Tag: United Nations

  • مزيد من مقالات الخمسينيات | More from the fifties…

    وثبتان . . .
    كلتاهما بعيدة المدى ، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها فى حياة مصر . لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها .
    أما أولاهما فهى هذه التى كانت حين أعلنت الثورة فى دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم ، وقوانينه تصدر باسم الأمة . وما أشك فى أن المصريين قد وجدوا فى أعماق نفوسهم وضمائرهم ، هذا الشعور الذى كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه ، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة ، والإباء المصرى الصريح ، والقوة التى تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم ، كانوا لا يفكرون فى أمر يأتونه أو يدعونه ، ولا فى خطة يضعونها ، ولا فى قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!.
    والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم ، وقادتهم ، والمسئولين من حكامهم ، كانوا فى كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم ، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط فى التردد والاضطراب ، ويلقى فى روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هى دائما إلى ذلك المحجب فى قصره ، وهى أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
    انهيارا . ومضى هذا كله إلى غير رجعة ، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا ، واستطاعت أن تجليه وتجلى معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
    ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها فى تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب ، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء .
    وكانت هذه هى الوثبة الثانية التى أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وأبائها واستقلالها حقائق واقعة ، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أمانى يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
    قالت الثورة للملك السابق : التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
    وقالت الثورة للإنجليز : يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التى لا تشوبها شائبة . فطاولوا وماطلوا ، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التى سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل . ولكن الثورة ثبتت فى مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت ، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة ، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت فى روعهم وأقرت فى ضمائرهم ما ألقته فى روع المصريين وما أقرته فى ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والاباء ، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم ، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون ، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم ، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن .
    فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا ، وما أرادت مصر والسودان ، وهم قارون فى وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون فى قول ولا عمل، ولا يسرفون فى إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها ، وقالوا : لا ولم يقولوا غيرها ، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف ، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
    فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها ، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر فى هذا الدرس الذى ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة ، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم ، وصدق الرأى وتصميم الإرادة . كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب فى غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم :
    إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
    ونكب عن ذكر العواقب جانبا
    ولم يستشر فى رأيه غير نفسه
    ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
    وهذا الدرس الذى ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التى أنزلت الإنجليز عند رأى مصر فى أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر فى السادس والعشرين من شهر يوليو الماضى هى وحدها التى ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا .
    نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله . هذه هى الخصال التى لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم فى سبيلها العقاب إلا ريثما تزول وكلما قوى التجاوب بين الثورة والشعب وقوى إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية فى سبيل الحق . كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالا .
    ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن ، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل فى حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التى ائتمنت نفسها على حقوقنا والتى إئتمناها نحن على حقوقنا ، والتى ستؤدى إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها .
    وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا فى غير مماحكة ولا مداورة بنعم أولا . فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض فى المماحكة وأمهر أمم الأرض فى المداورة والالتواء .
    هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده ، وإنما قهرنا بها الطغيان كله فى نفس الملك السابق وفى نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز . وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا فى غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد فى القول والثبات على الرأى والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار .
    وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم فى أول الطريق وأن حياة الشعوب شى يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجرى دائما على ما يشتهون .
    فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا .
    يجب أن يجلو الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضى فى سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا فى سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب .
    وكنت إذا قوم رمونى رميتهم
    فهل أنا فى ذا بالهمدان ظالم
    متى تجمع القلب الذكى وصارما
    وأنفا حميا تجتنبك المظالم
    طه حسين

    الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣

    سراب
    لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التى أنشئت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الاقوياء وأوهام الضعفاء ، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل فى الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف ، ويطمئن القلق ، وتستقر القلوب بين الجنوب .
    لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديا ولم تقمع باغيا ، ولم تقر أمنا ولم تشع عدلا ولم تزد على أن أنفقت مالا كثيرا وملأت الأرض كلاما وأوهاما ، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والاقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
    ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسا للسلم ، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التى ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
    ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الاطلنطى فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه . كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك فى بلاد اليونان التى كانت حليفته فى الحرب ، والتى اصطلت النار الألمانية ، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الانجليزية أيضا .
    لم أؤمن بشى ء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الاخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشى فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين فى أحدهما الرحمة وفى الآخر صنوف العذاب . وهم يبرعون فى بذل الوعود كما يبرعون فى أخلافها ويمتازون فى إعطاء العهود كما يمتازون فى نقضها ، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفا ، وأهون من أعظم الناس هوانا .
    كذلك تملق الانجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب ، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا فى البغى والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل فى مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التى أعلنها فى ميثاق الاطلنطى فقال : تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول .
    وما كرهت شيئا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك فى هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت فى شى ء قط كما شككت فى مجلس الأمن هذا الذى لا يؤمن أحدا ولا يرد إلى أحد حقا ولا ينصف مظلوما من ظالم ولا يصد معتديا عن عدوان والذى سميته غير مرة مجلس الخوف . ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد . ولم نر قط قويا اعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض . وإنما الأقوياء بين اثنتين دائما ، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون ان لم يجدوا إلى البطش سبيلا .
    وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع فى كل ، عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال . وهذا مجلس الأمن يجتمع فى كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفا آمن ولا باغيا كف عن بغيه ، ولا مظلوما أتيح له الانصاف ، ولا ظالما آثر العدل والقصد .
    وإنما تجرى أمور الاستعمار فى ظلهما كما تعودت أن تجرى لم يتغير منها شى . شعوب تستذل وتستغل فى غير رفق ولا لين وفى غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلا إلى شى من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروها . وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب ، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلي أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضى فى جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين ، والله خير الحاكمين .
    وأروع من هذا كله وأبرع ان ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل فى الدفاع عنها الجهود التى لا تحصى ، وتوضع أيدى هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه فى مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التى يقع فيها الظلم المنكر فى كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذى يقال ، والجهود التى تبذل ، وينتظر العالم هذا القرار الذى ستصدره الهيئة أو المجلس ، والذى سينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل فى حياة راضية آمنة .
    ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء . هذه الدماء التى تسفك وهذه النفوس التى تزهق وهذه الحقوق التى تهدر ، وهذه الحرمات التى تنتهك ، وهذه الشعوب التى تصبح وتمسى فى شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان . كل ذلك لا خطر له ولا ينبغى أن يكون له خطر. وإنما الشى الوحيد الذى يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص ، وتضحى فى سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء ، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل، اتفاق الدول المستعمرة قائما لا يصل اليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلا .
    فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغ بريطانيا العظمى على من تريد ان تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما ، وانما المهم أن تظل الدولتان على شى من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد ، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التى لا توافقها فى المذهب ولا فى الرأى، ولا فى تدبير شئون المال.
    الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء ، ومنفعة الأقوياء فى أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغى أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
    كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شى ، وبعد كل شى ولا عليهم أن يضحى بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة .
    ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون . فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضا ، وقد يصدم بعضها بعضا ، وقد يجب أن يضحى ببعضها فى سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغى أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبى وإن كرهه الشعب الفر نسى وقد ينبغى أن تمضى فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية فى غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التى لا تعرف لها غاية .
    وقد ينبغى أن تضحى بريطانيا العظمى بشى من تجارتها فى الشرق الأقصى وفى شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديا . وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم فى أقطار أخرى من الأرض .
    وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شى، من المصاعب أو العقبات . فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت فى غير طائل ، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التى ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
    وأذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها ، صورها الشاعر العربى القديم أروع تصوير وأبرعه فى بيته الخالد .
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
    والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدا ولا نرضى أن يظلمنا أحد .
    طه حسين
    الجمهورية ١١ ديسمبر٣ ١٩٥ .

    الحديث المعاد . . .
    لم أعجب قط لشىء عجبى لأن المصريين لم يملوا المفاوضات ، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب . وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافا ، وإلا بغضا وحقدا وفسادا . مع أن التجربة هى خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه .
    انى لأقرأ أحاديث الإنجليز فى هذه الأيام عن المفاوضات التى أخذنا فيها منذ حين ، فما أشك فى أنى أقرأ نفس الأحاديث التى كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلى رحمه الله يدير المفاوضات والتى قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين فى لندرة أو فى القاهرة . فأعجب كيف لا نسأم نحن ، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد . وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء فى مصر . فهم لا يكرهون شيئا كما يكرهون الجلاء . وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون ، فأما نحن فلا نحب شيئا كما نحب الجلاء .
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول . فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا وكتبنا حتى ملت أقلامنا . وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير وآن لنا أن نسدل الاستار دون هذه القصة السخيفة التى لا تريد أن تنقضى وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل . وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها . وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الاصلاح على اختلاف ألوانه لا فى هذا الانتظار الممل الذى يميت القلب ويفل الحد ويرد إلي اليأس المرهق للنفوس وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشوا أحرارا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبى وعرف العالم له حقه فى الكرامة والعزة والاستقلال .
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابا وشيعا يمكر بعضها تدمير بعض فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا وأن نبين لهم فى وضوح لا يحتمل شكا ولا لبسا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعا وأحزابا ، ولن يلقي منا الآن إلا شعبا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهى فى أقصر وقت ممكن إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطى كله ، وإما إلى شر لن يؤذى المصريين وحدهم ولكنه سيؤذى الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز، بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها ، وسئمنا الانتظار كما سئموه ، وأصبحنا لا نريد إلا شيئا واحدا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل ، إما فى تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما فى تحقيق الجلاء الذى لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب . إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلى وحده ، وإنما ثارت على الطغيان الخارجى أيضا . بل إن ثورتها على الطغيان الداخلى لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التى تجعل مصر للمصريين حقا وصدقا . والتى تشعر المصريين جميعا بأنهم قد أصبحوا فى وطنهم أحرارا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعانى .
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر ثم مضت الأعوام ولم يتكشف أعلانهم هذا عن شى .
    فاوضهم صدقى رحمه الله فلم يصل إلى شيء ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شى ء ، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عاما أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث .
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز ، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا ، وأن نتحدث اليها حديث الجد الصارم الحر الذى لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين
    لا ثالثة لهما : منزلة الحياة العزيزة الكريمة أو منزلة الجهاد العنيف الذى يجشم أصحابه الهول وقد ينتهى بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    أن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغى الخارجى والغدر الداخلي فيجب أن يكون لقاؤهم درسا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب ، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة . إنما تكتسب بأقصى غاية الجود ، وهو بذل النفوس لها ثمنا . ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل فى سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب فى ألوان النعيم . كل هذه أشياء لا ينبغى أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذى يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون .
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي وهى طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التى لا تغنى عنهم شيئا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئا لأنها رحمة عقيم تجرى بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة .
    إنما الرحمة الصحيحة التى ينبغى أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هى هذه التى تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير وهى رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة ولا يطمع فيها الطامع ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات .
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذى يملأ الجو ويصم الاذان ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كراما . وأول مظهر لهذه الكرامةأن نرفض الاحتلال الأجنبى ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه .
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذى يقام للقائهم أم لم يشهده .
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعى إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذى تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التى ستتلقى عنا هذا الوطن تراثا حرا كريما.
    وليكن هذا اليوم الذى نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذى نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلا نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون وليكن هذا اليوم يوم القسم الذى نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد حديث المفاوضات .
    طه حسين
    الأهرام ، ١٠\٥\١٩٥٣

    تعقيد
    هو هذا الذى أصاب الأمم المستعمرة ، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى ، عن تنبه الأمم المغلوبة الى حقها ، فى أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها فى المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
    فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة فى هذا التنبه شيئا من التحدى لقوتها وبأسها وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرا من المنافع ، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذى ظهر هنا وهناك فى الأمم المستضعفة ، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التى تشب فى الهند ، وتشب فى مصر أو تضطرم نارها فى سوريا ، أو فى العراق والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء وكذلك نشأ هذا التعقيد . تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء فى نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التى تطالبها الأمم الضعيفة بحقها فى الاستقلال . فكان ما كان من تلك الخطوب التى جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة . ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرا حين كانت الحرب العالمية الثانية . وحين اجتاحت ألمانيا ، فى أول هذه الحرب ، غرب أوربا ، واضطرت الامبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف ، وأشدها نكرا ، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة فى الشرق لتأمن جانبها أولا ولتستعين بها ثانيا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء .
    فى ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأمانى الرائعة وظنت الأمم الشرقية ، الخاضعة للسلطان البريطانى ، خضوعا خالصا أو خضوعا مشوبا أنها ستظفر باستقلالها كاملا غير منقوص حين تنجلى غمرة الحرب .
    وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة ، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة ، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم ، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقى يرى فى تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار الى هذا اللين والاسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الانسانية قد أقبلت على تطور حقيقى خطير، لحياتها التى أفعمتها الكوارث والمحن والآلام .
    ولم يشك أشد الناس تشاؤما من الشرقيين فى أن العالم صائر الى الحسنى ، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوى ، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة فى ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام .
    ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الامبراطورية البريطانية تقربا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلا للوعود وتجلية للأمانى ، وتزيينا للآمال . فأهل سوريا ولبنان يعلن اليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم فى كل يوم ، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التى تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلا بعد أن ملئت جورا وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب ، وعلى ما تشتهى ، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد . ولكن الحرب لا تكاد تنتهى حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنا بالمنى ، والأحلام وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم ، وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة ، وكبرياؤه تلك التى كانت يعرف بها قبل الحرب ، وإذا هو يصرح ذات يوم فى مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها فى تقرير مصيرها كل هذه الخصال ، ألوان من المثل العليا التى يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر، والاحتمال والانتظار، والأناة . وأن الانسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها فى يوم من الأيام.
    ولم تكد الحرب تنتهى حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبى وتجرعت من هذا الاحتلال غصصا ، ونسيت كل النسيان ، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التى زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان . وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال .
    أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسى ، ومرتعا خصبا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا فى تلك الأرض ، يستغلونها ، ويستذلون أهلها يرون ذلك حقا لهم ، لا ينبغى الجدال فيه .
    ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربى ، والغرب الأوربى، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب ، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوى بهذا الحق ، وألوان من الكيد والخداع ، وفنون من المداورات والمناورات ، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير ، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذى يتعمده أصحابه تعمدا ولا يضطرون إليه اضطرارا .
    والناظر إلى البلاد العربية فى هذه الأيام، يرى عجبا أى عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التى كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء مازالت تدور فى تلك الدائرة التى تسمى المفاوضات والمحادثات وهى لا تدور فى هذا الدائرة وحدها ، وإنما يدور معها الانجليز ، فالمفاوضات تبدأ لتنتهى وتنتهى لتبدأ ، وتسير لتقف وتقف لتسير ، والعالم يرى ويعجب ، ولا يقول شيئا أو لا يصنع شيئا .
    ويرى شمال افريقيا على نفس الحال التى كان عليها قبل الحرب ، وحين انتهت الحرب . لم يتغير من أمره شى ، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه ، وتنأى عنه لتعود إليه ، لا تستريح ولا تريح ، تقول كثيرا ولا تصدق فى شى مما تقول ، وتسرف فى الوعد ، ولا تفى بشى مما تعد . وممثلوها فى شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذى يزهو النفوس ، ويريق الدماء ، ويملأ الأرض كذبا وكيدا ونفاقا . والانسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئا ولا تصنع شيئا ، ولا تستخذى من هذه الموبقات التى ينبغى أذ يستخذى منها كل رجل كريم .
    فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين ان يخلع، وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تشترى ضمائر بعض الموظفين فى حكومته بالمال لتطالب الأجنبى بخلع السلطان ، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الاسلام .
    وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الاسلام من المسلمين . والضمير العالمى يرى هذا كله ، فلا يكاد يحفل به . أو يلتفت اليه وأغرب من هذا كله أن هيئة الامم المتحدة تجتمع بين حين وحين ، ويتحدث الخطباء فيها من الانجليز والفرنسيين وغير الانجليز والفرنسيين عن العدل الذى يجب أن يملأ الأرض ، وعن الحرية التى يجب أسن تتاح للأمم وعن المساواة التى يجب أن تتحقق بين الشعوب .
    ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسى الغريب المختلط الذى أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء . وأفسد عليها تقدير ما يكون ، وما لا يكون . وتقدير ما يحسن وما لا يحسن ، واضطرها إلى أن تعيش فى عصر قد انقضى منذ زمن بعيد .
    كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى ، تصفية للسلطان البريطانى على العالم . مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم ، منذ وقت غير قصير وهو فى طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارا تاما .
    وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعا فى السلطان الفرنسى ، وتحديا للقوة الفرنسية . واستخفافا بالبأس الفرنسى العظيم .
    مع أن قوة فرنسا وبأسها ، قد تعرضا لخطر أى خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبى ، وهى الآن بسبيل استرجاع شى، من هذا البأس وتلك القوة وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها ، لتقر وراء البحر سلطانا لا سبيل إلى أن يستقر ، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد .
    وأغرب ما فى أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك ، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش فى هذا العصر الحديث .
    وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الانجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ، ورجال الثقافة فيهم . ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد ، عددا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية . وأثناء الحرب ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها . وتحدثت إليهم فى شؤون إفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها ، وسخط على ا لاستعمار الفرنسى كما أسخط عليه .
    وفى هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا فى شمال إفريقيا ، ومنهم من ألف فى ذلك كتبا قيمة ، ومنهم من خصص لذلك أعدادا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة فى باريس لإعلان انكارهم ، لسياسة الذين يمثلون فرنسا فى شمال افريقيا . ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم فى البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شى وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون ، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابا.
    وللشعب الفرنسى مع ذلك برلمان ، يقال إنه يمثله تمثيلا صادقا ، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية فى شمال إفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية فى الهند الصينية ، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية فى سياستها ، مصرة عليها لا تغير منها شيئا .
    وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان ، قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا فى شمال افريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا فى هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال .
    فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته. فى محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة ثم ينظر الشعب ، وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئا .
    ما مصدر هذا كله ! هو من غير شك هذا التعقيد الذى أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة فى الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق فى الحرية وفى أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل فى أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء .
    يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذى ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
    ولست أعجب لشى كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التى نشهدها فى هذه الأيام فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية ، فيدعون إليها ويحثون على الايمان بها ، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما فى الاناجيل من أصول العدل والانصاف ، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم . وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء ، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب الى كنائسهم فى أيام الآحاد .
    وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربى والغرب الأوروبى على هذا التعقيد المنكر الذى يفسد من أمر الحضارة كل شى ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرا مما كان يمكن أن يبذل فى ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان .
    ومن يدرى لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٦/٦ .

    تشريف وتكليف
    لست أدرى أيتاح لهذا الحديث ان يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة اللواء أركان حرب محمد نجيب . وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه فإنى لم اكتبه إلا مفكرا فيه أعمق التفكير ومكبرا له أصدق الاكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جدا قرأته الآن فى صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار . وهى صحيفة الأحد التى تصدرها الكوريرى دلاسيرا ليقرأ فيها الناس الاخبار التى يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف فى هذا اليوم من أيام الاسبوع.
    فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التى وقعت فيها أخيرا وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع ، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعا لهذا الحديث . فهو قد رأى أن صور السلطان الذى أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد وإنما ترك هذا المكان خاليا وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب .
    وليس يعنينى الآن ولا يعنى قراء الاهرام من مقال الصحفى الايطالى إلا هذا النبأ فنحن نقرأ أنباء مراكش فى الصحف العالمية على اختلافها مفصلة مرة ومجملة مرة أخرى صادقة أحيانا مغالية فى كثير من الاحيان .
    ولست أدرى أيشعر القارى المصرى بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين ، وأى فخر يجده المصرى اعمق فى القلوب اثرا ، وأبعد فى النفوس صدى ، من هذا الذى يجده حين يقرأ فى صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست فى حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيرا ولا تخاف منه شرا إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى فى أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها فلما نفيت صور السلطان كما نفى السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزا لما يحتاج المراكشيون اليه من العزاء ورمزا كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل ، وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التى حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من
    الاستعمار ليست رمزا للتحرير فى مصر وحدها ولكنها رمز للتحرير فى البلاد الاخرى التى تشقى بالاستعمار وطغيان الاجنبى وخيانة بعض المواطنين .
    فخر يملأ النفوس بهجة ورضى لولا إنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضى. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نزعت منهم صورة السلطان الذى يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء يجدون فى نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزى والشقاء . كانوا يرون أنفسهم أحرارا فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغو من اللغو ووهم من الوهم. وكانوا يرون أنهم كرام. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطانا يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده فى جزيرة من جزر البحر ليس يدرى أيقيم فيها إقامة المستقر أم ينقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
    ثم لم يقصى الاستعمار هذا السلطان وحده إنما أقصى معه صوره التى كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يغمر القلوب حين نقرأ فى هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذى كان المراكشيون يحبونه قد أزيلت من أماكنها وأن صورة نجيب قد بقيت فى مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفى سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء .
    ولكنه سرور يشوبه ظلم لاذع وحزن ممض لأن نجيبا بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء فى صمتها الرائع البليغ، ولكنهم فى حاجة ألى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم فى حاجة إلى الكلام الحى الذى يحيى القلوب، وهم فى حاجة الى العمل الحى الذى يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد الى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم فيها الشعور بأن العزة ليست وهما وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية ، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنو ثمرها فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتى نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغ ولا باغ ولا مستعمر ولا متجبر.
    هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
    بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت فى هذه الصحيفة الايطالية . وما أشك فى أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذى أنقذ وطنه من بعض الشر ويريد أن ينقذه من الشر كله .
    وما اشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف وحده فهو أبعد الناس عن الاثرة وابغضهم لها ولكنه سيرد هذا الشرف الى وطنه اولا ، فهو الذى انشأه وبعث فيه روحه القوى الذكى ، ورفعه الى حيث هو الآن وسيرد هذا الشرف الى اعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة الى النور ومن الضعف الى القوة ومن الهوان الى العزة والكرامة .
    وما أشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف كما فهمته ، وكما يجب ان يفهمه المصريون جميعا وكما ينبغى أن يفهمه الرجل الذى يجد فى نفسه شعور الرجولة والمروءة . ذلك أن التشريف فى نفسه ليس كلاما يرسل إرسالا ولا ثناء يكال كيلا ولا تمجيدا لا يتجاوز إرضاء من يساق إليه ، وإنما التشريف تكليف قبل كل شئن هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغى أن يؤدى الواجب كاملا غير منقوص .
    إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضى هذا الذين يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقا ولا رياء ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم ، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلا إلى فضل . يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه فى أن يضيف إحسانا الى إحسان يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب . وما أشك فى أنه يفهم تشريف المراكشيون له على هذا النحو ، هم يحمدون له ما فعل فى وطنه وينتظرون منه أن يمضى فى الطريق التى سلك وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفى الأثرة أشد النفى . فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون
    غيره من الأوطان والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد .
    ان فى نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها ، لأننا وجدنا هذه العقدة فى أنفسنا وهى عقدة فيها كثير من الخزى وكثير من الذل لانهم ظلموا فى وطنهم وأوذوا فى كرامتهم وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلا ولا كثيرا. فمن الحق علينا جميعا أن نرد عليهم شيئا من ثقة ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة وأن نشعرهم بأن النوب تنوب وبأن الخطوب تلم ولكنها لا تلبث أن تزول وإنما هى الغمرات ثم ينجلين ، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح .
    يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه وإنما يشقى به معهم إخوانهم فى اللغة والتاريخ والدين.
    وأنا واثق بعد هذا بأن تألب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء . فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذى ليس فيه شك أن الكرة الجامحة لن تغنى عن أصحابها شيئا وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق .
    يجب أن يشعر المصريون جميعا بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة اخواننا على ما أصابهم من الباساء والضراء وأن نكون أهلا لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
    طه حسين
    الأهرام٤ سبتمبر ١٩٥٣ .

  • …مقالات شتى | A potpourri of articles…

    مدرسة اللغات
    يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به ، يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد أصبحت لها جريدة رسمية ، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وأن كانوا يستحقون وراء الألقاب والاوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية ، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسئ إلى وزارة المعارف من حيث تريد الاحسان اليها ، تثنى على وزارة المعارف بحق وبغير حق ، لا تكلف في ذلك صوابا ولا تتحرى فيه منفعة ، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف ، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف .
    أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان فى مدارس المعلمين الاولية؟ زعمت أن الفضل فى هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفى وزارة المعارف واثنت على فلان بما يستحق ومالا يستحق . ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى ان فلانا هذا قد نقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولى ، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرا حسنا أو سيئا . أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعا حسنا فأصاب من ليس لهم فى التعليم حظ قليل ولا كثير . أصاب رؤساء الامتحان وموظفى الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك . بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقا أو مغصوبا ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جداً أو هزلا ، وإنما يعنيها أن تثنى عليها الصحف السيارة ، شأنها في ذلك وأن بعض العمد الاميين فى عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهى تشترى الثناء ولو كلفها ذلك ان تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك . فكيف تريد ان تشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم أشرافا جديا منتجا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والانتاج لوزارة المعارف اذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثنى عليها . ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها وخائلها وما تفعل به على الصحف الاخرى والكتاب الآخرين ذلك لأن الصحف الاخرى قد تؤثر الحق . والكتاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. واذن فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم ، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يسمع لهم طلب ولا يجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس ، والمشرفون على الامر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير .
    تفضى وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون ، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين . فقد قرأنا فى المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتخذ من قرار فى هذا الاجتماع وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحى ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأى وزارة المعارف . لا رأى كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذى عرفه القراء . نعتقد ذلك . نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف اننا مخطئون ، وان الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تدرس الهيروغليفية فى مصر على هذا النحو السخيف . فاذا أكدت لنا وزارة المعارف اننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بان مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى فى مسألة واحدة رأيين متناقضين : أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الاخير .
    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد . فهى لا تكتفى بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف اليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره . وهى فى هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها . فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصرى وأوجدوا علم الآثار المصرية بالوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألا نعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما فى مثل هذه الأيام . وهي لا تكتفى بالنيل من «مریت» و «مسبيرو» وأمثال «مريت» و «مسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقا سخيفا . تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر . ويحكم ! فمن الذى أنكر أن كمالا قد نفع وأفاد؟ ولكنها ، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال مالا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم . يزعمون لتلاميذ كمال تأليفا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدى كمال ، وإنما تعلموا على غير كمال . ويزعمون ان هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارا غير آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء ، فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين فى المتحف يتعلمون على غير كمال ويقنون آثارا غير أثار كمال ، واننا إذا طالبنا بأنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصرى حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تدرس الآثار . وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوربا ليتمموا درسهم فيها .
    نعم ! نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج . نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسا لهذه المدرسة . تريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين .
    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئا آخر . وقد تمضى وزارة المعارف فيما تريد ، ولكن مضيها هذا لن يغير فى الأمر شيئا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة . وما زلنا نلح في ان وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل . وما زلنا نلح فى ان وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئا آخر اهمالا عظيما . عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين . وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص في ١٥٦ئ ؟ ئ . نريد أن تجيبنا وزارة المعارف : ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الاسلامية ؟ سيقولون : آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة . كلا ! أن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار . وحسبك أن هذه الآثار معروضة فى المتحف وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما ، وإنما زارها المارشال اللنبى وقرينته ! وهناك آثار اسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد احدثت حركة فى أوروبا وفى مصر ولكن الذي اظهرها ليس انجليزيا وإنما هو مصرى مثلك ومثلى هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون هناك الفسطاط ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب وعنى بها الأوروبيون ، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأى جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلف وزارة المعارف عشر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تعنى بشيء وتهمل شيئا آخر؟ لا نشك فى أن هذا الاهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى . ضيق التصور ، فوزارة المعارف أضيق رأسا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها أنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها ، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تعنى حكومتهم بالآثار المصرية ، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس : انها نازلة عند ارادة الأمة محققة لمنفعة الأمة . ولكن الناس يعلمون ان النزول عند ارادة الامة يجب أن يكون صحيحاً غير ممسوخ وان الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة . وأذن فاذا اردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصرى فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب . فليكن ذلك في انشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار . ليكن ذلك فى إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف اليها الطلبة ليتخصصوا فى فنونها المتنوعة والتى يختلف اليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسن رأيه فى مصر . ليكن ذلك فى انشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصرى بعد الظهر . فان ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم .
    ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى انك تريد أن تبنى بناء فضع أساسه وابدأ بأسفله لا باعلاه . انشئ ادارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة . اذن تنفع حقا . واذن توفق حقا إلى صواب .
    طه حسین 
    السياسة ١٦ يولية ١٩٢٣ .


    الروح الجامعى
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذى حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافى. والهلال فى هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا فى الوقوف على رأى من يشرف على أحياء الروح الجامعى في مصر.  لم اختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به فى وفحة به على، وما اكثر ما تتحكم «الهلال» فى اصدقائها من الكتاب، وما اكثر ما  تتجنى به علهم! وما أشد إذعان هؤلاء الاصدقاء لهذا التحكم والتجنى، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فـيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم.
    وما اظن اننا نستطيع بعد ان قدمنا الاذعان «للهلال» ان نثور بها ونتمرد عليها، خالف عما تصدر الينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب او لا يستحب. فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بان تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث. وأول ما أقول فى ذلك انى لا أكاد اتبين معنى واضحا دقيقا محدود الاطراف والنواحى لهذا الذى تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد ان نشيعه فى نفوس الطلاب. فهذا اللفظ فى لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن انه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن انه لم يشع فى مصر الا بعد أن انشئت الجامعة المصرية الحكومية واخذ صاحب المعالى الأستاذ أحمد لطفى السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والاساتذة، والنواب والشيوخ أيضا، من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الاساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الاوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد ان نبحث لو اتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربى حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعى هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا ين. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوى التاريخى الثقيل. فالشع الذى لا شك فيه هو ان اللفظ العربى الفصيح فى نفسه أجنبى المعنى، قد جل معناه من أوربا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربى صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة فى صراحته. فهو فى ذلك كالسيارة والدراجة والحاكى والمذياع، الفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ واشباهه لفظ الروح الجامعى هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى مته إلى شع، الا أن نبين له ما نريد وما نقصد اليه حين نستعمل هذا اللفظ العربى القديم فى هذا المعنى الاجنبى الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين فى ملاحظتهما انصاف وتحقيق. الأول: أن معنى الروح الجامعى إذا كان مستحدثا طريفا فى لغتنا فلعله الا يكون مستحدثا من جميع الوجوه، ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث، فى القرون الوسطى فى مصر وفى غير مصر من اقطار الارض الاسلامية التى نظم فيها التعليم على نحو ما والتى أطردت فيه سنن وعادات لجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد، بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول ان نشخصه او نسميه كما يفعل الاوروبيون والامريكيون وكما نفعل نحن فى هذا العصر الحديث. فليس من شك عندى فى أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضى الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمانها اصل من أصول الأدي الازهرى الذى لا تليق المخالفة عنه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا فى الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الازهريين فى معاهد العلم الاسلامى وفى غير القاهرة من مراكز الثقافة الاسلامية.  
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر واشباهه من معاهد العلم الا تحقيق هذا الروح الازهرى الذى يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألا حياتهم. وهذا الروح الجامعى قد وجد كذلك فى أوروبا أثناء القرون الوسطى فى البيئات التى نشأن فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعى فى القين الرابع عشر، كما كان لجامعة اوكسفورد وكمبردج روحها الجامعى الخاص الذى تطور مم الزمن.
    ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه وتشخصه على اختلاف العصور والظروف. ومعس هذا كله أن الروح الجامع ليس حديثا ولا هو من الاشياء التى ابتكرها هذا العصر الذى نعيش فيه. ليس حديثا فى أوروبا وليس حديثا فى الشرق. وإنما التكلم عنه والاشادة به والعناية بإشاعته فى نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا ان الروح الجامعى شع حر قالم يتطور ويتغير، ويساير فى تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الانسانية من الوان التطور والتغير. وما ارتاب فى أن الاكاديمية التى كان يشرف عليها افلاطون، واللوكايون التى كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الاسكندرية قد كان لكل منها روحه الجا الخاص الذى يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذى تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة فى حمايته أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير فى حمايته والذود عنه.
    فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن الاحظهما قبل كل شى.
    والأمر الثانى: أن الذين يذكرون الروح الجامعى الان من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعى يختلف باختلاف الجامعات، وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التى نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق ان الروح الجامعى الفرنسى ليس هو بالضبط الروح الجامعى الانجليزى، بل من المحقق ان الروح الجامعى الانجليزى نفسه يختلف فى انجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الانجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذى تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذياد.
    وهناك الجامعان الحديثة التى انشئت فى القرن الماضى مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها.
    وما من ريب فى أن الروح الجامعى فى أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعى فى كمبردج. ثم ما من ريب فى أن الروح الجامعى فى لندرة بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعى فى هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال فى فرنا بالقياس إلى السوربون والى الجامعات الفرنسية فى الأقاليم والى بعض المعاهد العلمية الحديثة فى باريس نفسها، ومثل هذا يقال فى المانيا وفى ايطاليا. فاذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والاوروبى يبتسم عادة إدا ذكر له كثير من الجامعات الامريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الاوروبية.
    فالروح الجامعى اذن شيء مختلف اشد الاختلاف متابين اشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والامزجة فى الامم التى تنشأ فيها الجامعات.
    فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح فى انجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فاذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعى يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية فى تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسى ان يكون جامعيا بأدق معانى الكلمة وأشملها دون أن يشارك  في الالعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فادا ذهبت إلى امريكا فالألعاب الرياضية هى العنصر الاول الذى يقوم الروح الجامعى وكون الحياة الجامعية.
    وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إدا ذكروا الروح الجامعى لا يكادون يتفقون على ما ينبغى أن يفهم من هذا اللفظ. يفهم مته السوربونى معنى، ويفهم منه خريج اوكسفورد معنى، ويفهم منه خريج لندرة وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لـيبزج معنى، ويفهم منه خريج الجامعات الامريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعانى أشد الاختلاف.
    وقد تغيرت نظم الحياة الانسانية فى هذا العصر الحديث الذى نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة الغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية فى كثير من انحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا. ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم فى بعض، هذا إلى انواع من المواصلات القهرية التى لا يستطيع الانسان أن يخلص منها، بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد، كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الاسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى.
    وقد شهدن أثناء الصيف الماضى فى باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها فى نفسى أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد ف باريس مؤتمر للتعليم العالى مثلت فيه جامعا الشرق والغرب، وسمعنا فيه ممثلى الجامعات الاوروبية والامريكية والاسيوية والافريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعى. وكانت احاد. ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة اشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذى أريد أن انتهى اليه بعد هذه الاطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب فى ايجاز عن السؤال الذى ألقته على الهلال: ما الروح الجامعى؟ وكيف نشيعه فى نفوس الطلاب؟
    الروح الجامعى الذى يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من الوان الخلاف، هو الذى ميز الانسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه، هو الرغبة فى المعرفة والحرص عليها، هو الاقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قـد ينتج من الخـير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذى مكن ممثلى الجامعات المختلفة فيما بينها اشد الاختلاف من ان يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات.
    هذا الروح من طبعه أن يرفع الانسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التى تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب. الروح الجامعى هو الذى يجعل الناس اخوانا فى العلم، ويقيم اخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة فى الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعى. فأما السبيل الى إشاعته فى نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة، ن كون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الواكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم، وإنما يصطنع منهم روح المودة التى تنشأ من حب لأعلم والتعاون على تحصيله فى غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعى هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال واصدقها فى حب الحق والسعى اليه. ثم يختلف الروح لجامعى بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذى لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    بقلم
    الدكتور طه حسين

    الهلال، ديسمبر ١٩٦٧.

    أمثلة
    لم أكن اذا مخطئا ولا مسرفا حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم ايطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الاستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها استاذه قبل أن يفارق أرض ايطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن انه معجب أشد الإعجاب بما بلغته ايطاليا من الرقى المادي (والادبى) بهمة موسوليني وعبقريته ، وانه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو اذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الاعجاب ؛ وكل انسان حر فيما يحب ويكره ، وهو اذا يلتمس في أعمال العظيم الايطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل انسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدى بها ، والاسوة التي يريد أن يتأساها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعا ، وهو لا يسألنا عن رأينا فى هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعى من تمثيله ايانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك انى ان تهمته بانه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت انى أثق به وأطمئن اليه ؛ فأمر السياسة وأمرى الى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم فى غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقى باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا اذا تلميذ لعظيم ايطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والايام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرءون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغى أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الايام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون باى كلام آخر يفهمونه فهما يسيرا ناقصا ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدى المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ واذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الادلة على هذا ، فقف معى وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر الى عظيم ايطاليا ؛ فسترى ان فيه اسرارا خطيرة ؛ ونذرا مخيفة مزعجة . وان من الحق على المصريين لأنفسهم ان يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الايام ان مدت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الاعمال التي سيلتمس فيها صدقى باشا أمثلة صالحة؟ اما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن انه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذى يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة فى الديموقراطية . واما المعارضون فقد اخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم اليه . وأما الادارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالا ستتأثره الامم الراقية التي تطمع فى أن تكون لها ادارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدى الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . اذن فماذا يريد صدقى باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقى باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معى ان كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج الى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل الا لأضع أمامك بعض الامثلة التي سيلتمسها صدقى باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة على سبيلا . فانا لا أذكر الجند الأجنبى الانجليزى ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند الى حراب الانجليز . وانما أقول أن النظام الذى استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصرى ؛ وواضح ان الجيش والشرطة انما انشئا للدفاع عن الوطن واقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء اذن محتاج الى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصى الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحا ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخيا . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وانما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد اذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فنا جديدا من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالا وصبيانا وفتيانا ؛ يجندهم نوعا من التجنيد ؛ ويعلمهم فنونا من التعليم ، ويمرنهم ضروبا من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله الى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الايطالية . وقد أصبحت ايطاليا بفضل هذا النظام الجديد اشبه شيء باسبرتا في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الاجيال الناشئة بعد ان لم يستطع أن يكسب له الا اجسام الاجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج الى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعا بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الاخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائما له ؛ وخيرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فأختار منهم فريق بقى في مناصب الدولة ؛ وأمتنع منهم فريق فصلوا من مناصب الدولة فصلا . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الاولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضا . فهذا مثل آخر من الامثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به ايمانا صادقا قويا ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذا ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى اذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلا ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلا ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين الى حين ؛ لا سخطا عليهم ، ولكن تعليما لهم وتأديبا . فهذا مثل اخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريبا من الامر ان يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود الى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوما آخرين ، ويفصل منهم من يرى ان ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوى بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الاجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يلغ هذا من خصوم ايطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف فى السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيرا ، وأخذ يلقى خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقى باشا أن يقتدى بموسوليني في هذه الناحية . ولكن اذا لم نستطع أن نخيف الانجليز جهراً بالخطب والجيوش والاساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقا في رسالته إلى عظيم ايطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة الى روما ليتعلم على الاستاذ الاعظم فن الحكم واقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وانما ينبغى أن يحلل ويمحص ويقلب على جميع وجوهه ، فان في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادى النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسین
    (*) السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ . 

    وداع . . .
    لعل صدقى باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية الى حين بعد ان تفضل فأعلن اليهما ان مصر لم تعد لهما دار مقام ، وان عليهما ان يرتحلا عنها الي حيث يحبان حتى اذا تمت المفاوضات بيننا وبين الانجليز وانتهت الى ما نحب أو الى ما نكره وأذن الله لصدقى باشا ان يستريح كان من الممكن ان يحاولا العودة الى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضى به الظروف حينئذ ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقاما في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو فى سوريا أو فى لبنان . فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبا حارا وتستقبلهما فى كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح الى الاستقلال وان كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان واتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان .
    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا فى أى قطر من هذه الأقطار لان حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرا على الامن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعا من تحقيق الاستقلال
    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد ، لان لها في المفاوضات مذهبا غير مذهب الحكومة ورأيا يناقض رأى الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الانجليز وانما ستفاوضها حكومة صدقى باشا فلا أقل من ان تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره ونذعن لما لا تحب حتى يمضى الله أمراً كان مفعولا وليس من سبيل الى هذا الصبر ولا من امل فى هذا الاذعان الا اذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل واقاما حيث يحبان في الشرق أو فى الغرب حتى تنتهى المفاوضات . فى أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة ان تقول ما تشاء وان تعمل ما تشاء وان تظهر المصريين على ما تحب وان تخفى عليهم ما تحب وان تأمرهم بما تريد وان تنهاهم عما تريد دون ان تخشى منهم انكارا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون ان تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه . هذا شرط أساسى لتستقيم الامور ولتستطيع الوزارة ان تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التى لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وانما هي حرة كالنسيم الذي يجرى في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدا ان حرية المفاوضات تقتضى تقييد الشعب . فليس من الممكن ان يجمع السيفان فى عمد وان تكون الحكومة حرة في مفاوضة الانجليز ويكون الشعب حرا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الانجليز مفروضة لان الشعب ارادها وطالب بها فطبيعة الاشياء تقضى بان ينزل الشعب عن حريته لان الذين يطلبون النتائج يجب ان يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هى تقييد حرية الشعب .
    هذا كلام يضحك منه الناس فى أى بلد من بلاد الارض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلا ، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وانما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لان المصريين أعقل من أهل الأرض جميعا واعلم بحقائق الاشياء وفلسفة ارسطاطليس من أهل الأرض جميعاً وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب ان يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصرى من البحث والتحقيق أولا ومن الاحتجاج والانكار ثانيا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الانجليز من هذا كله أيضا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الانجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهما المصريون لتجنبوا كثيرا من هذا الخطأ الذي يدفعون اليه كل يوم ولتنكبوا كثيرا من هذا الشر الذى يتورطون فيه كل يوم ايضا . فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين ، ويفاوضون أمما أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئا وانما ينتهون بها او تنتهى بهم الى الاخفاق وليس لهذا سبب إلا ان الانجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي ان تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الاخفاق ولو انهم عرفوا ما عرفته مصر من ان المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن احداهما يطرد الأخرى ولو انهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون فى الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون . ولكن الانجليز قوم فطروا على غرابة الاطوار ، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء ، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها . يؤثرونها حتى انهم ليحاربون فى سبيلها ، ويتعرضون لأعظم الهول : يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس ، نستغفر الله ، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الاوطان الأخرى . ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية ان نائبا بريطانيا قدم الى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم .
    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة
    الانجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية أجازة يقضيانها فى فرنسا مثلا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التيمس ولا الديلي تلغراف ولا الديلى هيرالد ولا غيرها من الصحف .
    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقا ولا يطمسون حروفها طمساً ، وهم من أجل ذلك لا يصدرون اليها التعليمات بما ينبغى ان تنشر وبما لا ينبغى ان تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات . هم لا يصنعون شيئا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون فى مفاوضاتهم اخفاقا متصلا ولكنهم يحبون مصر اكثر مما يحبون انفسهم ويحرصون على مصلحة مصر اكثر مما يحرصون على مصلحة انفسهم يريدون ان تنجح مفاوضاتهم مع مصر وان اخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون فى ان يكون جو المفاوضات صفوا صحوا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق . وقد هموا بان يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئا فاكتفوا مضطرين بان يقيد صدقى باشا حرية الشعب المصرى ويصادر الوفد والمصرى والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التيمس والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء واذا لم يمكن اذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من ان يذل احدهما واعقل الشعبين هو الذى يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وان يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات ، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصرى الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق ارسطاطاليس ويعلم ان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقبلوا الوسيلة ويقروها .
    لهذا كله يرغب الانجليز الينا صادقين فى ان ننقى جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها . فى ربوع لبنان . ولهذا كله نرغب نحن الى انفسنا في ان نريح مصر من الحق والحرية حينا ونريح الحق والحرية من مصر حينا ونقضى اسابيع أو أشهرا مطمئنين الى الذلة مستنيمين الى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس ، يقال لهم ان الشمس تطلع من الغرب وتغرب فى الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئا . يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون الى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء الا لانهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق ارسطاطاليس ويؤمنون بان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقروا الوسيلة
    كل هذا حق وكل هذا واقع ، واذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة فى مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور .
    كان زعيم المعارضة لا يعلم ان الدستور وسيلة لا غاية وان المفاوضات أعظم خطرا من الدستور وان الحرية شر لا بد منه . يحتمل حين لا يكون فى احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين يخشى منه الضرر . ولو كنت عضوا فى مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقى باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجر ان اليه من الآثام .
    أنا إذن مؤيد لصدقى باشا كل التأييد يجب ان نصادر الصحف وان يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون الى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عاما لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الانجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادى النيل من منبع النيل الى مصبه . فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر ، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها اصحاب الصحف . ومن هذا الضغط اليومى الذى يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم انها قد صودرت . وما الذى يخسره المصريون اذا لم يجدوا الوفد والمصرى والبلاغ وانهم سيجدون صحفا اخرى تنشر لهم الاخبار كما تحبها الحكومة ، وكما ينبغي ان تنشر الاخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتنى صحف لان الناس سيشترونها راضين أو كارهين . وستفتقر صحف اخرى لان الناس سيصدون عنها صدا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون :
    غنى زيد يكون لفقر عمرو
    إنا إذن أؤيد صدقى باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابى الصحف التي تذعن لأمره ، وعلى ان يسير الشعب المصرى على هوى صدقى باشا لا على هوى نفسه
    ولو كنت وزيرا مع صدقى باشا او لو اتيح لى ان أشير على صدقى باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الانجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة الا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة الا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي ان يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور .
    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم ان يشتغل صدقى باشا بالاستعداد للمفاوضات أو ان يضيع وقته فى الاستعداد للرد على الاستجوابات .
    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع ، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات . الدستور قائم نائم كهذا المريض الذى ينهض اثناء الليل ويسعى لا يحس انه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس انه يقدم أو يحجم .
    فأى بأس على صدقى باشا وأى بأس على المصريين من ان ينام الدستور نوما عميقا متصلا حتى تنتهى المفاوضات إما الى جنة وإما إلى نار . واذا فرضت المصلحة على صدقى باشا ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه ان يمنح النواب والشيوخ أجازة يقضونها فى الأقاليم ، وان يمنح الدستور نفسه أجازة يقضيها في درج من الأدراج .
    لیصدقنى رئيس الوزراء ان وقته أنفس من أن يضيع فى هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر ، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور . فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء . ولست أطلب إليه إلا شيئا واحدا ، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين .
    شيء واحد هو الذى أطلبه لا أطلب معه شيئا آخر وهو يبتسم صدقى باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا فى أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين .
    طه حسین 
    البلاغ ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦ .

    المولد
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئا … والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام .
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضاً هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف . لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهذه الهيئة …
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرا ونكرا وهولا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع .
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضى حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أمانى تداعب النفوس فتملأها رضى وابتهاجا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه ، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة .
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضا . أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوى حتي يعطى النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم ، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد أنشاؤها يتم حتى شبت الحرب فى أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس فى غير اكتراث ، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبا مباحا للأقوياء . ويكفى أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا فى الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة ، غرباء فى غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء . وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقى إليه بالها .
    ***
    ويكفى أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعواما متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس فى حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار . وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغى الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئا ولا تستطيع أن تصنع شيئا ، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء .
    ***
    وهى على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويا . فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدا . فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه ، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف ، فالفرنسيون يشكون فى الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين . والأمريكيون يشكون فى أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير . وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس . فلم تصنع مما أنشئت له شيئا .
    وما أكثر ما أنفقت الأمم فى سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهى الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدا وتدبر غدا لتقبل بعد غد . ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة فى أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك .
    فأما العدل الشامل الكامل الذى لا يفرق بين قوى وضعيف فما زال أملا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب . وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبا حقا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير . واليوم يحتفل المسلمون فى أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيما ، قد مات أبوه قبل مولده ، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر ، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره .
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئا لأنه فعل أو قال . ولا لأنه غدا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق . ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها . وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلا جلدا قادرا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء .
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أى قوة ومضاء أى مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كراما تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم فى الأمل . ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنا ورضى وإيمانا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار فى أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير .
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة فى بعضها ولا تمضى عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوا فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وكانوا يعيشون فى جهالة جهلاء ، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها ، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونوراً … وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن فى التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضى الله عنهم إلا إذا أقاموها علي العدل الذى لا يمتاز فيه قوى من ضعيف ولا غنى من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوى بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف .
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور فى جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام .
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانا بعد أن ملئت نكراً وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلا بعد أن ملئت جورا .
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيما فأواه وضالا فهداه وعائلا فأغناه . ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقا جديدا .
    ما أعظم الفرق بين المولد الذى احتفل العالم به فى أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئاً والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائما ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحا وممسيا ويقظان ونائما ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه الأقوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا .
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها فى هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأى والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغى أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذى أو يشين .
    طه حسین
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥ .