، إلى أن نريحه من العناء الذي لا يغني، ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يستسيغه. ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا، وصرفناه عنه صرفًا. وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب، وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع؛ ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه، ولا تتحدث إلى عقله، ولا تلائم طبعه ومزاجه، وإنما هي ألغاز لا تفهم، أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليه نظرة الجد.

    وكيف تريد التلميذ أن يفهم أننا إذا قلنا: محمد أقبل، فلا بد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل، ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على محمد؟ وكيف تريد الطالب أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة، ويستتر وجوبًا مرة أخرى، وهو في كل حال مبني، ومحله دائمًا محل الرفع؟ كل هذا كلام لا يستسيغه العقل الحديث، ولا سيما في طور الطفولة والشباب. فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى، فإنما نفرضه على الذاكرة، ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم، وأن يردد ما لا يعقل.

    وأحسب أن إصلاح الكتابة العربية لا يقل حاجة عن إصلاح النحو، ولعلها أن تكون أشد منهما وأكثر شيوعًا؛ فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو، ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب، وهو في حاجة إلى أن يعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب. وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق حديثكم الذي أذعتموه منذ حين، وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة.

    فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة شيء مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير، كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير. وقد نسي الناس أن الكتابة غيرت، وطورت، ونالها العلماء بالإصلاح، فلم يصب اللغة من ذلك ضرر، ولم يلم بها فساد.

    وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية، كغيرها من الكتابات السامية، ناقصة؛ تصور حروفها الجامدة، وتهمل حروفها اللينة. ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني، وهي على كل حال شديدة العسر، ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرؤوا.

    وقد يمكن أن يقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها، وتتفرد بها، كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور. فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا، وأن يكتبوا، وأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار، فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرؤوا، وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتخصصين، وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم، لا غاية يشق عليهم الفهم منها.

    وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق، فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة، كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا منطلق كتبنا منطلق بالكاف والتاء والباء وحدها، وإنما ننطقها مع هذه الفتحات الثلاث التي تشيع النطق لهذه الكلمة. فما بالنا نصورها في النطق، ولا نصورها في الكتابة؟ وكيف السبيل للقراء الساذجين إذا رأوا هذه الأحرف الثلاثة الجامدة، أن ينطقوها على الصورة التي أرادها لها الكاتب؟ وإذا فبم السبيل إلى ذلك، وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس؟

    وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد تنبهوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه، فحاولوا تصوير هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة، وبالشكل المعروف مرة أخرى، فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون؟ أفلا يسعنا أن نحسن ما أحسن أئمة القرن الأول والثاني؟ وكيف ينكر علينا ما لم ينكر عليهم، وكيف نلام على ما لم يلاموا عليه؟ وأيهما خير: أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها، فنتم ما بدأوا، ونحقق ما أرادوا، أم أن نبقى حيث نحن، فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء؟

    ولا يخطر لي أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك، أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله، إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها، وتركها عرضة لتقلب الظروف. ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة؛ فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتصلون بالعلم بأوضاع الكتابة والخط، ويحسنون التصرف فيها، ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا، ثم يعرضوا ما ينتهي لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة في هذا الأمر، بعد أن يستقر رأي العلماء، ويتم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.

    وخلاصة القول أني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تضع تيسير النحو، وترفع ما تنتهي إليه من هذا التيسير إلى معاليكم لتروا رأيكم، ولتعرضوه، إن شئتم، على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة. وثانيًا، أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها؛ فيستشار الأزهر، وتستشار دار العلوم، وتستشار الجامعة، ويستشار المجمع اللغوي. فإذا أجمعت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي، وهو أن تصوير الحروف اللينة، أو الحركات، على أنها جزء من الكلمات، ضرورة لا بد منها، وخير لا شر فيه، عرض موضوع هذا الإصلاح لمسابقة عامة، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، بل في الشرق والغرب جميعًا.

    وأنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا، مع أجمل الشكر، وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.

    يسروا النحو والكتابة
    بقلم الدكتور طه حسين
    الآداب ١\١١\١٩٥٦
    سيداتي وسادتي،
    أريد أن أتحدث إليكم في موضوع عسى أن يكون ثقيلاً، وأعتذر إليكم من ثقله، فالحق ثقيل دائماً، لا يخف إلا على أولي العزم من الناس، والعهد بكم أنكم من أولي العزم؛ لأنكم من العرب الذين يؤثرون الجد على الهزل، ويفضلون الصراحة على المداراة والمراوغة. وبيني وبين الذين سينكرون ما أقول، ما قاله أبو العلاء:

    خذي رأيي وحسبك ذاك مني ٭ على ما فيَّ من عوجٍ وأمتِ
    وماذا يبتغي الجلساء مني ٭ أرادوا منطقي وأردت صمتي
    ويوجد بيننا أمد قصي ٭ فأموا سمتهم وأممت سمتي

    والموضوع ثقيل؛ لأنه يتصل باللغة العربية الفصحى، وبتعليم الشعب. فما أكثر ما نتحدث عن هذه اللغة العربية الفصحى، وما أكثر ما نعلن اعتزازنا بها، واعتدادنا بتراثها، وحرصنا عليها وعلى تراثها العظيم، ويقيننا أنها هي أساس وحدتنا، وهي العروة التي تجمع الشعوب العربية على اختلاف أوطانها وتباعدها، والعروة التي لا انفصام لها. نتحدث عن هذا فنكثر الحديث، ونقول في هذا فنطيل القول، ونملأ به أفواهنا، وتطمئن إليه قلوبنا، وتثور له نفوسنا. وإذا نحن نفيض حماسة وثقة وأملاً ويقيناً. فإذا فرغنا من هذا كله، وثبنا إلى نفوسنا، أو وثبت نفوسنا إلينا، وهدأت عنا الحماسة، اكتفينا بما قلنا، وبما سمعنا، وبما صفقنا، وبما صحنا، ثم لم نكد نصنع شيئاً.

    ولست أنكر أن علماء اللغة في البلاد العربية، على اختلافها، يبذلون جهوداً عنيفة، وينفقون من أوقاتهم ومن نشاطهم أكثر مما يطيقون لحماية اللغة وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها من كل عبث أو كل شر يمكن أن يصيبها. ولكن السؤال الخطير الذي ألقيه الآن، وأريد أن يلقيه كل واحد من حضراتكم عن ثقة، هو: لمن نحفظ هذه اللغة؟ ولمن نصونها؟ ولمن نريد أن نخلدها؟ ولمن ننفق كل ما ننفق من جهد ووقت ومال في سبيل هذا كله؟ أنفعل هذا كله لأنفسنا، لنستأثر بالعلم، وليقال إننا علماء، حفاظ، نتصرف في اللغة العربية بعد أن طوعناها بقدرتنا، ونستطيع أن نصرفها كما نحب ونهوى؟ أم نحن نفعل ذلك لتكون هذه اللغة ملكاً للشعوب كلها، لا لطبقة معينة منها، هي طبقة العلماء، الأئمة، الحفاظ، ولكن لجميع طبقات الشعوب العربية: الطبقات الممتازة أو الراقية، والطبقات الوسطى، والطبقات الفقيرة؟

    وهذا السؤال هو الذي أريد أن أدير الحديث حوله.

    أما أن فينا علماء، فهذا ليس فيه شك، ويكفي أن أكون في دمشق، وأن ألقى الأعلام من أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وأن ألقى هذه الطائفة الممتازة من المثقفين الشاميين، لأقتنع بأن اللغة العربية حية قوية، وأن لها حفاظاً، وأن لها أنصاراً يذودون عنها ويحرسونها، يذودون عنها الشر والعبث والفساد. وما أشك أن في البلاد العربية الأخرى شيئاً يشبه ما في الشام، كبيراً أو قليلاً. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن هذه اللغة العربية، التي يبذل في سبيلها كل هذا الوقت، لم تصل بعد إلى الشعوب، أو لا يكاد يصل منها إلى الشعوب إلا أصداء لا تغني عنها شيئاً.

    وليس أدل على هذا من أننا إذا استقصينا أمر اللغة العربية في الأقطار العربية الأخرى، فسنرى أن أكثر الذين يقرؤون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم على هذه اللغة الفصحى. وسنرى شراً من هذا؛ سنرى كثيراً من الشباب في غير قطر من الأقطار العربية يفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن ذات النفوس في هذا العصر الحديث، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة، ولغة الأدب في بعض البيئات. وما أكثر الذين أخذوا ينحرفون عن هذه اللغة إلى اللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع، وفي القرى، وفي أعماق الريف، يكتبون بهذه اللغة، ويرون الكتابة بها أيسر من الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأطوع لهم، وأقدر على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم، وما يجول في رؤوسهم من الخواطر والمعاني، من اللغة العربية الفصحى.
    وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأنها عسيرة، ولأنها مملة. ولأن التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة، واستمع إلى دروس الأستاذ في اللغة العربية، في النحو أو في الصرف أو في البيان، لم يستفد من أستاذه إلا شيئاً واحداً، وهو النفور من الأستاذ، والنفور من اللغة العربية، والانصراف إلى أي شيء آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل.

    ولا تظنوا أنني أبالغ أو أكثر، فهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا المكابرون. ولا تقولوا إن المدارس قد أخرجت طائفة من الكتاب والأدباء الممتازين، فهؤلاء هم الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أو الاستثناء الذي يحقق القاعدة كما يقال. ولكن التلاميذ في المدارس لا يبغضون شيئاً كما يبغضون دروس اللغة العربية. وهم مع ذلك إذا استمعوا إلى محاضرة عن اللغة العربية، ومجدها القديم، وتراثها الخالد العظيم، ثاروا حماسة، وامتلأوا نشاطاً وإيماناً وإعجاباً بهذه اللغة. ولكنهم حين تسقط عنهم الحماسة يعودون إلى تذكر الأستاذ، وكلامه الثقيل الذي كان يمليه عليهم، أو يلقيه عليهم في المدرسة، وهذه الأسئلة الشاقة التي كان يمتحنهم بها بين حين وحين.

    والأمر أشد من هذا كله خطورة. فنحن في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه قد آمنا بأن التعليم حق للشعب كله، منذ السن المبكرة إلى أن يبلغ الفتى أو تبلغ الفتاة الرشد. وإذن فنحن لا نبيح التعليم للقلة التي وفقت نفسها على أن تتعلم، وأتاحت لها الحياة أن تتفرغ للتعلم، وأن تنفق فيه شيئاً من الجهد والوقت والمال، وإنما نفرض هذا التعليم على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى القادرين والعاجزين. نفرض هذا التعليم على الشعب كله، ونعاقب الذين يقصرون في أداء هذا الواجب، وهو تعليم أنفسهم أولاً، وتعليم أبنائهم وبناتهم بعد ذلك.

    قوانيننا تعاقب الذين يقصرون في تعليم أبنائهم وبناتهم، ومعنى هذا أننا نفرض التعليم على هذه الملايين الكثيرة التي تتألف منها الأجيال في هذه البلاد العربية.

    وإذا فرضنا التعليم على كل هذه الملايين، فيجب أن نبتغي إلى هذا التعليم وسائله الصحيحة التي تنتهي به إلى النجاح حقاً، ويجب ألا نكلف الكثرة الضخمة التي نعلمها، هذه الكثرة الضخمة من البنات والبنين، ما نكلف به القلة التي يتاح لها الوقت والجهد والمال. وإذن فلا بد أن يكون التعليم يسيراً، وأن يكون قريباً، وأن يكون سائغاً، لا تجد فيه هذه الكثرة مشقة ولا عنتاً، ولا تحتاج فيه إلى هذا العناء الثقيل الذي يفرض على أبنائنا فرضاً.

    وأخرى ليست أقل من هذه خطورة، وهي أننا نعيش الآن في القرن العشرين، أي في العصر الذي تغير فيه التاريخ، وتغيرت فيه الحضارة المادية تغيراً تاماً، وتغيرت فيه الثقافة العقلية تغيراً يوشك أن يكون تاماً أيضاً، وتغير فيه العقل نفسه بحكم ما طرأ على الحضارة والثقافة من تغير. وما زلنا نعلم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا كما كان القدماء يعلمونها في معاهدهم ومدارسهم منذ أكثر من ألف عام.

    وقد نستطيع أن نطلب إلى القلة القليلة جداً أن تحتمل هذا العناء، وأن تتكلف هذا الجهد، وأن تخرج من القرن العشرين أو التاسع عشر للميلاد، لتتعلم النحو والصرف واللغة كما كان القدماء يتعلمونها. ولكنك لا تستطيع، بحال من الأحوال، أن تطلب إلى هذه الملايين الكثيرة أن تبذل هذا الجهد، وتحتمل هذا العناء، وتخرج من حياتها التي تحياها بالمشقة، والكد، والعناء، لتعود إلى حياة أخرى لعلها لا تعرف من أمرها شيئاً.

    فعندما تريدون أن تعلموا هؤلاء الأطفال في المدرسة الابتدائية، أو هؤلاء الشباب في المدارس الثانوية، عندما تريدون أن تعلموهم النحو، تعلمونهم النحو كما كان المبرد، وأستاذه المازني، وتلاميذهما المختلفون يعلمون في مساجد البصرة، وكما كان الكسائي والفراء يعلمان في مساجد الكوفة، أو في مساجد بغداد. والفرق بعيد بين المدرسة الابتدائية التي ننشئها في أعماق القرى وبين مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد بغداد، والفرق هائل جداً بين القرن العشرين وبين القرن الثامن أو التاسع حين كان يعيش هؤلاء العلماء.

    كان القدماء يعيشون عيشة خاصة، ويتأثرون من ناحية بالبادية العربية الأولى، ومن ناحية أخرى بالفلسفة اليونانية الطارئة، ومن ناحية ثالثة بالحضارة الفارسية المادية التي أحاطت بهم وشملتهم شمولاً. أما نحن فقد صرفنا عن البداوة العربية الأولى، وأغرقتنا الحضارة الحديثة إلى آذاننا، وقد أنستنا فلسفة أرسطاطاليس وغيره من قدماء اليونان، وأصبحت هذه الفلسفة لا يعرفها إلا الأقلون من أمثال الصديق الدكتور منصور فهمي، والدكتور جميل صليبا. وأصبحت الحضارة الفارسية شيئاً يعني الفرس حين يدرسون تاريخهم، أما حضارتنا الآن فهي الحضارة الحديثة، ونحن نعنى بحضارتنا القديمة لنستبقي منها ما يصلنا بالقديم، حتى لا تفنى شخصيتنا، وحتى لا نفقد عروبتنا، وحتى يظل الاتصال قوياً بيننا وبين ماضينا المجيد.

    فإذا أردتم أن تعلموا النحو لهؤلاء التلاميذ المساكين، فكيف تريدونهم أن يفهموا أن قولك: “قُرِئَ الكتابُ” فعل مبني للمجهول، والكتاب نائب عن الفاعل؛ لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني، وعلم النحو، وأنيب عنه المفعول به؟ فكيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي، الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة، أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ وما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟

    وعندما تريد أن تفهمه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، قلت له: إن “أحد” في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره “استجارك”، وإن تقدير الآية: “وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك”.

    فيسألك التلميذ: وأين توجد “استجارك” الأولى هذه؟ ومن أين نأتي بها؟ وما وجه وجود هذا الفعل مرتين؟ ولم لا نكتفي بهذا الفعل الذي اكتفى به القرآن الكريم؟ كيف تجيبون؟

    أما أنا فقد سألت أحد الشيوخ عن إعراب هذه الآية، فأعربها كما تسمعون، فقلت له: “يا سيدي، أتزيد في كتاب الله؟”.

    وعلة هذا أن النحاة القدماء قرروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا على فعل. ولما جاء في القرآن، وفي كلام العرب، (إن) وبعدها اسم، لم يخضعوا لما جاء في القرآن، ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرًا وشعرًا، وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها. وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف، واستطاعوا أن يحتملوه، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله؛ لأن عقولهم في تلك الأوقات، في تلك السنين، كانت عقولاً فلسفية متأثرة بالميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، كما يقولون، التي تركها أرسطاطاليس، وورثها العرب، فكانوا يستطيعون أن يفهموا مثل هذا الكلام. ولكن شبابنا في هذه الأيام يعيش في عصر لا يكاد يحفل بالميتافيزيقا وما بعد الطبيعة، ويعيش في عصر لا يكاد يعرف أرسطاطاليس منه إلا المختصون. فإذا حدثتهم بالفعل، وحدثتهم عن الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده، وذكرت لهم هذا الفعل، حاروا في أمره حيرة بعيدة.

    وإذا أردتم أن تعلموا التلميذ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فأفهمتموه أن “ثمود” ليست مفعولاً لـ “هديناهم”، وإنما هي مفعول لفعل محذوف تقديره “هدينا”، ثم قلتم إن معنى الآية، أو تقدير الآية: “فأما هدينا ثمود فهديناهم”، لم يستطع التلميذ إلا أن يضحك أولاً، ويسخر ثانياً، وأن ينصرف عن الأستاذ والدرس بعد ذلك. والحمد لله على أنه لا ينصرف عن الإسلام، ولا عن القرآن؛ لأن الإسلام أقوى، والقرآن أقوى من أن يؤثر فيهما مثل هذا العبث.

    أو إذا قلت للطالب أو للتلميذ: “نحن المصريين نفعل كذا”، أو “نحن السوريين نفعل كذا”، وطلبت إليه أن يفسر هذا أو يعربه، ألهمته أن هناك فعلاً محذوفاً تقديره: “أخص نحن المصريين”، أو “أخص السوريين”. فما موقع “أخص” هذه؟ لا معنى لها مطلقاً، إلا أننا وجدنا هذه الكلمة منصوبة، ووجدنا هذا التعبير يدل على الاختصاص، فقدرنا هذا الفعل، وقدرنا هذا العقل، ولنا أن نقدر ما نشاء، ولكن التلاميذ لهم أيضاً عقول صغيرة ساذجة، لا ينبغي أن نكلفها ما لا تطيق.

    وإذا قلت للتلميذ: “إياك والكسل”، وطلبت إليه أن يعرب هذه الكلمة، اخترعت له فعلاً مقدراً لا أدري، ولا يدري هو، أنى يكون ولا من أين جاء، وهو “أحذرك”. ونظراً لأنك حذفت الفعل فقد اضطررت إلى أن تستعمل الضمير المنفصل مكان الضمير المتصل، فلم تقل: “حذارك”، وإنما قلت: “إياك والكسل”.

    كل هذا الكلام أنا شخصياً أحبه أشد الحب، وأؤكد لكم أن النحو هو أحب علوم اللغة العربية إليَّ، وأؤكد لكم أنني أجد لذة لا تعدلها لذة حين أجلس إلى الصديق إبراهيم مصطفى، ونتذاكر باباً من أبواب النحو، ونحاول إعراب آية من آيات القرآن على قواعد النحويين، أو إعراب بيت من أبيات الشعر على قواعد النحويين.

    ولا أنسى أني تذاكرت معه غير مرة في إعراب الآية الكريمة:

    ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

    كيف يكون إعراب هذه الآية؟ لأن هناك: “إذا ما أتوك لتحملهم”، “قلت لا أجد”، ثم “تولوا”. فعلان، و”إذا” محتاجة إلى جواب. أين يكون الجواب؟ أهو “قلت لا أجد”، أم “تولوا”؟ ويكفي أن تنظروا إلى “إعراب القرآن” لأبي حيان لتروا ما يقال هناك. ولكن هل هذا العمل مما يعمل به التلاميذ في المدارس، صغاراً أو كباراً؟

    هذا فصل، وفصل آخر ليس أهون منه.

    الأصل أن الناس يكتبون ليقرأوا، ويقرؤون ليفهموا، ونحن نكتب لنقرأ، ولكننا لا نقرأ لنفهم، وإنما نفهم أولاً لنقرأ بعد ذلك. وإذا كان هذا جائزاً بالقياس إلى الممتازين النابهين الأذكياء، فهذه الملايين ما الذي تطلبونه إليها؟ كيف تطلبون من هذه الكثرة من الأطفال الصغار، في هذه السن المبكرة، أن يفهموا الكتب التي تعطى إليهم في المدارس ليقرؤوها كما ينبغي أن تقرأ؟ ويجب عليهم أن يفهموا قبل أن يقرؤوها، أو أن يقرؤوها خطأ، فيلقون من أساتذتهم ومعلميهم سخطاً.

    فلا بد إذن من أن نختار بين اثنتين: إما أن نريد المحافظة على اللغة العربية في مجامعنا العلمية، على اختلافها، فنذود عنها كل شر، ونحميها من كل بأس، ونحيي تراثها القديم، ونجتهد في أن نضيف إليه كل جديد ممكن، ينفع ولا يضر، وإما أن نكون نفعل هذا كله لأنفسنا، وأشباهنا من المتخصصين، ولا نحفل بالشعب، ولا بتعليم الشعب. وإذن فنحن لا نصنع أكثر مما يصنع المتخصصون في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغة اللاتينية القديمة، أي ما يصنعه المتخصصون في اللغات الميتة.

    أتريدون أن تكون اللغة العربية إحدى هذه اللغات الميتة التي يفرغ لها المتخصصون، ولا يحسنها غيرهم؟

    هذه واحدة.

    والثانية: أن نكون إنما نفعل هذا كله لتكون اللغة العربية لغة حية حقاً، كما تحيا اللغة الألمانية، والإيطالية، والفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، وغيرها من اللغات الحية التي يتكلمها الناس، ويكتبون بها، ويفهمونها حين يقرؤونها، أو يقرؤونها ليفهموها. فإذا قرؤوها فهموها في غير مشقة ولا عسر، وإذا تعلموها فلا يجدون فيها جهداً، ولا مشقة، ولا عناء، إلا ما يجده التلميذ في حياته العادية حين يتعلم أي شيء من هذه الأشياء التي يتعلمها في صباه.

    ولم أذهب بعيداً. انظروا إلى تلاميذنا في المدارس الثانوية! إننا نعلمهم اللغة العربية، ونعلمهم لغة أجنبية أو لغتين أجنبيتين. في أي اللغتين يتثقف هؤلاء التلاميذ؟ وبأي اللغتين يسرع هؤلاء التلاميذ إلى النطق والفهم والحديث؟ أتظنون أنهم يتثقفون باللغة العربية؟ أتظنون أنهم يسرعون إلى التحدث بالعربية الفصحى، ويسرعون إلى قراءتها أو فهمها؟ أم أن الواقع شيء آخر؟

    أما أنا فقد جربت كثيراً، والذي أعرفه من التجربة أن تلاميذنا يتعلمون اللغة الإنكليزية والفرنسية أسرع مما يتعلمون اللغة العربية، لولا أن عواطفهم تفرض عليهم شيئاً من التحفظ، وتفرض عليهم شيئاً من الجهد.

    أؤكد لكم، أيها السادة، أن كل هذا الذي عرضته عليكم حتى الآن إنما يصور خطراً حقيقياً أشرت إليه في افتتاح مؤتمر المجامع العلمية منذ يومين، وأضيف إليه أن هناك كتاباً كباراً يقرؤون في الشرق العربي كله، ويطالب بعضهم الآن بإلغاء الإعراب وإلغاء قواعد النحو. وأنا أطالب بتيسير قواعد النحو، وتيسير الكتابة العربية، لتشيع اللغة العربية، وتصبح لغة الشعوب حقاً، ولغة حية حقاً. ولكن من الناس من كتبوا في هذه الأيام القريبة يطلبون إلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، لا لشيء إلا لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية حين كانوا تلاميذ في المدارس، ولا لشيء إلا لأن النحو القديم، والكتابة الموروثة، والأساتذة الذين يعلمون النحو القديم والكتابة الموروثة، كل أولئك عجزوا عن أن يحببوا هذه اللغة إلى الكاتب الكبير، ويبغضوا إليه العربية الفصحى، وغرسوا في نفسه هذا البغض، وأصبح الآن لا يكاد يحب شيئاً كما يكره التكلم بهذه اللغة، ولا يتحرج أن يطالب بإلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، وجعل اللغة العربية الفصحى كأي لهجة من اللهجات العامية.

    إنكم كذلك بين اثنتين: إما أن تريدوا وحدة الشعوب العربية حقاً، وتكونوا مؤمنين بهذه الوحدة، حراصاً عليها، مستعدين للجهاد في سبيلها بالحياة، والنفوس، والأموال، والمنافع، مهما تكن، وإذن فلا بد أن تجعلوا لغتكم العربية لغة الشعوب، لا لغة الخاصة.

    وإما أن يكون حديثكم عن هذه الوحدة كلاماً لا أكثر، وأعوذ بالله وأعيذكم من ذلك. وإذن فدعوا اللغة العربية تموت، ودعوا اللغات العامية تصبح لغة الكتابة، وانظروا بعد ذلك إذا أراد السوري أن يقرأ الكتاب المصري، عليه أن يترجمه إلى لهجته السورية، ويضطر العراقي إذا اضطر أن يقرأ للسوري أن يترجمه إلى اللهجة العراقية.

    اختاروا، فليس لكم بد من الاختيار. إن نحن مضينا فيما نحن عليه، وأبينا أن ننصرف عن النحو والكتابة، وأن نتيح للشباب والصبية أن يقرؤوا ليفهموا، لا أن يفهموا ليقرؤوا، إن أبينا أن نمضي كما كان النحو، وكما كانت الكتابة، فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة، كما نشأت الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة.

    لقد ماتت اللاتينية، وخلفها أبناؤها وبناتها، فهل تريدون أن تموت اللغة العربية، وأن تخلفها بناتها التي نشأت بالفعل في الأقطار العربية المختلفة؟

    هذه هي المسألة: اختيار. وأنا أعلم أنه ليس أشق على الإنسان من الاختيار. فنحن نحب القديم، ولا نستطيع التفريط فيه إلا بعد مشقة، وجهد، وعناء، وبعد أن تتمزق قلوبنا حسرة، ولكن لا بد مما ليس منه بد.

    وبعد، فلا أدعو إلى هجر القديم مطلقاً، وعسى أن أكون أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لم لا يكون النحو القديم، والكتابة القديمة، والبلاغة القديمة، وكل هذه العلوم العربية التي أنشئت في عصر غير هذا العصر الذي نعيش فيه، متطوراً كما تطورت العلوم؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد، ونخصص للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلماً يسيراً سهلاً، عسى أن يتخرج من بينهم من يضيف إلى ثروة هذا القديم، ويحسنه أكثر مما نحسنه نحن، ويحيي هذا التراث القديم أكثر مما نحييه نحن.

    أنا أعرف أن هذا كله لا يرضي كثيراً من الناس، لا في دمشق وحدها، بل في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولكني لا أحب أن أكذب العرب، وقد قيل إن الرائد لا يكذب قومه، ولا أحب أن أكون كأولئك الذين يقولون إن أمة محمد بخير، ولا أريد أن أكون كأولئك الذين يطمئنون في المكان القلق، إنما أحب، وأحب للمواطنين من العرب، أن يكونوا أيقاظاً دائماً، وأن لا يؤخذوا على غرة، وأن لا ينظروا ذات يوم فإذا هم يدرسون، ويجهدون، ويجدون، ويكدون لأنفسهم لا للشعوب.

    لا بد إذن أن ننظر في هذا كله، وأن ننظر فيه نظرة الشجعان الذين يواجهون الحقائق ولا يستخفون منها، ونظرة الناصحين الذين لا يريدون أن يستأثروا بالعلم دون العامة ودون الشعب. وحسب الناس شقاء أن يكون المستأثرون بالمال هم المستأثرين بالحياة المادية، وشر الاستئثار هو الاستئثار بما خلقه الله ليكون شائعاً بين الناس جميعاً، وهو العلم والمعرفة والثقافة.

    لا ينبغي لعلماء اللغة العربية أن يستأثروا أنفسهم بالعلم العربي، بل يجب عليهم أن يشيعوه، ولا ينبغي عليهم أن يظنوا أنهم حين ينشرون كتاباً من كتب القدماء يشيعون حقاً. فالكتاب لا يشاع إلا بين الذين يستطيعون أن يفهموه، ويتصرفوا به.

    سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذا الكتاب أو ذاك من كتب الجاحظ؟ سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ كتاب “البخلاء”، أو كتاب “التربيع والتدوير”؟ وما أشبه من الكتب القديمة التي نقرؤها فنجد فيها المتعة، والتي يقرأها بعض المستشرقين فيجدون فيها المتعة. سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذه الكتب؟ قرأها العلماء، وأشباه العلماء، وطلاب العلوم العالية، فأما ملايين العرب فلا يعرفون عنها شيئاً. وأعرف قوماً إذا ذكرت لهم هذه الأشياء هزوا رؤوسهم، ورفعوا أكتافهم، واستهزؤوا بذاكرها.

    وقرأت ذات يوم في الصحف من ينكر على دار الكتب نشاطها في مصر، وقال إن هذه الدار لم تطبع إلا كتاباً واحداً، وهو كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد. ينشر هذا، أيها السادة، في صحيفة يومية! كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد! هذا الكاتب ينشر، والصحيفة التي نشرت له لا تعرف أن المبرد يسمى “أبا العباس محمد بن يزيد”، وإنما تجعله أبا يزيد المبرد، والكتاب لا يسمى “الكامل”، بل يسمى “الفاضل”، وعلى هذا النحو. وبالطبع “فوق كل ذي علم عليم”. وقد يكون للمبرد كتاب يسمى “الفاضل”، ولكني أعترف أنني لم أقرأه، ولم أسمع به قبل اليوم.

    ليس من شأني أن أتحدث في هذا كله، وإنما أتحدث إلى فريقين من الناس: أتحدث قبل كل شيء إلى العلماء الذين يستطيعون الخير ولكنهم لا يقدمون عليه، ثم أتحدث إلى الشباب المتعلمين الذين من حقهم أن يطالبوا العلماء أن ييسروا لهم لغتهم، وألا يباعدوا بينهم وبين عروبتهم.

    ولا شك، ولا يجد الشك إلى نفسي سبيلاً، بأن الحكومات العربية، إذا قال لها العلماء: هذا هو النحو الجديد الميسر الذي يلائم عقول الشباب في هذا العصر، ولا يمس جوهر اللغة العربية من قريب ولا من بعيد، ولا يغير من طبيعة اللغة العربية شيئاً، وهذا هو الذي يعين الشباب على أن يتقنوها، وأن يتكلموها، وأن يقرؤوها، وأن يفهموها، فلا شك مطلقاً بأن الحكومات، عندما يقدم إليها العلماء هذه الكتابة اليسيرة التي تتيح للشباب أن يقرؤوا قراءة صحيحة، ويفهموا فهماً صحيحاً، ويجعلوا اللغة جزءاً من قلوبهم، ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية، لا لغة متكلفة يتكلفونها إن استطاعوا أن يتكلفوها في أوقات الحاجة، إذا قدم العلماء هذا كله إلى الحكومات، فأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن جميع الحكومات العربية لن تتردد في إقرار هذا النحو، وفي إقرار هذه الكتابة، وفي إشاعة هذا النحو في المدارس، وفي إشاعة هذه الكتابة أيضاً.

    ولقد رأيت مرة كتاباً من كتب المطالعة في المدارس الابتدائية عندنا في مصر طغت عليه “البيداغوجية”، فويل لنا من البيداغوجية! زعمت أن اللغة العامية قد تكون أيسر لإفهام الصبية، فأدخلت بعض الجمل وبعض الألفاظ العامية في هذا الكتاب. فلما تحدثت في ذلك إلى وزير التربية والتعليم، لم يتردد في أن يعدني بالنظر في تلك الثورة.

    فتقدموا، أيها السادة العلماء، والحديث هنا موجه إلى مجامعنا الثلاثة التي تأتمر الآن في هذه العاصمة العربية، تقدموا أيها السادة العلماء إلى الحكومات بكتابة ميسرة، ونحو ميسر، وقربوا لغتكم من الشعوب، وثقوا بأنكم إن فعلتم فستبلون بلاءً خيراً من البلاء العظيم الخطير الذي أبلاه نحاة البصرة والكوفة وبغداد في العهد القديم.
    الآداب ١\١١\١٩٥٦

  • في الحب | On Love

    في الحب
    سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!

    ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.

    وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:

    سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ

    أم هل لقلبي عنكم زاجرُ



    قد سمع النَّاس بوجدي بكم

    فمنهم اللائم والعاذرُ





    ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.

    وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.

    فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.

    وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.

    أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.

    فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.

    وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.

    فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.

    وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.

    وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.

    كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.

    في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.

    وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.

    والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.

    ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

    أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.

    أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.

    وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.

    وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.

    ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.

    وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.

    فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.

    فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.

    ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.

    كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.

    وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.

    وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.

    وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.

    وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.

    فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.

    وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.

    ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.

    كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.

    على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.

    وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.

    وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.

    فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.

    على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟

    أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.

    وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.

    فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.

    وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.
    الكاتب المصري فبراير ١٩٤٦

  • طه حسينن يكتب عن مشكلة التبشير | Taha Hussein Writes About The Missionary Problem

    تحريض
    ولكنه لا يثير أحدًا، ولن يهيج أحدًا. ولن يغيظ أحدًا، لأن سره واضح والكيد فيه ظاهر، والمكر فيه أوضح من أن يخفى على الناس.
    فأنت قد قرأت – من غير شك – هذه الرسالة التي أبرق بها مكاتب التيمس إلى صحيفته ونشرتها الصحف مساء السبت. وأنت قد رأيت فيها، من غير شك هذه الجملة المريبة التي ختم بها مراسل التيمس حديثه عن موقف المصريين من التبشير والمبشرين. وأنت قد فهمت – من غير شك – أن مكاتب التيمس ليس راضيًا ولا مسرورًا لأن أمر المبشرين لم ينتج النتيجة التي يتمناها المستعمرون، ولم ينته إلى الغاية التي يريدون أن ينتهي إليها وهي الفتنة المظلمة القاتمة التي يختلط فيها كل شيء، ويفسد فيها كل شيء، وتفترق فيها الآثام، وتجترح فيها الجنايات، ويكون فيها الاعتداء على الأنفس والأموال، وتكون فيها الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، ويضطرب فيها النظام إلى أقصى غايات الاضطراب، ويلجأ فيها الأجانب إلى دار المندوب السامي مستغيثين ومستجيرين، فتسرع إليهم بالغوث، وتمد لهم في الجوار، وتعلن إلى مصر ولغير مصر أنها مضطرة إلى العمل لحماية الأنفس والأموال، وصيانة الأمن والنظام، بعد أن عجزت الحكومة عن أن تحمي الأنفس والأموال، وتصون الأمن والنظام.
    هذا هو الذي يتمناه المستعمرون، ويودون لو ظفروا به، ووفقوا إليه، ومن يدري؟ لعلهم يضيقون بهدوء مصر، ولا يكفيهم أن تضطرب فيها النفوس، وإنما يريدون هذا الاضطراب البغيض الذي يمكن من انتهاز الفرص والصيد في الماء العكر كما يقولون. ومن المرجح أن مكاتب التيمس لا يرضيه أن يرى مصر – كما هي الآن – ساخطة أشد السخط، ولكن في هدوء يحرج ويغيظ، فهو أشبه بهذه السيدة الجميلة الفاتنة التي لا يعجبها هدوء البحر واستقراره فتتمنى على ربان السفينة لو ثارت عاصفة أو هاج البحر بعض الهيجان لتضطرب السفينة شيئًا من الاضطراب.
    مكاتب التيمس يسجل أن الحكومة اضطرت إلى أن تتخذ احتياطات شديدة لتخفف السخط على المبشرين وتهدئ إنكار الناس لما يقترفون من إثم، وما يسرفون فيه من عدوان. وكنا نحب لو أن الحكومة اتخذت من الإجراء ما يهدئ سخط الناس حقًا، واضطرت مكاتب التيمس إلى أن يسجل شيئًا غير الذي سجله، إلى أن يسجل مثلًا أنها أغلقت بعض معاهد التبشير لتكف عدوانهم فيهدأ الناس، وتمحو آثامهم فيرضى الناس، ويسجل مثلًا أنها انتفعت بالإذن الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة في تنظيم المراقبة التي تفرض على المبشرين، فأسرعت في هذا الحديث وفرغت منه وهيأت مشروع قانون يمكنها من هذه المراقبة، فجدت في إصدار هذا القانون كما تجد في غيره من الأعمال التي لا تدعو إليها حاجة قاسية ولا تفرضها ضرورة ملحة. ويسجل مثلًا أن الحكومة قد فهمت واجبها على وجهه، ونهضت بهذا الواجب كما ينبغي أن تنهض به الحكومة الرشيدة التي تعرف حرمة الدولة وتريد أن ترعاها، والتي تقدر كرامة الدولة وتريد أن تحفظها، فرأت أن مراقبة التبشير والمبشرين لا تكفي لإرضاء المصريين ورعاية حرماتهم والمحافظة على كرامتهم. وإنما السبيل في ذلك أن يمنع التبشير في مصر منعًا، وأن يحظر على الأجانب مهما يكونوا أن يدخلوا بين الناس وبين عقائدهم ودياناتهم، فهيأت مشروع قانون تمنع به التبشير وتحرمه تحريمًا. ويسجل مثلًا أن الحكومة المصرية فهمت آخر الأمر أن التبشير إنما يقبل في بلاد الهمج والمتوحشين، لا في بلاد الحضارة الراسخة والمدنية الراقية، وأن مصر عرفت المسيحية قبل أن تعرفها أوروبا وأمريكا، وحمت المسيحية قبل أن تحميها أوروبا وأمريكا، وقام فيها للمسيحية مجد قديم ليس أقل خطرًا من المجد الذي قام لها في أوروبا وأمريكا. فلا ينبغي أن يغير قوم من الآفاقيين وطلاب الرزق على مصر باسم المسيحية التي نشأت فيها ووجدت فيها العز والأمن والمجد. وفهمت ولو بعد طول الوقت وكثرة الانتظار أن الإسلام دين خير وبر، ودين مودة ومعروف، ودين حضارة ورقي. وقد أنقذ العالم وقتًا ما من طغيان الطغاة وبغي البغاة، وظلم الظالمين، ورفع لواء العلم والحضارة ظافرًا مؤيدًا، وهو اليوم كما كان أمس قادرًا على أن ينقذ أهله وغير أهله من الظلم والبغي والطغيان، وهو اليوم – كما كان بالأمس – قادر على أن يظل العلم ويحميه، وعلى أن يظل الحضارة ويرعاها. وما ينبغي لبلد تعيش فيه المسيحية والإسلام في مودة وصفاء أن يفسد أمره الأجنبي متعصبًا لدين على دين، معتديًا باسم دين على دين، مفسدًا لما بين الدينين من المودة وحسن الجوار، باعثًا لهذه العواطف المنكرة، عواطف التعصب والحقد والبغض باسم العقيدة والدين.
    كنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا قد فهمت هذا كله فتحدثت إلى المندوب السامي وإلى غيره من الوزراء المفوضين في تحريم التبشير، واجتثاث أصله من هذا البلد، وكنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن الحكومة المصرية الإسلامية قد فهمت آخر الأمر أن الإسلام لا يبيح هذا النوع من التبشير في السر مرة وفي الجهر مرة أخرى، وأنه لا يقبل من غير المسلم دينًا إن مال إليه أو رغب فيه بنص القرآن الكريم، فتحدثت إلى الدول في أن دستورها يجعل الإسلام دين الدولة، وفي أنها لا تستطيع أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، فهي مضطرة إلى أن تقطع أسباب الردة، وتلغي البواعث والمغريات التي يدفع إليها الجهال والضعفاء، وتغري بها الفقراء والبائسين. كنا نود لو سجل مكاتب التيمس هذا كله ولكنه لم يستطع أن يسجله لأن حكومتنا لم تستطع أن تفكر فيه، ولا أن تهم به! ولأن علماء الإسلام في مصر لم يستطيعوا – مع الأسف – أن يجهروا به، أو يدعوا إليه، إنما استطاع مكاتب التيمس أن يسجل ما عملته الحكومة، والحكومة لم تعمل إلى الآن إلا أنها أعلنت عن نفسها، وألحت في الإعلان، ثم جدت في منع الناس من الاجتماع بحجة أن اجتماعهم يفسد النظام ويعرض الأمن للخطر، فهذه هي الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها الحكومة لحماية المبشرين. وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس مثلها الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها لحماية المصريين على اختلاف دياناتهم من الأجانب المبشرين! وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا وقفت موقف الحياد الدقيق الحازم! فكفت كلا عن كل، وصدت كل معتد عن العدوان، وكل باغ عن البغي! ولكن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لم تتح لمكاتب التيمس أن يسجل هذا، لأن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لا تعرف الشدة إلا على المصريين، ولا تعرف اللين إلا للأجانب.
    ومن المحقق أن مكاتب التيمس راضٍ عن شدة الحكومة على المصريين ولكنه ساخط على هدوء مصر وضبطها لنفسها وإيثارها للعافية واجتنابها للفتنة. انظر إليه إنه ليعلن في استحياء عن خيبة الأمل لأن غير الوفديين لا يستطيعون أن يثيروا العامة وأن يضطروا الحكومة حقًا، ويضطروها إلى استعمال العنف والشدة، متحفظ لا يدعو إلى الفتنة ولا يحض عليها. ومكاتب التيمس لا يرضيه من الوفد إلا أن يشب نار الفتنة ويضرمها ويحرق بها كل شيء، فهو يحرض الوفد على ذلك، وهو يغري الوفد بذلك، وهو يزعم ليصل إلى هذا التحريض والإغراء أن الوفد إنما يتحفظ ويجتنب الفتنة رعاية للذين يؤيدونه من الأقباط!
    تبارك الله الذي منح مكاتب التيمس من الذكاء والفطنة ما طوع له أن يكتب هذا الكلام، ولم لا؟ أليس هذا الكلام خليقا أن يثير الوفد، ويدعوه إلى أن يجد في أن يدفع عن نفسه تهمة الانحياز للأقباط والتقصير في الذود عن الإسلام، ويومئذ تثور الفتنة وتضطرم نارها ويظفر مكاتب التيمس بما يريد من الاضطراب، ولكن الله الذي منح مكاتب التيمس هذا الذكاء النادر، وهذه الفطنة البارعة منح الوفد قليلًا من الذكاء، وقليلًا من الفطنة، وهداه إلى أن الفتنة شيء ينفع الإنجليز ولا ينفع المصريين، وإلى أن الفتنة مفسدة للنهضة المصرية، وإلى أن الفتنة شيء لا يرضاه الإسلام، ولا ترضاه المسيحية، وإلى أن إثارة الفتنة جناية على مصر، وإثم في حق مصر، فهو لن يستجيب لدعوة مكاتب التيمس، ولن يحقق أمنيته وأمنية أصحابه المستعمرين، ولن يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى، وهو إنكار التبشير، لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، بل بالقياس إلى المصريين جميعًا، لا بالقياس إلى القصر والضعفاء وحدهم، بل بالقياس إلى الراشدين والأقوياء. وهو لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى فلا يكتفي منها بإنشاء الملاجئ والمدارس، وإنما يقدم على هذا كله، ويريد قبل هذا كله أن تجد الحكومة في إصدار القوانين التي تمكن الدولة من مراقبة التعليم الأجنبي كله، والتي تحرم التبشير في مصر تحريمًا. والوفد لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى والذي أعلن فيه بلسان صحفه، وفي صراحة لا تحتمل شكًا ولا ريبة أن التبشير في بلد كمصر جناية على الحضارة، جناية على الإنسانية الراقية. فلا ينبغي للحكومة المصرية أن تقره أو تسكت عنه.
    قال الوفد ذلك منذ الساعة الأولى، وهو يقول ذلك الآن، وسيقوله غدًا، وعلى الحكومة أن تسمع، وعلى الحكومة أن تنهض بالواجب بعد أن تبين لها. وما كان الوفد وإن كره مكاتب التيمس، وكره معه المستعمرون أن يضطر الحكومة إلى ذلك بالفتنة، فليس الوفد من الفتنة والثورة في شيء.
    ونحن نعلم أن هدوء الوفد يغيظ قومًا، ولكن ما رأي هؤلاء السادة في أننا سنحرص على هذا الهدوء الحازم، وفي أننا لسنا مكلفين أن نرفع عنهم آلام الغيظ.
    كوكب الشرق ٥\٥\١٩٣٣

    هزل
    إذا شكا المسلمون من عدوان المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ومن إكراه المبشرين لهؤلاء الفتيان والفتيات على أن يخرجوا من الإسلام ليدخلوا في المسيحية، أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأظهرت الوزارة شيئاً من العناية، وكتب الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، أو سعى الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، ثم يهدأ كل شيء إلا عدوان المبشرين، ويستقر كل شيء إلا اضطراب المبشرين. وينام البرلمان والوزارة والشيخ ملء جفونهم، ويحلم البرلمان والوزارة والشيخ بأن أمور المسلمين تجري على خير ما تجري عليه الأمور. فهم آمنون على أبنائهم وبناتهم أن يمسهم ضر أو يصيبهم إكراه. وهم مطمئنون على الإسلام ألا يعتدى عليه في دار الإسلام، حتى إذا ظهر عدوان المبشرين مرة أخرى واتصلت شكاة المسلمين، لجَّ البرلمان والوزارة والشيخ في هذا النوم الهادئ اللذيذ، وفي هذه الأحلام الحلوة الباسمة، ونهضت صحف الوزارة تدفع عن الوزارة والبرلمان والشيخ فتقول ما تقوله «الشعب» اليوم من أن الإثم في ذلك على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة هي التي ترسل أبناءها إلى حيث يعبث بهم المبشرون ويكرهونهم على ما لا يحبون. فإذا تعرض أبناء المسلمين وبناتهم لعدوان المبشرين وطغيانهم فلا ينبغي أن يلوم المسلمون برلماناً ولا وزارة ولا شيخاً. إنما يحق لهم أن يلوموا أنفسهم. ومع ذلك، أن البرلمان لا يستطيع شيئاً، وأن الوزارة لا تستطيع شيئاً، وأن الشيخ الأكبر لا يستطيع شيئاً. ومعنى ذلك أن الأمر ينبغي أن يترك بين المسلمين والمبشرين. فإن كان المسلمون يحرصون على دينهم حقاً، وعلى كرامتهم حقاً فليصرفوا أبناءهم وبناتهم عن مدارس المبشرين. وإذن فينبغي أن يعلم المسلمون أن البرلمان والحكومة والشيخ جميعاً يبرأون إليهم من أمر المبشرين، ويعلنون عجزهم عن معالجة هذا الأمر، ويحملونهم وحدهم تبعة هذا الأمر إن كانت «الشعب» تصور رأي الوزارة القائمة حقاً. والناس يعلمون أن المبشرين لا يعلنون إلى أهل مصر أنهم يفتحون مدارسهم للتبشير، وإنما يفتحونها للتعليم، فهم لذلك ينخدعون ويرسلون أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس، فإذا ظهر بعد ذلك أن المبشرين لا يعلِّمون فحسب، ولكنهم يحاولون إخراج الصبيان من دينهم، فمن الحق على المسلمين أن ينصرفوا عن هذه المدارس طبعاً، ولكن هل من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم إذا أبت الحكومة أو عجزت عن أن تنتقم لهم؟ هل من حقهم أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان؟ إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن أن تكف شر المبشرين وعدوانهم، هل من حقهم أن يغلقوا مدارس المبشرين إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن إغلاقها؟ هل من حقهم أن ينفوا المبشرين من الأرض إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن نفيهم؟ ستقول «الشعب» لا، ونحن أيضاً نقول لا. ونحن أيضاً نكره للمسلمين أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان، وأن ينتصفوا لأنفسهم بأيديهم من الذين يعتدون على دينهم وكرامتهم، ولكن بشرط أن تعرف الوزارة واجبها، وتنهض بأدائه في صراحة وحزم وإخلاص. فإن لم تفعل عجزاً منها أو تقصيراً، فمن الحق عليها أن تستقيل لتأتي مكانها وزارة أخرى لا تعجز عن النهوض بالواجب، ولا تشفق من احتمال التبعات.

    فإذا كانت الوزارة وأنصارها يرون أن أمور الحكم لون من ألوان الهزل، تكفي فيها المظاهر دون الحقائق، وتجزي فيها إعلان النهوض بالواجب دون النهوض به حقاً، فإن الشعب لم يبلغ بعد من الرقي هذا الحد الذي يمكنه من أن يتخذ الحكومة أداة من أدوات الترف، وفناً من فنون الهزل. ما يزال الشعب مقتنعاً إلى الآن بأن الحكومة أداة من أدوات الجد، عليها واجبات يجب أن تؤديها. فإن لم تفعل وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل خيف أن ينتصف الشعب لنفسه فيصون كرامته إن لم تصنها الحكومة، ويحمي دينه إن لم تحمه الحكومة، ويعاقب المعتدين إن لم تعاقبهم الحكومة.

    وإذا شكا الشعب من الأزمة، وألحَّ في الشكوى لأن الأزمة ألحت عليه؛ أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأكثرت الوزارة من الكلام، وخُيِّل إلى البرلمان وإلى الوزارة أنهما قد أديا واجبهما بما أظهرا من نشاط، وما أكثرا من كلام. فإذا مضت الأزمة في إلحاحها حتى أهلكت أو كادت تهلك كل شيء، وإذا مضى المصريون في شكاتهم نهضت الوزارة فقالت كما قالت «الاتحاد» منذ أيام إن إثم الأزمة على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة مسرفة مبذرة لا تفهم الاقتصاد، ولا تقدّره ولا تظهر الميل إليه. ومعنى ذلك إن كانت «الاتحاد» تصور رأي الحكومة حقاً، أن الحكومة تتخفف من إثم الأزمة كما تتخفف من إثم التبشير، إما لأنها لا تريد أن تصنع شيئاً مغنياً، وإما لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئاً مغنياً، ولكن الشعب لم يتخذ الحكومة -كما قلنا- أداة من أدوات الترف، ولوناً من ألوان الزينة. فإذا لم تحقق الحكومة الأغراض الجدية وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل فمن حق الشعب نفسه أن ينهض بواجباته، وأن يصلح من أموره مهما كانت نتيجة هذا النهوض وعواقب هذا الإصلاح لو أن الوزارة تنظر إلى أمورها وإلى أمور الناس نظرة جد وإخلاص لراقبت صحفها بعض الشيء، ولمنعتها من أن تكتب هذا السخف، وتذيع هذا الهذيان. فلو أن الناس صدقوا صحف الوزارة، وأعفوا حكومتهم من التبعات، ونهضوا لأنفسهم مما يجب لهم لكانت الثورة المهلكة المدمرة التي لا تريدها الحكومة ولا تميل إليها، والتي تخاف الحكومة حتى من ذكرها أو التفكير فيها. وإذا كانت الحكومة لا تحب الثورة ولا تحب أن ينتصف الناس لأنفسهم فإن أوجب شيء عليها أن تنتصف هي للناس، وأن تقيم بينهم العدل حقاً، وأن ترد عنهم عدوان المعتدين حقاً، وأن تنظر إلى مقامها من الشعب نظرة العامل الجاد، لا نظرة المقصر الهازل. فقد يطول صبر الشعب، وقد يشتد حتى يخيل إلى الحكومة أنه إلى الضعف أقرب منه إلى أي شيء آخر، وأنه إلى الفناء والاستسلام أقرب منه إلى المقاومة والاحتمال. ولكن نفسية الشعوب ليست من اليسر والسهولة بحيث تظن الحكومات التي تهمل أمر الشعب وتستهين به. فرب هدوء أعقب اضطراباً، ورب سكون أثار حركة، ورب إخلاد إلى الدعة أنتج فساداً وشراً.

    وإذا ابتليت وزارة المعارف بطائفة سخيفة من رجال التعليم، وضعت لها أسئلة سخيفة للامتحانات العامة، وعجزت الوزارة عن أن تدرك ما في هذه الأسئلة من سخف، أو أن تقدر ما فيها من عسر فأقرتها، ثم أخذت الطلبة بالإجابة عليها، ثم ظهر سخفها للناس واضحاً، لا يقبل شكاً ولا جدالاً، فشكا الطلاب، وشكا آباؤهم من هذا الإرهاق، وضجَّ الطلاب وضجَّ آباؤهم من هذا الاستخفاف بجهود الشباب وآمالهم، أظهر البرلمان شيئاً من العناية، ولكن الامتحان يمضي في سبيله، ولكن المصححين يمضون في تصحيحهم، ولكن الظلم يظل واقعاً على الطلاب وعلى آبائهم، ولكن شيئاً لا يتغير، وإنما هي وعود وأحاديث يلهى بها الناس بعض الشيء حتى تظهر النتيجة منكرة، فينجح الناجحون في غير حق، ويرسب الراسبون في غير حق، وتؤلف لجنة أو لجان للتحقيق أو لشيء يشبه التحقيق، ثم ينقضي الصيف ويأتي أول العام الجديد، وينسى الناس أمر الامتحان، ويشغل الناس عن هذا الظلم بالتخلص من ظلم آخر، والاحتيال في إدخال أبنائهم مدارس الدولة أو إعفاء أبنائهم من المصروفات ليقبل أبناؤهم في المدارس.

    وكذلك يصبح النسيان أداة من أدوات الحكم ووسيلة من وسائل السياسة. يشكو الناس ويضجون فتعدهم الحكومة وتمنيهم، وتخدعهم بالأوهام والآمال، وتستعين عليهم بالزمان والنسيان لتنتقل بهم من شر إلى شر، ومن سوء إلى سوء.

    وقد نجحت الوزارة في الاستعانة بالزمان والنسيان على الناس إلى الآن، ولكن من الحق على الوزارة أن تفكر في أن لكل شيء غاية يقف عندها، وحداً ينتهي إليه. وفي أن النسيان نفسه إن أسعف أمس فقد لا يسعف اليوم، وإن أعان اليوم فقد لا يعين غداً، وإن تهدّأ الشكوى بالتلهية والاستعانة عليها بالنسيان؛ ليس من الجد في شيء، ولا من الإخلاص في شيء، وإنما هو لعب كل اللعب، وخداع كل الخداع. وإن الشعوب قد تنخدع للعب اللاعبين، وخداع المخادعين مرة ومرة، ولكن من العسير جداً ألا يتصل بها هذا الانخداع إلى غير حد ولا أمد.

    يجب على الحكومة إذن أن تتوكل على الله، وأن تواجه الأمور في صراحة وشجاعة كما ينبغي أن تواجه، وأن لا تعتمد على التلهية ولا على النسيان. وقد أصبح الاعتماد عليها فيما يظهر غير نافع ولا مفيد. يجب عليها أن تبين للشعب أنها حكومة إسلامية حقاً قد نهضت لحماية الإسلام، ورعاية أمور المسلمين وكف المبشرين عن أن يعتدوا على الدين. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها -كما يقول الفرنسيون- وأن تغلق مدرسة واحدة من هذه المدارس الأجنبية التي تسيء إلى المسلمين في أبنائهم وبناتهم، وتعتدى على عقولهم بالتنويم المغناطيسي، وعلى أجسامهم بالسياط. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها فتنفي من الأرض مبشراً واحداً من هؤلاء المبشرين الذين يستغلون ضعفها وعجزها فيمعنون في الاعتداء على كرامة المصريين ودينهم الرسمي، ولكني أزعم أن الحكومة لن تفعل شيئاً من هذا لأنها تخاف الأجانب أكثر مما تخاف المصريين، ولأنها تشفق من الأجانب أكثر مما تشفق من المصريين، ولأنها تؤثر إرضاء الأجانب على أن تحمي دينها الرسمي الذي تزعم أنها إنما قامت لتحميه وتعلي كلمته.

    يجب على الحكومة أن تصطنع الشجاعة حقاً، وتواجه الأزمة الاقتصادية بما ينبغي أن تواجه من الحلول الحاسمة الصريحة، لا هذه الحلول العرجاء الملتوية التي تلهي بها الناس، ولكني أزعم أنها أضعف من ذلك، أضعف من أن تمس الضرائب، وأضعف من أن تتخذ موقفاً حاسماً في مسألة الدَّيْن، وأضعف من أن تشتد ولو قليلاً على المصارف الأجنبية، لأنها تعتمد على الأجانب أكثر مما تعتمد على المصريين، وتحرص على إرضائهم أكثر مما تحرص على إرضاء المصريين.

    يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله، وتلغي امتحانها هذا السخيف، وتبحث لها عن رجل من خيار الناس قد استقام عقله وخلصت نيته ليضع لها أسئلة مقبولة معقولة، ولكني أزعم أنها لن تفعل لأنها تخاف من الإنجليزي الذي اضطرها إلى هذا الموقف السخيف أكثر مما تخاف من هؤلاء الألوف من المصريين الذين أفسد هذا السخف عليهم حياتهم في هذه الأيام!! يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله أيضاً، وأن تحقق مع هذا الأستاذ الذي وضع لصبيان الشهادة الابتدائية هذا السؤال الظريف الطريف الذي لا يسيغه إلا عقل وزارة المعارف: (بحر ونهر يفتخران، فماذا يقولان؟).

    أليس من سوء الحظ ونكد الطالع كما يقولون أن توكل حياة الألوف من أبناء المصريين إلى مثل هذا الأستاذ البارع الذي يسأل أبناء العاشرة والتاسعة عما يقوله البحر والنهر حين يفتخران؟ ولكن وزارة المعارف لن تبحث عن ممتحنها هذا السخيف، ولن تكلفه هو أن يكتب ما يقوله البحر والنهر حين يفتخران، وأنا زعيم لك بأنها إن فعلت وجمعت رجالها كلهم في حظيرة واحدة من حظائر الامتحان، وطلبت إليهم جميعاً أن يكتبوا ما يقول البحر والنهر حين يفتخران، ثم أذاعت بين الناس ما يكتبون لأضحكت المصريين طوال الصيف.

    وبعد، فما لوزير التقاليد لا يقبل هذا الاقتراح؟ أؤكد له أنه إن فعل ألهى الناس وألهاهم وصرفهم عن الحكومة ونقدها وتتبع أعمالها شهراً أو شهرين.

    خذ ما شئت من أعمال الحكومة فسترى أنها تظهر فيه مظهر الجد، حتى إذا حققت النظر رأيت الأمر كله هزلاً في هزل، وعبثاً في عبث، تكلفاً ليس وراءه شيء. وليس الغريب أن يكون هذا شأن حكومة من الحكومات، وإنما الغريب أن تستقيم أمور حكومة قوام سياستها الهزل والمزح.

    الكوكب في ١٢ – ٦ – ١٩٣٣

    علاج
    وأخيرا بحثت الوزارة فأطالت البحث ، ونقبت الوزارة فأكثرت التنقيب ، ثم هداها الله بعد الجهد الطويل والعناء الثقيل والإشفاق من سوء العاقبة وانتقاض الأمر عليها وفساد الصلة بين المصريين والأجانب عامة ، وبين المصريين والمبشرين بنوع خاص ، إلى شيء من الشجاعة يسير نهضت به لمعالجة التبشير ، فنفت مبشرة أجنبية من الأرض ، والله يعلم أنفتها نفيا مؤقتا يكون بعده رجوع قريب ؟ أم نفتها نفيا متصلا لا رجعة بعده ولا إياب ؟
    ولكنها نفتها على كل حال ، ووقفت مع المبشرين عند هذا الحد الذي لا تستطيع فيما يظهر أن تتجاوزه إلى أبعد منه . ثم بحثت وأطالت البحث ونقبت وأكثرت من التنقيب ، وهداها الله إلى شيء من الكرم والجود على المصريين بعد الإسراف في الكرم والجود على الأجانب ، فقررت أن تستنقذ الفتيات المسلمات من مدرسة التبشير في بورسعيد لتضمهن إلى مدارسها وملاجئها ، وإلى مدارس المسلمين وملاجئهم . وهذا حسن من غير شك ، بشرط ألا يكون من لهو الحديث ولا من هذه الوعود التي يقصد بها إلى التلهية والتسلية ، وإلى تهدئة الخواطر وتخدير الأعصاب كما يقولون . ومن المحقق أن الناس ينتظرون من الوزارة أن يكون برها بهذا الوعد صادقا ، لا التواء فيه ، سريعا لا إبطاء به . وهم يتمنون ألا يؤجل اعتماد هذا المقدار الذي وعدت الحكومة به أمس إلى الدورة البرلمانية المقبلة ، فإن شدة القيظ توشك أن تذيب هذا الوعد إن طال به الانتظار. وآية ذلك أن الإنجليز أشفقوا على اعتماد جيل الأولياء أن يذيبه الصيف ، فتعجلوا الحكومة في أن تمضيه لهم إمضاء ، وتختطفه لهم من المجلسين اختطافا . وآية ذلك أيضا أن الشركة الأمريكية التي تمهد لخزان تسنا أشفقَت على الخمسين ألفا أن يذيبها الصيف ، فتعجلت الحكومة في الإمضاء والوفاء . والحكومة تتعجل هذا المقدار ما وسعها التعجل ، ويقال — ولعل ما يقال أن يكون كذبا ، ولكنه يقال على كل حال — إن الحكومة قدمت الإمضاء على كل إجراء ، ودفعت خمسين ألفا قبل أن يأذن لها البرلمان في هذا الأداء . فالناس يتعجلون الاعتمادات المالية في هذه الأيام مخافة أن يذيبها حر الصيف أو يصيبها الحيف ، ومن حق المصريين أن يتعجلوا هذه الآلاف السبعين التي وعد بها وزير الداخلية أمس ، وأن يروا أمر هذا الاعتماد يسلك طريقه القانونية مسرعا ، أو ما شئت من الوزارات تنشئ هذه المدارس الموعودة ليكون الأمر عملا لا قولا ، وجدا لا هزلا ، وليخلص من المبشرين وإغرائهم عدد مهما يكن قليلا فهو مصري يحب أن يخلص لمصر وللإسلام .
    وما زلنا ننتظر قبل أن نصدق حتى يكون الوفاء ، فالوعد كثير والكلام يسير ، والحمد أكثر والثناء أيسر ، ولكن البر والتنفيذ هما اللذان يجب أن نرجوهما ، ولا نصدق حتى نظفر بهما .
    وبعد هذا كله نستأذن الوزارة في أن نلفتها إلى أن ما اتخذت من إجراء إلى الآن ، مهما يكن حسنا منتجا ، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون علاجا صحيحا مغنيا لهذه المشكلة الثقيلة ، مشكلة التبشير والمبشرين . فمهما تنف الحكومة من المبشرين والمبشرات فلن تستطيع أن تغلو في ذلك ، فسيكون خطر عظيم. وهناك تعليم حر ينشره قوم من رجال الدين الأجانب على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ، يقصدون به في ظاهر الأمر إلى التعليم والتثقيف ، وهو من هذه الناحية نافع حقا ، مفيد حقا ، ولكنه لا يقف عند التعليم والتثقيف ، وإنما يشارك التعليم الأجنبي في إضعاف القومية المصرية وبسط النفوذ الأجنبي ، ويتفرد بدعاية دينية ظاهرة أو خفية ، مقصودة أو غير مقصودة ، لها في الشعور الديني للأطفال أثر بعيد . فلابد إذن من أن تنهض الدولة بمراقبة هذه الأنواع المختلفة من التعليم لتعصم الأخلاق والقومية والدين من هذا الفساد الذي يسعى إليها سعيا قويا ملحا لا أناة فيه . وقد همت الوزارة القائمة بإصدار تشريع يمكنها من مراقبة التعليم الحر ، وجدت في ذلك حتى هيأت مشروع القانون وأذاعته في الناس لتعرف رأيهم ، لكنها سكتت عنه فجأة ، وانصرفت عن المضي فيه لأسباب غير ظاهرة . وأكبر الظن أنها لم تفكر حين وضعت هذا التشريع ، أو وجدت في إصداره إلا في شيء واحد سياسي ، هو بسط سلطانها على المدارس الحرة المصرية . فقيض الله لها من أشار عليها أن تبسط سلطان هذا القانون على المدارس المصرية والأجنبية ، وهناك كفت عنه وأهملته إهمالا ، وآثرت أن تترك هذا القانون على أن تقف من الأجانب موقفا لا يرضونه . وأنت تعلم مقدار ما أظهرته وزارتنا القائمة من الحرص على رضى الأجانب منذ نهضت بأعباء الحكم .
    مهما يكن من شيء فإن العلاج الصحيح لأمر المبشرين إنما هو في إخضاع مدارسهم ومدارس غيرهم من الأجانب للمراقبة المصرية الدقيقة ، بحيث يستطيع المفتشون المصريون أن يختلفوا إليها ويستمعوا لما يلقى فيها ، ويمتحنوا تلاميذها ويسألوهم عما يسمعون ، وعما يفعلون ، فإن أحسوا من بعض هذه المدارس خروجا بالتعليم عما يلائم منفعة مصر وحاجتها وكرامتها ودينها أذنوا وزارة المعارف بهذا الخروج ، وأنفذت وزارة المعارف في هذه المدارس حكم القانون .
    على هذا النحو ، وعلى هذا النحو وحده تأمن مصر ناحية من أخطر النواحي التي يسلكها الأجانب سواء منهم المبشرون وغير المبشرين إلى نفوس التلاميذ والطلاب . فلتتشجع الحكومة أو ليتشجع البرلمان أو لتتشجع الحكومة والبرلمان جميعا ، وليصدر هذا القانون ، فهو إن صدر أراح المصريين وأراح الأجانب أيضا . هو يريح المصريين لأنه يكف عنهم كثيرا من الشر ، وهو يريح الأجانب لأنه يحميهم من سوء ظن المصريين فيهم ، ويقيم الصلة بينهم وبين المصريين في التعليم على أساس من المودة والصفاء والتعاون القيم الذي لا ريبة فيه .
    ولكن أتظن الوزارة القائمة تجرؤ على إصدار هذا القانون ؟ أتظنها تستطيع أن تتقدم إلى الأجانب أصحاب الامتيازات تطلب منهم أن يخضعوا مدارسهم لمراقبتها وتفتيشها ؟ هذا عدل من غير شك ، هذا شيء من أوليات السيادة القومية والاستقلال الطبيعي ، ولكن العدل شيء وإقرار العدل شيء آخر . وإذا عجزت وزارة عن أن تقر العدل بين المصريين الذين لا يمتاز بعضهم من بعض أمام القانون ، فماذا تظنها تصنع بالقياس إلى الأجانب الذين يعتصمون بالامتيازات ويحتمون بما لبلادهم من بأس وسلطان ؟
    اللهم إن كل محاولة لإقصاء المبشرين لا قيمة لها ولا غناء فيها ما دامت معاهدهم حرة طليقة لا تستطيع الحكومة أن تدخلها أو تراقبها أو تصل إليها إلا بعد أن يقع فيها الشر ويصبح أمرا لا سبيل إلى تداركه أو منعه من الوقوع .
    كوكب الشرق ١٥\٠٦\١٩٣٣

    حزم
    أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
    ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
    فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
    هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
    جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
    ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
    أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
    نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
    يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
    لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
    أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
    كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣

    تلهية
    تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
    وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
    ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.
    كوكب الشرق ٢٥\٦\١٩٣٣

    واجبات
    هي هذه التي سجلها صاحب الفضيلة الأستاذ المراغي في كتابه إلى نائب رئيس الوزراء باسم جماعة الدفاع عن الإسلام ، يطالب الحكومة فيه بأن ترد عن المصريين جميعا عدوان هذه الهيئات الأجنبية التي تنهض بأعمال التبشير . ومن المحقق أن الأستاذ الجليل قد وفق في كتابه كل التوفيق ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وأقر الأمور في نصابها ، واصطنع صراحة لا تدع سبيلا إلى الغموض ، ولا طريقا إلى التأويل ، وحزما لا يمكن أن يتهم معه بالضعف أو الفتور . والأستاذ لا يتحدث عن نفسه وحدها ، وإنما يتحدث عنها وعن الجماعة التي اختارته لها رئيسا . وهو يتحدث عن المصريين جميعا مهما تختلف أهواؤهم ومذاهبهم ، ومهما تكن دياناتهم ونحلهم .
    وأول ما يجب أن يهنأ به الأستاذ أنه قد ارتفع بهذه القضية عن أن تكون طائفية يختص بها فريق دون فريق ، ويلح فيها بعض المصريين دون بعضهم الآخر ، وجعلها قضية مصرية خالصة تنهض بها مصر في وجه الأجنبي الذي يغزوها في أرضها ، ويعتدي على مرافقها وعقائدها .
    فالأستاذ ومن ورائه جماعة الدفاع عن الإسلام لا يذود عن الإسلام وحده ، ولكنه يذود عن المسيحية أيضا ، بل هو يذود عن الحرية المصرية كلها . وما كان لعلماء الإسلام أن يسلكوا غير هذا الطريق أو يتحدثوا بغير هذه اللهجة ، فدينهم يلزمهم الذود عن حرية الرأي ، ودينهم يلزمهم أن يتوخوا الحق في كل ما يقولون وما يعملون . والحق إن الإسلام دين الدولة ، ودين كثرة المصريين ، فيجب أن يحميه المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من يحميه . والحق إن المسيحية دين جماعة من المصريين ، وأن الكنيسة القبطية مظهر من مظاهر المجد المصري المؤثل ، فيجب أن يحميها المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من ينهض بحمايتها . والحق أن لا إكراه في الدين ، فيجب على المصريين جميعا أن يحموا كل دين قائم في مصر من الإكراه مهما يكن . يجب أن تحمى الديانات من أن يخرج الناس منها مكرهين . ويجب أن يستبين للناس جميعا أن الإكراه في نفسه إثم يمقته الدين ، ويمقته القانون . ولم تنشأ الحكومات إلا لتمحوه وتقضي عليه وتعاقب الذين يقترفونه أو يدعون إليه .
    بهذا كله تقول جماعة الدفاع عن الإسلام ، وبهذا كله تقول هيئة كبار العلماء ، وبهذا كله يقول إخواننا الأقباط . فليست المسألة إذن مسألة اعتداء على الإسلام وحده ، وإنما هي مسألة اعتداء على الحرية الإنسانية ، مسألة اعتداء على الحضارة كما أشار إلى ذلك الأستاذ المراغي في كتابه إلى رئيس الوزراء بالنيابة . فإذا كان التبشير مباحا أو مستحسنا في البيئات الهمجية التي لم تأخذ بحظ من رقي ولم تنل نصيبا من ثقافة ، كان من القبيح الممقوت أن يتخذ التبشير وسيلة إلى محاربة حضارة قائمة لها مجدها ، ولها حظها الرفيع من الرقي ، ولها أثرها البعيد في تهذيب الناس .
    أشار الأستاذ المراغي في كتابه إلى هذا كله ، فهو خليق أن يهنأ به ، والناس خليقون أن يسمعوا لما قال في هذا كله ، والحكومة خليقة أن تستجيب لدعائه ، وتنهض بهذه الواجبات التي أحصاها كتاب الأستاذ في دقة وصراحة واستقامة وصرامة معا .
    ما أكثر هذه الواجبات وما أيسرها لو أن الحكومة أرادت حقا أن تؤدي عملها في قوة وحزم على يقين لأنها لم تنشأ لنفسها وإنما أنشئت لخدمة الأمة التي تقوم فيها . فمما لا شك فيه أن القوانين لم تشرع عبثا ، وإنما شرعت القوانين لتأخذ الناس بما فيها من أحكام ، وأقيم القضاء لينصف المظلوم من الظالم . فمن حق الأستاذ المراغي ومن حق الناس جميعا أن لا يرضوا من الحكومة بالإجراءات المؤقتة ، وأن يطالبوها بأن تحيل بالفعل إلى القضاء ما يستكشف من آثام المبشرين الأجانب . ولو أن عدوان هؤلاء المبشرين وقع من المسلمين على الأقباط ، أو من الأقباط على المسلمين ، لما ترددت الحكومة في أن تنفذ القانون ، وترفع أمر الآثمين إلى القضاء ، لأن هؤلاء الآثمين سيكونون يومئذ من المصريين الذين لا تحميهم الامتيازات ، ولا تتحرج الحكومة من أخذهم بالشدة حتى يقضي العدل بذلك .
    وليس من شك في أن وزارات الخارجية والمفوضيات السياسية لم تنشأ لتكون زينة ، وإنما لتحقق الصلات الصادقة المتينة بين الأمم والشعوب ، فإذا جنى الأجانب في مصر جناية أو اقترفوا إثما وأخلوا بواجبات الضيافة ، فمن الحق على وزارة الخارجية المصرية أن تستخدم نفوذها السياسي لتقوم هذا العوج وتصلح هذا الفساد ، وبهذا تطالب جماعة الدفاع عن الإسلام .
    فإذا غلا الأجانب في العدوان وتجاوزوا واجبات الضيافة وانتهكوا حرمات البلاد التي يعيشون فيها ، فمن الواجب على الحكومة لكرامتها وكرامة الأمة أن تكفهم عن ذلك وتقطع عليهم الطريق إليه ، وتغلق معاهدهم ومدارسهم حيث يثبت أنها تتخذ وسائل إلى الإثم والإجرام . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    ومن الحق على الحكومة ألا تنفق أموال الشعب إلا فيما ينفع الشعب ، فإذا ثبت أن الأجانب الذين تعينهم الحكومة بأموال الشعب يسيئون إليه ويعتدون عليه ، فمن الإثم أن تمضي الحكومة في إعانتهم ، وأن لا تكف عنهم ما تمنحهم من المال ، وأن لا تقتضيهم ما تنزل لهم عنه من المال ، وألا تطالبهم بما تحط عنهم من الضرائب . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    وقل مثل ذلك في هذه الأرض التي تمنحها الحكومة للأجانب بلا ثمن أو بثمن يسير على أن يقيموا عليها المدارس والمعاهد النافعة ، فإذا هم يقيمون عليها معاهد ومدارس تضر ولا تنفع ، وتسوء ولا تحسن ، فيجب أن تسترد منهم هذه الأرض .
    وقل مثل ذلك في هذه الامتيازات التي تمنح لرجال الدين من الأجانب ، فتبيح لهم السفر بلا أجر ، فإن الواجب على الحكومة أن تلغي هذه الامتيازات إذا ثبت أن هؤلاء الناس لا يسافرون ليذيعوا الخير ويأمروا بالمعروف ، وإنما يسافرون ليذيعوا الشر ويأمروا بالفساد .
    وليس من يستطيع أن ينكر على أي دولة تستحق أن تسمى بهذا الاسم أن تصدر من القوانين ما يمكنها من أن تراقب كل ما يقع في أرضها لتتقي شره ، وتدفع نكره ، وتحمي الشعب من آثاره . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ويطالب معه المصريون جميعا . وهم لا يطلبون شططا ولا يكلفون الحكومة عسيرا من الأمر ، وإنما يطلبون إليها أيسر ما يجب أن تنهض به الحكومات . وإنما الغريب أن تنتظر الحكومة حتى يطلب إليها ذلك ، وألا تنهض به وحدها ومن تلقاء نفسها دون أن تحتاج إلى من يذكرها به أو ينبهها إليه .
    لقد نهض الشعب المصري كله بما يجب عليه لنفسه ولكرامته وللحرية الإنسانية والحضارة الإنسانية ، وقال الشعب المصري كله في ذلك كلمة الحق التي لا لبس فيها ولا غموض . فاللهم وفق حكومة مصر إلى أن تنهض بواجبها كما نهضت به مصر .
    كوكب الشرق في ٢٩ – ٠٦ – ١٩٣٣

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

    إذن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.

    إلحاح
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.
    كوكب الشرق ٩\٨\١٩٣٣

    نداء
    أصدره صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» «شيخ الجامع الأزهر»، وأخذت الصحف تذيعه في الناس منذ أمس، وفيه نذير شديد، وتحذير للناس غليظ من أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس المبشرين ومعاهدهم بعد ما تبين لهم من أمر هذه المدارس والمعاهد، وبعد أن أُقيمت لهم الملاجئ الإسلامية، وفُتحت أمامهم أبواب المعاهد والمدارس القائمة لتعينهم على ما يحتاجون إليه من تعليم الأبناء والبنات، وتربيتهم في بيئات إسلامية خالص تحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم وقوميتهم وتحميهم من كل فتنة وترد عنهم كل عدوان.
    وليس من شك في أن صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» حين فكر في إصدار هذا النداء، وحين أصدره، قد أدى واجبًا يفرضه عليه مركزه في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد الإسلامية؛ فالله — عز وجل — يطالب المسلمين جميعًا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسارعوا إلى الخير. وهذا الواجب أشد لزومًا للذين نصبوا أنفسهم رجالًا للدين وأئمة للمسلمين، فكيف إذا كانت الدولة هي التي نصبتهم لذلك وكلفتهم إياه، وأرادتهم على أن يفرغوا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإسراع إلى الخير.
    فـ«شيخ الأزهر» إذن قد اجتهد في أن يؤدي لله وللدولة هذا الواجب الذي لم يكن له بد من تأديته، وله على هذا الاجتهاد في تأدية الواجب أجره من الله، وشكر الناس إياه، سواء أوفّق أو لم يوفّق، سواء أخطأ أم أصاب؛ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولسنا نشك ولا نرتاب في أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الخير، فقد برئت ذمته من عصيان العصاة، وبغي البغاة، وتقصير المقصرين، وأصبح الثقل كل الثقل، والإثم كل الإثم، على أولئك الذين يؤمرون بالمعروف ثم لا يأتمرون، وينهون عن المنكر ثم لا ينتهون، ويدعون إلى الخير ثم لا يستجيبون. وأكبر ظننا أن المسلمين سيؤدون لله ولأنفسهم واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، والإسراع إلى الخير، كما أدى صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر»، أو كما اجتهد صاحب الفضيلة الأستاذ في أن يؤدي واجبه مريدًا الإصلاح ما استطاع.
    ولكن هذا النداء يدعو إلى شيء من التفكير لعله لا يخلو من العبرة والموعظة الحسنة، وهو يدعو إلى التفكير من نواحٍ مختلفة نقف عند بعضها؛ لأنه خليق حقًا أن نقف عنده، وندعو الناس جميعًا إلى أن يطيلوا فيه الروية والتفكير. فهذه المدارس والمعاهد التي أقامها المبشرون، ودعوا إليها الناس، أو دفعوا إليها الفقراء والضعفاء دفعًا، يحدثنا صاحب الفضيلة بأنها مدارس ومعاهد أُعدت لإخراج الناس من دينهم. وصاحب الفضيلة لا يقول هذا عفوًا، ولا يلقي هذا إلقاءً، وإنما يقوله بعد أن تبين له أنه الحق الذي لا يقبل شكًا ولا مراء. وصاحب الفضيلة ينهى المسلمين عن أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المعاهد والمدارس، وسيستمع له المسلمون إن شاء الله عز وجل.
    ولكننا كنا نحب وما زلنا نحب أن تستمع له الوزارة قبل أن يستمع له عموم الشعب، أو أن تستجيب له الوزارة الراعية قبل أن تستجيب له الأمة التي هي الرعية، كما يقول الحديث الشريف الذي رواه الأستاذ في ندائه؛ فما دامت الوزارة راعية للناس، وما دامت الوزارة مسؤولة عن رعيتها، وما دامت كل وزارة مصرية مهما تكن قد قبلت هذه التبعات، تبعات الراعي الذي يُسأل عن رعيته، فقد يخيل إلينا أن الإثم الذي يصيب المسلمين إذا أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والمعاهد يقع مضاعفًا على الوزارات التي تسمح بإقامة هذه المدارس والمعاهد، وهي تعلم كما علم الشيخ أنها أُعدت لإخراج الناس عن دينهم، وبأن تفتح أبوابها للناس وتدعوهم سرًّا وجهارًا إلى أن يرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم ليخرجوا فيها من دينهم. فليس يكفي أن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتدعوهم إلى الإسراع إلى الخير، وإنما يجب أن تهون عليهم الائتمار بالمعروف، وتيسر عليهم الانتهاء عن المنكر، وتمهد لهم سبيل الإسراع إلى الخير.
    وليس يكفي أن تقيم لهم الملاجئ وتفتح لهم المعاهد والمدارس، وأنت تعلم حق العلم أن لهؤلاء المبشرين من ضروب الإغراء والإغواء، ومن فنون الكيد والمكر، ما قد يمكنهم من أن يصرفوا الناس جميعًا أو قليلًا منهم عن هذه الملاجئ التي أُقيمت، وعن هذه المدارس والمعاهد التي فُتحت لهم أبوابها. وواضح جدًّا أن «شيخ الأزهر» لا يستطيع أن يكف الناس بالقوة عن معاهد المبشرين أو يدفع الناس بالقوة إلى معاهد المسلمين، ولا يستطيع أن يُغلق معاهد المبشرين إغلاقًا، وإنما «الوزارة المصرية» وحدها هي التي تستطيع أن تتخذ من السبل والأسباب ما يحول قطعًا بين المسلمين وبين هذه الدور التي أُعدت لإخراج أبنائهم وبناتهم — كما يقول الشيخ، وكما تعلم الوزارة — من الإسلام.
    وقد اقترحنا واقترح الناس معنا، واقترحت «هيئة كبار العلماء» على الوزارة ضروبًا من الوسائل لتحقيق هذه الغاية التي لا بد من تحقيقها؛ فقد نحب أن نعلم ماذا فعلت الوزارة بكل ما اقترح عليها من الوسائل والأسباب؟ أخذت من غير شك في إنشاء الملاجئ، ودعت إلى هذا الإنشاء وأعانت عليه، ولكن مدارس المبشرين ومعاهدهم وملاجئهم ما زالت قائمة، وما زالت أبوابها مفتحة، وما زال الناس يُدعون سرًّا وجهرًا في أكبر الظن إلى أن يرسلوا إليها الأبناء والبنات، وما زالت هذه المدارس والملاجئ تملك من ضروب الإغراء ما قد يجعلها أحب إلى بعض الناس، وآثر عندهم من هذه الملاجئ التي أُنشئت. فماذا اتخذت الوزارة من الأسباب لتحول بين الناس وبين هذه المعاهد الأجنبية؟ أو لتحول بينهم وبين ما ينتظرهم من شر إن أرسلوا أبناءهم وبناتهم إليها؟
    لقد أجمع المصريون على مطالبة الوزارة بفرض المراقبة على هذه المعاهد، فماذا صنعت الوزارة بهذا الإجماع؟ وإلى أي حد وصلت الوزارة في وضع التشريع الذي وعدت به منذ زمن بعيد، والذي ألح الناس وما زالوا يُلحون في أن تنشره بعد أن طوته طيًّا؟
    والناس جميعًا يذكرون أن الحكومة الإنجليزية قد أذنت لمندوبها السامي في أن يتحدث إلى «الوزارة المصرية» في تنظيم هذه المراقبة، وهم جميعًا يذكرون أن كلامًا كثيرًا قيل في هذا الإذن، وأن أنباء كثيرة أُذيعت حوله، وأن «الصحف الإنجليزية» تحدثت بأن وزارتنا قد اتصلت بالهيئات التبشيرية العليا لتشاورها في أمر هذه المراقبة. والناس جميعًا يعلمون أننا أنكرنا تدخل الإنجليز في أمر هذه المراقبة، واستشارة المبشرين في أمر هذه المراقبة التي يُراد أن تُفرض على معاهدهم. ولكن الناس يريدون أن يعلموا ماذا أصاب التشريع الذي يفرض هذه المراقبة؟ أعدلت عنه الوزارة واكتفت بإنشاء الملاجئ وبما يصدره «شيخ الأزهر» من النداء والتحذير؟ أم أنها أرجأته كغيره من المشروعات؟ أم لا تزال جادة فيه؟ فإن تكن الأولى فقد ينبغي أن تعلم الوزارة أن إنشاء الملاجئ ونداء الشيخ وغيره من المسلمين قد يخفف الشر ولكنه لا يمحوه، وإن تكن الثانية فقد نحب أن نعلم ما بال هذا التشريع لم يُعلن أمره للناس، أو لم تُعلن أنباؤه إلى الناس؟ وهذا فصل الدراسة قد ابتدأ، وكان ينبغي أن يُحال بين الناس وما في معاهد المبشرين من الشر قبل أن يبتدئ العام، وتتكرر الحوادث المحزنة الخطرة التي وقعت من قبل.
    نعلم أن الوزارة قد شُغلت بنفسها في هذه الأسابيع، ولكن الوزارة لم تُقم لتشغل بنفسها، وإنما أُقيمت لتشغل بالناس. ونعلم أن الوزارة قد شُغلت بجباية الضرائب لأن الدولة في حاجة إلى المال، ولكننا نعلم أن جباية الضرائب ليست شيئًا يُقصد لنفسه، وإنما تُجبى أموال الناس لتنفق في مصالح الناس، ومن أهم مصالح الناس أن تحمي الحكومة فقراءهم وضعفاءهم من عدوان الأجنبي. ونعلم أن لدى الوزارة من المشكلات الداخلية السياسية ما قد يضطرها إلى أن تشفق من إغضاب الأجانب، وترغب في مصانعتهم بعض الشيء، ولكننا نعلم أن الوزارة لم تُقم لتستعين بمصانعة الأجانب على البقاء في الحكم، وإنما أُقيمت لتخدم الشعب وتحقق مصالحه في غير هوادة ولا ضعف؛ فإن وُفقت إلى ذلك فهو الخير، وإلا وجب عليها أن تستقيل.
    نحب أن تنظر الوزارة إلى نفسها نظرة الجد، وأن تعلم أنها لم تُقم لتشغل بأمر دون أمر، أو لتشتد في بعض الأمور وتلين في بعضها الآخر، وإنما أُقيمت لتعنى بأمور الدولة كلها، ولتشتد في حقوق الدولة كلها. نعم، ونحب أن تعلم الوزارة، وأن يعلمها «شيخ الأزهر» — إن لم يكن قد فعل — بأنه إذا كان من الحق أن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم مذنبون مقصرون، فإن الذين يسمحون ببقاء هذه المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم دون أن يحولوا بينها وبين غايتها المنكرة بقوة وصراحة يتعرضون عند الله، وعند الناس، وعند «شيخ الأزهر» لأمر عظيم.
    فلترفق الوزارة بنفسها أن يصيبها من «شيخ الأزهر» هذا الأمر الذي أرسله صارمًا رهيبًا.
    كوكب الشرق في ٢١-٩-١٩٣٣.

  • طه حسين و محمود مختار | Taha Hussein and Mahmoud Mokhtar

    المصري الغريب في مصر
    هو مختار. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن.
    كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالًا بها وقربًا منها وتمثيلًا لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم أقل من هذا العدد اليسير، ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أُعلن إليهم أن الحجاب قد أُلقي بينهم وبين هذا الصديق وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقي بينه
    وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالبًا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضا بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. وإنما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى.
    وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يُقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقًا في آخر حياته، وكان غريباً حقًا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لمامًا، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعًا، واستقبل المرض شجاعًا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا وما زلنا نتحدث
    بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد أنطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوروبيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان أسبق المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد رد إلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدًا أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمشِ في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يُلقِ أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيًا أو إنجليزيًا أو إيطاليًا وأدَّى لبلده مثل ما أدَّى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال
    والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير.
    ولا ننسَ أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارًا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضُحِّيَ بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا أكذب المصريين إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء.
    لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه – ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يُلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلًا، ولعله لا يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن.
    طه حسين
    الرسالة ٢\٤\١٩٣٤

    أحاديث الأسبوع
    كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
    وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
    لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
    وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
    على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
    فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
    وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
    والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
    أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
    لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
    فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
    ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
    طه حسين
    الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤

    حديث الوادي
    عقوق . . .
    ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
    كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
    وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
    أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
    وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
    نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
    وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
    أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
    طه حسين
    الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤.

  • مصر طه حسين \ Taha Hussein’s Egypt

    مصر
    للدكتور طه حسين
    مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق. هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون. إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال. إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان. وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع. مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز. لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق. «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان. «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون. كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.