Tag: arbitrary rule

  • الأزمة المنكورة | The Crisis Nobody Will Name

    حديث الوادي
    غدا . . .
    غدا يتبين الرشد من الغي، وينسل النور من الظلام، ويعلم قوم أين يكون الحق، وأين يكون الباطل، وأين يكون الذين يعللون أنفسهم بالآمال والأماني، وأين الذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يعملون إلا عن يقين.

    غدا يتبين أنصار الوزارة القائمة أنها إن كانت الآن شيئا، أو إن لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فستصبح في يوم من الأيام وهي حديث من الأحاديث، وخبر من الأخبار، وذكرى من الذكريات.

    في مثل هذه الأيام من العام الماضي كان صدقي باشا في باريس، يصطاف، ويستريح، وينشر في الجو أحاديث تدل على القوة التي لا حد لها، كما تدل على الضعف الذي لا حد له، تدل بالضبط على الاضطراب، وفقد الصواب، وضياع الاتزان السياسي الذي يجب أن يتمتع به رؤساء الوزارات.

    كان يتحدث إلى هؤلاء، بأنه عائد إلى مصر وقد يرفع استقالته، وكان يتحدث إلى أولئك بأنه عائد إلى مصر وقد لا يستقيل، وكان يقول لهذا المكاتب من مكاتب الصحف، إن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وكان يقول لمكاتب آخر إنه لا يفهم لماذا تستقيل الوزارة ما دامت مستمتعة بثقة البرلمان وعطف الملك. وكان يقول لهذه الصحيفة الأجنبية، إنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز من مشكلاتهم العامة ليتحدث إليهم في المشكلات الخاصة.

    وكان مكاتب الديلي تلغراف في القاهرة يبرق إلى صحيفته بأن وزارة صدقي باشا غير مرغوب فيها، وكان صدقي باشا يبرق إلى الديلي تلغراف، بأن مكاتبها كان قاسيا ظالما، متجاوزا للحق متجنبا للصواب.

    وكان الوزراء هنا يعلنون الثقة ببقائهم في مناصبهم، ويضمرون الخوف من نزولهم عن مناصبهم، وكانوا إذا تحدثوا إلى الناس أو خطبوا فيهم، أظهروا القوة والبأس وهاجموا الديلي تلغراف وما يشبهها من الصحف. كانوا إذا خلوا إلى أنفسهم أداروا أمورهم بينهم وجلين، واستعدوا لغدهم متحفظين. وكانت صحف الوزارة تذهب مذهب الوزارة، فتصور الأمر لقرائها على غير وجهه وتزعم أن الوزارة باقية في مناصبها، ما وثق بها البرلمان، حتى إذا خلا كتابها إلى أنفسهم دقوا يدا بيد، وأجهدوا أنفسهم ليتبينوا من أين تأتي الريح.

    ثم أقبل صدقي باشا فاستقال، وترك له جلالة الملك أن يقدر الأمر ويرى أتسمح له صحته بالعمل أم تريده على الراحة؟ فاستحيا، واستخذى، وتراجع، واستكان، وتكلف استشارة الأطباء، وأعلن أنه قادر على العمل، ومضى في الوزارة، وزعم أنه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان في تلك الأيام.

    ثم لم يمض أسبوعان حتى هوى صدقي باشا من القمة إلى الحضيض، كان كل شيء، فأصبح وهو لا شيء. كان قوة كله، فأصبح وهو ضعف كله، كان جبارا فأصبح خاضعا لأضعف الوزارات وأعجزها عن الجبروت. وهم أن يعتز بالنظام الذي وضعه والبرلمان الذي جمعه فخذله النظام، وتخلى عنه البرلمان. ثم تفرق عنه أعضاء حزبه، وأصبح طريدا من الهيئات السياسية كلها، لا يأوي إلى ركن، ولا يعتز بنصير.

    بدأت هذه السلسلة في مثل هذه الأيام من العام الماضي وكان رئيس وزرائنا الرجل الطيب، غائبا في باريس يصطاف ويستريح. فلما كان ذات صباح أو ذات مساء جاءه البرق بأنه قد أصبح رئيس وزراء. ولم يكن الرجل ينتظر هذا ولا يفكر فيه، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

    وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان اضطراب ظاهر في التمثيل السياسي لإنجلترا في مصر، مندوب ينقل، وآخر يختار، ثم يقال إن المندوب المنقول، سيعود إلى عمله حتى يأتي المندوب الجديد، وكان هذا كله يحدث في الجو المصري اضطرابا واختلاطا، ويملؤه بالأنباء والإشاعات وكان المخاصمون للوزارة يقرأون، ويسمعون، ويصورون الأمور لقرائهم كما يرونها لا يزيدون فيها وقد ينقصون منها، لأنهم كانوا يتحفظون، ويكرهون أن يقال إنهم يتعجلون الحوادث ويستحثون الأيام. فماذا يحدث الآن؟ وماذا يقال؟ وماذا ينشر هنا وهناك.

    كل شيء يصور وزارتنا القائمة ضعيفة أشد الضعف وإن زعمت أنها قوية أعظم القوة، عاجزة أشنع العجز وإن زعمت أنها قادرة أبرع القدرة. مضطربة أقبح الاضطراب، وإن زعمت أنها ثابتة أحسن الثبات، هي مؤمنة بقوتها، إذا تحدثت إلى الناس ولكن الله وحده يعلم، والراسخون في العلم يقولون، إنها إذا خلت إلى نفسها لم تجد حلاوة هذا الإيمان ولا حرارته، ولا ما يبعث الثقة في النفوس، والاطمئنان في القلوب.

    وصحف الوزارة تظهر الأمن والرضى، والثقة بغد وبعد غد، ولكن كتابها إذا خلوا إلى أنفسهم، أو تحدثوا إلى الناس سألوا أين هم، وماذا يراد بهم، وأين يكونون غدا. والمندوب السامي يسافر في إجازة كانت قصيرة فيما يقال فإذا هي تطول وكان يراد أن ينوب عنه رجل من أهل داره، فإذا الذي ينوب عنه رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية. والصحف الإنجليزية تكتب من عند نفسها أو من عند وزارة الخارجية، أو من عند مكاتبيها في مصر، إن طوارئ قد تطرأ، وملمات قد تلم، وإن التمثيل الإنجليزي في مصر يجب أن يكون قويا، حازما، عازما، قادرا على التصرف السريع حين تطرأ الطوارئ، أو تلم الملمات.

    والصحف الإنجليزية الكبرى تنشر لمكاتبيها في مصر كلاما عن ضعف الوزارة القائمة وشحوب لونها السياسي، وذهاب التضامن بين أعضائها، ووجوب التغيير والتبديل:
    إما غدا زعموا أو لا، فبعد غد.

    ثم يراد من المصريين بعد هذا كله أن يناموا، وأن يؤمنوا بأن الأمور كلها مستقيمة، وأن الأحوال كلها هادئة، وأن الحياة المصرية لم تكن في يوم من الأيام مستقرة كما هي الآن، لولا فيضان النيل، وفساد الآداب على ساحل البحر، وتأليف جماعة الشبان المصريين.

    هؤلاء الوزاريون أصحاب سذاجة لا حد لها، يحسبون أن أمتهم من البله والغفلة، بحيث يخدعها لعب الأطفال، وعبث الإغراء. لو أن الأمور هادئة مستقيمة، والحياة صالحة مستقرة لما اضطربت العقول إلى هذا الحد، ولما اختلطت أمور السياسة إلى هذا الحد، ولما نشأت هذه الأنباء من الهواء فليس المصريون هم الذين خلقوا الطوارئ وحديثها، وليس المصريون هم الذين ندبوا المستر بترسون لينوب عن المندوب السامي، وليس المصريون هم الذين قالوا للتيمس والديلي تلغراف وغيرهما من الصحف ما أذاعت وما لا تزال تذيعه من حين إلى حين، لم يفعل المصريون شيئا من هذا كما أنهم لم يدعوا العفاريت إلى تلك الدار التي ظهرت فيها العفاريت منذ أيام. وكما أنهم لم يأمروا النيل أن يسرف في الفيضان. فإذا كان الوزاريون يريدون أن يخفوا الحقائق الواقعة على أنفسهم ويحبون أن يخفوا رؤوسهم، حتى لا يروا ما قد تقبل به الأيام، لأنهم محتاجون إلى هذه الشجاعة التي تمكنهم من مواجهة الحقائق، ومن الإيمان بأن الأيام دول، وبأن المناصب تقليد لا تخليد، كما تعودت المقطم أن تقول. إذا كان الوزاريون على هذا النحو من الضعف والخوف والاضطراب فلينعموا بضعفهم وخوفهم، واضطرابهم ولكنهم يسرفون على أنفسهم إن ظنوا أن المصريين جميعا مثلهم يضعفون أمام الحقائق الواقعة ويخافون من الطوارئ الممكنة، ويضطربون أمام المفاجآت.

    كلا. إن المصريين ما زالوا يذكرون أمس القريب وقد فهموا دروسه أحسن الفهم وهم لذلك يرقبون غدا، وقلوبهم مطمئنة، وآمالهم مشرقة، ونفوسهم راضية، لا لأنهم يخدعون أنفسهم، ويظنون أن الغمة قد تنجلي مفاجأة وعلى غير انتظار، بل لأنهم أيقاظ غير نيام، وحذرون لن يؤخذوا على غرة، ولأنهم يعرفون حقهم، ويصرون على أن يستمسكوا به، ويأبون إلا أن ينتبهوا إليه.

    هم لا يخافون الغد، كما أنهم لم يفرقوا من أمس، هم واثقون بأن الأمة إذا أرادت شيئا فهي منتهية إلى ما تريد، سواء أرضى الطغاة والمستعمرون أم كانوا ساخطين.

    فلننتظر غدا ولينتظره الوزاريون فما نشك في أن قوما سيضحكون من قوم، وما نشك في أن قوما سيشفقون على قوم إشفاقا تصحبه ابتسامة، فيها شيء كثير من الازدراء. . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٩/ ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موقف . . .
    أصبح منذ اليوم، بل أمسى منذ أمس واضحاً كل الوضوح، جلياً كل الجلاء، لا يثير حيرة ولا شكاً، ولا يغشاه غموض ولا إبهام، وبطل هذا الوضوح الواضح، وهذا الجلاء الجلي، هو رئيس الوزراء، وكم في الدنيا من أعاجيب، فقد أصبح رئيس وزرائنا الرجل الطيب بطلاً من أبطال الوضوح ومشرقاً من مشارق النور، ومصدراً من مصادر الاطمئنان، ومبعثاً للإيمان واليقين.
    لا تنكر شيئاً فليس ينبغي لك أن تنكر شيئاً، وإنما أنت رجل مصري، خلقت لتؤمن إن طلب إليك الإيمان، ولتطمئن إن طلب إليك الاطمئنان، كما أنك رجل مصري خلقت لتأتمر إن صدر إليك الأمر، ولتنتهِ إن وصل إليك النهي، فإن خالفت، فقد تلقى من الشطط ما تطيق وما لا تطيق.
    نعم أصبح موقف مصر السياسي واضحاً بعد أن كان غامضاً، وسهلاً بعد أن كان حرجاً، ويسيراً بعد أن كان دقيقاً، لأن رئيس وزرائنا الرجل الطيب أراد أن يكون هذا كله فكان. والناس الذين يعقلون ويفقهون، يعلمون حق العلم أن الأمور إذا تعقدت لا تحل بهذا اليسر، وأن المشكلات إذا ثارت لا تنتهي بهذه السهولة، وأن الحرج إذا اشتد لا ينفرج بكلمة يقولها رئيس الوزراء وإن كان رجلاً طيباً، وإن كان اسمه عبد الفتاح يحيى باشا، ولكن الأمور في مصر تجري كما قلنا لك ألف مرة ومرة، على غير ما تجري عليه في سائر البلاد. فلتتعقد الأمور وليشتد الحرج ولتزدحم المشكلات، وليمتلئ الجو بالأنباء والأحاديث، وليجرِ خيال الناس في غير طريق، وإلى غير أمد، ولتنطلق ألسنة الناس بالممكن والمستحيل، فكلمة واحدة يلقيها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، خليقة أن تمحو هذا كله، وأن ترد الجو صحواً صفواً، كأن شيئاً لم يكن؛ ذلك لأن رئيس وزرائنا رجل طيب، وفي كلماته بركة خليقة بأن تبدد الغيوم، وتذود السحاب، وتهدئ العواصف، وتقر القلوب في الصدور، والعقول في الرؤوس والألسنة في الأفواه، والغريب أن المصريين على اختلافهم لم يؤمنوا بهذه البركة إلى الآن، ولم يرفعوا رئيس وزرائهم الرجل الطيب إلى مرتبة القديسين وأصحاب الكرامات.
    وأغرب من هذا أن تتعرض حقوق مصر للخطر، وأن تعيش مصر أياماً، مملوءة بالحرج، لم تعشها منذ عهد بعيد في تاريخها الحديث، وأن تحدث، في مصر أحداث لم يعرف لها نظير أيام الحماية، ولا قبل أيام الحماية، وأن نجد رئيس الوزراء مع ذلك سبيلاً إلى أن يقول ويعمل، ما يدعو إلى المزاح، وما يثير الميل إلى الفكاهة، وما يكره الناس على أن يبتسموا، بل على أن يغرقوا في الضحك أي إغراق.
    فرئيس الوزراء يوافقنا على أن ما ألقاه إلى “المقطم” أمس من الحديث لم يكن جداً، وإنما كان لوناً من ألوان الدعابة لا يمحو شكاً ولا يزيل ريباً، ولا يرد الناس إلى ثقة ولا إلى اطمئنان، ورئيس الوزراء يعذر الناس من غير شك حين يعلم أنهم قرأوا هذا الحديث فرفعوا الأكتاف وهزوا الرؤوس، وقال عقلاؤهم ما أجدر الوزراء المصريين أن يذكروا أنهم لا يحكمون أطفالاً، ولا أغراراً، وإنما يحكمون رجالاً راشدين، ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه كان بين اثنتين حين تحدث إلى “المقطم” أمس؛ فإما أنه كان يسخر من الناس، ويعلم أنهم لم يؤمنوا لما يقول، وإما أنه كان سيئ الرأي في الناس، يراهم من السذاجة والبله بحيث يصدقون ما ليس إلى تصديقه سبيل.
    ما هذا الكلام الذي يلقى في غير تحقيق ولا احتياط؟ ليست في مصر أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذن ففيم نشاط الإنجليز الذي لم يعهد مثله من قبل، وفيم التفتيش على الشرطة في ثكناتها وأقسامها؟ وفيم زيارة نائب المندوب السامي لدولة توفيق نسيم باشا؟ وفيم غداء الأمير محمد علي على مائدة المندوب السامي؟ وفيم لقاء نائب المندوب السامي لرئيس الوزراء؟ وفيم سعي المستشار المالي بين دار المندوب السامي ورئاسة الوزراء؟ وفيم اجتماعات الوزراء على انتظار، وفيم اجتماعات الوزراء أحزاباً وشيعاً عند هذا الوزير أو ذاك؟ وفيم اتصال الرسائل البرقية بين دار المندوب السامي ووزارة الخارجية البريطانية؟ وفيم إلحاح بعض النواب من أنصار الوزارة عليها بالسؤال؟ وفيم اجتماع بعض النواب وإشفاق إدارة الأمن العام من هذا الاجتماع وتقدمها إلى بعض أصحاب الصحف ألا ينشروا ما قد يقره المجتمعون؟ وفيم سفر بعض النواب للقاء رئيس الوزراء، واعتذار رئيس الوزراء من لقائهم مكتفياً بما ألقاه إلى “المقطم” من حديث؟ فيم هذا كله، وفيم غير هذا كله مما لا نبيح لأنفسنا التحدث فيه، إذا لم تكن هناك أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذا لم يكن هناك خلاف بين الوزارة والإنجليز؟ ألم يكن أكرم لرئيس الوزراء وللشعب المصري أن ينظر رئيس الحكومة إلى الشعب كما ينظر الحاكم الرشيد إلى شعب رشيد، فينبئه بما يستطيع أن ينبئه به من حقيقة الأمر، ولا يخفي عليه الأمر إخفاءً، ولا يتحدث إليه كما يتحدث الكبار إلى الصغار، أو كما يتحدث الآباء إلى الأطفال؟ فما نظن رئيس الوزراء أرشد ولا أقدر على فهم السياسة والنهوض بأثقالها من كثير جداً من هؤلاء المصريين الذين يخفي رئيس الوزراء عليهم أمور السياسة إخفاءً، ويبعدهم عنها إبعاداً.
    ليست هناك أزمة، ولا شيء يشبه الأزمة، وإذاً فما هي هذه الجملة التي جاءت في آخر حديث رئيس الوزراء، والتي أضافها رئيس الوزراء إلى حديثه إضافة، واستوقف من أجلها مندوب “المقطم”، والتي يزعم فيها أنه سيعمل مع زملائه لصيانة حقوق الوطن والعرش؟ فحقوق الوطن والعرش معرضة إذاً للخطر، محتاجة إذاً إلى أن تصان. فما عسى أن يكون هذا الخطر؟ ومم يجب أن تصان هذه الحقوق؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن حديثه لم يجل غموضاً، ولم يمح شكاً، ولم يزد على أن أضحك الناس، وإن كان الضحك لا يحسن في مثل هذه الظروف؟، قد يكون رئيس الوزراء حريصاً على ألا يقول شيئاً في هذه الأيام، بحق أو بغير حق، فقد كان الأكرم له وللناس أن يعلن إلى مندوب “المقطم” أنه لا يستطيع الآن أن يقول شيئاً، أو أنه يرى أن المصلحة تقضي عليه الآن ألا يقول شيئاً. كان هذا أكرم لرئيس الوزراء، وأكرم للناس من هذا الحديث الذي لم يتحدث بشيء. متى يعرف الحكم أن وقت الاستخفاف بأحلام الشعب قد انقضى وأن الشعوب لا ترضى من وزرائها في هذا العصر إلا الجد والصراحة والإخلاص؟ الناس إذاً يعلمون حق العلم أن الموقف ما زال دقيقاً أشد الدقة، حرجاً أشد الحرج، والناس إذاً يقدرون أن حفلات العيد ستنقضي اليوم، وأن الأيام القليلة المقبلة ستلقي على الموقف من الضوء ما لم يلقه حديث رئيس الوزراء.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موقف…
    وما يزال موقفنا غريباً أشد الغرابة، شاذاً أعظم الشذوذ، نابياً أشنع النبو، عن كل ما ألفته البلاد التي تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً منظماً في القرن العشرين.
    لم يجد فيه شيئاً يزيل غرابته، أو يخففها، أو يدنيه من أن يكون معقولاً بعض الشيء، ولعل الذي جد فيه منذ أمس يزيده غرابة وشذوذاً، كما يزيده عسراً وتعقيداً، فأما الإنجليز فنشاطهم لا ينقطع ولا يفتر، ولكنه متصل يشتد من حين إلى حين، فأما يوم الخميس فنائب المندوب السامي يفتش على الشرطة في الثكنات والأقسام، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات السابقين فيقضي معه وقتاً غير قصير، وفيما بين ذلك يزور المطافئ، ويزور قيادة الجيش المحتل، وهذه الحركات كلها تنبئ بأمرين خطيرين: أحدهما أنه يجاهر المصريين بالدخول في أمورهم الخاصة، في غير تحفظ ولا احتياط، والثاني أنه تهيأ لأمر لا يعرفه، ويريد أن يستيقن أنه إن أقدم فستواتيه الظروف، وسيكون قابضاً على ناصية الحال كما يقولون، فإذا كان يوم الجمعة رد له رئيس الوزارة السابق زيارته في الإسكندرية، بين قطارين كما يقول الفرنسيون، فإذا كان يوم السبت، وصلت الأنباء إلى رئاسة مجلس الوزراء بأن نائب المندوب السامي سيزور الرئيس، ثم أجلت الزيارة في غير تحديد، ثم كانت الزيارة مساءً في دار الرئيس، والناس يتحدثون في أثناء هذا كله بأن الرسائل البرقية الرمزية، متصلة بين دار المندوب السامي، وبين وزارة الخارجية البريطانية والسير مايلز لمبسون.
    هذا إلى ألوان أخرى من النشاط منها المعروف الذي يتحدث به الناس ومنها المجهول، الذي لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وأما الوزراء فيجتمعون ويفترقون ويقيم بعضهم في القاهرة أياماً فإذا دعي إلى الإسكندرية أبطأ في الاستجابة لهذا الدعاء، حتى يكون الإلحاح.
    والوزراء يلتقون أفراداً وجماعات في مكاتبهم وفي دورهم، وناظر الخاصة الملكية، والسكرتير الخاص لجلالة الملك، يلقيان رئيس الوزراء في الصباح والمساء، كما يلقيان غيره من زملائه، وأما النواب فبعضهم يسأل عن تفتيش المندوب السامي على الشرطة، وبعضهم يسأل عن صمت الحكومة وإغراقها فيه، والوزارة لا ترد على هذا ولا على ذاك، فيجتمع فريق من النواب والشيوخ، ويتدابروا ليتشاوروا ويتخذوا قراراً، ولكن مدير الأمن العام يقظان، غير نائم، فهو لا يمنح طرفه الجامعة وكلية الحقوق ودار بعض الطلاب وحدها، وإنما يمنح طرفه أيضاً دار البرلمان، ليرى من يذهب إليها، ومن يخرج منها، ومن يجتمع فيها. ثم يمنح طرفه الصحف، ليرى من يزورها، ومن ينصرف عنها، ثم يتحدث إلى أصحاب الصحف ليطلب إليهم ألا ينشروا ما قد يرسله إليهم النواب من عرائض تنير الخواطر، وفي أثناء ذلك تراقب المحطات في الإسكندرية وفي سيدي جابر، لتعرف الوزارة من يقدم على الثغر، ومن يخرج من الثغر، ثم تشتد المراقبة حول دار رئيس الوفد، وحول الكازينو، وحول الدور التي ينزل فيها أعضاء الوفد المقيمون في الإسكندرية.
    هذا هو موقف مصر الرسمية بالضبط، فأما موقف الشعب فهو كما صورناه أمس، موقف قلق واضطراب، بل موقف إمعان في القلق والاضطراب، ما يزال الناس يتساءلون إذا لقي بعضهم بعضاً عما كان أمس، وعما هو كائن اليوم، وعما سيكون غداً، بل عما كان في الصباح، وعما هو كائن في المساء، وعما سيكون إذا جن الليل – والخيال يذهب إلى أبعد الآماد، والألسنة تنطق بأغرب الأحاديث، وفي أثناء هذا كله يجتمع مجلس الوزراء فجأة، ثم يتفرق الوزراء المجتمعون، ثم يسأل بعض الصحفيين رئيس الوزراء عن هذا الاجتماع، فيجيب أنه اجتماع عادي ليس فيه شيء غير مألوف.
    وتنشر بعض الصحف مساء أمس أن الوزارة لا ترى بأساً من إصدار بلاغ تبعث به الطمأنينة في نفوس الناس على صحة جلالة الملك. وإذا كان الصباح لم يصدر البلاغ، وإنما قالت الصحف إنه قد يصدر وأن أولياء الأمر يترددون في أمره، أيصدره مجلس الوزراء أم يصدره الأطباء الذين يعنون بالمليك؟ فإلحاح الناس إذن على الوزارة في إصدار نشرات طبية لم ينته إلى إصدار هذه النشرات بل إلى الوعد بإصدارها.
    نظن أننا قد صورنا موقف المصريين الرسميين، وموقف الشعب وموقف الإنجليز أدق تصوير ممكن في هذه الأيام، ونحب أن نعلم بعد ذلك كيف تستقيم هذه المواقف كلها وكيف تتفق مع النظام، الذي تحكم به مصر، وهو النظام الديمقراطي. ومن الذي جعل أمور الشعب المصري الحر المستقل بأموره الخاصة على أقل تقدير وقفاً على الوزارة وعلى دار المندوب السامي وعلى رجل أو رجلين، من كبار الموظفين في القصر الملكي؟ وكيف يفهم أن تصبح حياة أربعة عشر مليوناً من الناس سراً مكتوماً على كل هذه الملايين، على خاصتها وعامتها، على ساستها ومثقفيها، على قادتها وزعمائها، سراً لا يعرفه إلا اثنا عشر رجلاً يستأثرون به، ويدبرون أمره، ويتصرفون فيه دون أن يقولوا لهذه الملايين شيئاً، أو يشركوا قادتها وزعماءها في شيء.
    ثم كيف يفهم أن تكون مصر فيما يقال دولة مستقلة ذات سيادة تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً، وأن يكون أشد الأشياء مساساً بحياتها شركة بين الإنجليز وبين اثني عشر رجلاً من المصريين دون أن يكون لهذا الشعب كلمة تسمع أو رأي يلتفت إليه.
    هذا كثير وأكثر منه أن يمضي الوزراء فيه، وأكثر منه أن يلح الناس على الوزراء في الخروج من هذا الصمت، فإذا الوزراء لا يزيدون إلا إغراقاً في الصمت، نظن أن الوقت قد آن ليخرج الوزراء من صمتهم وليعرف المصريون إلى أين يدفعون، ونظن أنه لا ينبغي للمصريين أن يريحوا الوزارة من الإلحاح والمطالبة في كل لحظة ومن كل هيئة، حتى تخرج الوزارة من هذا الصمت الثقيل، ومن هذا النوم العميق، أو تقيل إذا كانت عاجزة عن أن تعمل أو عن أن تقول.
    طه حسين
    (٢) الوادي، ٧ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أدب . . .
    يظهر أن الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد في الإسكندرية أثناء الشهر الماضي قد أثمرت وآتت أكلها طيباً لذيذاً، وتعلم منها بعض الناس ما يجب أن يتعلموا من وزير التعليم، فعفت ألسنتهم وأقلامهم عن الإثم، وبرئت نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من العيب والأذى، فأصبحوا ملائكة كراماً يذودون عن ملائكة كرام.

    وما كان ينبغي أن يخرج وزير التقاليد في خطبته عن طوره ويتجاوز ما لا ينبغي أن يتجاوزه الرجل المثقف العادي فضلاً عن وزير التعليم من أدب الحوار، ومن نزاهة اللفظ حين يتحدث عن الخصوم وإليهم. ما كان ينبغي أن يتجاوز وزير التقاليد هذا كله وأن يلزمه المتصلون به، واللاجئون إليه، والناطقون بلسانه ولسان حزبه من الكتاب والصحفيين. فقد تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بالجبن والخيانة والاضطراب والتردد وما إلى ذلك من تلك الألفاظ البشعة التي نريد أن نعف حتى عن نقلها في هذا الحديث، تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بهذه الصفات وأن يعلن هذا الوصف في خطبة يسمعها الوزراء وتذيعها الصحف، ويعجب لها الأجانب حين تُترجم لهم بعضها، فلم يبق بد من أن يكون الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد نافعاً مفيداً، ومن أن يكون أسرع الناس إلى الانتفاع به والاستفادة منه، هؤلاء الذين يزعمون أنهم مرآة لوزير التقاليد ولحزبه القوي، يصورون للناس في كل يوم ما يمتاز به الوزير وحزبه من نزاهة الأيدي والألسنة وطهارة الضمائر والقلوب. وكل ما نتمناه الآن أن تقف العدوى من وزير التقاليد عند هؤلاء الكتاب والصحفيين وألا تتجاوزهم إلى الطلاب والتلاميذ، فيعظم الشر، ويشتد الخطر، ويجر وزير التقاليد على وطنه كارثة في الأخلاق ما ينبغي أن يجرها وزير التعليم.

    هذه الصحيفة الفرنسية التي تنطق عن وزير التقاليد وعن حزب الاتحاد قد أرادت اليوم أن تدافع عن الإبراشي باشا، وأن تقف منه موقف المناضل الذي يحميه من هجمات الخصوم، فأمعنت في سخف كثير، ودفعت إلى لغو لا خير فيه، ولا حاجة بنا إلى الوقوف عنده، ولكنها أحسنت تقليد وزير التقاليد وأجادت تأثره واتباعه والانتفاع بدرسه القيم المفيد. فهي تصف الصحفيين الذين عرضوا للإبراشي باشا بأنهم جبناء، يحتمون بصحفي أجنبي صغير هو مكاتب “التيمس”.

    نعم هي تصف الصحفيين المصريين الذين عرضوا لناظر الخاصة الملكية فنقدوا دخوله فيما ليس له أن يدخل فيه، بأنهم جبناء، وهي تعلم من هم هؤلاء الصحفيون. تعرفهم بأسمائهم وتعرفهم بأشخاصهم، وتعرفهم بأقدارهم وتعرفهم بأعمالهم، وتعرفهم بما احتملوا في سبيل الاستقلال المصري من أذى وبما لقوا من مكروه، وتعرفهم بصفاتهم التي قد تستطيع أن تبحث عنها أو عما يشبهها أو عما يمكن أن نذكر معها في حزب الاتحاد فلا تظفر بشيء، فقد يكون من الغريب أن تكون هذه الصحيفة التي تنطق عن حزب الاتحاد هي التي تصف بالجبن قادة الرأي المصري في السياسة والأدب وفي كل أنحاء التفكير.

    من الغريب حقاً أن يكون أحمد ماهر ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد وتوفيق دياب وطه حسين جبناء، وأن تكون الشجاعة في حزب الاتحاد عند هؤلاء الذين يعيشون من حوله وينطقون بلسانه من المحدثين، لا أقول في الكتابة ولا أقول في الأدب، وإنما أقول في المصرية نفسها، هؤلاء الطارئون على الحياة المصرية طروءاً، الداخلون فيها دخولاً، هم الذين يصفون قادة الرأي في مصر بالجبن والخوف، والاحتماء بصحفي إنجليزي صغير هو مكاتب “التيمس”..

    على أن هذا ليس كل شيء، فالصحيفة الفرنسية لا تقف عنده ولا تكتفي بأن تصف قادة الرأي المصري بالجبن، وإنما هي تمعن في الانتفاع بدرس وزير التقاليد حتى تتفوق عليه، وتصل من ارتفاع الأدب وسمو الخلق، ونزاهة اللفظ، إلى ما عجز الوزير عن أن يصل إليه، فتطلب إلى هؤلاء الكتاب من قادة الرأي المصري أن يحطموا أقلامهم وأن يفتحوا متاجر «للمودة» يختلف إليها النساء. لا تعجب أيها القارئ ولا تدهش فقد ترجمنا لك ما قالته صحيفة وزير التقاليد ترجمة حرفية، وهي تدافع عن زكي الإبراشي باشا وتريد أن تحميه من هجوم الخصوم.

    هي تطلب إلى هؤلاء الكتاب من المصريين أن يدعوا الصحافة والكتابة وأن يقفوا حياتهم على المودة وعلى تزيينها للنساء. وهي تظن أنها قد بلغتهم، وآذتهم ونالت منهم، وأرضت المثل الصحفي الأعلى الذي تحبه “الأجبشيان جازيت” والتي كانت تزعم أن الصحافة المصرية لم تبلغه بعد، فلتنظر “الأجبشيان جازيت” فلعل صحيفة حزب الاتحاد ومرآة وزير التقاليد قد بلغته، ولعلها قد جاوزته، ولعلها قد ضربت للصحافة العليا مثلاً جديداً في الأدب، وفي نزاهة اللفظ وسمو الأخلاق.

    ليس من شك في أن كاتب هذا المقال «جنتلمان» عند “الأجبشيان جازيت” فهو ملازم لوزير التقاليد، مصور لآرائه، ولعله تغدى معه منذ حين على مائدة المندوب السامي، فعرف كيف يكون الرجل الصحفي «جنتلمان».

    أما بعد فإن دفاع مثل هذا الكاتب عن الإبراشي باشا لا يشرف الإبراشي باشا، وانتماء مثل هذا الكاتب إلى وزير التقاليد وحزب الاتحاد لا يشرف وزير التقاليد ولا حزب الاتحاد، ولو لم يكن من آثار حزب الاتحاد إلا أن تعيش في مصر مثل هذه الكائنات، وأن تنمو وأن تتخذ صناعة القلم تجارة وأن تؤجر آخر الشهر على إيذاء الأدب والإساءة إلى الأخلاق، لكان هذا كافياً لأن يؤمن المصريون بأن بلادهم لا تنتظر من حزب الاتحاد خيراً كثيراً، فلعلها تنتظر منه شيئاً آخر غير الخير الكثير.

    أما بعد فقد يحسن بالصحفيين المصريين أن ينظروا إلى أنفسهم وأن يحكموا أمورهم وأن يبينوا للناس أنهم يبرأون من كل من يتخذ القلم وليس له بآداب القلم علم، وينهض بالصحافة وليس له بواجب الصحافة شعور.

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ١٠/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وطنية. . .
    كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام حتى أصبح شيئاً يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية بحمد الله أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها أو يدلوا عليها أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والآباء، لولا أن مما يدعو إلى الضحك حقاً ويدعو إلى الحزن حقاً أن تتخذ الوطنية تجارة ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسوا حديث الوطنية وزعموا أن الذين يتحدثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض.
    هؤلاء أنصار الوزارة القائمة يذكرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، وينكرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية وأين كان سادتها الوزراء وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون، أن يبحث عنه أو أن يعلمه أو أن يتحراه.
    في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئاً ولا تنطق حرفاً ولا تأتي حركة وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حيناً، وفي النهار حيناً آخر، في الصحراء مرة وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتاً لم يكن من ذهب، ولم يكن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.
    فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أهينت في أرضها واحتقرت في وطنها؟ وكيف أرضيت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحفظة للكرامة القومية.
    تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس إن طال الانتظار فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أن وزاراتهم قد تستقيل أو تقال.
    إن الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدين بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أنشئت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة ولا يجرؤون على أن يواجهوها بأنفسهم ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يفوضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا ولا يسعون إليه إلا أن يظلهم تأييد الإنجليز أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يؤثرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إن الذين يقصون أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى أسيوط ويضعون مكانه أستاذاً إنجليزياً، إن الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية، لأنه أجنبي ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إن الذين يشقون على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب يتقاضونها منهم في أيامها وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملأوا بها أفواههم وهم جادون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يقبلون من الأجانب ضيماً، ولا يرضون من الإنجليز تدخلاً في شؤون الشرطة ولا في شؤون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأذلاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم والحق يفرض عليهم والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.
    هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حساباً لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.
    . طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١٨ .

    حديث الوادي
    اعترافات. . .
    من زعم لك أن الرجل الطيب، هادئ النفس مطمئن القلب، فارغ البال، ينام ملء جفونه إذا كان الليل ويضحك ملء شدقيه إذا كان النهار فلا تصدقه ولا تسمع لما يقول. فرئيس الوزراء بعيد كل البعد عن هدوء النفس، ناءٍ كل النأي عن اطمئنان القلب، محروم كل الحرمان ما يحب من فراغ البال، وليست المشكلات العادية هي التي تنغص نهاره وتؤرق ليله، فالرجل قد عاش مع هذه المشكلات منذ أسندت إليه أمور الحكم، وهو قد عاش معها كما يعيش الصديق مع الصديق، عيشة كلها صفو ومودة، لا ينغصها ملل ولا سأم ولا يفسدها ضجر ولا ضيق – ولعل رئيس الوزراء لم ينتهِ إلى حل المشكلات لأنه يألف أن يعيش مع المشكلات ويرى في عشرتها المتصلة لذة ومتاعًا لا لأنه يعجز عن حل هذه المشكلات – فالرجل طيب ولكنه ذكي، والرجل طيب ولكنه قوي، ولو أنه أراد أن يحل هذه المشكلات لما أعجزه ذلك، ولكنه استبقاها حتى لا تصبح حياته كلها سهلة يسيرة ممهدة. هو إذن مشغول البال بغير هذه المشكلات العادية؛ لأن هذه المشكلات العادية لا تشغل باله، إنما هي المشكلات الطارئة التي تحدث الناس بها في أول الصيف، ثم أخذوا يلحون في الحديث بها شيئًا فشيئًا كلما تقدم الصيف، ثم امتلأ بها الجو المصري امتلاءً، منذ أقبل نائب المندوب السامي. وقد انتشرت الإشاعات واختلفت واصطدمت فيما بينها اصطدامًا عنيفًا حتى شغلت الناس عن كل شيء أثناء هذه الأسابيع الماضية، وكان رئيس الوزراء شجاعًا جلدًا وحازمًا جريئًا، فثبت لهذه الإشاعات وقاومها بالصمت العميق، ثم خرج عن المقاومة إلى المهاجمة، فتحدث وأكثر من الحديث، وتبعته الصحف الوزارية فهاجمت كما هاجم وتحدثت كما تحدث، ولجت في النفي والتكذيب كما لج الرجل الطيب نفسه في النفي والتكذيب، ولكن الإشاعات فيما يظهر لا تريد أن تخاف، ولا أن تعرف الخوف، ولا تحب أن تفر ولا أن تفكر في الفرار، وإنما تثبت لرئيس الوزراء كما يثبت لها رئيس الوزراء، وقد آثرت الإشاعات أن تسكت أيامًا لتتيح لرئيس الوزراء وأنصاره أن يفرغوا جعبتهم وأن يقولوا كل ما عندهم. ثم بدا لها فعادت إلى الحركة والنشاط، وإلى الانتشار والإلحاح فيه، وهذه المقطم التي كانت تنفي وتسرف في النفي، والتي كانت تكذب وتغلو في التكذيب، والتي كانت تتخذ الشعر ولغته وسيلة إلى النفي والتكذيب، قد عادت أمس تسجل بعض ما كانت تنفي من الإشاعات فتتحدث بأن للإنجليز رغبات قد تحدثت بها بعض نواحيهم لتبلغ جهة مصرية ما، وتتحدث بما يقال من رئاسة الديوان الملكي قد تسند إلى رئيس بعد أن ظلت خالية وقتًا طويلاً، ولم يكد الناس يقرأون المقطم ويفقهونه ويتبينون ما أراد المقطم أن يشير إليه حتى أسفر صبح اليوم، وإذا صحيفة من صحف الوزارة تصدر بالفرنسية قد كتبت فصلاً غريبًا، لم تتعود أن تكتب مثله، ولم يكن ينتظر منها أن تكتب مثله، فهي تثني على الصحافة المصرية كلها، وهي تثني على الصحافة المعارضة خاصة، وهي تثني على رؤساء التحرير في صحف المعارضة بعد أن كانت يوم الأحد الماضي، تنصح لهم بأن يحطموا أقلامهم ويشتغلوا بتجارة «المودة» وبعد أن كانت تصفهم بالجبن والخوف.
    نعم هي تثني على صحف المعارضة ومحرريها لأن هذه الصحف نسيت ما كان يملأ قلب أصحابها وأحزابها من الحقد والموجدة وأعرضت عن الخصومات الداخلية كلها، فاتفقت مع غيرها من الصحف الموالية على شيء واحد تأمر به الوطنية الصادقة وهو حماية الاستقلال، ومقاومة التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية الخاصة. ومن المحقق أن صحف المعارضة قد استجابت اليوم كما استجابت من قبل، وكما ستستجيب دائمًا لدعوة الوطنية الصادقة، وقاومت وستقاوم دائمًا كل تدخل أجنبي في الشؤون المصرية الخاصة لأنها لم تنشأ إلا لهذا ولأنها لا تفهم الحياة إلا على هذا، ولكن قومًا آخرين تعرفهم هذه الصحيفة يحسنون جدًا وضع أصابعهم في آذانهم حين تدعوهم الوطنية الصادقة إلى حماية الاستقلال، وإنكار التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية، والاحتجاج على التفتيش الذي قام به نائب المندوب السامي على الشرطة والمطالبة بترضية مصر والمصريين عن اعتداء الجند البريطانيين على أبناء الشعب اعتداءً كان من نتائجه الموت.
    هؤلاء الناس يتجرون بالوطنية يلوذون بها حين يرون في ظلها أملًا في البقاء، ويعرضون عنها حين يرون في ظلها تعرضًا للخطر. مهما يكن من شيء فصحيفة الوزارة هذه تسجل كما سجلت المقطم أمس أن الموقف السياسي دقيق وأن الاستقلال المصري معرض للخطر وأن الوطن في حاجة إلى اتحاد أبنائه، وإذن ففي الجو شيء، وفي الجو شيء خطير، وقد كانت نفس هذه الصحيفة منذ يوم أو يومين تنكر أن يكون في الجو شيء كما كانت صحيفة المقطم تنكر أن يكون في الجو شيء. وإذن فهل طرأ طارئ جديد؟ وهل حدث حادث لم يكن يعرفه الناس وما يزالون يجهلونه؟ وصحيفة رئيس الوزراء نفسها تسجل أن في الجو شيئًا صباح اليوم فهي تشتم المعارضة كما تعودت ولكنها تتحدث عن الساعة الرهيبة وتذكر أن الوزارة لا تستطيع أن تفرغ للمعارضة لأن عليها واجبًا جليل الخطر هو إنقاذ الوطن، إنقاذ الوطن من ماذا؟ لقد كان كل شيء هادئًا في رأي الوزارة وصحفها إلى أمس فهل حدث شيء منذ أمس؟ وماذا عسى أن يكون هذا الشيء؟ كلا لم يكن كل شيء هادئًا، وإنما كان كل شيء مضطربًا أشد الاضطراب، ولكن الوزراء وأنصار الوزراء كانوا يتكلفون المقاومة ثم أدركهم العجز عن هذه المقاومة فأخذت صحفهم تعترف ببعض الحق لن تنقضي أيام حتى تعترف هذه الصحف ويعترف الوزراء معها بالحق كله وحتى يعلم الناس علم اليقين أن هذه الإشاعات التي حدثتهم عن الأزمة لم تكذبهم وإنما صدقتهم كل الصدق، وحدثتهم بالحق الذي لا شك فيه. ولو أن الوزراء يقدرون ما يحملون أمام وطنهم من تبعات لما ترددوا في أن يظهروا مصر على ما يمكن أن تظهر عليه من أمور هذه الأزمة، ولما تركوا هذا الشعب كله في هذه الحيرة وفي هذا الاضطراب ولكنهم منحوا أنفسهم من العصمة ما لا يملكون فاستأثروا بأمور الشعب من دون الشعب وظنوا أنهم قادرون على أن ينهضوا بالأثقال وحدهم، ثم لم يلبثوا أن أحسوا العجز وتبينوا أنهم أضعف من أن ينهضوا بهذه التبعات وهاهم أولاء الآن يلتمسون عون الشعب وتأييده وما كان الشعب ليبخل بالعون والتأييد ولكن على قوم يحبهم ويحبونه، يثق بهم ويثقون به، يطمئن إليهم ويطمئنون إليه. والوزراء يعلمون حق العلم مكانهم الصحيح من حب الشعب وثقته واطمئنانه ونظنهم يعلمون حق العلم أيضًا أن الواجب الوطني يكلفهم في هذه الأيام العصيبة أن يستقيلوا وأن يدعوا مكانهم لقوم آخرين يجدون من نصر الشعب لهم وتأييده إياهم قوة تمكنهم من أن يحققوا للوطن ما يجب له من حقوق. فالشعب أكرم من أن يهن في المطالبة بما يجب له من حق، فالذين ينتظرون تأييد الشعب، يجب عليهم أن يرضوا الشعب، والذين يعتمدون على حب الشعب، يجب عليهم أن يعلموا أن الشعوب لا تحب بالإكراه وإنما تحب بالرضى. والشعب المصري لا يحب إلا الذين يعترفون له بحقه الكامل في الحرية والكرامة والعزة والاستقلال، فعلى الذين يريدون هذا الشعب على أن يؤيدهم وينصرهم، أن ينزلوا قبل كل شيء لهذا الشعب عن حريته وأن يحفظوا له كرامته وعزته، وأن يعترفوا بأن أمور الشعب يجب أن يديرها وكلاء الشعب الذين يربطهم به الرضى والحب، لا القهر والعنف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • الولاء تحت النار: الحكومة ومصطفى النحاس | Loyalty Under Fire: The Government vs. Mustafa al-Nahhas

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
    وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
    وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
    وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
    من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
    متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
    إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
    فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
    في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
    طه حسين
    الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أسبوع…
    ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
    ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
    والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
    لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
    لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
    يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
    نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
    إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
    طه حسين
    الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تحكم…
    ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
    فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
    من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
    ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
    والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
    إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
    بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
    إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
    أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
    أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حرج…
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحك، وهو من أجل هذا محزن حقًا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكر فيه ونقدر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر. فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعمائها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعمائها، أما الوزارة المصرية، ووزارة الداخلية خاصة فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها، ومستشاريها، من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر تلعن إذا تحدثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة، وأسلحة الدولة، وتعد له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا، لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فلتعلن ذلك وزارة الداخلية ولتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام. ولتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة، فيستريح منها الشعب ويستريح منها. مصطفى النحاس وإن كان هذا الرجل عاديًا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فلتهدأ الوزارة ولتطمئن، ولتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، ولترح نفسها من مصطفى النحاس، ولترح مصطفى النحاس من نفسها.
    ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل، وتعلن أنها لا تهتم له فمن حق الناس أن يضحكوا ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للعب، وإنما أقيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.
    دع كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد، والإسماعيلية والزقازيق ودع هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدي الصلاة في مسجد من المساجد، دع هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًا، حدث في بورسعيد فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا. أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تعني الحكومة به أقل عناية الذي نسيت اسمه وأظنه يسمى مصطفى النحاس أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يعالجون وما زالوا يعالجون في مستشفى بورسعيد وهؤلاء الجرحى لم يصرعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قط معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صرعوا قضاء وقدرًا، انهار عليهم جدار أو سقط عليهم بعض الأحجار، التي تسقط من السماء أحيانًا؟ فنقلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولست أدري لما كرهت الوزارة هذه الزيارة فأبتها على هذا الرجل وألحّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأبها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلّت بينه وبين المستشفى، حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة، ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظفو المستشفى لمصطفى النحاس أن المصابين قد نقلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقر وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نقلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نقلوا، وأن وكيل المحافظة يقر الحق فيما يظهر حين أقر لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال أن المصابين لم ينقلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.
    فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نقلوا من المستشفى مع أنهم لم ينقلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.
    وقد نحب أن تعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى أن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنة حتى أنها لا تحتاج إلى أن تغير من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه.
    ونحب آخر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلدوها فأخفوا المرضى، والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبناءهم حين يطلبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أنلزمهم على ذلك أم نثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف نجيب؟، وإن أثابتهم فغضبت الأخلاق، وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة فكيف تكون الحال؟
    أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهم له الوزارة؟
    ألم يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ ألم يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ ألم يأن للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قضوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام…؟
    طه حسين
    الوادي، ٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إجرام…
    يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحاً، للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات، وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضاً، لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكفهم الحكومة، حفظ نظام، ولا قمع مظاهرة، ولا تفريق اجتماع ولا إقراراً لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص، الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم، ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضاً أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم، لم تصبح مباحاً للذين يخرجون على القانون، ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزاً قبيحاً، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حرباً لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأياً وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.
    وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه وماذا نريد به ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعد، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثاً ثقيلاً. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكروا حتى أنساهم السكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخاً فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.
    وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلاماً صبياً فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبى يستغيث، حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعاً.
    أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم، قد أبيحت فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تنال به من الإثم والبغي والعدوان.
    ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئن إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلاً عن التأثر بها والاشمئزاز منها، وفضلاً عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعتدى على دماء المصريين، أو انتهكت حرمات المصريين.
    لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد، لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظاً دائماً، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجراً، وهم مكلفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حد ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو.
    نحب أن نعلم إلى أي حد غضب الوزراء للدم المصري وللكرامة المصرية ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي يبين فيها أن دماء الصبيان ليست ماء يراق من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تلقى على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيماً، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقة أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثاً ولعباً، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية، كغيرها من الحضارات تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.
    نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم، وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.
    نعم ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون، ولهم الحق في أن يثوروا، حين يعتدى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة والذين يطالبون، وليس لهم الحق في أن يطالبوا بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصاً، لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين لقد قلنا لهؤلاء الأجانب أنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم، فنحب أن نعلم الآن، رأيهم في هذا الدم المصري البريء الذي يراق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يريقوا الدماء، وهم جند الإنجليز.
    ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أملائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين.
    طه حسين
    الوادي، ٢ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عدوان . . .
    يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
    وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
    الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
    أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١.

  • الفقر والامتيازات الطبقية والعدالة الاجتماعية | Poverty, Privilege and Social Justice

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣

    شقاء
    جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس يريدون أن يستجوبوا الحكومة حول الضرائب لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له أنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملاك بعد المشقة والجهد، وبعد الكد والعناء.
    ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يوما ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمس الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تجبى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتر فيها، فإذا أداها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق السجون عبثا، وإنما خلقها لتؤوي فيمن تؤويهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق الشرطة عبثا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.
    وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزما سواء قدر أم عجز بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائما، وليشكو ويشكو دائما، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.
    وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي، لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظفين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد، فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع لأن الله إنما خلق الناس ليمتص بعضهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض، وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتؤجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضا لتؤدي الدين، ولتؤديه ذهبا إن لم توفق إلى تأديته ورقا. والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدين، لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمأه، وتعرض الفلاح للأوبئة المهلكة، والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.
    ولم لا! هذا شعور طبيعي يجده كل إنسان، إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائما أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبا إذا لم نوفق إلى إرضائه بالدفع ورقا.
    يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يشبهه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظن بنا القدرة فله أن يطالب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر وما دامت لنا سمعة يجب أن تحفظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتحط بجميع أشكالها ومظاهرها.
    وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيا إلى أوروبا، ولتحط به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تليق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.
    هذه أشياء يجب أن تبقى سرا مكتوما بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يحس الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!
    ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلد مستقل كريم أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضورون جوعا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.
    ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعية محفوظة أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليه من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!
    هذه أسرار يجب أن تظل مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونئن من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويئن؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينا متصلا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!
    ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين أن يعدلوا عن استجوابهم فهم يحاولون شيئا لا سبيل إليه، ولا أمل فيه!
    أين هي الشجاعة التي تمكن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ.
    لا أمل في أن تمس الضرائب ولا في أن تخفض، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رئاسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا. وإذن فشيئا من الرفق، وشيئا من المجاملة، وشيئا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!
    وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعواما، فليصبر أشهرا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئن الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!
    أما أنا فليس يعنيني أن تخفض الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يغنيني هو أن يشعر الفلاح بما يحيط به من شقاء.
    كوكب الشرق ١٢ = ٥ = ١٩٣٣

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

    اصطياف
    أما الشعب فسيقضى فصل الصيف كما تعود أن يقضيه في كل عام، جادا في العمل، جاهدا في احتمال للأثقال، متكلفا ألوان العناء المرهق والشقاء المضنى، لأنه محتاج إلى أن يعيش، ولأن العيش في هذه الأيام ليس قريب المتناول. وليس يكفي أن تمد إليه يدك لتظفر منه بما تريد، فلا بد من أن تجد في طلبه بياض اليوم، ولا بد من أن تقضي في تدبيره سواد الليل، ولا بد من أن تزدري الألم لتتقي الجوع، ولا بد من أن تعرض جسمك كله لحرارة الشمس المحرقة، ولا بد من أن تحمل نفسك أضعاف ما كنت تحتمل من الأثقال لتصل إلى بعض ما يجب أن تصل إليه من قوت نفسك وأهلك.
    لا سبيل إذن إلى أن يفكر الشعب في اتقاء الصيف، ولا في الفرار منه إلى ساحل البحر حيث النسيم العليل، وحيث الاستمتاع بالراحة، والتذوق للذات الحياة، وحيث التخفف من أثقال العمل طوال السنة، والاستعداد لاحتمال هذه الأثقال إذا أقبل الخريف. لن يفكر الشعب في شيء من هذا لأنه لم يتعود أن يفكر فيه، ولأن الحياة لم تعوده أن تمنحه من المهلة والفراغ وسعة ذات اليد ما يمكنه أن يفكر فيه. ولأن الحياة في هذه الأيام تقتضيه أضعاف ما كانت تقتضيه من الجهد، وتكلفه أضعاف ما كانت تكلفه من العناء ولا تعفيه بعد ذلك من ألم الجوع والحرمان.
    وإذن فستمشي أقدام حافية على أرض ملتهبة حتى تدمي، وستصلى وجوه كالحة وهج الشمس حتى تحترق، وستخترق أشعة من نار الشمس ثيابا ممزقة مخرقة حتى تبلغ الأجسام فتعمل فيها عملا لا يشبهه إلا عمل السياط التي قد تمسها بالضر إذا كان التقصير في أداء الضرائب، وسيعود الرجال والنساء، والشبان والشيب إلى بيوتهم آخر النهار حيث ينتظرهم أطفال جياع، ومنهم من ظفر بالقليل، ومنهم من لم يظفر بشيء! وسيقنع الظافرون بقليل من الخبز وشيء من البصل وما يشبه البصل! وسيقنع المحرومون بالصبر على الجوع، لعل نهار الغد أن يجزيهم من هذا الصبر خيرا.
    وأما رئيس الوزراء فيصطاف مستشفيا في باريس وفرسايل، وسيتنقل من باريس وفرسايل إلى حيث يشير عليه الأطباء من مدن الجبل، أو مدن البحر أو مدن المحيط حيث العيشة الناعمة والحياة الباسمة، حيث الطبيعة المبتهجة والصفو المقيم. ومن حول رئيس الوزارة جماعة ليسوا مرضى، وليس بهم ما يشبه المرضى ولكنهم متصلون بالرئيس، يهونون عليه حياته الهينة، ويسهلون عليه عيشة السهل، ويخففون عليه عبئه الخفيف، ويريحونه حتى من الراحة، ويسلونه حتى من الفراغ!!
    وأما الوزراء فسيدعون دواوينهم الفخمة المترفة، وبيوتهم الجميلة الوثيرة، لأن القيظ فيها شديد، ولأن الصيف فيها مرهق للعقول، مضن للأجسام، وسينتقلون إلى الإسكندرية حيث البحر وساحله الجميل، وهواؤه الطلق وما يضطرب قريبا من أمواجه من أنواع اللذات والسرور، وصنوف البهجة والحبور إذا أشرق النهار وأظلم الليل. وسينتقل معهم جماعة من الموظفين يريحونهم من راحتهم، ويسرون لهم أعمالهم اليسيرة، ويتيحون لهم الاستمتاع بهذه الحياة الجميلة، حياة الصيف في الإسكندرية، وسينتقل مع الوزراء والموظفين جماعة من الخدم والأتباع يهيئون لأولئك وهؤلاء ما يحتاجون إليه ليذوقوا هذه العيشة الراضية ولينعم بالهم أشهرا من سنة بعد أن ضاقوا بحياة الجد والعمل في القاهرة.
    وستنفق الدولة على أولئك وهؤلاء جميعا. تنفق على المصطافين في الإسكندرية، والدولة ملزمة أن تنفق على أولئك وهؤلاء لأنهم وزراؤها وموظفوها. ومتى عرفت الدولة تقصر في ترفيه الوزراء والموظفين وخدام الوزراء والموظفين؟!
    ولكن شيئاً واحداً لن يفكر فيه أحد، ولن يلتفت إليه أحد، ولن يقف عنده أحد، ولن يرضى عنا هؤلاء الوزراء والموظفون وأتباعهم لأننا نفكر فيه الآن، ونريد أن نذكرهم به ونلفتهم إليه، لعله أن يثير بينهم وبين ضمائرهم شيئاً من الحديث الذي لا يخلو من عظة وعبرة، والذي قد يثير عاطفة الحياء أحياناً!!
    هذا الشيء هو أن الأموال التي ستنفقها عليهم الدولة لينعموا بلذة البحر وهوائه الطلق ونسيمه العليل إنما تجبى من أولئك الذين ستحرقهم الشمس من غير رحمة، وستدمي أقدامهم على أرض قد ألهبها القيظ، وستكلح وجوههم بهذا الوهج الذي يأخذها من كل مكان، وستداعبهم هذه الأشعة الملتهبة مخترقة إلى أجسامهم المتجمدة — ثيابهم الممزقة البالية. فمن الحق على الوزراء والموظفين إذا انغمسوا في الماء مع الصباح أو مع المساء، وإذا جلسوا إلى مكاتبهم في الدواوين، وأقبل عليهم هذا النسيم الخفيف فداعب وجوههم، ونفذ إلى أجسامهم فبعث فيها لذة خفيفة تدعو إلى النشاط، أو جلسوا إلى موائدهم في الأندية والقهوات ينعمون بما يحمل إليهم من أنواع الطعام والشراب، ونظروا إلى البحر والشمس تغمره بأشعتها أول النهار، أو تحسر عنه هذه الأشعة عند الأصيل، والقمر يداعبه إذا تقدم الليل. وإذا رأوا رقص الراقصين والراقصات، وسمعوا عزف العازفين والعازفات، وملأوا عيونهم بهذه الصور الجميلة الخلابة التي تنشط مع المساء على ساحل البحر فتملأ الجو فتنة والنفوس اضطرابا، وتثير في القلوب نارا، منها البريء ومنها الآثم!
    من الحق عليهم إذا لهوا بهذا كله، ووجدوا لذة هذا كله أن يذكروا أولئك المساكين الذين تدمي أقدامهم وتحترق وجوههم، ويتنفسون هواء مزاجه اللهب، يعودون بعد طول الجهد وشدة العناء، ولعل كثيرا منهم لا يجدون ما يطعمون!
    نعم من الحق عليهم أن يذكروا هؤلاء فقد تنفع هذه الذكرى، وقد تثير في نفوسهم شيئاً من الحزن للبائسين، والرحمة للأشقياء، والعطف على المكروبين. وقد تدفعهم إلى أن يعرفوا لهؤلاء الناس بعض حقهم، ويذكروا لهم بعض فضلهم، ويأخذوا أنفسهم، لا بأن يردوا عليهم أموالهم، ولا بأن يشاركوهم في آلامهم، ولا بأن يحملوا عنهم بعض أثقالهم، بل أن يعنوا بمصالحهم وينظروا إليها في رعاية وعناية، لعل ذلك أن يشعرهم بأنهم لم يتركوا نهبا للضر وسوء الحال، ولكن لهم وزراء وموظفين يرثون لهم بعض الرثاء، ويؤثرونهم ببعض العطف، وينظرون إليهم نظرة لا تخلو من إشفاق!!
    أين نحن وفي أي عصر نعيش؟ نحن في مصر التي هي جزء من أوربا، وإذن ففي أي بلد من بلاد أوربا يترك الوزراء عواصمهم ليصطافوا على حساب الدولة؟! نحن في القرن العشرين الذي ثبتت فيه شخصية الشعوب، وجعلت تزول فيه الفروق بين الطبقات، وخضعت فيه أعمال الحكومات لأشد ألوان المراقبة وأعسر ضروب الحساب؟ وإذن فأين الاعتراف بشخصية الشعب الذي سيصلى العذاب في الصيف ليستمتع وزراؤه وموظفوه على حسابه بفنون النعيم؟
    وفيم ينتقل الوزراء والموظفون إلى الإسكندرية على حساب الدولة؟ هم بين اثنتين: إما أن يكونوا قادرين على العمل وإذن فليبقوا في القاهرة. وإما أن يكونوا عاجزين عن العمل وإذن فليستقيلوا أو ليستريحوا بالإجازات على حسابهم هم، لا على حساب الشعب البائس المحروم.
    سيقولون إنما ينتقل الوزراء ليكونوا قريبا من جلالة الملك، وإنما ينتقل الموظفون ليكونوا قريبا من سادتهم الوزراء والموظفين، ولكن الملوك ورؤساء الجمهوريات يصطافون في أوربا، ويبقى الوزراء في العواصم حتى إذا احتاج إليهم رؤساء الدول، سافروا إلى حيث يلقونهم في مصايفهم، ثم يعودون بعد ذلك إلى حيث يعملون.
    وليست القاهرة بعيدة عن الإسكندرية حيث يصطاف جلالة الملك، فمن أيسر الأشياء وأهوانها أن ينتقل الوزراء إلى حيث يتشرفون بالمثول بين يدي جلالته ليتلقوا أوامره السامية وليرفعوا إلى سدته العلية ما يريدون رفعه من الأعمال.
    ليست مصلحة الدولة إذن هي التي تقتضي انتقال الحكومة إلى الإسكندرية، وإنما هو الترفيه على رؤساء الحكومة من الوزراء والموظفين. وقد كان ذلك ميسورا على ثقله ومجانبته للحق قبل أن تشتد هذه الأزمة المنكرة. فأما الآن فهو أمر أقل ما يوصف به أنه ليس إلى الدفاع عنه من سبيل.
    زعموا أن رئيس الوزراء بالنيابة فكر في إلغاء رحلة الصيف هذه، ثم زعموا أنه عدل عن هذا التفكير، فليفكر رئيس الوزراء مرة أخرى، وليفكر معه الوزراء، وليفكر معهم الموظفون، وليفكر معهم البرلمان في أن هذه الأيام ليست أيام ترف ولا سرف، وإنما هي أيام احتمال وحرمان، وليست حياتهم التي يحيونها في القاهرة بالسيئة ولا الرديئة، وإنما هي حياة يحسدهم عليها كثير من وزراء الدول الكبرى.
    فليبقوا إذن في القاهرة، فإن ذلك أقل ما يجب عليهم من إظهار تضامنهم مع الناس ومشاركتهم ولو من بعيد فيما يلقون من مكروه.
    كوكب الشرق ٢٨ – ٥ – ١٩٣٣

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

    صبر
    هو فضيلة من غير شك، بل قل فضيلة من أرقّ الفضائل وأزكاها ولعله أرقّ الفضائل وأزكاها. فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمّت له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه، ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجاً كأنما يصَّعّد في السماء. وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب. وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظراً هادئاً مطمئناً، لا يفسده خوف ولا رجاء؛ وإنما هو مستقيم معتدل قوامه حكم العقل وصواب الرأي. ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرأوا من الطيش ويأمنوا من العثار. ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال؛ فهناك صبر ثقيل جداً، ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضاً ثقل الأعباء وشدة الحرمان. وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء وتجعلها محتملة بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس. وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرّق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها؛ فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم وأصلاً من أصول السياسة. ورئيس الوزراء كان موفقاً كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجعله أساساً لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة. فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هو الصبر، والصبر وحده. وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه، إن أنكرتَ على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض ولكنه يرجو أن يفاوض، فلما دخل في العام الثاني همّ بالمفاوضة، وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان، فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم. ومضى صيف جاء بعده صيف، جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع. وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمّ رئيس الوزراء بالمفاوضة، ودعا إليها وألحّ في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردّوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه. أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة – كما يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله – أو تصبيرة كما يقول مثلك ومثلي من الناس! وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة؛ فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومسّ معه طرفاً من السياسة في طرف من حديث. وعاد رئيس الوزراء وقد تبلّغ بهذا الطعام اليسير فتعلّل به وصبر عليه. ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيره من زملائه، ولكن شيئاً من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض. فما زال واثقاً بالمفاوضات، راغباً فيها، ملحّاً في الثقة والرغبة، مستعيناً عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات. هو إذن صابر مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصوراً على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه. فهو كالأمة المصرية، يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص جداً على السيادة القومية، واذكر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز. هو إذن يريد إلغاء الامتيازات ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات: بالصبر وطول البال وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز. ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يُستهلك الدين ولا يُؤدّى فوائده إلا ورقاً، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى المهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار. ورئيس وزرائنا خير من يتمهل وخير من يستأني، وخير من يحتال وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومادام رئيس وزرائنا صابراً مصابراً، مرابطاً في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار. وكذلك يلقي رئيس الوزراء على المصريين درساً في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن بقاء الامتيازات يؤذي مصر كلها في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء. فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبراً على أذى يصيبه أو ضرر يلمّ به، وإنما هو صبر على أذى يصيب غيره وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولاسيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء؛ فمهما يكن مرّاً فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترف ونعيم في مصر حيناً، وفي أوروبا حيناً آخر. كان صبر رئيس الوزراء لوناً من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعاً ولكنه لا يُتاح للناس جميعاً. هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرّ خالص لا تشوبه حلاوة ولا يخففه لين ولا نعيم. فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله وأشد من هذا كله: فيه شعور الناس بأنهم قد خُلقوا كراماً أحراراً، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المرّ الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلاً من الناس يُقال لهم المصريون. والله – عز وجل – قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويردّ عليهم ما امتحنهم فيه؛ فإذا هم كرام وإذا هم أحرار. فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر؛ فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقّاً. كوكب الشرق في ٢٣ – ٦ – ١٩٣٣.

    رجاء
    لا أحب التشاؤم، ولا أحب الاستماع إلى المتشائمين، بل أنا أكره أشد الكره هذه الأحاديث التي تلقي على الحياة المصرية في هذه الأيام لونًا قاتمًا حزينًا، أو تريد أن تتنبأ للحياة المصرية في الأيام المقبلة القريبة أو البعيدة بلون قاتم حزين. وكثيرًا ما أغلو في ذلك حتى أتهم نفسي في هذا التفاؤل، وأضطرها إلى موقف وسط بين الرضا والسخط، وبين حسن الظن وسوء الظن. فلست أشك في أن حياتنا المصرية لم تصل من السوء إلى مثل ما وصلت إليه في هذه الأيام. ولست أشك في أن الحياة السياسية الشاذة التي نحياها هي المؤثر الأول في هذه الحال السيئة التي نشقى بها، ولكني أعتقد أن هذه الحياة السياسية السيئة طارئ مهما يطل ومهما يثقل، فلا بد من أن يزول غدًا أو بعد غد.
    وأعتقد أن في الأمة المصرية قدرة على المقاومة والصبر، وعلى الثبات والاحتمال، ستعصمها من الاندفاع في هذا الفساد المنكر الذي لا يرجى له صلاح، والذي يتحدث به المتشائمون. فأنا إذن أقاوم الغلو في التفاؤل، وأقاوم الإغراق في التشاؤم، وأرجو أن يُكشف عن مصر هذا الضر الذي تلقاه، وتزال عنها هذه الغمة التي تشقى بها، ولكن علامات تظهر في جو مصر الاجتماعي مهما تفعل فلن نستطيع ولا ينبغي لنا أن نهملها أو نقصر في التفكير فيها والتنبيه إليها، فقد يظهر أنها نذر تنبئ بشر مستطير.
    زعموا أن رجلًا أخذته الشرطة عند مسجد من المساجد، وهو يحاول أن يعرض طفلة للبيع. فلما سُئل تبين المحققون أنه إنما كان يعرض هذه الطفلة للبيع متفقًا على ذلك مع أمها. فقد رأينا إذن في القرن العشرين، وفي مدينة القاهرة، وعند مسجد من مساجد الله رجلًا قد اتفق مع أمًّا من الأمهات على أن يبيع ابنتها بثمن بخس، بدراهم معدودة أو دنانير معدودة. ولكنه بخس على كل حال إذا قُدرت قيمة هذا الثمن مهما يكن بالقياس إلى عواطف الأمومة التي لم تمنع أمًّا من أن تبيع ابنتها بالمال.
    وزعموا أن الأمن قد وصل من الفساد والاضطراب، وأن السلطان قد وصل من العجز والضعف إلى حيث أصبح الناس يقضون لأنفسهم بأنفسهم ويثأرون لأنفسهم بأيديهم، ولا يكاد يختصم اثنان في أمر من الأمور حتى يدخل بينهما المسدس أو البندقية أو السكين، وبحيث أصبح الناس لا يأمنون أن يجلسوا في دورهم قد أُغلقت عليهم أبوابها، فقد يُطرق الباب فإذا فُتح دخل منه الموت، أو دخل منه اللص الذي يتخذ الإكراه وسيلة إلى ابتزاز المال، وبحيث أصبحت الطريق العامة مخوفة كطرق الصحراء في أيام البغي والعدوان بين أهل البادية، يمضي الرجل آمنًا مطمئنًا، أو خائفًا مروعًا، وإنه لفي طريقه وإذا رصاصة تصيبه من حيث لا يحتسب، أو هراوة تقع على رأسه من حيث لم يكن قُدّر. بل حدثني بعض الأجانب أمس أنهم خرجوا يتنزهون في طريق من طرق الضواحي قريب من القاهرة، فلم يكادوا يخرجون من سياراتهم ويمضون أمامهم قليلًا حتى أصابهم وابل من الحصى وصغار الأحجار، ومن الشتم والسب، وحتى أشفقوا من شر عظيم إن مضوا في الطريق. فعادوا إلى سياراتهم مسرعين، ورجعوا إلى القاهرة حيث الأمن فيما يظهر أكثر اطمئنانًا، وأشد استقرارًا.
    وزعموا أن في مصر مائتي ألف من الناس قد أصابهم السل وعُرضوا لنتائجه المهلكة بالطبع، وأن ليس في مصر إلا مستشفى واحد لعلاج من يلم بهم هذا المرض المهلك. وتحدثوا قبل ذلك وسيتحدثون بعد ذلك عن هذه الأوبئة الفاتكة التي تغشى المدن فتعصف بالفقراء والبائسين. ومهما تبحث عن العلل التي تثير هذا كله فتحمل أمًّا على بيع ابنتها، وتعرض الأمن لهذا الخطر المنكر، وتدفع السل والأوبئة إلى الفتك بالألوف من المصريين فأنت مضطر إلى أن تجد علة إن لم تكن هي الوحيدة في هذا كله فهي أعظم هذه العلل إثارا، وهي الجوع والحرمان.
    فأكبر الظن أن هذه الأم لا تبيع ابنتها كرهًا لها، وإنما تبيعها لتعيش. وأكبر الظن أن الجوع هو الذي يغري الآثمين باقتراف الآثام، وأكبر الظن أن الحرمان هو الذي يمكّن للسل والأوبئة ويُسلّطها على المصريين.
    وقد تكون هناك علل أخرى تظاهر هذه العلة، ولكن الفقر هو من غير شك أقوى هذه المؤثرات وأشدها نكرًا. فإذا أضفت إلى هذا أن إلى جانب هذا البؤس الذي يفسد كل شيء حتى العواطف المقدسة ترفًا لا يخلو من الوقاحة والاستهانة بكل حياء، ولا يتأثر بهذه النار المحرقة التي يصطليها البائسون والمحرومون، وإذا لاحظت أن هذا الترف لا ينعم به أغنياء الشعب، فأغنياء الشعب يشقون بالأزمة وتنوء بهم أعباؤها الثقال، وإنما ينعم بهذا الترف فريق من كبار الموظفين الذين أتاحت لهم الظروف السياسية أن يسعدوا برضى الوزراء وعطفهم ونيل المكانة منهم، وافقتني على أن من المعقول أن تثور الحفيظة في نفوس الناس، وأن يعرف المصريون شيئًا لم يعرفوه من قبل، وهو سخط البائس على صاحب النعمة، وبغض المحروم للمترف السعيد.
    والناس في مصر يقرؤون الصحف، أو تُقرأ لهم الصحف، وليس يخفى عليهم من أمر الوزراء وكبار الموظفين شيء. فهل يسأل كثير من الناس أنفسهم عن بعض الأنباء التي تنشرها الصحف كيف تقع من نفوس البائسين والمحرومين في المدن والقرى، وفي أقصى الريف؟ لا تسل عن موقع هذا النبأ الذي أُذيع بأن مدير الأمن العام سيُمنح علاوة قدرها ثلاثمائة جنيه في العام من نفوس الموظفين كبارًا وصغارًا، ومن نفوس الذين يشتغلون بالسياسة اليومية من المعارضين. فهذا الموقع معروف، لا غرابة فيه، ولكن سل عن موقع هذا النبأ من نفوس هؤلاء العمال والفلاحين الذين يلتمسون القوت لأنفسهم وأهلهم فلا يجدونه، أو يلتمسون العلاج لأنفسهم وأهلهم من مرض طارئ أو وباء مُلمّ فلا يظفرون به. ولا تسل عن موقع هذا النعيم الذي يستمتع به الوزراء المصطافون في أوربا، أو في الإسكندرية، وأمثال الوزراء الذين يصطافون هنا وهناك على حساب الدولة أو على حساب أنفسهم، لا تسل عن موقع هذا من نفس هذه الأم التي أرادت أن تبيع ابنتها، أو من نفس غيرها من الأمهات اللائي لا يردن بيع أبنائهن ولكنهن يلتمسن لهن أسباب الحياة فلا يظفرون منها بشيء.
    ما أجدر المصريين أن يفكروا في هذه العلاقات التي تظهر في جو الحياة الاجتماعية المصرية، فإنا نخشى في غير غلو ولا إسراف أن تكون هذه العلاقات مؤذنة بشر عظيم. ولعل من الممكن أن نستدرك هذا الشر بعض الشيء إن فكرنا فيه منذ الآن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه قد يطغى إذا أهملناه، وقد نجد أنفسنا في يوم من الأيام أمام داء عضال ليس إلى علاجه من سبيل.
    كوكب الشرق ٢٢-٨-١٩٣٣.

    استعجال
    رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
    فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
    ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
    وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
    وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
    وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
    المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
    فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
    رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
    فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
    لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
    كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    إرهاق . . .
    يظهر أن الدولة معوزة، في هذه الأيام، كما أن كثيراً من الأفراد معوزون، فقد اشتدت الأزمة، حتى انتهت إلى أقصى غايات الحرج وإن لم تؤمن الحكومة بذلك ولم ترد أن تعترف به، ويظهر أيضاً أن إعواز الدولة وضيق ذات يدها، وشدة حاجتها إلى المال، لتنفقه فيما تورطت فيه من ضروب الترف، كل ذلك يبيح لها ما لا يبيح للأفراد، من مصادرة أموال الناس، والتسلط على ما يستخرجون من الأرض في غير رعاية للقانون، ولا احترام للملكية، ولا تقدير للحرية، ويظهر أن مصدر هذا الفرق الذي يبيح للدولة ما لا يبيح للفرد، ويأذن للحكومة في مصادرة الأموال، هو أن الدولة قوية والفرد ضعيف، وأن الدولة ذكية والفرد غبي، أو متواضع الذكاء.
    فللدولة وزراء ماهرون لهم حيلة واسعة، وذكاء متفوق، كصاحب السعادة القيسي باشا وكصاحب العزة صبري بك، وهؤلاء الوزراء الأذكياء الماهرون يعرفون فيما يظهر كيف يستخرجون الغنى من الفقر، وكيف يستنبطون اليسر من العسر، وكيف يجدون للدولة من كل حرج فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. وهم بفضل هذا الذكاء وهذه المهارة يظهرون الدولة في مظهر الغنى السخي، وإن كانت في حقيقة الأمر معوزة أو كالمعوزة معدمة أو كالمعدمة، فقد كان الناس يشكون في العام الماضي من أن الإدارة في الأقاليم وفي أقاليم الصعيد خاصة، كانت تشق عليهم في جباية الضرائب، تكلفهم أن يدفعوها مقدماً، ولا تكتفي منهم بما فرض القانون، فإن أظهروا امتناعاً عن ذلك، أو عجزاً حالت بينهم وبين ثمرات الأرض التي أنفقوا في استخراجها جهداً، وقوة ووقتاً ومالاً، فلم تمكنهم من نقلها ولا من التصرف فيها حتى يؤدوا إليها مقدماً ما تطالبهم به من المال.
    ونذكر أن بعض كبار الملاك شكوا من ذلك في العام الماضي إلى وزارة المالية، وأن مدير الأموال المقررة أصدر إلى ممثليه في إقليم هؤلاء الملاك أمراً بألا يقتضوا أموال الدولة إلا في حدود القانون، ولكن الإدارة فيما نذكر لم تحفل بأمر مدير الأموال المقررة، ومضت فيما كانت ماضية فيه، من الإعنات والإرهاق، ومنذ أسابيع جددت السياسة هذه الشكوى، وطالبت باحترام القوانين، ورعاية ما تملكه من حرمات، فلما كان من الغد، أنبأتنا السياسة بأن مدير الأمن العام، تحدث بالتليفون إلى صديقنا هيكل بك
    يسأله عما يعلم من ذلك وظنت السياسة وظننا معها أن عناية مدير الأمن العام بهذه القصة ستنتهي إلى رفع الظلم، وإلى تمكين الناس من أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون إذا أدوا ما عليهم للدولة من الضرائب، في حدود القانون.
    ولكن الأهرام تجدد اليوم شكوى السياسة منذ أسابيع، وشكوى الناس منذ العام الماضي، فرجل من كبار الملاك والوزراء يطلب إلى الأهرام أن تسأل الوزارة كيف تستبيح لنفسها مخالفة القوانين إلى هذا الحد، وأخذ الناس يدفع الضرائب قبل أن تستحق، والتسلط على الحاصلات الزراعية، بغير حجز قانوني بل بالقوة العنيفة المتعسفة وآخرون يكتبون إلى الأهرام، بأنهم زاروا مدير أسيوط، يهنئونه بالعودة من إجازته، وشكوا إليه من هذا الظلم نفسه فأظهر إنكاره وأعلن أنه لن يسمح بالتعرض لأموال الناس، ولكنه يكتفي بأن يظهر أصحاب الحاصلات الزراعية للإدارة مستندات تدل على الأماكن التي يخزنون فيها حاصلاتهم، لتستطيع الإدارة بالطبع، أن تحجز عليها وتضمن بها وفاء الضرائب.
    ومعنى هذا كله أن الظلم ما زال قائماً وأن أحكام القانون في جباية الضرائب ما زالت مهدرة وأن الملكية وحرماتها ما زالت معرضة للعبث، وتعسف الموظفين كباراً وصغاراً في الأقاليم، وكل هذا يحدث في ظل الدستور وفي ظل القانون، وبأعين وزير الداخلية الذي هو عضو في مجلس النواب، وبأعين وزير المالية الذي هو عضو في مجلس الشيوخ. ومعنى هذا أيضاً أن الذين يزعمون أن في مصر عدلاً شاملاً، إنما يكذبون على أنفسهم أو يكذبون على الناس، ومعنى هذا أيضاً أن الذين يظنون أن المصريين يحكمون بالحق والعدل، كما تحكم الشعوب المتحضرة في القرن العشرين، يخطئون أشنع الخطأ، ويبعدون عن الصواب غاية البعد.
    ومعنى هذا آخر الأمر أن الذين يظنون أن عهد مصادرة الأموال بغير الحق، والتسلط عليها بالسيف والبطش قد انقضى، إنما سيكون في عالم من الوهم والخيال.
    وإذن فقد يكون الخير في أن تعلن الوزارة إلى الناس، أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور، وإنما تريد أن تحكمهم بالشهوة والهوى، أو أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور وإنما تريد أن تحكمهم بما تفرضه الضرورات التي نجهلها نحن وتعلمها الوزارة من ألوان البطش والبأس وضروب الظلم والجور. فليس هناك منفعة في أن يظن الناس أن لهم حصناً من القانون والدستور حتى إذا لجأوا إلى هذا الحصن، لم يجدوا فيه
    حماية ولا وقاية، وليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم أحرار يستطيعون أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون على حين أنهم عبيد تستطيع الدولة أن تفعل في أموالهم ما تشاء. ثم ليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم يعيشون في القرن العشرين على حين أنهم لا يزالون يعيشون في القرون الوسطى، وليست القوة، في أن تخدع الناس تأخذهم على غرة، وإنما القوة في أن تصارحهم وتواجههم بالحقائق الواقعة، وتعلن إليهم أنهم لن يحكموا إلا على هذا النحو، سواء أرضوا أم كانوا ساخطين لودوا لو يفكر وزير الداخلية ووزير المالية في هذا، ونود لو يشركان معهما في التفكير زميلهما الفقيه وزير التقاليد ورئيسهما الرجل الطيب. فقد ينتهي بهم التفكير إلى مصارحة الناس بأن الدولة محتاجة إلى المال، وبأنها معرضة للإفلاس إذا لم تأخذ الشعب بدفع الضرائب مقدماً، وبأن الضرورات تبيح المحظورات، والشيء الذي لا شك فيه هو أن المصريين مستعدون لمقابلة مثل هذه الكارثة بصبر وثبات، وجلد، واستعداد للتضحية، فهم قد تعودوا احتمال الكوارث، والثبات للحوادث والخطوب، فأما إذا كانت خزانة الدولة عامرة، وكانت الأموال فيها موفورة وكانت سمعتنا المالية ملائمة لحقيقة حالنا فنظن أن الوزراء يوافقوننا على أن رفع هذا الظلم أمر يفرضه القانون، ويفرضه الضمير، ونحن نكبر وزراءنا مهما يكن بينهم وبيننا من خلاف، عن أن يظن الناس بهم أنهم يظلمون حباً في الظلم، ويجورون رغبة في الجور، ويقهرون الناس لأنهم يجدون لذة في قهر الناس.
    ليفكر الوزراء وليقولوا لنا في هذا الأمر شيئاً فقد نحب أن نسمع منهم ما يقولون.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٢٧/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    أخلاق
    دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
    ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
    حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
    وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
    كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
    نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
    والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
    وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
    طه حسين
    الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤.